محمد عبدالرحمن عريف

    هو كتاب «كلمة السر.. مذكرات محمد حسنى مبارك. يونيو 67 – أكتوبر 73»، والذى صدر عن دار «نهضة مصر». إن للسؤال إجابات عدة، أولاها: الأقدار التي شاءت أن تخرج تلك المذكرات التي سجلها مبارك في نهاية السبعينات مع الإعلامي الراحل محمد الشناوي، ولكنها لم تصدر في حينها حيث احتفظ بها محررها، ونسيها صاحبها.. إلى أن وصلت إلى الكاتب السياسي عبدالله كمال، فتأكد أنها تخص الرئيس الأسبق، وتولى إعادة تحريرها والتقديم لها.

   لقد حاول محرر المذكرات في ٢٠١٣ إبلاغ حسني مبارك بعثوره على هذا الكنز الخاص الذي كان قد تم الانتهاء من إعداده في ما بين عامى ١٩٧٨ و١٩٧٩.. أرسل لوسطاء مختلفين، ثم كان أن تعرف مبارك على مذكراته المنسية عبر محاميه فريد الديب، إلا أن الإجابة لم تأت إلا بعد إخلاء سبيل مبارك مؤخراً. ومن ثم عرض كمال على دار «نهضة مصر» طباعتها ونشرها في كتاب، فرحبت بذلك وبشدة.

   وفقاً لرواية حازم الشناوي عن والده الراحل فإن محمد الشناوي اجتمع مع نائب الرئيس محمد حسنى مبارك عشرات المرات، روى له فيها كل تفاصيل ودقائق الست سنوات التي قضاها في عملية إعادة بناء القوات الجوية، منذ كان ضابطاً قيادياً.. تلقى ضربة يونيو وهو لم يزل قائداً لقاعدة بنى سويف الجوية.. وحتى أصبح مديراً للكلية الجوية وإلى أن أصبح قائداً للقوات الجوية، محققاً النصر الجوي الأهم في تاريخ مصر. وقد كتب محمد الشناوي النص في حدود ٥٠٠ ورقة فلوسكاب بخط اليد، بعض صفحات منها كان قد دوّن عليها مبارك ملاحظات بخط يده بقلم أحمر.. خصوصاً فيما يتعلق بالمعلومات الفنية والعسكرية الدقيقة.. وتمثل هذه الأوراق الوثيقة الأهم حول تلك السنوات وهذا السلاح وهذا البطل.. إذ لا توجد تقريباً غيرها بهذه الدقة وتلك الشمولية وهذا التنظيم.. والأهم على لسان محمد حسني مبارك.

    ليس معروفاً على وجه الدقة ما هو السبب الذي منع نشر تلك المذكرات، وما الذي عطل عملية النشر بعد أن اكتملت الوثيقة.. إذ لم أجد لدى الأستاذ حازم ما يمكن نقله عن والده في هذا السياق. غير أن المؤكد أنه كان هناك حرص عائلي على الاحتفاظ بالوثيقة إلى أن يحين وقت تنفيذ وصية الوالد الراحل بالنشر، عندما يجد ابنه ذلك مناسباً. في بداية ٢٠١٣ وضع حازم الشناوي ثقته في كاتب هذه السطور، وسلّمني صورة من تلك «المذكرات – الوثيقة» لكي تجد طريقها إلى النور، وترك لي أسلوب ترتيب ذلك.. توثيقاً وتدقيقاً.

   للوهلة الأولى، أثبتت قراءة تلك المذكرات، وبما لا يدع مجالاً للشك، أنها لمبارك، سواء من حيث الوقائع الشخصية القليلة التي يرويها، أو من حيث المعلومات الفنية والعسكرية التي تضمنتها، أو من حيث تنظيم المادة المروية عن طريقة إعادة بناء القوات الجوية واستعدادها لحرب أكتوبر ومن ثم تفاصيل ودقائق الضربة الجوية الساحقة لإسرائيل في أكتوبر ١٩٧٣.. فضلاً عن الملاحظات الخطية التي وجدتها على جانبي بعض الصفحات وهي بخط أقرب إلى أن يكون ما أعرفه عن خط الرئيس الأسبق لمصر.

   الأهم قبل كل ذلك هو الوثيقة التي دونها مبارك بخط يده وتنشر هنا، وقدم بها مبارك لمذكراته التي أملاها على محمد الشناوي. في غضون الأشهر القليلة التي تلت وصول هذا النص إلى يدي، لم تتح فرصة مناسبة لإطلاع الرئيس أو أي من أفراد عائلته على المذكرات: علاء وجمال أو السيدة قرينته. كنت أرغب في أن تكون هذه الخطوة عملاً مزدوجاً: يحقق أولاً توثيق النص، وثانياً السماح بنشره. كان يمكن أن أمضى فى إجراءات النشر، وسط مناخ شغوف بأي شيء عن مبارك.. لكني لم أجد أنه مطابق للمعايير الأخلاقية أن يتم النشر بدون إطلاع أي من أفراد عائلة مبارك على المكتوب منسوباً إليه.. مع كامل التقدير والثقة في أسرة الشناوي الحائزة للوثيقة نقلاً عن محمد الشناوي.

    في أغسطس ٢٠١٣.. بُعيد صدور الحكم بأحقية الرئيس مبارك في أن يتم الإفراج عنه إجرائياً من الحبس الاحتياطي الذي قيد حريته لسنتين.. كان أن أبلغت فريد الديب المحامى والمدافع القانوني عن الرئيس مبارك بالأمر.. وتكرم سيادته وعرض الأمر على مبارك حيث كان في مقر إقامته الجبرية في مستشفى المعادي.. وكان أن تذكر الرئيس الموقف الممتد بينه وبين المرحوم محمد الشناوي، وطلب أن يقرأ مذكراته. وتكرم الأستاذ فريد مجدداً ونقل الخبر إليّ فبدأت على الفور المرحلة الثانية من التعامل مع هذه المذكرات المهمة، تمهيداً لعرضها على صاحبها الرئيس الأسبق.. وقد عُرضت عليه في الأسبوع الأخير.. ووافق على النشر.. الذي تنفرد به جريدة «الوطن» بالتزامن مع جريدة «الرأي» الكويتية. لم تقف المهمة التي كلفت بها نفسي عند مسألة توثيق النص، والتأكد من انتسابه التاريخي للرئيس مبارك، ولا عند تولي إدارة عملية نشره عبر الدار المحترمة «نهضة مصر».. ولا عند كتابة هذا التقديم النقدي الشارح للكتاب والراوي لملابساته. بل آليت على نفسي أن أجعله أكثر حداثة عما كان عليه وأن أحرره بما يلائم سنة صدوره في ٢٠١٣.. مع كل التقدير والاحترام للجهد الذي بذله محمد الشناوى في نهاية السبعينات من القرن الماضي أي قبل نحو ٤٠ عاماً. لقد حافظت على روح الأسلوب، ولغة الكتابة، والاقتباسات التي أوردها محمد الشناوي من تلقاء نفسه كما يمكن أن أخمن مهنياً، أو تلك التي أوصي بها مبارك كما أتوقع من خلال تحليل المضمون.

    يمكن توقع أن محرر المذكرات الأول قد اهتم ببعض المأثورات والأحاديث النبوية وبعض المذكرات العسكرية.. وضمّنها الصفحات أثناء صياغته للنص المنقول عما سمعه من نائب الرئيس.. كما يمكن أن يقودنا الحدس إلى أن مبارك قد اهتم بما ذكرته إسرائيل عن العمليات العسكرية وما ورد في كتبها وتصريحات مسئوليها.. وتوثيق ذلك عبر أدوات المؤسسة العسكرية التي كانت تهتم بذلك منذ زمن بعيد وتتابعه وتعرضه في تقارير دورية على قيادتها المختلفة. بخلاف ذلك، فإن تراتبية المذكرات، وتوالي تفاصيلها، ودور القوات والأفرع، ومهام الأفراد والقادة، وسجلات البطولات الشخصية، وغير ذلك هو من صميم شخصية القائد الجوي.. الذي لم يكن يروي مذكراته الشخصية، بقدر ما كان يملي مذكرات القوات الجوية في الست سنوات التي سبقت أكتوبر ٧٣ وقادت إليه.

    في هذا السياق قمت ببعض الجهد في عملية تحرير إضافي لهذه المذكرات، يمكن أن أوجزه وفق مقتضيات الأمانة المهنية والتاريخية فيما يلى: تغيير عنوان النص من «كلمة السر.. صِدام – من يونيو ١٩٦٧ إلى أكتوبر ١٩٧٣» إلى «كلمة السر – مذكرات حسني مبارك – يونيو ١٩٦٧ / أكتوبر ١٩٧٣».

    يمكن فهم لماذا اختار الأستاذ الشناوي عنوانه الأول تخليداً لاسم العملية الهجومية القتالية التي قامت بها القوات الجوية المصرية في أكتوبر ١٩٧٣.. على أنه قد لا يبدو العنوان واضحاً الآن، لا سيما أن الكثيرين سيحتاجون إلى تشكيل النطق لكى يكون حرف «الصاد» مكسوراً وينطق صحيحاً بدلاً من أن يشير إلى اسم رئيس العراق الراحل صدام حسين!!. قمت بعدد من عمليات التكثيف والاختصار، التي لا تخل بقيمة النص، ولا روح السياق الذي قام به الأستاذ الشناوى. وكان سبب ذلك هو اعتقادي بأن النص الذي وصل إلى يدي كان قيد المراجعة ولم يكن نصاً أخيراً.. فضلاً عن أن الطبيعة الإذاعية للغة الأستاذ المرحوم محمد الشناوى كانت تميل به إلى أن يضع تكرارات من فصل لآخر مذكراً بها، حسب أسلوب العمل الإذاعي، مقارنة بما هو غير معتاد في أساليب التحرير المقروءة.

