1 – الجذور التاريخية للنظرية:

 تعود هذه النظرية بشكل أساسي إلى عصر النهضة الأوروبية وبالتحديد القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، إذ بلور عدد من المفكرين الأوروبيين كثيرا من المبادئ التي تحدت الأفكار السلطوية التي سادت حتى بداية النهضة الأوروبية، وكان من أبرزهم المفكر الانجليزي جون ميرتون الذي كتب عام 1664 يقول:” إن حرية النشر بأي واسطة، ومن قبل أي شخص، مهما كان اتجاهه الفكري حق من الحقوق الطبيعية لجميع البشر، ولا نستطيع أن نقلل من حرية النشر بأي شكل وتحت أي عذر “.

– أما جون لوك فقد عرف الحرية بأنها ” الحق في فعل أي شيء تسمح به القوانين “.

وكان لوك قد قدم إلى البرلمان الانجليزي عام 1665 بيان هاجم فيه تقييد حرية الصحافة، واضطر البرلمان في ذلك الوقت إلى إلغاء قانونه بفرض الرقابة الوقائية على الصحف.

ولم يتحقق الانتصار الأول للنظرية الليبرالية على النظرية السلطوية إلا خلال القرن الثامن عشر حين أصدر البرلمان البريطاني قرارا أكد على حضر أية رقابة مسبقة على النشر، كما أباح للأفراد إصدار الصحف من دون الحصول على ترخيص من السلطة. وقد جاء هذا التعاون نتيجة لأفكار المفكر الانجليزي بلاكستون الذي أكد أن حرية الصحافة ضرورية لوجود الدولة الحرة، وذلك يتطلب عدم وجود رقابة مسبقة على النشر، ولكن يمكن أن يتعرض الصحفي للعقاب بعد النشر إذا تضمن هذا النشر جريمة، و:ل إنسان حر أن ينشر ما يشاء على الجمهور، ومنع ذلك يعد تدميرا لحرية الصحافة.

– أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد جاء الدستور الأمريكي ليحضر بشكل كامل تدخل الدولة في مجال حرية الصحافة إذ نص على أنه يحضر على الكونغرس أن يصدر أي قانون يقيد حرية التعبير والصحافة.

وعموما فإن ظهور نظرية الحرية هذه كان نتاج ثلاث عوامل رئيسية هي:

  • العامل السياسي: الذي جعل من قضية حرية الصحافة مشكل سياسي بالدرجة الأولى لارتباط وسيلة الإعلام (الصحافة) للتعبير عن الرأي العام الذي قد يتناقض مع سياسة الحكام.

 

  • العامل الفلسفي: كانت الفلسفة تربة خصبة لظهور نظرية حرية الإعلام، في أحضان الفلسفة وجدت الحرية ملجأها و مربيا نصوحا لنشاطها ولفطامها، وقد كان الحكام الأوروبيون في القرن الأول في العصر الحديث يخافون من حرية الطبع والنشر كما ذكرنا، وكان موقفهم هذا يجعلهم في حالة يصطدمون بالكتاب والفلاسفة الذين هم أكثر لجوءا إلى فوائد المطبعة والنشر، وعلى هذا الأساس توجهت جهودهم إلى المطالبة بحرية الطبع والنشر، وأظهروا استيائهم من الإجراءات التي كان الحكام يتخذونها ضد حرية التعبير، بما في ذلك الصحافة، وألفوا كتبا ومقالات تتضمن هذه المطالب، وتطبع وتنشر بصفة سرية، ففي سنة 1644 وجه الفيلسوف الشاعر الانجليزي ميرتون نداء حار يطالب فيه بحرية التعبير، وصار هذا النداء بعد ذلك مرجعا لكل الفلاسفة والسياسيين، وكان له بذلك أثر كبير على الأوساط المختلفة التي كان يتكون منها المجتمع الانجليزي.
  • العامل الاقتصادي: إن العامل الاقتصادي يلعب دورا كبيرا في تحقيق نظرية حرية الإعلام، إذ كانت النهضة الاقتصادية التي عرفتها انجلترا في القرنين الثامن والتاسع عشر مثالا حيا لفائدة الحرية في المجتمع، كما كان يطالب بذلك الفلاسفة، والمعلوم أن النهضة الاقتصادية انطلقت من لآراء ريكاردو الذي يقول أن حرية العمل شرط أساسي لازدهار النشاط الاقتصادي في المجتمع.

وبالتالي فحرية العمل مرتبطة بحرية التعبير وخصوصا بحرية الصحافة، وهو ما كان بالفعل حيث عرفت أوروبا في بداية القرن التاسع عشر ازدهار ا كبيرا في ميدان الصحافة باعتبارها نشاط اقتصاديا حيويا خصوصا مع تطور الطباعة و النشر.

2 – مبادئ وأسس نظرية الحرية: 

لقد حدد المفكر الإعلامي السويدي دينيس ماكويل العناصر الرئيسية لنظرية الحرية فيما يلي:

  • إن النشر يجب أن يتحرر من أية رقابة مسبقة.
  • إن مجال النشر و التوزيع يجب أن يكون مفتوحا لأي شخص أو جماعة من دون الحصول علي رخصة مسبقة من الحكومة.
  • إن النقد الموجه لأية حكومة أو حزب سياسي أو مسؤول رسمي يجب ألا يكون محلا للعقاب حتى بعد النشر.
  • ألا يكون هناك أي نوع من الإكراه أو الإلزام بالنسبة للصحفي.
  • عدم وجود أي نوع من القيود علي جميع المعلومات ونشرها بالوسائل القانونية.
  • يجب أن يتمتع الصحفيون بالاستقلال المهني داخل مؤسساتهم الصحفية.
  • أهداف الإعلام في هذه النظرية الإخبار و الترفيه والترويج لبيع السلع وأيضا المشاركة في اكتشاف الحقيقة و ومراقبة أنشطة الحكومة.
  • تحرم التشهير والإخلال بالقيم الأخلاقية السائدة والأنشطة التخريبية في زمن الحرب.

لقد أسهمت كل هذه المبادئ في تحرير الصحافة من سيطرة الدولة  وحررتها من الكثير من القيود التي كانت مفروضة عليها من طرف السلطة واستطاعت دول الشمال ( أوربا الولايات المتحدة الأمريكية ) أن تتمتع  خلال القرن التاسع عشر و حتى منتصف القرن العشرين بقدر كبير من التعددية  و التنوع في مجال الصحافة  و استطاعت بذلك أن تدير في هذه المجتمعات مناقشات حرة بين كافة الاتجاهات  السياسية وأن تنقل هذه المناقشات  إلي الجماهير وهو ما أسهم كثيرا  في تقدم هذه المجتمعات وزيادة حيويتها .