    قمت بإعادة التبويب عن طريق الدمج، وليس بإعادة الترتيب.. بمعنى أنني حافظت على درامية وتاريخية العمل كما دوّنه الأستاذ الشناوي، غير أني ألغيت التوزيع بطريقة الأبواب الرئيسية المتضمنة لفصول داخلية فرعية، وجعلتها كلها فصولاً متتابعة، ما اقتضى دمج بعض الفصول.

توزيع المذكرات

   كانت المذكرات موزعة كما يلي: مقدمة، وسبعة أبواب، تتوزع كلها على فصول، بعضها أربعة وبعضها خمسة، باستثناء الباب الرابع فهو كتلة واحدة، وخاتمة. في تبويبها الجديد، وبعد دمج عديد من الفصول، صارت هذه المذكرات مكونة من مقدمة و١٣ فصلاً وخاتمة، بخلاف هذا التقديم. قمت ببعض عمليات إعادة تنظيم الفقرات، وإعادة كتابة بدايتها، محاولاً أن يكون هذا أكثر تناسباً مع لغة تحرير مغايرة.. وبدون إخلال بالجهد المبذول قبل أربعين سنة. حررت هذا التقديم التاريخى – التوثيقي، والنقدي، الإضافي والواجب.

    على الرغم من أنه توجد بعض الكتابات هنا أو هناك حول السنوات الثلاثين لحكم مبارك، فإن كثيراً منها لم يهتم بالغوص في تفاصيل، واكتفى البعض بما يمكنه اعتباره مجاملة لرئيس، ورأى فيه الجيل الجديد أنه نفاقات.. واهتم البعض الآخر بما يمكن اعتباره هجوماً سياسياً على رئيس، رأى فيه مؤيدوه ظلماً له. وحتى لحظة صدور هذا الكتاب فإنه لم توجد بعد مصادر واضحة ودقيقة وشاملة وموضوعية لا عن سنوات حكم مبارك، ولا عنه شخصياً.. لا عن سيرة السياسي الحاكم ولا عن تاريخ العسكري المقاتل. هذا تناقض مريع تاريخياً، بين حقيقة أن الرئيس مبارك قد حكم ثلاثين عاماً، وامتد مساره العملى لأكثر من خمسين سنة، وبين كونه الرئيس الذي لم تدون عنه تاريخياً كثير من تفاصيل سيرته.. لا قبل أن يكون رئيساً ولا بعد أن أصبح رئيساً ولا عقب تركه لمنصبه كرئيس.

    لقد اكتفى مبارك وحكمه بالمادة الإعلامية السيارة التي كانت تغطي أنشطة يومية ووقائع إخبارية، للدقة هو لم يكتف.. وإنما لم يسع. ولا يوجد بشأن سيرته كتاب تحليلي شامل، أو سيرة موثقة، أو أي منتج ثقافي متعمق آخر.

    إن الكتاب الذي يمكن أن تعثر عليه بشأن مبارك قد يكون دعائياً أو ألبوماً مصوراً.. أو كتاباً انتقادياً هجومياً رافضاً. وبالموازاة لمبارك، فإن حرب أكتوبر، وهي تتخطى دور شخص بعينه، وتشمل بطولات ومواقف وأدواراً لمئات الألوف من المصريين، كان بدورها أن لقيت ظلماً تاريخياً ولم تحظ بالقدر الكافي من الاهتمام التفصيلي والدقيق.. حتى مع صدور عدد من مذكرات بعض من كبار قادتها.

    ربما لأسباب ودواعى السرية التي فُرضت عليها وعلى تفاصيل حقوق المعرفة العسكرية التي أحاط بها الكتمان عقوداً.. وربما لأن النصوص التي صدرت لم تتضمن تفصيلات محددة بالطريقة الاستثنائية الواردة في هذه المذكرات على لسان نائب الرئيس محمد حسنى مبارك. باستثناء مذكرات الفريق محمد عبدالغني الجمسي فإن الصورة التي تصل عن حرب أكتوبر إلى الأجيال الجديدة تبدو غير مكتملة وتحتاج إلى مزيد من التفصيل.. بل إن قائدها الميداني الأهم، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع المشير أحمد إسماعيل لم يمنحه الزمن فرصه لكي يروي تجربته ومسيرته وقصة الانتصار الذي سجل فيه اسمه.. وهنا تأتى الصدفة التاريخية المهمة متزامنة مع صدور مذكرات مبارك، عندما نشر مجدى الجلاد في الوقت ذاته أوراق المشير أحمد إسماعيل في كتاب «مشير النصر» الذي صدر عن دار «نهضة مصر».

   لقد مضت سنوات طويلة على حرب أكتوبر، وبمضي السنوات طوى النسيان مذكرات قادة حرب أكتوبر، الذين لم تنشغل بهم تفصيلاً الحركة النقدية والأعمال البحثية والعملية التي تُبقى قيم تلك الحرب وأهميتها التاريخية يقظة في ذهن وعقل الأجيال التالية.. لا تحليل ولا دراسات ولا مراجعات.. لم تعد حرب أكتوبر مدرجة أصلاً في الخطط البحثية للجامعات والمعاهد المصرية.

      بنفاد سنوات هذا الجيل صانع النصر، فإن الأعمال التي تتناول حرب أكتوبر ودقائقها انقطعت، ولا تضم المكتبات العربية والمصرية إلا مؤلفات نادرة عن الوقائع وتحليلها ودراستها وبحث تأثيراتها. من هنا فإن صدور تلك المذكرات التي أملاها نائب الرئيس محمد حسنى مبارك يسقي تربة ذاكرة قد جفت، ويرطب اهتماماً قد ذبل. وليس بعيداً عن هذا الظلم المتراكم أن حرباً معنوية وتاريخية وعلمية قد تم شنها على قيمة حرب أكتوبر ومجدها، تشويهاً وتقليلاً وإضعافاً، بل وتحويلها -استسلاماً للرواية الإسرائيلية- إلى حرب متعادلة في أفضل الأحوال.. وفي أحوال أخرى وفقاً لروايات غير عربية بدت كما لو أنها هزيمة ناقصة أو نصر غير مكتمل. هذا أمر جلل وخطير وجدير بالانتباه بالنسبة لاهتمامنا بأجيال صار عليها أن تستسلم لحملات دعائية جعلت من الصمود الخاسر من قبل بعض التنظيمات في معارك عابرة نوعاً من الانتصار، وأصبح عليها أن تقتنع بأن الجيش المصري بلا مجد طالما أنه لم يخض حرباً منذ انتهت حرب أكتوبر ١٩٧٣.

    إن أهمية «المذكرات الأولى لحسني مبارك» لا تكمن فحسب في صاحبها، بقدر ما تكمن كذلك فيما ترويه عن المؤسسة العظيمة التي كان هو أحد أبطالها، وأبطال انتصارها في أكتوبر ١٩٧٣.. ويعزي ذلك إلى الطريقة التي روى بها مبارك تفاصيل عملية إعادة بناء القوات الجوية.. باعتبارها الخاسر الأهم والأكبر في هزيمة يونيو ١٩٦٧.. ومن ثم باعتبارها صاحبة ضربة النصر الأولى في حرب أكتوبر ١٩٧٣ المجيدة. لا يمكن اعتبار هذا الكتاب «مذكرات شخصية»، وإن كان «مذكرات» بالتأكيد، ذلك أن نائب الرئيس محمد حسنى مبارك لم يجعل من نفسه محوراً لها، ولم يتطرق إلى ذاته إلا في مرات نادرة.

    لقد جعل من الكتاب سجلاً لسنوات تطوير القوات الجوية، وانتقالها من الهزيمة إلى النصر.. وبدا خلال تلك الصفحات شاهداً غير معلن أكثر من تقديمه لنفسه على أنه فاعل رئيسي. من المدهش أنه لا يتوقف عند محطات تاريخية مهمة ليروي تفاصيل كيف أصبح مديراً للكلية الجوية ومن ثم كيف عُين رئيساً للأركان وكيف تم اختياره قائداً للقوات الجوية. إن الرواية المؤكدة هي أن مبارك كان في الأساس معلماً مرموقاً في الكلية الجوية قبل أن يصلح قائداً لقاعدة بني سويف، ومن ثم يعود بعد حرب ١٩٦٧ إلى قيادة الكلية الجوية، وصولاً إلى اللحظة التي اقترب فيها من الفريق محمد فوزي وزير الحربية الراحل.. والذي كان أن رشحه للرئيس الراحل جمال عبدالناصر قائداً لأركان القوات الجوية.. فترقى مبارك من رتبة عميد إلى رتبة لواء في وقت قياسى، وكان قرار عبدالناصر بتعيينه في منصب رئيس الأركان مدوياً في القوات المسلحة وله تأثيرات مختلفة.

مشهدان يركز عليهما حسنى مبارك بشأن نفسه فى تلك المذكرات

الأول: وهو مهزوم.. يشعر بالظلم الفادح لأنه لم يقاتل.. عاكساً تلك الصورة على كافة الأفراد والقادة في القوات الجوية خصوصاً والقوات المسلحة عموماً.