3 – النظام الإعلامي الحر ( الليبرالي ):

  إن النظام الإعلامي الليبيرالي في الحقيقة هو نمط الإعلام كأداة للرقابة على السلطة  وهذا الدور الرقابي للإعلام على السلطة ارتبط  بانتصار الليبرالية كفلسفة وأسلوب حياة في غرب أوربا و في الولايات المتحدة الأمريكية لم يتحقق مرة واحدة وإنما نما وتطور حسب تطور مسار الصراع الاجتماعي  والسياسي لصالح الليبرالية في المجتمع الغربي ثم في غيره من مناطق العالم طوال القرنين التاسع عشر والعشرين .

والنظام الإعلامي الحر شأنه شأن الفلسفة الليبرالية يدين لأفكار وفلسفات العديد من المفكرين والكتاب مثل ( ج. ج. روسو، مونتسكيو و فولتير من فرنسا، جون استيوارت مل و جون لوك من انجلترا، جون ميلتون و توكفيل من الولايات المتحدة الأمريكية ) وغيرهم.

ويقوم النظام الإعلامي الليبرالي على عدة مبادئ نذكر منها:

  • حق المواطن في أن يعرف حق طبيعي، وكي يمارس المواطن هذا الحق الطبيعي لابد لوسائل الإعلام أن تتمتع بحريتها كاملة دون أية قيود تأتي من خارجها.
  • إن احتكار المعرفة في وسيلة إعلام واحدة أو في عدة وسائل ذات اتجاه واحد يؤدي بالضرورة إلى تحريف الحقائق وتشويشها، في حين أن تعدد مصادر المعرفة بتعدد وسائل الإعلام ذات الاتجاهات المتباينة كفيل بالكشف عن أي تحريف أو تلوين للحقائق.
  • لأي مواطن أو جماعة الحق في إصدار ما تشاء من وسائل الإعلام ما دامت قادرة على ذلك، دون الحاجة لربط هذا الحق بتصريح من السلطة الحاكمة.
  • حق المواطن في التعبير عن رأيه عن طريق إصدار وسائل الإعلام أو العمل فيها لا يتحقق إذا فرض على هذه الوسائل أي لون من ألوان الرقابة وأن أي تجاوز تقع فيه وسائل الإعلام هو من شأن القضاء وحده.

4 – نماذج عن النظام الإعلامي الليبرالي:

– في فرنسا: لم تنل الصحافة حريتها إلا في نهاية القرن الثامن عشر بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789 حين ظهر العديد من الصحف التي لم تخضع لأي رقابة حكومية، ثم تأكدت حرية الصحافة الفرنسية بعد إعلان الثورة، لحقوق الإنسان في 17 جويلية 1789 حيث نص هذا الإعلان على مبدأ حرية الصحافة، لكن لم تلبث أن فقدت الصحافة الفرنسية هذه الحرية في عهد الإرهاب و في ظل حكومة الإدارة ثم في عهد الإمبراطورية، حتى وبعد عودت الملكية عقب سقوط بونابارت، وقد ظلت الصحافة الفرنسية تعمل لاستعادة حريتها قرابة خمس وستين عاما حتى نجحت في ذلك بصدور قانون 9 جوان 1881 الذي جاء بنظام شامل للطباعة والصحافة، وأبرز ما فيه حماية حرية النشر والتعبير الصحفي، كما أنه يحرم على السلطات الحكومية استعمال أية أساليب تحول دون تمتع الصحف بحريتها، ولم يضع على الصحف أي نوع من أنواع الرقابة إلا فيما يتعلق بالأمور العسكرية.

في الولايات المتحدة الأمريكية: لقد تمتعت الصحافة في الولايات المتحدة الأمريكية بحرية نسبية منذ استقلالها وهو ما يظهر جليا في البند 12 من التصريح بالحقوق لدولة فرجينيا الذي وضع سنة 1776 الذي يقول:” إن حرية الصحافة حصن منيع للحرية ولا يضطهدها إلا الحكم المستبد…”

ثم تدعمت هذه الحرية بموجب التعديل الدستوري لعام 1791 مما أتاح للصحافة الأمريكية إمكانية لعب دورها كأداة للرقابة على أعمال السلطة.

– أما الإعلام الإذاعي والتلفزيوني فقد نشأ في دول غرب أوروبا الليبرالية وفي الولايات المتحدة الأمريكية في وقت كانت فيه الصحافة المكتوبة قد حققت شوطا طويلا في الحصول على حريتها لذلك فقد تمتع الإعلام الإذاعي والتلفزيوني في غالبية دول غرب أوروبا بحرية كبيرة بعيدا عن الرقابة من السلطة ومحاسبتها، حدث ذلك رغم أن ملكية الخدمات الإذاعية والتلفزيونية ظلت في عدد من دول غرب أوروبا ملكية عامة مثل ( فرنسا، انجلترا ) لم تسمح هذه الدول بالملكية الخاصة للإعلام الإذاعي والتلفزيوني عكس الولايات المتحدة الأمريكية إلا مع بداية السبعينات من القرن العشرين، ولكن هنا لابد أن نشير أن هذه الدول تأخذ بفكرة الفصل بين ملكية الدولة للخدمات الإذاعية والتلفزيونية وبين سيطرة الدولة على هذه الخدمات.

5 – نقد النظرية الحرية ( نظرية الليبرالية ):

 بالرغم أن الفلسفة الليبرالية الإعلامية كانت مبنية على حق كل فرد في الحصول على المعلومة من مصدرها بحرية، وحقه في توصيل آرائه إلى الآخرين إيمانا بأن النظام الإعلامي الليبرالي يمثل سوق حرة للأفكار، إلا أن السؤال الجوهري الذي واجه فلاسفة هذه النظرية هو: ما هي حدود الحرية في ظل مجتمع ديمقراطي يرفض انتهاك الأفكار والمبادئ الليبرالية؟ أو كيف يحافظ الغرب على المبدأين الأساسيين لمفهوم حرية وسائل الإعلام وهما:

أولا منع التدخل الحكومي أيا كان شكله وفي الوقت نفسه المحافظة على حماية المجتمع من هذه الحرية.

والثاني هو أن يكون القضاء هو صاحب السلطة في رقابة الإعلام دون أن يسمح القانون بإنقاص الحرية الممنوحة للإعلام.

هذا السؤال فتح الباب على مصرعيه للكثير من الانتقادات التي وجهت إلى هذه النظرية، خصوصا من طرف أنصار المذهب الماركسي وهذا طبعا بعد التطبيقات الفعلية للنظام الإعلامي الليبرالي في أرض الواقع قبل وبعد الحربين العالميتين، ومن جملة هذه الانتقادات نذكر مايلي:

1 – تحول الإعلام إلى مجرد دعاية ومزايدات دعائية وهو ما أكدته الحرب العالمية الثانية، أين كان الصراع بين الدول والعداء الأيديولوجي الحاد من أجل السيطرة والهيمنة، وهو الأمر نفسه الذي تكرر فيما بعد أثناء الحرب الباردة.

2 – الممارسة الإعلامية تحت شعار الحرية أصبحت تعرض الأخلاق العامة للخطر.

3 – اقتحام وسائل الإعلام لحيات الأفراد الخاصة دون مبرر، وهذا طبعا تحت غطاء (حرية الإعلام والتعبير).

4 – انتشار الصحافة وتحولها إلى مؤسسات ضخمة تسيطر عليها مجموعات مالية واقتصادية عملاقة، أدى إلى تآكل النافسة الحرة وتقوية الاتجاه المتحرك نحو التحكم في الإنتاج الصحفي. أي أن الإعلام أصبح يحقق أهداف الأشخاص الذين يملكون المؤسسات الإعلامية على حساب مصالح المجتمع.

5 – بخضوع وسائل الإعلام إلى سيطرة أصحاب النفوذ المادية أصبح تدخل المعلنين مشروعا في السياسات التحريرية للصحف والوسائل الإعلامية.

6 – مبالغة وسائل الإعلام في الأمور التافهة من اجل الإثارة وتسويق المادة الإعلامية الرخيصة (هدف الإعلام اقتصادي هو تحقيق الربح).

إشكالية الحرية في مشروع قانون الصحافة بالمغرب نودذجا

مقدمة في السياق العام

هل يمكن الحديث عن مجتمع ديمقراطي في غياب حرية الإعلام؟ هل يمكن تصوُّر ديمقراطية ما دون توافر وسائل إعلام حرة؟ هل وجود إعلام حرٍّ دليل ديمقراطية؟

قد لا تقتصر الاستفهامات على هذه الأسئلة الثلاثة؛ بل قد تتعدَّد وتتفرَّع حسب زاوية النظر وطبيعة المقاربة المراد اعتمادها، وسواء اكتفينا بما قدَّمناه من أسئلة، أو وسَّعنا مجال التساؤل إلى ما سواها، فإن الثابت -بالدراسات النظرية وبملاحظة واقع الحال على الأرض- أنه من المتعذَّر حقًّا -ربما لدرجة الاستحالة- الحديث عن ديمقراطية أو عن مسلسل ديمقراطي، دون وجود إعلام حرٍّ ومستقلٍّ؛ إذ إن حرية الإعلام واستقلالية الإعلاميين، لازمة ضرورية لأي تطور ديمقراطي، لا بل إن هذه الحرية إنما تُعتبر مقياس ومؤشر مستوى دَمَقْرَطَة هذا البلد أو ذاك.

ثم إن الإعلام هو انعكاس للحركية الديمقراطية التي تموج بداخل المجتمع، التي من شأنها -إن تسنَّى لها أن تحترم حرية التفكير والرأي والتعبير- أن تُفرز خيارات سياسية بهذه الوجهة أو تلك، فيكون الإعلام بذلك فاعلًا إذا لم يكن سياسيًّا مباشرًا(1)، فعلى الأقل فاعلًا مؤثِّرًا في بناء أو إعادة بناء الفضاء العامِّ، من خلال تزويد المواطنين بالمعلومات والمعطيات الأساسية للنقاش العمومي، ومواكبة ذات النقاش في الزمن والمكان.

لذلك فعندما يُطالب الجسم الإعلامي (إعلاميون ومقاولات إعلامية على حدٍّ سواء) بضرورة تكريس الحق في الإعلام، وإخراج قوانين لضمان الحق في النفاذ إلى المعلومات، والحرية في نقل الأخبار وتزويد الجمهور بها، فإنهم هنا إنما يُطالبون بتوفير مناخ من الحرية للفعل الإعلامي، وخلق مسالك تفاعله مع المجتمع أخذًا وعطاءً؛ بيد أن المطالبة بتوفير هذا المناخ -تشريعًا وممارسةً- لا يمكن بالمقابل أن تقوم أو تستقيم إذا لم تترافق بمجموعة واجبات ومبادئ وقواعد لا يمكن للإعلامي أن يتجاوزها أو يتجاوز عليها، وهي التي تعبِّر عنها الأدبيات الرائجة بميثاق شرف المهنة أو أخلاقيات المهنة؛ بالتالي فإن مسألة المعايير المهنية إنما هي عنصر جوهري، لا بل رافد أساس لمسألة حرية الإعلام.

إذا لم يستحضر المرء هذا البُعْد (بُعْد المزاوجة بين الحرية والمهنية)، فكيف له أن يُبَرِّر سلوك إعلامي يطالب بالحرية في الإعلام وبالحق في ممارسته دون إكراهات، وهو لا يقدِّم لجمهوره معلومات دقيقة، بمواصفات مهنية محدَّدة، ودون استسلام أو انجرار خلف الإشاعة أو المزايدة أو الدوس على حرية وحقوق الآخرين؟

الرقابة الذاتية (الملمح إليها هنا) ليست -كما قد يبدو الأمر لأول وهلة- تحجيمًا لحرية التعبير، ولا عائقًا بوجه ممارسة حقٍّ ما في الإعلام (ولا عيبًا في حدِّ ذاتها حتى)؛ بل هي تعبير عن استبطان واعٍ من لدن الإعلامي لوظيفته، وامتثاله لأخلاقياتها، واقتناعه بأن حرية الإعلام ليست “شأنًا” مطلقًا؛ بل هي “شأن عامٌّ” محكوم بسياق ومؤطَّر بمتاريس ومحاذير.