الثاني: وهو منتصر يثبت بروايته لا بالحديث عن عمله الشخصى كيف أثبت المقاتل المصري جدارته وكيف تمكن من أخذ أسباب العلم والقوة لكي يثأر لنفسه ولأمته.

    بدا مبارك حريصاً على عدم التفاخر في هذه الوثيقة، ليس لأنه أصر على أن يكون ملتزماً إلى حد بعيد بالغرض الذي وجد أن الرئيس السادات قد استهدفه.. أي أن يروي قصة الضربة الجوية، ومن ثم تباعد عن أن يكتب سيرة صاحب الضربة الجوية.. ولكن أيضاً لأن تحليل المضمون يثبت أنه ابتعد عن منطق «التفاخر القومي».. وانتهج منذ الصفحات الأولى، وبإصرار، أسلوب التحليل العلمي والواقعي.. وصولاً إلى نتيجة محددة وهي أن ما تحقق من القوات الجوية لم يكن «معجزة» أو «أسطورة».

    كان منطق مبارك المعلن لتبرير ذلك، هو أنها إذا كانت «معجزة» أو «أسطورة» فإنها تكون بذلك حدثاً استثنائياً، منحة عابرة، بينما أراد أن يثبت طوال صفحات ذلك الكتاب.. كما فعل توثيقاً.. أن العملية الجوية «صِدام» كانت نتاج تقييم وتخطيط ودراسات وتدريب وإصرار وإرادة.. يمكن أن يتكرر إذا تكرر ذات الجهد الذي تم بذله من أجل الوصول إلى هذا النصر.. وإذا تكررت المبررات الداعية لحدوثه.

    لقد أخفى مبارك نفسه من مذكراته الأولى، من حيث أنه لم يكتبها بطريقة أنه في يوم ما استدعى أو قابل أو وجّه بأمر معين، وفي يوم آخر اجتمع بهذا أو ذاك.. ومن حيث أنه لم يقل قابلت وسمعت وفكرت وقررت وقرأت.. وإنما دوّنها بطريقة «مسيرة فريق» من الأفراد والقادة، في مختلف قواعد وألوية وأفرع القوات الجوية، وفي سياق منظومة القوات المسلحة برمتها. في هذه المذكرات لم يكتب مبارك عن مبارك، مباشرة، إلا ثلاث مرات تقريباً، الأولى حين تحدث عن مشهد معاناته من الهزيمة، والثانية حين روى واقعة لجنة التحقيق التي فوجئ بأن شاهدة أمامها قد ذكرت عنه رواية غير صحيحة دون أن تعرف أنه يرأس لجنة التحقيق التي تستمع إليها، تلك الشاهدة كانت فنانة جامعية حضرت حفلاً ساهراً في القوات المسلحة قبل هزيمة يونيو ١٩٦٧.. وروت لمبارك ما عرفته عن قائد قاعدة بني سويف الجوية.. وكيف أنه لم يكن موجوداً وقت الحرب دون أن تدري أن الذي يحقق معها هو نفسه الشخص الذي تروي عنه تلك الأكذوبة. وكانت الواقعة الثالثة عندما روى مبارك كيف شارك في خطة الخداع الاستراتيجي لمفاجأة الحرب.

    عوضاً عن هذا، جعل مبارك من تلك المذكرات مبارزة منهجية متصاعدة بينه وبين القائد الإسرائيلي الجنرال موردخاي هود مخطط وقائد الضربة الجوية الإسرائيلية التي أوقعت الهزيمة بمصر في صباح يوم ٥ يونيو ١٩٦٧. وقد كان هذا الأسلوب اللافت مهماً للغاية في التعبير عن فكرة الكتاب من حيث أنه جعل هذه المواجهة بعض منها، أن تحقق إكساب المذكرات بعداً درامياً صراعياً، يمزج ما بين الشخصي والعام، من حيث أن المواجهة كانت بين قائدين.. أحدهما كسب جولة والثاني يخطط للثأر، ومن حيث أنها كانت بين اثنتين من القوات الجوية المتحاربة، ومن حيث أنها كانت كذلك صراعاً بين بلدين وشعبين.. بين مصر وإسرائيل.

   لقد منحت هذه المواجهة التي صنعها مبارك لمؤلفه فرصة أن يحلل ما قام به خصمه، وأن يعطيه بداية الاعتراف بأنه قد حقق مكسباً، ثم يسحب هذا الاعتراف ويهدم هذا المنهج بتأكيد كونه لا يعبر عن ابتكار خاص، ولا يمثل إنجازاً، ويفتقد إلى الشرف، ويستند إلى عوامل مساعدة لو لم تكن متوافرة ما أمكن لموردخاي هود أن يحقق نصره. حيث أعطت المواجهة بهذا الشكل للقائد المصري حسني مبارك فرصة أن يأخذ قارئه خطوة تلو أخرى نحو إعلان انتصاره على القائد الإسرائيلي.. بقصد إبلاغ رسالته الأساسية وهي أن «الإسرائيلي» وما يمثله ليست لديه أية ميزات استثنائية.. وأن «المصري» هُزم لأنه واجه عيوباً نتجت عن «تقصير» وليس لأنه مهزوم بالفطرة، أو لأنه يعاني من «قصور» مولود به كما أرادت هزيمة يونيو -من جانب إسرائيل- أن تقول وتروّج.

   هنا استخدم مبارك هذه المواجهة، بدهاء مبهر، لكي يؤكد على جِدة وحداثة الضربة الجوية التي خطط لها ونفذها، وكيف أنها كانت مبتكرة ومبدعة، ونتاج العقل المصري، وتمثل إضافة حقيقية في تاريخ القتال الجوي.. مقارناً بين أداء القوات المصرية في ١٩٧٣ والقوات الإسرائيلية في يونيو ١٩٧٦. بمقاييس المقروئية العادية تبدو صفحات هذه المذكرات أقرب إلى أن تكون جافة، لأنها لا تتضمن مشهيات القراءة المتوقعة.. فهي لا تتضمن قصصاً وحكايات ومشاهد طريفة.. إلا حين تصل إلى فصلها الأخير.. عندما يحرص مبارك على ذكر عديد من أمثلة البطولات التي قدمها الطيارون والمقاتلون في القوات الجوية.. وكلها احتوت على قيم ملهمة ومآثر خالدة.

    في النص الأصلي الذي حرره الأستاذ الشناوي كان أن ضم كل تلك القصص في فصول تحت الباب السابع، ووزع قصص الأفراد بحسب كل فرع في القوات الجوية. تحريرياً كان يمكن أن للمحرر أن يوزع القصص الإنسانية والبطولات المميزة لأفراد وقادة القوات الجوية التي أوردها مبارك على مختلف فصول الكتاب.. كان هذا سيوفر فرصاً لمزيد من أساليب الإمتاع أثناء القراءة.. غير أن هذا كان سيخل بالترتيب الأصلي للنص المكتوب، والذي بُنى ترابطياً انتقالاً من محور إلى آخر، ومن مرحلة إلى غيرها، ثم توج في النهاية بالفصل الأخير الذي يحكي قصص الأمجاد الشخصية.. وبمنتهى الحرص على أن يبدو ذلك في سياق روح فريق واحد. لقد نقل مبارك الحرب إلى صفحات مذكراته، كما لو أنه كان في غرفة عمليات القوات الجوية، يخطط، وينفذ، ويأمر بالتدريب، ويرقى مستوى التسليح، إلى أن حانت لحظة القتال.. في كل صفحة أو للدقة كل فصل كان يسير بالتفاصيل عبر هذا المسار ونحو هذا الاتجاه.

رسالة ومنطق الكتاب

       هي أن الهزيمة ليست قدراً، والنصر ليس صدفة.. وفي سبيل ذلك، ووفق التزامه بمعايير السرية التي كانت مفروضة وقتها حتى على نائب رئيس الجمهورية، فإن محمد حسنى مبارك يشرح في فصول متتابعة كيف تحقق النصر.. وكيف تم التغلب على الهزيمة. وقبل ذلك فإنه بمنهج القوات المسلحة المصرية يقيم ما وقع وأسبابه والدروس المستفادة منه، وطرق علاج الأخطاء، وكيف أمكن امتلاك أدوات الانتصار.

   لم يكن الطريق إلى النصر سهلاً ويسيراً، كما لم تمر السنوات من ١٩٦٧ إلى ١٩٧٣ بسلاسة.. وبقدر ما تبدو مروية الأعوام المريرة عادية وبسيطة ونحن نقرأها الآن بعد أربعين عاماً من النصر، بقدر ما كمنت فيها عوامل قسوة المهمة وعبء الثأر وضخامة العمل وحجم التضحيات. وفي هذه الصفحات كان أن قدم حسنى مبارك ذلك العمل التاريخى، وهو جانب من بين جوانب العملية العسكرية كلها في أكتوبر ١٩٧٣ كما لو أنه يمكن لأي أحد أن يقوم به.. في حين أنه لم يكن كذلك على الإطلاق.

     لعلنا نلاحظ بالاطلاع على هذه المذكرات ما يلى: قبل بناء المقاتل بدناً وتسليحاً وتدريباً كانت المهمة الأصعب والأهم هي إعادة بنائه نفسياً ومعنوياً. في مذكراته أعطى مبارك جهداً عميقاً ومثابراً لكي يشرح ذلك وأهميته ودوره في تأصيل وترسيخ عقيدة القتال، واستنهاض المصري من هزيمته، في ضوء أن الهدف الذي رأى مبارك أنه كان مخططاً من قبل إسرائيل في يونيو ١٩٦٧ هو قهر المواطن المصري خصوصاً والعربي عموماً نفسياً وتنكيس ذاته بحيث لا تقوم لها قائمة من جديد.