لذلك نلاحظ أنه حتى في الدول المتقدمة؛ حيث تُصَنَّف حرية التعبير ضمن الحقوق الأساسية “الأصيلة”، فإن حرية الإعلام ليست “شأنًا” مطلقًا؛ بل هي “شأن عامٌّ”، على الإعلامي من بين ظهرانيِّها أن يتقيَّد بأخلاقيات مهنية محدَّدة ومضبوطة، ضمانًا ليس فقط لحرية المجال الذي يشتغل في ظلِّه؛ بل -أيضًا- حفاظًا على حرية التعبير، التي تتعثَّر في غيابها أو في الارتداد عنها كلُّ آليات ومفاصل العملية الإعلامية (ومفاصل الديمقراطية الناظمة لها ولما سواها من عمليات).

ومع أن حرية التعبير لا تعدو في حدِّ ذاتها كونها حقًّا أساسيًّا ضمن باقي حقوق الإنسان (وفي قول بعضهم: لا تعدو كونها حقًّا “ثانويًّا”)، فإن خاصيتها الفريدة أنها عنصر أساس لتجسيد وترجمة وضمان باقي الحقوق والحريات؛ إذ لو كان لمجتمع ما أن يقطع مثلًا مع ممارسات انتهاك حقوق الإنسان (على الأقل بجانب احترام الحق في الحياة والعيش الكريم)، فإن حرية التعبير هي إحدى أدوات ذلك، إذا لم يكن بزاوية القطع مع نهج هذه الممارسات، فعلى الأقل بجانب فضحها كأسلوب وسلوك، والتشهير بالذين يثوون خلفها أفرادًا كانوا أو مؤسسات. ثم إن حرية التعبير، وضمنها حتمًا حرية الإعلام، لا تعتبر فقط -في ظل مجتمع ديمقراطي، أو ينشد الديمقراطية كأفق- عضد الحرية وركيزتها؛ بل هي عمودها الفقري، سواء تعلَّق الأمر بحرية التعبير عن الآراء المقبولة وغير “الخادشة” للحياء العام، أو بتلك التي قد تذهب إلى حدِّ الاصطدام مع المتلقي، أو التعارض مع مواقفه وقيمه وتمثلاته(2).

وهو أمرٌ (أقصد: أمر الاصطدام والتعارض) قد لا يتساوق دائمًا مع ثقافة هذه الدولة المتطلعة إلى الديمقراطية أو تلك، وقد لا يساير بناءها التدريجي لهذه الأخيرة؛ لكنه قول مثالي خالص، تنصح به العديد من المنظمات الدولية والإقليمية، ليس فقط طموحًا يستحقُّ الصبر والمثابرة؛ بل -أيضًا- غاية لا مندوحة لأية ديمقراطية، أو مسلسل ديمقراطي، عن سلوك سبيلها في الحال كما في المآل.

إن توافر إعلام حرٍّ ومستقل، لا يعتبر (مرة أخرى) رافدًا لحرية التعبير فحسب؛ بل هو الذي يُجسِّد هذه الأخيرة، يترجمها ويُعبِّر عنها في الزمن والمكان؛ لذلك فهي هنا إنما تستوجب حماية خاصة وحضانة مستمرِّة، درءًا لكل خطر قد يُداهمها، وتجنُّبًا لكل انزلاق قد يطولها؛ بيد أن هذه المسلَّمَة لا يجب أن تبقى دون ترسيم للحدود (أعني حدود هذه الحرية)، لاسيما فيما يتعلَّق باحترام حرمة الآخرين وخصوصيتهم وحقوقهم، أحياء كانوا أم ميتين؛ لكن ذلك الترسيم لا يجب في المقابل أن يضيِّق من مجال فعل الممارسة الإعلامية؛ بل يجب أن يقتصر على رسم الإطار القانوني العمودي العام، وترك التنظيم الأفقي للفاعلين بالسوق؛ أي للإعلاميين أنفسهم؛ إذ المفروض في السلطات العمومية ألا تحدَّ باللوائح والتشريعات من حرية التعبير، ومن ثَمَّ من حرية الإعلام، إلا بمقدار محدَّد بدقَّة، غير قابل للتأويل أو للتمطيط؛ فإذا ما تمَّ هذا التحديد بصيغ هلامية وعامَّة من لدن المشرع، فإن من شأن ذلك أن يُخضعه للتأويل، فيسقط الفعل الإعلامي تلقائيًّا -نتيجة لذلك- تحت رحمة السلطة أو تحت طائلة اجتهاد القضاء.

صحيح أن القضاء لا ينطق إلا بما تضعه القوانين وتسنُّه التشريعات؛ لكنه قد لا يجد غضاضة في إعمال مبدأ “الاجتهاد” عندما تكون ذات النصوص والتشريعات غير دقيقة، وغير محدَّدة، وتُحيل على اصطلاحات هلامية من قبيل “القيم المقدسة للبلاد”، أو “الحياء العام”، أو “النظام العام”، أو ما سواها، فيقضي بسجن هذا الصحفي أو تغريم تلك المؤسسة بجريرة نصٍّ ناقص أو “جريمة” غير مكتملة الأركان.

في سياق حرية الإعلام بالمغرب

لا يستطيع المرء الادعاء بأن المغرب قد تخلَّف كثيرًا عن إدراك حقيقة أن البناء الديمقراطي لا يمكن أن يقوم ويتقوى إلا بتوفر مناخ من حرية التعبير؛ ومن ثمة من حرية الإعلام. على العكس من ذلك، فقد تم استحضار هذا البعد في مختلف النصوص التأسيسية الكبرى منذ دستور المغرب المستقل لعام 1962، وإلى حدود دستور عام 2011؛ بيد أن الممارسة على الأرض لم تكن دائمًا في مستوى ما بشَّرت به الدساتير أو سنَّته اللوائح والقوانين والتشريعات.

ومعنى هذا أنه بجلِّ قوانين الصحافة التي سنَّها المغرب؛ ابتداء من قانون عام 1958 وإلى حين تقديم مشروع مدونة الصحافة والنشر الحالي، مرورًا بقانون عام 2002، لم تتم الإشارة إلى مسألة حرية الإعلام إلا في ديباجة هذا القانون أو ذاك، وفيما سوى ذلك لم يخرج المشرِّع وبجل هذه القوانين، عن فلسفة سنِّ وتشديد العقوبات السالبة للحريات الإعلامية، من سجن للإعلاميين، ومصادرة للمنشورات، ومتابعات بالغرامات، وما سوى ذلك.

التشريع هنا لم يمنح السلطات العمومية صلاحيات كبرى لمراقبة وممارسة الرقابة على المطبوعات الإعلامية (وعلى الإذاعة والتلفزيون أيضًا)؛ بل أطلق يد القضاء -أيضًا- لتأويل “التجاوزات”، وتصنيفها ضمن التهم والجرائم التي تستوجب السجن(3)، أو المصادرة، أو منع هذا الصحفي أو ذاك من الكتابة(4).

وعلى الرغم من أن الفصل التاسع من دستور عام 2006، آخر دساتير ما قبل انتفاضة 20 فبراير/شباط من عام 2011 (وهي الصيغة المغربية للحراك العربي)، أكَّد حرية الرأي والتعبير بكل أنواعها وأشكالها؛ فإن القوانين التي سبقته أو رافقته، بقيت “وفية” لمنظومة العقاب التي قد تطول هذا الإعلامي أو ذاك (هذا المنشور أو ذاك) بمجرد تجاوزه لـ”الخطوط الحمر” القائمة، أو بمجرَّد تظلم هذا الطرف النافذ أو ذاك لدى الجهات القضائية. هي عقوبات مسطرة في القوانين ذات التطبيق العام، من قبيل القانون الجنائي تحديدًا؛ لكن إعادة تسطيرها وتأكيدها في القوانين الخاصة بالإعلام، إنما مردُّه التذكير من باب التحذير، بما هو مادة للمنع والمتابعة، لاسيما فيما يتعلَّق بالتشهير والتشنيع.

ومع أن العديد من التجارب الأجنبية لا يعتد بالتشهير مثلًا، ولا يأخذ به كـ”جريمة” تستوجب عقوبة سالبة للحرية، ما دام أن العقوبات المدنية كافية لردع المشاكل المترتبة عن التشهير؛ فإن المغرب لم يأخذ بها، وأبقى عليها ضمن الجرائم التي تستوجب المساءلة بمنطوق قانون الإعلام والقانون الجنائي.

كما نرى أن قوانين الصحافة منحت السلطات الإدارية العمومية صلاحيات واسعة لمنع ومصادرة منشور ما وإتلافه، إما بمسوغ “مقبول”، أو بخلفيات سياسية، تكون الغاية منها “تصفية الحساب” مع هذه الجهة أو تلك، أو من باب كسر جرأة هذا المنبر أو ذاك(5).

حتى إن سلكت السلطات الإدارية في ذلك سلوكًا مسطريًّا سويًّا باللجوء إلى القضاء لاستصدار قرار مستعجل بالمنع أو المصادرة، فإن القضاء ذاته غالبًا ما تتساوق أحكامه مع ما تريده السلطات ذاتها وترتضيه؛ حتى إن تسنى له (استثناء) إنصاف هذا المنبر أو ذاك، فإن ذلك يأتي متأخرًا؛ وللإيهام بأن القضاء سلطة مستقلة، في حين أن الثابت حقًّا أن القضاء مستوى تابع في الغالب الأعم، وليس “متبوعًا” إلا في حالات محدودة للغاية.

وعلى هذا الأساس لم تفتأ المنظمات الدولية -كما الوطنية على حدٍّ سواء- تطالب بضرورة إلغاء العقوبات الحبسية في حقِّ الإعلاميين، وتعويض تطبيق بنود القانون الجنائي ببنود القانون المدني، ولم تفتأ -أيضًا- تطالب بشطب بنود المنع والمصادرة والتعليق من قانون الصحافة، وتلحُّ على أنه ليس من حقِّ السلطات الإدارية أو رجال السياسة أو الشرطة، أن يصادروا منشورًا أو يمنعوا مطبوعًا دون إشعار القضاء (على عِلَلِه)، والعمل تحت لوائه.

ثم إن قوانين الصحافة بالمغرب منذ عام 1958 وإلى حين بروز ملامح المشروع الحالي، تعدت العقوبات السالبة للحرية، والمنع والمصادرة (اللذان يُشكِّلان عقوبة سالبة لحرية الممارسة)، إلى التدخل في طبيعة المضامين التي يشتغل عليها الإعلاميون؛ وهي بنود “زجرية”، “اعتباطية” وغير محددة الإطار، لا بل تبدو غير مبررة؛ فعندما ينص قانون الصحافة على ضرورة احتكام الإعلاميين إلى أخلاقيات المهنة، وترويج معلومة بمواصفات معينة، فإن القانون ذاته إنما يتجاوز وظيفته، ويتدخَّل في اعتبارات مهنية ليس له أن يتعرَّض لها أصلًا باعتبارها من مجال المهنة لا من مجاله.

يطرح الإشكال ذاته فيما يتعلَّق بالمعلومات غير الصحيحة؛ إذ لا يعتبر ترويجها من لدن الإعلام (في البلدان الديمقراطية) “مسًّا بالسلم العمومي”، يستوجب منع المنشور الذي تداولها من لدن السلطات العمومية أو القضاء؛ بل هو من صميم أخلاقيات المهنة التي لها أن تبت في “النازلة”؛ ثم إن قوانين الصحافة (قوانين ما قبل المشروع الحالي) تشارف على تجريم التعرُّض بالتشهير للشخصيات العمومية (بالتأويل الإداري أو القضائي تحديدًا)، فتمنح لهم “حماية خاصة” ضد ذلك، في حين أن المفروض ألا يتم منحهم هذه الحماية، باعتبارهم مؤتمنين على المال العام، وعرضة للنقد والمراقبة والمحاسبة من لدن جهات عدَّة، ومن ضمنها الإعلام.

بامتداد لذلك، وفي غياب قانون يضمن الحق في الولوج إلى المعلومة، فإن الإعلاميين قد يروِّجوا لأخبار قد تكون حقيقية وفق هذا المصدر أو ذاك؛ لكنها صعبة الإثبات في حال تعذُّر الحصول على المعلومات من مصدرها الأصيل، أي من أروقة هذه المؤسسة مثار “الشبهة”.