     بخلاف البناء المعنوي، فإن المقاتل بُنى معرفياً، ومن اللافت أن مبارك ركز على أن ردود أفعال المقاتلين وقراراتهم القتالية لا تكون متحصلة فقط من عمليات تدريبهم وتسليحهم وتجهيزهم معنوياً.. بل رأى أنها تعود في الأصل إلى تراكم حضاري يتجمع في لحظة المواجهة ويكون أن ينتج قرارات المقاتل التي تؤدي لانتصار. لم يذهب المصريون إلى حرب أكتوبر فجأة، كما أنهم لم يكونوا قادرين عليها في وقت قصير.. ولم تكن التدريبات وحدها كافية لاكتساب المهارات ونمو القدرات.. وكان المقاتلون بحاجة إلى أن يواجهوا الطيارين الإسرائيليين ليعرفوهم قبل أن يقاتلوهم في معركة الثأر.

    من هنا تبدو في المذكرات أهمية وفلسفة حرب الاستنزاف التي يشرح مبارك مبررها التكتيكي بطريقة لم تكتب من قبل، ويصفها بأنها «جامعة» كان لا بد من الالتحاق بها قبل التقدم إلى نصر أكتوبر.

    إن مشاركة أكثر من مائتي طائرة في أولى طلعات الضربة الجوية في الساعة الثانية وخمس دقائق يوم ٦ أكتوبر لم يكن سوى قمة جبل الجليد.. وحتى يسيطر المقاتل على عنان السماء وهو في مواجهة خصمه فإن عشرات من التفاصيل المعقدة على الأرض، وبين السماء والأرض، لابد أن تكون قد تمت.. بدءًا من إعادة بناء المطارات وتوزيعها وحمايتها وطريقة التجهيز الفني للطائرات وإعادة تطويرها وتحديثها وتدريب الأطقم المعاونة.. ومن أهمية هذه المذكرات أنها تشرح ذلك تفصيلاً.

    قد يكون لأول مرة يذكر مبارك تفاصيل الدور الذي قام به علمياً في مرحلة توليه إدارة الكلية الجوية.. ويوثق ما أنتجه الفكر العسكري العلمي المصري خلال الست سنوات ظهيراً للضربة الجوية وفي الطريق إليها. وعلى الرغم من أنه اهتم في مواضع مختلفة من تلك المذكرات بانتقاد الفكر العسكري القديم والبالي الذي أدى إلى هزيمة ١٩٦٧ فإنه يدهش قارئه بذكر فائدة إعادة إحياء أفكار عسكرية قديمة وتوظيفها في ضوء الإمكانات المحدودة لتحقيق أهداف جديدة. مثال ذلك استحياء الدفاع الجوي بأسلوب البالون ودراسة ذلك في الكلية الجوية.

    لأن عصر المعجزات انتهى، ولأن الطريق الوحيد لتحقيق النجاح والأهداف المخطط لها في أي مجال هو الإيمان بالعلم واستيعاب تكنولوجيا العصر وإتقان العمل الجاد. وهو ما يوضحه بالقول: «إذا كان عدونا الجوي قد وقع في خطيئة الوهم بأن عملية (طوق الحمامة) -التي نفذها ضدنا صباح 5 يونيو 1967- كانت معجزة عبقرية نادرة التكرار.. فإننا -نحن الطيارين المقاتلين المصريين- قد رفضنا ذلك الزعم المغرور حين صدره العدو للعالم عقب معارك 1967، ورفضنا الاستسلام لدواعي اليأس الذي كنا معرضين له -لو أننا سلمنا بأن ما فعله العدو يومها معجزة- وانطلاقًا من هذا الرفض، وإيمانًا منا بأن باب العلم مفتوح للجميع، سرنا على الدرب الموصل للهدف، بعد أن وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح الذي انتهى بنا إلى تحقيق الضربة (صِدام)».

    يستشهد «مبارك» بما دار في ندوة عقدتها أكاديمية ناصر العسكرية العليا لدراسة حرب أكتوبر، وتحدث فيها الجنرال «أندريه بوفر»، خبير الاستراتيجية القتالية، عن رأيه العلمي في قواتنا الجوية في هذه الحرب بقوله: «لقد كان الدرس المهم في حرب رمضان هو أن القوات الجوية المصرية أحسنت انتشارها وحمايتها، فتمكنت من الاستمرار في العمليات وحرمت الخصم بذلك من التمتع بميزة كبرى هي التفوق الجوي، أو السيطرة الجوية».

    ثم ينتقل مبارك للحديث عن رجال القوات الجوية الذين أفرد لهم فصلًا كاملًا في كتابه شارحًا ما قاموا به وكيف أنهم أصحاب الفضل في ذلك النصر الجوي، فيقول: «عندما نتحدث عن دور التشكيلات الجوية في حرب أكتوبر، فإننا نعني أسلحة الطيران بأنواعها المختلفة. ونتحدث عن البطولة والإقدام والتضحية والفداء.. نتحدث عن الرجال الذين صنعوا التاريخ بجسارتهم وأرواحهم.. عن الطيارين والفنيين وأطقم وأفراد التشكيلات الجوية الذين ضحوا بأرواحهم لنصرة الوطن، ولرفعة شأن قواتهم الجوية. إنهم المنفذون لأعمال القتال والبطولة.. العاملون في صمت.. المنفذون لما أمرتهم به قيادتهم.. الواثقون من أن قيادتهم تعمل وتخطط وتقودهم للنصر.. للعزة.. للكرامة. إنهم المنتظرون لساعة الصفر بشوق زائد، وعلى أحر من الجمر.. ليثأروا وليثبتوا المعدن الأصيل للطيار المصري. أعنى هنا تشكيلات القوات الجوية بأنواعها، وحدات المقاتلات، وحدات المقاتلات القاذفة، وحدات القاذفات، وحدات الاستطلاع، وحدات النقل والهليكوبتر.

من شاهد ما فعله هؤلاء الأبطال

    خلال جميع المراحل التي سبقت استعدادهم للحرب، يفخر بأبناء مصر، الذين عملوا بتفانٍ وإتقان في نظام دقيق وتعاون وثيق.. لقد كان لهم هدف واحد، محدد وواضح.. هو النصر. كان على القوات الجوية في حرب أكتوبر العمل على تحقيق عدة أهداف، أهمها توفير الحماية الجوية للقوات البرية والأهداف الحيوية بالدولة، ضد ضربات العدو الجوي وطائرات استطلاعه، بالتعاون مع قوات الدفاع الجوي المصري. كذلك القتال من أجل الحصول على التفوق الجوي المحلي. مع تأمين أعمال قتال الأنواع الأخرى من طائراتنا ضد تدخل مقاتلات العدو طوال فترة العمليات. وتدمير قوات العدو المنقولة جوًا. ولذا ومع فجر يوم الأحد 7 أكتوبر، كانت قواتنا الجوية على يقين من أن العدو سيوجه هجماته الجوية ضد قواعدنا الجوية، وكانت مقاتلاتنا جاهزة ومستعدة تمامًا، بالتعاون مع وسائل الدفاع الجوى.

    هو ما يحكي عنه «مبارك» قائلاً: «بالفعل حدثت الهجمة الجوية المعادية الأولى في الساعة السابعة صباح يوم 7 أكتوبر، بقوة تزيد على ثمانين طائرة، جاءت على ارتفاعات منخفضة جدًا؛ إذ كان العدو يظن أنه قادر في عام 1973 على تحقيق النجاح الذي حققه عام 1967.. لكنه فوجئ بأعداد ضخمة من مقاتلاتنا يقودها الطيارون المصريون الأبطال، تهاجمه بعنف من كل اتجاه، وتمكنت مقاتلاتنا بالتعاون الرائع مع وسائل دفاعنا الجوي من شل العدو ومنعه من تحقيق أي هدف من أهدافه، وأجبرته على التخلص من قنابله وصواريخه مع ذري الريح في الحقول والصحاري، وعاد الجزء الذي نجا من طائرات العدو بالخيبة، مكتفيًا بالفرار ذعرًا.

    في هذه الضربة الانتقامية، كان العدو يوجه هجومه ضد سبعة مطارات وضد وسائل دفاعنا الجوي في العمق، لكنه فشل في الوصول إلى أهدافه.. عدا عدد محدود من طائراته، أمكنها الوصول إلى مطارين فقط من مطاراتنا وتلقفتها وسائل دفاعنا الجوي، من صواريخ ومدفعية مضادة للطائرات، ولقنتها درسًا قاسيًا، لاذت على أثره الطائرات المعادية بالفرار. ثم نفذ العدو هجمة جوية أخرى في الواحدة والنصف من اليوم نفسه، ولقنته مقاتلاتنا درسا آخر، فلم تصل هذه المرة طائرة واحدة معادية إلى هدفها، وعادت كالقطيع المذعور دون تنظيم، مخلفة وراءها خسائرها الكبيرة من طائرات الفانتوم.