لذلك نجد أن العديد من الشخصيات العمومية غالبًا ما تلجأ للمحاكم بغاية “الإنصاف” ضد ما يعتبرونه تشهيرًا، فيستصدروا أحكامًا قاسية في حقِّ إعلاميين لا سبيل لديهم لإثبات صحة المعلومة المروَّجة، ما دام أن القانون لا يمنحهم حقَّ الحصول عليها من المصدر، ولا صلاحية للمحاكم، والحالة هاته، أن يجبروا المدعى عليه باستخراج الوثيقة، ما دام الأمر ليس موضوع الدعوى المرفوعة.

هل تجاوز منطوق المشروع الحالي القوانين التي تحدُّ من الحريات الإعلامية؟

قد يكون الجواب -في هذه الحالة- سابقًا لأوانه؛ إذ إن قانون الصحافة والنشر المتحدَّث عنه هنا لا يزال مجرَّد مشروع حكومي؛ أي إنه لم يخضع بعدُ للمناقشة بالبرلمان، بغرض تنقيحه أو تغيير بعض مضامينه بالحذف أو الإضافة أو التدقيق؛ بيد أن ارتكاز المشروع ذاته على بنود الدستور الجديد (دستور عام 2011) والتزام الحكومة -المترتبة عن ذات الدستور- بحرية الرأي والتعبير، يشيان بالتوجه العام الذي ستسير في إطاره الحريات الإعلامية.

أ‌- التأطير الدستوري لحرية الإعلام
ليس ثمة من شك في أن دستور عام 2011 قد أفرد إطارًا “متقدِّمًا” فيما يخصُّ الدفع بحرية الإعلام، ليس فقط على مستوى الديباجة والبنود التصديرية المحيلة على احترام المغرب لحقوق الإنسان؛ ولكن -أيضًا- على مستوى التنصيص على مركزية حرية الإعلام في العمران المؤسساتي الجديد.

يؤكد الدستور في الفصل 28 أن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة. للجميع الحق في التعبير ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية ومن غير قيد، عدا ما ينصُّ عليه القانون صراحة…”. ويقرُّ في الفصل 25 بـأن “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها”. ويذكر -في الفصل 27 بخصوص الحقِّ في الولوج إلى المعلومات- أن “للمواطنات والمواطنين حقَّ الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. لا يمكن تقييد الحقِّ في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلَّق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة”(6).

بالارتكاز على هذه التوجهات الكبرى، التزمت حكومة ما بعد دستور عام 2011، في تصريحاتها المتتالية وبالمشروع الذي نحن بإزائه هنا على وجه الخصوص، بـ”تحسين قانون الصحافة وإدماج النصوص المتعلقة بالصحافة والنشر في نص واحد، وضمان حرية الرأي والتعبير، والحق في المعلومات، وممارسة هذه الحرية في إطار المسؤولية واحترام القوانين المعمول بها، وكذا بنود الدستور الجديد”(7).

لذلك عندما عمدت وزارة الاتصال (صاحبة الوصاية على القطاع)، إلى صياغة قانون جديد للصحافة والنشر؛ فإنها استحضرت ضرورة تضمينه المعطيات الكبرى التالية:

  • احترام سمو القوانين المنظمة لقطاع الصحافة والنشر.
  • ضمان الحقِّ في النفاذ إلى المعلومات ذات الطابع العمومي.
  • تسهيل التنظيم الذاتي للفاعلين بالقطاع.
  • تحديد علاقة القطاع بالقضاء.

ب‌- محاور مشروع قانون الصحافة والنشر
لا يسمح المجال هنا باستعراض كل البنود التي تضمنها مشروع قانون الصحافة والنشر بالمغرب(8)؛ لكنه بالإمكان إبراز المحاور الكبرى التي راهن، ولا يزال يراهن عليها ما دام أن المشروع لم يُعتَمَد بعدُ في صيغته النهائية:

  • أولًا: إدماج النصوص المتعلقة بالصحافة والنشر في قانون واحد، يتضمن قانون الصحافة وهوية الصحفي المهني، وقانون المجلس الوطني للإعلام، وقانون الصحافة الإلكترونية.
    الأساسي في هذا الإدماج هو تضمين قانون الصحافة لبنود تكفل توسيع ضمانات ممارسة مهنة الصحافة، لاسيما إلغاء العقوبات السالبة للحرية، من خلال تقوية دور القضاء ومراجعة نظام العقوبات والمتابعات في القضايا المرتبطة بالتشهير.
  • ثانيًا: تضمين قانون الصحافة والنشر بنودًا تضمن الحقَّ في النفاذ إلى المعلومات العمومية، مع تحديد آجال معالجة الطلبات والجهات المسؤولة والاستثناءات الواردة ومسائل التظلم، في حالة لم تحترم هذه الجهة أو تلك هذه البنود.
  • ثالثًا: التزام السلطات العمومية بضمان استقلالية وسائل الإعلام، لاسيما وسائل الإعلام العمومية وتوسيع هامش الفاعلين بها.
  • رابعًا: وضع الإطار العام لممارسة الصحافة الإلكترونية مع صياغة قانون شامل يضع الإطار القانوني لحرية الصحافة الإلكترونية.
  • خامسًا: الارتكان في المنازعات إلى قانون الصحافة والنشر دون سواه من قوانين، لاسيما القانون الجنائي.
  • سادسًا: إنشاء مجلس وطني للإعلام يكون من شأنه السهر على احترام أخلاقيات المهنة، والبت في المنازعات ما بين مكونات الحقل الإعلامي، أو فيما بين وسائل الإعلام وبين الأفراد.

ج‌- حذف العقوبات الحبسية وتشديد الغرامات
لدى تصفحنا لمواد وبنود مشروع قانون الصحافة والنشر، نلاحظ معاودة التذكير (في المادتين 3 و4) بالتنصيص الواضح للدستور على حرية الصحافة، وحق الأفراد والجماعات في التعبير والنشر، وفي الولوج إلى مصادر الخبر والمعلومات، لاسيما المتوفرة لدى الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بالمرفق العام.

لا ينص القانون جهارة على حذف العقوبات السالبة للحرية؛ لكن عدم التعرض لها أو الإتيان على ذكرها، يفيد قطعًا بأنها لم تعد واردة لا بالجملة ولا بالتفصيل في مجال الصحافة والنشر؛ بيد أن ما سوى ذلك لم يتغير كثيرًا، لاسيما فيما يخصُّ الحجز والتغريم والمصادرة وغيرها.

تقول المادة 76 من مشروع القانون ما معناه: يتم الحجز وفق المادة 31، إذا تضمنت إحدى المطبوعات إساءة للدين الإسلامي، أو للاحترام والتوقير الواجبين لشخص الملك وأصحاب السمو الملكي والأمراء والأميرات، أو التحريض على الوحدة الترابية.

كما يعاقب القانون (في المادة 77) بغرامة من 20 ألف درهم إلى 200 ألف درهم، كل مَنْ قام بسوء نية، بنشر أو إذاعة أو نقل نبأ زائف أو ادعاءات أو وقائع غير صحيحة أو مستندات مختلفة، أو مدلس فيها منسوبة للغير، إذا أخلَّت بالنظام العام، أو أثارت الفزع بين الناس، بأية وسيلة من الوسائل… ويعاقب على نفس الأفعال بغرامة من 100 ألف إلى 500 ألف درهم، “إذا كان للنشر أو الإذاعة أو النقل تأثير على انضباط أو معنوية الجيوش”.

بالآن ذاته، تفرض غرامات على كل من تعرض لشخص وكرامة رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية والممثلين الدبلوماسيين أو القنصليين المعتمدين بالبلاد (الفصل 85 و86).

كما يتم تغريم القذف في حق المجالس والهيئات القضائية، أو المحاكم، أو الجيوش أو الهيئات أو الإدارات العمومية، أو في حق وزير أو عدة وزراء من أجل مهامهم. ويسند النظر في المخالفات إلى القضاء الذي من صلاحياته، عندما يصدر الحكم، أن يأمر بنشره أو بثه أو باعتماد أية دعامة أخرى للإخبار به(9).

هل سينجح المشروع الحالي في توسيع هامش الحرية الإعلامية بالمغرب؟

ليس ثمة شك في أن تنصيص قوانين الصحافة السابقة على العقوبات السالبة للحرية في مجال الصحافة والنشر، إنما تعتبر إحدى النقط السوداء التي لطالما ناهضها الإعلاميون ومنظمات المجتمع المدني الوطنية والدولية ذات الصلة، ناهيك عن كونها كانت تضع المغرب في ذيل الترتيب العالمي بمقياس حرية التعبير والرأي والنشر(10).

لذلك، فإن حذفها من مشروع القانون الحالي هو أمر يسير في الاتجاه الصحيح كما يقال، إذا لم يكن بجهة توسيع مجال الفعل الإعلامي، فعلى الأقل لتخليص الإعلاميين من عقوبة مسلطة، أو ملوح بها في وجه كل من تجاوز منطوق قانون الصحافة، والذي تحول حقًّا إلى قانون جنائي خاص بالإعلاميين.

أما ما سوى ذلك، فقد بقي مشروع قانون الصحافة والنشر حمَّالًا للعديد من ملامح القوانين السابقة، بنفس ضبابيتها وهلاميتها:

  • أولًا: في الحجز؛ ينص المشروع الحالي على أن حجز المطبوعات يتم إذا تضمنت هذه الأخيرة “إساءة للدين الإسلامي أو الإساءة للاحترام والتوقير الواجبين لشخص الملك وأصحاب السمو الملكي والأمراء والأميرات أو التحريض على الوحدة الترابية وفقًا لأحكام الدستور”.
    لن يختلف اثنان في هذه النقطة، حول بديهية ضرورة احترام الدين الإسلامي، وشخص الملك والعائلة الملكية والوحدة الترابية وما سواها؛ لكن من ذا الذي من “صلاحياته” تحديد أين تبدأ الإساءة للإسلام وأين تنتهي؟ وهل انتقاد قرار اعتمده الملك، يدخل في باب عدم الاحترام لشخصه، لاسيما أن الملك هو رأس الجهاز التنفيذي؟ ثم هل إبداء رأي بخصوص طريقة تدبير ملف الصحراء يعتبر مسًّا بالوحدة الترابية؟
    إن مسألة تحديد من له “السلطة التقديرية” في ذلك مسألة جوهرية؛ لأنها قد تبدأ بالتقدير المزاجي، ولا تنتهي إلا بالتقدير المحيل على تصفية حساب مع هذا المنبر أو ذاك.
  • ثانيًا: في الغرامات؛ تنص المادة 77 على غرامة تصل إلى 200 ألف درهم على كل من قام بنشر خبر زائف أو ادعاءات أو وقائع غير صحيحة… إذا أخلَّت بالنظام العام… وبغرامة قد تصل إلى 500 ألف درهم إذا كان للنشر أو الإذاعة أو النقل تأثير على انضباط أو معنوية الجيوش(11).
    مصطلح “النظام العام” هنا أيضًا يطرح إشكالًا من ناحية المضمون والمقصد؛ “النظام العام” مفهوم هلامي، غالبًا ما تُؤَوِّلُه وزارة الداخلية بالصيغة التي ترتضيها ووفق حساباتها هي؛ لذلك فإن عدم رسم حدوده بدقة يمنح الإدارة (والقضاء أيضًا) سلط تقديرية قد لا تسير بالضرورة باتجاه احترام حرية الإعلام.
    التساؤل نفسه يطرح فيما يخص انضباط ومعنوية الجيوش؛ إذ هل القول مثلًا من لدن هذا المنبر أو ذاك، بأن فئة من الضباط تقتات على الريع قول مجرَّم، يستوجب متابعة المنبر إياه بغرامة قد يهون أمامها قطع الأعناق؟
  • ثالثًا: في المس بكرامة الآخرين؛ ينص مشروع القانون على غرامة قد تصل إلى 300 ألف درهم، في حال المس بشخص وكرامة رؤساء الدول، ورؤساء الحكومات، ووزراء الشؤون الخارجية والممثليات القنصلية والدبلوماسية المعتمدة بالبلاد.
    السلطة التقديرية هنا -أيضًا- هي المحتملة؛ إذ هل القول مثلًا بأن هذا الرئيس أو ذاك قد وصل للسلطة ببلاده بانقلاب دموي، أو أنه حصل على عمولات أجنبية بهذه الصفقة التجارية أو تلك… هل يعتبر ذلك مسًّا بشخصه وكرامته يستوجب المتابعة بالغرامة؟
  • رابعًا: في القذف والسب؛ السلطة التقديرية بهذا الباب أيضًا واردة؛ إذ القول مثلًا: إن القضاء غير عادل، أو إن الإدارة مرتشية أو ما شابه، قد يكون من باب القذف والسب، في حين أنه قد لا يكون كذلك من منظور واقع الحال؛ فكيف نغرم، والحالة هاته إعلاميًّا جاهر بذلك أو نشره من على منبره، أو تفوه به بهذا اللقاء أو ذاك؟
  • خامسًا: في القضاء؛ ينص مشروع القانون في المادة 97، على أن يسند “النظر في المخالفات لمقتضيات هذا القانون إلى المحاكم”؛ بهذه النقطة كذلك، يبقى مصير المنبر معلقًا إما بقرار نيابة عامة قد تتجاوز حدودها، فتكون أداة لتصفية حساب هنا أو هناك، أو بتقدير قضاة قد لا يتوانون في التطبيق الحرفي للنص أو المبالغة في تأويل هذا الأخير، بما لا يخدم دائمًا حرية الإعلامي أو حمايته من المتابعة بالغرامة.
    يبدو أننا سنكون هنا بإزاء “دولة القضاء”؛ التي سيصبح القانون بمقتضاها ليس أداة حماية الحقوق؛ بل وسيلة “تصيد” التجاوزات ووضعها على محك المتابعة التي قد تبدأ وقد لا تنتهي.
  • سادسًا: إذا كانت كل القضايا المتعلقة بالمخالفات تحال إلى المحاكم، فما الجدوى من إحداث مجلس وطني للصحافة؟ أليس من الأجدى أن تحال كل هذه القضايا إلى ذات المجلس للبت فيها أو للوساطة، ومنحه سلطة تقريرية من شأنها ضبط القطاع، وتنظيمه من داخله لا من خارجه، كما الحال مع هيئة المحامين؟