    مر يوم 8 أكتوبر دون أن يجرؤ العدو الإسرائيلى على تكرار الهجوم الجوي على مطاراتنا، لكنه عاد لضربها يوم الثلاثاء 9 أكتوبر، غير أنه لم يقوَ إلا على ضرب مطارين فقط. بعدئذ تركز مجهود مقاتلاتنا المصرية في صد الهجمات الجوية المركزة للعدو. التي تكثفت من اتجاه الشمال والشمال الشرقي والجنوب الشرقي، التي كان العدو يحاول القيام بها بغرض شل قواعدنا الجوية ومطاراتنا، لإخراج قواتنا الجوية من المعركة، حتى يتسنى للعدو التعامل بحرية، باستخدام قواته الجوية ضد قواتنا البرية، وضد شبكة دفاعنا الجوي للقضاء عليها تدريجيا من الأجناب اتجاهي الشمال والجنوب. لكن لعبت المقاتلات أروع أدوارها في سد الثغرات التي أحدثها العدو في شبكة الدفاع الجوي، خصوصًا في قطاع بورسعيد، حتى استعادت كفاءتها القتالية، ثم في منطقة الثغرة في الدفرسوار وعلى الجانب الأيمن للجيش الثالث في فترات محددة، كما نجحت مقاتلاتنا في تنفيذ هذه المهمة بصورة منقطعة النظير، بفضل وسائل الإنذار المتوافرة، ولم تستطِع طائرات العدو إصابة طائرة واحدة من طائراتنا على الأرض، ولم يتعطل أي من مطاراتنا إلا لفترات محدودة للغاية على الرغم من سبع محاولات حاولها العدو حتى يوم الاثنين 15 أكتوبر لقصف مطاراتنا، لكنها فشلت جميعًا.

     يقول «مبارك» «لم تحدث إلا بعض الخسائر الطفيفة، حدثت في ممرات قواعدنا الجوية، وسرعان ما حاصرها مهندسو المطارات وأفراد مجموعات إصلاح الممرات وإزالة القنابل، وأعادوا مطاراتنا لحالتها الطبيعية، وليس من المبالغة في شيء إذا قلنا إن مطاراتنا جميعها، وبلا استثناء، ظلت صالحة للطيران طوال فترة العمليات. وخلال الفترة من 16 أكتوبر حتى 22 أكتوبر قام العدو الجوي بتنفيذ ثلاث محاولات فقط وضد مطار واحد فقط في كل مرة. وكان من الواضح أن العدو قد أيقن وتأكد من فشله في إخراج قواتنا الجوية من المعركة الكبرى كما حدث في حرب 1967. واستمرت وحداتنا المقاتلة في تنفيذ مهامها بكفاءة عالية وبجرأة تفوق الوصف، طوال 22 يومًا في قتال شرس. وبعد فشل العدو المتتالي، ومع تطور الجيب المعادي (الثغرة) في الدفرسوار، وبعد أن تم للعدو استعواض خسائر طائراته من أمريكا، حاول الحصول على التفوق الجوي المحلي بالمنطقة، لمعاونة قواته بالجيب وحمايتها، وضرب قواتنا البرية. إلا أنه وجد في مقاتلاتنا خصماً عنيداً منعه من تحقيق أهدافه، وقاتلته بإصرار وعزم، وكثرت في تلك الفترة المعارك الجوية، وزادت وطأتها، حتى إن بعضها استمر لأزمنة قياسية».

   حدث هذا رغم فارق القدرات في الطائرات وعددها، لكن كان مقاتلونا يتعاملون بمبدأ الند بالند. على سبيل المثال رغم الفارق الكبير بين قدرات «الميراج» و«الميج 17» فإن الأخيرة تمكنت من إسقاط عدد من طائرات «الميراج»، ونشرت الصحف العالمية وقتها صور هذه الطائرات «الميراج» وهي تتهاوى مشتعلة بنيران «الميج 17». ليس هذا فقط، لكن إسرائيل عوّضت خسائرها الضخمة في الطائرات والمعدات من خزانة السلاح الأمريكية التي أمدتها بطائرات «فانتوم» معدلة وصواريخ وقنابل موجهة ذات كفاءة عالية، في الوقت الذي لم تعوض قواتنا الجوية بشيء من خسائرها، وهو ما ساعد القوات الإسرائيلية على التسلل إلى منطقة الثغرة بالدفرسوار، كما يقول «مبارك»، وهو ما زاد الطيارين المصريين تمسكًا بإيمانهم وصمموا على الصمود والتغلب على هذا التفوق الآلى بروحهم العالية، وكان القتال مستميتا.. وكان التنسيق بين مقاتلاتنا القاذفة، ومقاتلاتنا فعالًا ودقيقًا.. وكانت ضرباتنا مركزة اعترف العدو بعنفها ونتيجة هذا القصف، تم تدمير أعداد ضخمة من الدبابات المعادية، وفقد العدو أعداداً كبيرة من القتلى ومعبرين من معابره في منطقة الدفرسوار.

    يشير «مبارك» إلى مقال كتبه أحد مراسلي الصحف الإسرائيلية، أثناء وجوده بمنطقة الثغرة، ذاكراً فيه العبارة التالية: «أما قصف المدفعية فشيء تعوّدنا عليه، وأما هذا القصف الجوي فشيء مفزع». وينتقل «مبارك» للحديث عن الدور الذى لعبته الطائرات الهليكوبتر في حرب أكتوبر، مؤكداً أنها لعبت دوراً فعالاً بعد ساعات قليلة من بدء المعركة عبر نقل كتائب بأكملها لإسقاطها خلف الخطوط الإسرائيلية، وكانت هذه الوحدات من الكوماندوز المصريين، شأنها في ذلك شأن قوات المشاة على طول القناة، مجهزة بالصواريخ المضادة للدبابات. وإمداد القوات الخاصة في منطقة البحر الأحمر أيام 8 و11 و12 و14 أكتوبر بشكل سمح لهذه الوحدات بالاستمرار في قتال العدو وإرباك خطوطه الخلفية. بالإضافة لاستطلاع العدو والتعامل مع دباباته في أيام 16 و17 و18 و27 أكتوبر. وإمداد قوات الجيش الثالث الميداني، شرق قناة السويس، بجميع ما يلزمه من احتياجات، خلال الأيام الأخيرة من عملية «الثغرة» في الدفرسوار.. وذلك خلال يومي 25 و27 أكتوبر وقصف مستودعات بترول بلاعيم.

    ثم ينتقل «مبارك» في حديثه لتخليد أعمال ومواقف بطولية شهدتها حرب أكتوبر؛ فيقول: «إذا أردنا أن نسجل تلك الأعمال البطولية جميعها فإن الأمر سيحتاج إلى مجلدات ومجلدات حتى يمكن إعطاء كل ذي حق حقه. إن استعراض عدد من صور البطولة، لا على سبيل الحصر، بل كمجرد نماذج لما حققه مقاتلونا الطيارون خلال عمليات السادس من أكتوبر، والوفاء بالعهد الذي قطعه الرجال على أنفسهم، أن يكون لمصرهم الغالية -ولأمتهم العربية جمعاء- درع جوية تحميها. لابد من وقفة أمام التاريخ.. ليس فيها افتعال.. أو تصنع.. فأمام الموت.. وأمام التضحية بالنفس يصعب ذلك كله. لابد من وقفة إجلال أمام موقف لا ينسى، لبعده الإنساني أولاً، ولمدلوله الحضارى والقومى ثانياً».

    يتوقف «مبارك» هنا ليحكي لنا كيفية تلقيه نتائج الضربة الجوية الأولى في يوم السادس من أكتوبر، فيقول: «كنت أتلقى التمام من القواعد الجوية والمطارات، التي اشتركت في تنفيذ الضربة الأولى (صِدام)، وعلمت أن شهيدي هذه الضربة الناجحة هما: المقدم طيار كمال والرائد طيار عاطف. ورغم سعادتي البالغة بالنتائج الرائعة التي حققتها (صِدام) ضد العدو، فقد كان ألمي بالغًا لفقد الطيارين اللذين كانا -رحمهما الله- من أكفأ طياري القتال المصريين. أسرعت بإبلاغ نتائج (صِدام) للقيادة العامة للقوات المسلحة، وكنت أعلم أن الرئيس السادات -بوصفه القائد الأعلى- قد اتخذ مكانه على رأس هيئة القيادة في مركز العمليات الرئيسي لقواتنا المسلحة قبل أن تبدأ عمليات السادس من أكتوبر، وكان علمي بهذه الحقيقة سببًا في إحساسي بالحرج وأنا أبلغ المغفور له المشير أحمد إسماعيل بنتائج الضربة الجوية وباسميّ الشهيدين».

   عاطف السادات يقول «مبارك» «إن عاطف السادات، في البدء والنهاية، طيار قاتل كغيره من رجال سلاح الجو المصري له ما لهم من حقوق وعليه ما عليهم من واجبات، وألمنا لفقده هو نفس الألم الذي يعتصرنا لفقد غيره من شهداء قواتنا الجوية، لكن أنور السادات بشر في النهاية، ومن حقه أن يشعر بأحاسيس غيره من البشر، عندما يفاجَأ الأخ الأكبر بنبأ استشهاد أخيه الأصغر، الذي كان بالنسبة له في مكانة الابن العزيز.. لا شك أن هذا الإحساس بالحرج، والفهم الإنساني للطبيعة البشرية، والتقدير المرهف لحساسية الموقف، هو الذي دفع المشير إلى احتباس خبر استشهاد عاطف السادات عن شقيقه أنور السادات بضعة أيام.