استنتاجات

يبدو لنا بالمحصلة الأولية على الأقل، أن هذا المشروع وإن استجاب لمطلب إلغاء العقوبات السالبة للحرية، فقد عمد إلى تعويضها بغرامات من شأنها، إن تم إعمالها بانتظام وصرامة، أن تكون أداة ناجعة لتقليص ليس فقط فضاء حرية الإعلامي، بل -أيضًا- لتضييق مجال الفعل الإعلامي بشكل عام.

والواقع أن المتأمل في المشروع لا يمكن إلا أن يلاحظ أن هذا الأخير قد أعطى رجل الإعلام (صحفيين ومؤسسات إعلامية) أكثر مما أعطى الحقل الإعلامي؛ إذ لو سلَّمنا بأن الإعلامي قد بات في مأمن من العقوبات الحبسية، فإن سيف الغرامة سيلاحقه أو يلاحق المؤسسة التي يعمل بها، فيصبح الحذر والحيطة والتخوف من احتمالية التغريم دائمًا واردًا، مما يخلق مناخًا يضيع فيه التحقيق وتتراجع من بين ظهرانيه القابلية للبحث عن المعلومة “الطازجة”.

وإذا علمنا أن الصحافة غالبًا ما “تقتات” على السبق الصحفي، وأخبار الفاعلين بالمجال العام، فإن أية هفوة أو “تجاوز” سيكون ثمنه عشرات الآلاف من الدراهم، وإن تكررت النازلة، فستسقط المؤسسة بجريرة ذلك في منظومة إفلاس تلقائي لا تستطيع النهوض بعدها إلا على حساب تشديد الرقابة على إعلامييها، وثنيهم عن البحث فيما قد يكون مثار غضب هذه الجهة أو تلك.

ولو علمنا من ناحية أخرى أن القضاء الذي من المفروض أن يبت في قضايا التغريم، هو قضاء نسبية الاستقلالية من بين ثناياه ضعيفة للغاية، فقد يسقط المرء جراء ذلك في حقل لن تحكمه بنود القانون، بل تقوده تأويلات قضائية قد لا تكون خلفياتها دائمًا براء من التدخل.

قد يكون كل ما سبق اجتهادًا من لدننا خالصًا؛ لكن الذي قد لا يقبل الاجتهاد في حالة النشر والصحافة، إنما حقيقة أن القانون وحده لا يمكن أن يخلق مجالًا إعلاميًّا. الذي يخلقه برأينا هو أن يكون القانون إياه توجيهيًّا مرنًا، وتكون أخلاقيات المهنة محددة بدقة، صارمة و”متشددة”، لا بل لا مانع لدي أن تكون زجرية.
____________________________________
د. يحيى اليحياوي – جامعة محمد الخامس، المغرب

الهوامش
1. Commission Africaine des Droits de l’Homme et des Peuples. Constitutionnal Rights Project and Media Rights (Agenda V. Nigeria, Communications 105/93,130/94, 128/94 and 152/96, 31 October 1998), p. 52.
2. Article 19. Mémorandum sur le code de la presse au Maroc, Article 19 (Londres, Décembre 2001), p. 11.
3. في 20 من أكتوبر/تشرين الأول 2001، نشرت جريدة “دومان” خبرًا حول احتمال عرض القصر الملكي بالصخيرات للبيع، وعلى إثر ذلك تم متابعة مديرها علي لمرابط وحكم عليه بـ4 أشهر سجنًا نافذًا وغرامة مالية قدرها 30 ألف درهم. وقد عرفت هذه المحاكمة بقضية “الحجر المقدس”، حيث حمل القاضي حجرة معه للمحكمة وخاطب الصحفي علي لمرابط: “إن حجر القصر مقدس”.
4. مُنع علي لمرابط، في قضية “الحجر المقدس”، من ممارسة مهنة الصحافة بالمغرب لمدة عشر سنوات.
5. في ديسمبر/كانون الأول من عام 2000، مَنَع الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي جريدتين مستقلتين، بعد نشرهما لرسالة الفقيه البصري، تضمنت نوايا اليسار (وضمنهم الوزير الأول نفسه) في قلب نظام الحسن الثاني في بدايات سبعينات القرن الماضي.
6. راجع نص الدستور الصادر بظهير 29 من يوليو/تموز 2011، في الجريدة الرسمية، العدد 5964 مكرر، 30 من يوليو/تموز 2011.
7. وزارة الاتصال، تقرير سنوي حول جهود النهوض بحرية الصحافة 2012. تقرير، ص 10.
8. راجع: وزارة الاتصال، مشروع قانون الصحافة والنشر رقم 13.88، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2014.
9. المصدر السابق، ص 27.
10. صُنِّف المغرب في عام 2012 ضمن المرتبة 136 في سُلَّم حرية الصحافة.
11. ينص المشروع على 54 عقوبة ذات طابع مالي.