   موقف إنسانى من المشير أحمد إسماعيل، لعله أراد به أن يجنب القائد الأعلى امتحانًا صعبًا في اللحظة التي كان على الرئيس السادات أن يتحمل فيها مسئوليته التاريخية وهو في القيادة، في اللحظة التي يواجهون فيها قدرهم وقدر أمتهم العربية وشعبهم المصري، ليجيبوا عن السؤال الرهيب، الذي ظل يتردد -منذ عام 1967- في أعماق الشخصية العربية، سؤال رهيب يقول: هل نحن موجودون، أم غير موجودين؟ وفي مواجهة هذا السؤال المصيري، فليس من الحكمة أن يتعرض القائد الأعلى لأي اهتزاز -حتى لو كان عاطفيًا تمليه الطبيعة البشرية، ورابطة التراحم الأسري بين الأخ الأكبر وأخيه الأصغر- هكذا قرر المشير أن يحبس الخبر عن قائده الأعلى حتى تتضح معالم الموقف العسكري على الجبهة تمامًا، وعندما سنحت الفرصة، أعلن المشير الخبر لقائده الأعلى، ليجد نفسه أمام تصرف لا يصدر إلا عن إنسان له عمق أنور السادات، وشخصيته متكاملة العناصر، عميقة الأبعاد. حزن الرئيس حين أُبلغ بخبر استشهاد عاطف السادات في الضربة الأولى. لقد كان حزن الأخ الأكبر (أنور) على أخيه الأصغر (عاطف) عميقًا.. لكن لمحة الحزن التي أطلت من عينيه يومها -وشهدها كل الحاضرين في غرفة العمليات الرئيسية- خالطها، ثم طغى عليها في النهاية، إشعاع من العاطفة الأبوية الشاملة، التي ظللت كل المقاتلين واحتضنت كل الشهداء، وأطلقها الرئيس في عبارته المؤثرة: «كلهم أولادى».

بطولات الرجال

    ينتقل «مبارك» بعد الحديث عن عاطف السادات وخبر استشهاده، في اليوم الأول للحرب، للحديث عن بطولات رجال القوات الجوية التي هدمت الغرور الإسرائيلى. فيقول: في السادس من أكتوبر، وأثناء الضربة الأولى المركزة التي حطمت روح الطيران الإسرائيلي وأعادته إلى حجمه الطبيعي، أصيبت طائرة المقاتل الطيار (نجيب…) بدانة مدفع مضاد أطارت غطاء كابينة الطائرة وأصابته هو بجروح سطحية في وجهه، لكنه لم يبلغ عن الحادث ولم يطلب العلاج، بل بدأ بمجرد هبوطه في قاعدته إجراءات التزود بالوقود والذخيرة ليشترك في باقى طلعات ذلك اليوم، ولم يكتشف أمره إلا بعد أن حققت الضربة أهدافها وسمح للطيارين بالقليل من الوقت والراحة قبل بدء المهمة التالية. وفي نفس اليوم أيضًا وفي نفس العملية، حدث نفس الشيء للمقاتل الطيار (فوزى…) أثناء عودته بعد ضرب مطار بير تمادا، لكن أمره اكتُشف لحسن الحظ فصدرت له الأوامر الصارمة بالراحة جبريًا، لكنه بعد 24 ساعة تقدم بتظلم أقرب إلى الرفض منه إلى الرجاء، نوه فيه بأنه سيقضي ما بقى من حياته فاقدًا احترامه لنفسه لمرور يوم وليلة من عمر المعركة دون أن يفعل شيئًا، حتى إذا ما أجيب إلى طلبه، حرص بعد عودته من كل عملية على المشاركة في العملية التي تليها، وكأنما يعوض ما فاته من عمليات. ويحدث نفس الشيء، وما أكثر ما حدث للمقاتل الطيار (حسن…) في الثامن من أكتوبر؛ فبعد أن تمكن من إسقاط طائرة للعدو، أصيبت طائرته بصاروخ معادٍ أثناء عودته، فوثب بالمظلة وعاد سيرًا على قدميه إلى حيث التقطته قواتنا الأرضية وأعادته سالمًا إلى قاعدته قبل الغروب. وكان حتماً أن يحال إلى القومسيون الطبي ليحدد المدة الكافية لعلاج الكدمات والجروح التي أصيب بها.. وأحيل فعلًا رغم إلحاحه في طلب إعفائه من ذلك، لكنه لم يكف عن التوسل للأطباء حتى يطلقوا سراحه كما كان يقول فأجيب إلى طلبه بعد 24 ساعة ليشترك في عدة عمليات ناجحة قبل أن يحظى -بعد ذلك- بلقاء ربه شهيد إيمانه وحبه لوطنه.

    يحكى «مبارك» عن لون آخر من ألوان الإصرار وروح القتال التي جعلت من مقاتلي القوات الجوية مضربًا للأمثال قائلاً: «عندما رزق المقاتل الطيار (فهمى…) بمولودته الأولى، وبادرت قيادته بمنحه إذناً ليراها ويطمئن على سلامة الأم، رفض ابن السادسة والعشرين أن يبعد عن قاعدته ولو لساعات، خشية أن تفوته المساهمة في إحياء مهرجان الانتصارات الذي أقامه مع زملائه ابتداء من السادس من أكتوبر. وتمخض هذا التكالب على الاشتراك في العمليات، من جانب الطيارين، عن ابتكار الكثير من الحلول لبعض المشكلات؛ فالمخالفات الصغيرة مثلًا، التي لا تخلو منها قاعدة جوية أو غير جوية، أمكن القضاء عليها تمامًا، وبين الطيارين بالذات، بجزاء طريف ابتكره أحد قادة القواعد لينتشر بين القواعد جميعًا، هو الحرمان من طلعة أو أكثر من طلعات القتال.

   كانت المشكلة الدقيقة التي عاناها القادة أثناء الحروب الجوية ممثلة في حتمية اختيار الطيار المناسب للعملية المناسبة من حيث هي تدمير أهداف جوية أو اكتساح مدرعات أو ما إلى ذلك، حتى ابتكر قادة القواعد حلًا طريفًا للمشكلة يتلخص في استدعاء الطيارين جميعًا إلى غرفة عمليات القاعدة لتلقينهم تفاصيل العملية، في نفس الوقت الذي يجرى فيه تجهيز العدد المطلوب فقط من الطائرات للطلعة وهي داخل دشمها، حتى إذا ما انتهى التلقين وهرع الطيارون كلٌّ إلى دشمه، حظى البعض بالمهمة وعاد الباقون ضاحكين حيث يجدون الدشم التي حددت لهم خالية بلا طائرات». إلى هذا الحد هانت الأرواح في سبيل الحصول على المجد للبلاد.

     إلى هذا الحد كان الرجال يسارعون للشهادة أو النصر يعرفون مسئولياتهم الواجب أداؤها؛ لذا لم يكن ابتكار حل المشكلات وقفاً على القادة؛ فقد ابتكر المقاتلون الطيارون لأنفسهم حلًا لمشكلة المشكلات في القتال الجوي، هي مواجهة العدو والدخول في المعركة الجوية بلا ذخيرة. وهو ما يقول عنه «مبارك»: «الحل المبتكر جاء عفواً، وأما السبيل إليه فكان روح القتال الكامنة في طيارينا؛ إذ اهتدى طيارونا المصريون إليها في أول مناسبة برزت فيها المشكلة بالمناورة في الجو وركوب الطائرات المعادية بتشكيل الطائرات المصرية فكانت طائرات العدو تسارع بالهرب من صواريخ لا وجود لها. وهو الحل الذي قام به الطيار نجيب وسبق الحديث عنه في ابتكار تمتزج فيه الشجاعة بالسخرية المصرية اللاذعة من العدو».

   يواصل «مبارك» حكيه عن بطولات الرجال فيقول: «في الثامن عشر من أكتوبر خرج تشكيل من 4 طائرات بقيادة المقاتل الطيار (حيدر) ومعه كل من (محب ورضا وفتحى)، في مهمة لتدمير عدد من الأهداف الحيوية في عمق سيناء، لتعترضه أثناء العودة بعد أدائه لمهمته مقاتلات العدو، وهو على بُعد 40 كيلومترا شمال العريش، وإذا كان التشكيل المصري قد بوغت وهو بلا ذخيرة للدفاع؛ فقد كان في هذه المرة بلا وقود يكفى للمناورة الخداعية ثم العودة إلى قاعدته؛ لذا أصدر قائد التشكيل، المقاتل الطيار (حيدر…) أمره إلى زملائه بمواصلة العودة إلى القاعدة دون اشتباك، وانفصل هو عن التشكيل واتجه رأسًا صوب العدو، وراح يشغله بالكر والفر وهو أعزل تمامًا، حتى تمكنت مقاتلات العدو منه بعد عناء، فأسقطته شهيدًا مضحيًا بحياته ثمنًا لحياة زملائه».

العمليات الخاصة

    يقول «مبارك» في «كلمة السر»: كثير من الناس لا يعرف عن العمليات الخاصة إلا اسمها. قد لا يعرف الكثيرون أنها واجبات ينفرد كل منها بوضع خاص، سواء من حيث التعرض للمخاطر أو من حيث الآثار المترتبة على النجاح أو الفشل في أداء العمليات الخاصة بالبر أو البحر. مسئوليات جسام تتطلب من المقاتل الطيار أسمى مستويات الإخلاص للعمل والصدق في الأداء والشجاعة في مواجهة الخطر. تلك عناصر توافرت بغزارة في مقاتلينا الطيارين طوال معارك أكتوبر التي قامت أكثر ما قامت على العمليات الخاصة التي عُهد بها لسلاحنا الجوي فأثبت كفاءة عالية في هذا النوع من عمليات القتال التي خضناها للمرة الأولى في تاريخنا؛ ففي السادس من أكتوبر، وبينما الضربة المركزة الأولى تفتح أبواب الجحيم وتصلى العدو ناراً من الجو، كانت عدة تشكيلات من تسع عشرة طائرة هليكوبتر ضخمة، بقيادة المقاتلين الطيارين «شمس…» و«رفيق…» و«زكى…» و«محمود…» و«سعيد…» و«عمر…» و«حسن…» و«سمير…»، تسقط جنود الصاعقة البواسل شمال قلعة الجندى وشرق رأس سدر ووراء الممرات، للعمل خلف خطوط العدو بما يربكه ويوقعه في الحيرة التي حطت من روحه.

     تلك القوات التي تم إنزالها لا يزال العالم يتغنى بإنجازاتها؛ لأن معظمها لم يعد إلا بعد شهور ثلاثة من بدء العمليات، وقد كانت نقطة الانطلاق الأولى في هذه العملية البطولية هي نجاح طائراتنا في توصيل هذه القوات إلى أهدافها. كان بديهياً أن تجد هذه القوات الخاصة حاجتها من الذخيرة والغذاء والماء، وكان الحل عند سلاحنا الجوي الجديد، الهليكوبتر؛ فعن طريق العمليات الخاصة أقام هذا السلاح جسرًا لإمداد قواتنا البرية الخاصة حيثما وُجدت عبر طرق جوية عجز العدو عن اكتشافها، ابتداء من الثامن من أكتوبر، وفي تشكيلات سريعة الحركة بقيادة مقاتلين طيارين كانت خبرتهم بهذه العمليات جليلة الأثر تتصاعد باستمرار، من أمثال المقاتلين الطيارين «عمر…» و«حسن…» و«بهي…» و«أبوشهبة…» و«سمير…» وغيرهم. نوع آخر من العمليات الخاصة اضطلعت به طائراتنا الهليكوبتر، تجاوز مجرد إبرار القوات الخاصة وإمدادها، إلى تدمير الأهداف أيضًا؛ ففي الحادى عشر من أكتوبر عندما تقرر الحد إلى أقصى درجة ممكنة من نشاط مدرعات العدو بحرمانها من البترول، عصب الحرب الميكانيكية.. انطلقت أربعة تشكيلات من طائرات الهليكوبتر بقيادة كل من المقاتلين الطيارين «شمس…» و«رفيق…» و«أحمد…» و«علي…» في الصباح، ثم تلتها أربعة تشكيلات أخرى بقيادة كل من «جلال…» و«محمد…» و«سيد…» و«محسن…» إلى حيث دمرت مستودعات البترول بسيناء، فحرمت العدو بهذه العملية التدميرية الناجحة من مصدر حيوى للوقود.

   بمثل تلك الروح في القتال بين طيارينا وذلك المستوى من التدريب والكفاءة، تمكن هؤلاء الطيارون من تحقيق أعمال تعتبر قياسية في مجال الحروب الجوية. منها على سبيل المثال عدد الطلعات الجوية في اليوم الواحد. كان الرقم القياسى 4 طلعات حققها طيارو سلاح الطيران البريطاني، أثناء مطاردة قوات المحور، وهي في انسحابها التاريخي من شمال أفريقيا. وقد تخطت قواتنا الجوية المصرية هذا الرقم ولأكثر من مرة بعدد من الطلعات وصل إلى 6 طلعات كان يحققها الطيار الواحد في اليوم الواحد، دون أي بادرة من بوادر الإجهاد أو الإرهاق. كذلك في مجال إسقاط الطائرات الأكثر تفوقًا أثناء القتال الجوي، بلغ طيارونا الذروة، لا في عدد ما أسقطوا من طائرات معادية أكثر تفوقًا من طائراتهم فحسب، بل على مدار حرب بدأت دون أن يدري أحد متى سيقدر لها أن تنتهي. كما حقق العشرات من طيارينا أرقامًا قياسية في عدد إسقاط الطائرات المعادية الأكثر تفوقًا. ويتحدث «مبارك» عمّا يعتبره قياسًا في أكثر من مجال من مجالات الحروب الجوية، فيقول: كان ينتاب بعض الطيارين حالة من فقدان الصبر، والاستجابة للحماس وروح القتال، عندما ينجح العدو في الوصول إلى إحدى قواعدنا الجوية، فما من مرة هوجمت القاعدة التي يعمل منها كل من المقاتلين الطيارين «ضيف الله…» و«المنصوري…»، إلا وهرعا إلى طائرتيهما وانطلقا تحت القصف، إلى حيث يشتبكان مع العدو الجوي في معركة إن لم تنته بإسقاطه، فبإرغامه على التخلص من حمولته المدمرة بإلقائها فوق الحقول، والعودة هاربًا دون أن يحقق أهدافه ضدنا. ولا أنسى ما دأب عليه كل من المقاتل الطيار: «فهمي…» و«نصر…» و«عادل…» و«تحسين…» و«شكري…» من عدم فتح نيرانه على عدوه، بعد التمكن منه، إلا وهو على أقرب مسافة ممكنة منه، لدرجة أن شظايا العدو في كثير من المرات، إثر انفجارها في الجو، أصابت طائراتهم إصابات لم تعقها عن مواصلة الطيران. لا ينسى «مبارك» الإشارة لقوات كانت مهمتها تسهيل مهام هؤلاء الطيارين فيشير إلى معلومة حربية مفادها أن كل طيار يطير في الجو، يقابله بين 18 و20 مهنة تخدمه على الأرض.

    بين متخصصين في الإعداد الهندسى للطائرة، وآخرين لتأكيد سلامتها وتحميل لأسلحتها وتزويدها بالوقود والذخيرة وصيانة أجهزتها المختلفة. كما يسهر على تأمين سلامة الطائرة ملاح لتوجيهها على شاشات الرادار، ومراقب جوي لتنظيم إقلاعها وهبوطها من برج المراقبة، وخلف هؤلاء مهندسون وميكانيكيون وعمال في مهن فنية عديدة يصلحون ما يصيب كل طائرة من أعطال. وآخرون قابعون في مخازنهم، لإمداد الأسراب والورش بما يلزمهم من عتاد أو مهمات أو قطع غيار، وآخرون في مكاتبهم، يديرون دولاب العمل في أجهزة التخطيط ووحدات التنفيذ. وهو ما يقول عنه: كل هؤلاء كانوا بمثابة خلية النحل، لا يكل فرد فيها عن العمل، وشأن كل خلية لها طلائع.. يصنعون النصر بالتضحية بأرواحهم، ويعطون الحياة صفة الاستمرار بهذه التضحيات.

    كان كل من هؤلاء يفكر في سلامة الطائرة وسلامة الطيار وسلامة الممر قبل أن يفكر في نفسه، ومن ثم شحذت هممهم، فجاءت نتيجة الأعمال التي قاموا بها خلال المعارك وفق ما نعرف الآن. وكما ذكرت المقاتلين الطيارين فإنني أذكر بعضًا من بطولات غيرهم، لا من باب الفخر والإعجاب، ولكن من باب التذكرة والاستفادة.. كان الأعداء يستهدفون دشم الطائرات، وكانوا يستهدفون الممرات لتعطيلها توهماً منهم أنهم قادرون على تكرار ما حدث في 5 يونيو 1967، وتساقطت بعض القنابل على الممرات، وتساقط الكثير من صواريخ العدو وقنابله بعيدًا عن الممرات والدشم. لكن لم يتعطل مطار واحد أكثر من ساعات معدودة، استكمل بعدها قدرته على الدفع بطائراته إلى سماء المعركة التي فوجئت بها إسرائيل. ولقد تمخضت خسة إسرائيل في لحظات اليأس عن استخدام القنابل الاهتزازية، التي تنفجر بمجرد حدوث أي حركة بجوارها؛ لذا لعبت البسالة المصرية دورها، حتى لا تهتز القنابل أو تنفجر أمام طائرة أو أمام دشمة بجوارها.

    كمثال على بطولات أبنائنا أذكر رئيس الوحدة المسئول عن إزالة القنابل وتطهير الممرات منها، وهو يغادر مكتبه في القاهرة، وينطلق إلى إحدى القواعد الجوية التي تساقطت فيها القنابل حول الممر، ليباشر التطهير بنفسه، ويظل يواصل الليل بالنهار لأن القنابل كانت تعد بالعشرات، وكان بعضها غائصًا في الطين على بُعد أمتار، فظل يواصل الحفر وراءها حتى تم نزع كل ما أسقطه العدو من قنابل، وتم تأمين المطار.

    قائد وحدة تطهير آخر تقدم نحو موقع سقطت فيه قنبلة، فتنفجر فيه لأنها كانت من النوع الاهتزازى، ويتقدم من يليه في الرتبة، فيلقى نفس المصير، ثم يتقدم من يليه، وهكذا.. حتى أصبحت الوحدة تحت قيادة ملازم.. وأخيرًا تم التطهير، دون أن تتوقف العمليات؛ لأن الجميع كانوا مؤمنين بحتمية مبدأ جديد اسمه «الاستمرار».

     أذكر سائق وحدة ميكانيكية تقدم من الممر، وعرف أن عددًا من زملائه لقوا حتفهم وهم يطهرون الممر من قنابل اهتزازية، فيسرع بعربته نحو قنبلة باقية كانوا يشيرون إليها، ويلقي نفس مصيرهم، حتى لا يستمر تعطيل الممر عن الطيران. ويتمزق جسده، مع أجزاء العربة، وتتوقف حياة البطل الشهيد، لكي تستمر قواته الجوية في الحياة.

    يواصل «مبارك» الحديث عن همم الرجال الأبطال الحقيقيين الذين لا يذكر أسماءهم كاملة، أو لا يذكرها على الإطلاق، لكنه يعلم بما قاموا به فيخلد مواقفهم. فيحكي عن دور أبطال آخرين كانوا خلف عدم تعطل أي مطار أكثر من بضع ساعات، فيقول: كانت هناك عملية إعداد فوري واستعدادات وتحضيرات خاصة يطلق عليها مهندسو الممرات «الخلطة الساخنة»، والأسمنت سريع الشك. لم يكن العدو يدري أن مصر كلها تحارب، وأن مصر كلها تساند جيشها.

   كانت الخلطة الساخنة تُصنع في كل موقع وبجوار كل مطار، وتقوم بتجهيزها شركات ومواقع عمل مدنية كانت على أهبة الاستعداد، وسواعد مدنية كان أصحابها لا يقلون فدائية واستعدادًا للبذل عن المقاتلين الرسميين. وكانت أجهزة نقل متخصصة تعمل لإحضار هذه «الخلطة الساخنة» على وجه السرعة، لردم ما في الممرات من حفر، وفي كل قاعدة جوية أو مطار توجد وحدة لديها آلاتها ومعداتها وضباطها وجنودها، المسئولون عن إعادة تجهيز الممرات.

    هؤلاء ضربوا أروع أمثلة النشاط، ومواصلة الليل بالنهار، لجعل الممرات جاهزة لإقلاع الطائرات وهبوطها باستمرار، وخلال ثغرة «الدفرسوار» تركزت غارات الأعداء على أحد مطارات شرق الدلتا، وتساقطت عليه مئات القنابل، وتعطلت ممراته أحيانًا، لكن كان العدو يعطله ليلًا، ليصبح فيجده وقد عاد صالحًا، وأقلعت منه الطائرات لتهاجمه.

   لقد كان مهندسو المطارات يعملون ليلًا على أضواء العربات. كم كانت تعوق أعمالهم القنابل المهتزة، لكنهم كانوا دائمًا ذوي عزيمة، وكان نتاج ذلك كله ممرات صالحة على الدوام، تضمن لسلاحهم الجوي تحقيق شبح يرعب إسرائيل اسمه «الاستمرار» في المعركة من بدايتها إلى نهايتها.

    يأتى الكتاب على ذكر سلاح آخر للعدو تمثل في إلقاء قنابل تحوى مئات من الكرات المعدنية، التي تتناثر في شتى الاتجاهات عند حدوث الانفجار، فتصيب عددًا كبيرًا من الأفراد. وهي القنابل التي أطلق عليها جنودنا اسم «قنابل الجوافة»، تشبيها لكراتها ببذور هذه الثمار. ورغم إصابتها لعدد كبير من رجالنا فإن حركة العمل في أي قاعدة أو مطار لم تتوقف ولو للحظات. كانت تلك القنابل تسقط بالقرب من حظائر الطائرات ودشمها، لكن كان الرجال أقوى منها. وعندما وُجد كثير منهم أن بعض البلي المتناثر يمكن أن يصيب الطائرات داخل الدشم، تمخضت أذهانهم عن أفكار مبتكرة غاية في البساطة، تمثلت في بعض شكاير الرمل وصناديق الخشب المملوءة بالرمال، وحموا بها الطائرات. ولقد ضرب كثيرون منهم أروع المثل في التضحيات.

    يقول «مبارك»: كان من هؤلاء: المقاتل «شاكر…»، الذي لمح قنبلة تتدحرج في منزلق نحو إحدى الدشم، دون أن تنفجر، فهَمَّ في سرعة خاطفة إلى التقاطها بيديه، وجرى بعيدًا عن الدشمة إلى أرض فضاء مجاورة ليلقي بها، وهو يعلم أن انفجارها موقوت، وما كاد يعطيها ظهره، بعد أن أبعد الخطر، حتى دوي صوت الانفجار عاليًا، وهو لم يكد ينبطح على وجهه ليتفادي الشظايا إلا في اللحظة الأخيرة، والمقاتل «شبل…» الذي كان يتعاون مع لفيف من زملائه على إدخال إحدى الطائرات إلى دشمتها، ليحكموا إغلاق الباب عليها حماية لها من قنابل الجوافة، لكن القنابل لاحقتهم، وسقطت إحداها قرب الدشمة، فأصر المقاتل «شبل» على أن يتقدم زملاؤه حتى يغلقوا الباب على الطائرة وبقي هو ليسحب القنبلة بحبل بعيدًا عن الطائرة. أما المقاتل «شافعي…» فقد كانت له هواية غريبة، وهي جمع قنابل الجوافة، ولقد أفلح في جمع ما يزيد على ستمائة قنبلة منها بعد نزع مفجراتها، وبذلك أصبح سرها معروفًا، ولم تخِفه القنابل المهتزة ونجح في نزع طبات سبع منها. وذاع صيته في المنطقة، إلى حد أن استدعته إحدى وحدات الدفاع الجوي القريبة لتأمين قنبلة كبيرة زنة الألف رطل، سقطت بجوارها على عمق أكثر من مترين في الأرض. وأسرع العملاق المصرى «شبل» ليؤمن وحدة الدفاع الجوي، التي تسهم بجهدها الحيوي في خلق الشبح الذي أطار النوم من عيون جنرالات الجو الإسرائيليين.

   ينتقل «مبارك» للحكي عن مهام الصيانة للطائرات خلال حرب أكتوبر فيقول: لم يكن غريبًا عليّ، وأنا أباشر مهمتي -كقائد للقوات الجوية خلال حرب أكتوبر- أن ألاحظ أن عمليات «التمام» التي كانت تتلقاها قيادة القوات الجوية لم يكن بينها في أي يوم «بند» عدم صلاحية للطائرات بسبب تأخر الإصلاح لمدد طويلة. ومن ثم كانت نسبة صلاحية الطائرات على الدوام أعلى من المتوقع باستمرار. كان وراء هذا عيون ساهرة من مهندسي الصيانة وميكانيكيي وعمال ورش الإصلاح، سواء في القواعد الجوية والمطارات أو في الورش الخلفية. هؤلاء واصلوا الليل بالنهار في إنجاز الإصلاحات، وليس في ذلك في حد ذاته بطولة؛ لأن ذلك عملهم وواجبهم، لكن عنصر البطولة يكمن في إنجاز هذه الإصلاحات في أوقات أقل ما توصف به أنها غاية في القِصَر إلى حد يصعب تصديقه.

   استخدم مهندسو الصيانة وسائل مبتكرة في إصلاح الطائرات، منها على سبيل المثال ما حدث في إصلاح الثقوب الصغيرة التي أحدثتها الشظايا في الطائرة، فلم تكن تعالج بالسمكرة بل باستخدام لدائن لاصقة. ومعدات الرفع والتحميل التي لا تتوافر إلا في الورش الرئيسية المجهزة، أمكن ابتكار ما يقوم بعملها داخل دشم الإصلاح وورش المطارات بوسائل لا تتسم إلا بالبساطة، لكنها تؤدي إلى تحقيق نفس الفعالية المطلوبة والمؤدية إلى سرعة الإنجاز في أقصر حيز زمني ممكن.

   يحكي «مبارك» عن مواقف يتضح فيها حجم الإحساس بالمسئولية وأهمية عنصر التوقيت والفداء فيقول: وصل بلاغ من إحدى القواعد ليلًا بأن طائرة غير صالحة في حاجة إلى قطعة غيار صغيرة الحجم، وأن صلاحية الطائرة متوقفة عليها، وبعد أن تم صرف القطعة المطلوبة، تحرك أحد المقاتلين بها لتوصيلها، وكان لزامًا عليه أن ينتقل بعربة وعلى بعد 4 كيلومترات من القاعدة، وتعطلت العربة فواصل الجري حتى بلغ القاعدة لتكون الطائرة صالحة قبل مطلع الشمس. كذلك سقطت قنبلة أمام باب دشمة كان المقاتل «حمدي…» يجري فيها إصلاح طائرة، فيتفتق ذهنه عن سحب الطائرة من الباب الخلفي للدشمة بواسطة عربة التزويد بالوقود. وعندما يحدث الانفجار، تكون نتيجته إتلاف بعض الجدران فقط. والمقاتل «زناتي…» تسقط قرب ورشته قنابل صغيرة كثيرة العدد، ويعرف أنها ستنفجر بعد قليل، لكنه يمضي في جمعها في خوذته بسرعة ويسرع إلى إلقائها في حفرة حتى لا يتعطل إصلاح الطائرات. أما المقاتل «أبوناسو…» فقد كان متخصصًا في إصلاح كوابل التليفونات، وتحت قصف من وابل القنابل لم يتأخر عن إصلاح كل الكوابل الموصلة إلى الدشم، لتكون الطائرات دائمًا جاهزة لتلقى أوامر الإقلاع فور صدورها. بهذا استحقت قواتنا الجوية التقييم المنصف الذي أعلنه الفريق أول محمد عبدالغنى الجمسى، نائب رئيس الوزراء وزير الحربية القائد العام لقواتنا المسلحة، عندما أعلن أن «القوات الجوية هي التي بدأت الحرب وهي التي أنهتها».