دراسات سياسية

قضية جمال خاشقجي والقانون الدولي ومسؤولية الدول

بقلم جو حمورة

 على مر الأسابيع الماضية، أخذت قضية اختفاء الصحافي جمال خاشقجي مكاناً معتبراً في الإعلام العالمي وخطابات مسؤولي الدول. الرجل ذو الجنسية السعودية، والمقيم في الولايات المتحدة حيث يعمل في صحيفة “واشنطن بوست”، شوهد وهو يدخل إلى قنصلية بلاده في اسطنبول في الثاني من تشرين الأول / أكتوبر، بهدف الحصول على أوراق شخصية. لم يخرج الصحافي السعودي من قنصلية بلاده البتة، فأعلن البعض، بداية، أنه اختفى، أو أنه محتجز. لكن سرعان ما اعترف جميع المعنيين في هذه القضية، وبخاصة السعودية، وتركيا، والولايات المتحدة الأميركية، أن جمال خاشقجي قد توفي داخل القنصلية السعودية.

بعيداً عن السياسة، ومحاولة استفادة هذه الأطراف الثلاثة من القضية، أكان عبر طمسها أو ابتزاز الآخرين بها، يضيء مقتل جمال خاشقجي على وضع القانون الدولي، وموضوع الحصانة الدبلوماسية، والمسؤولية القانونية والأخلاقية المترتبة على كل من السعودية وتركيا والولايات المتحدة الأميركية في الكشف عن حقيقة الجريمة ومعاقبة مرتكبيها.

القانون الدولي و إساءة استخدام الحصانة الدبلوماسية

من أجل تسهيل التواصل الحر بين الدول، ومحاولة تجنب النزاعات على أشكالها، أقر القانون الدولي حصانة للدبلوماسيين والمباني التابعة للدول. ركن المشرع إلى هذا الأمر من أجل تسهيل عمل الدبلوماسيين، وعدم وضعهم تحت الضغط أو الإكراه الذي يمكن للدولة المضيفة أن تقوم به تجاههم.

تشكل كل من “اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية” (1961) و “اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية” (1963) المداميك الأساسية للقانون الدبلوماسي الدولي الحديث. في حالة خاشقجي، تعطي هذه الاتفاقيات الدولية حصانة للدبلوماسيين العاملين في القنصلية التي اختفى الصحافي فيها، كما تعتبر القنصلية بذاتها أرضاً سعودية، حيث لا سيادة تركية عليها. لذلك، لم تدخل الشرطة التركية لتفتيش مبنى القنصلية إلا بعد أسبوعان من اختفاء خاشقجي، وبعد أخذ موافقة صريحة من الدولة السعودية[1].

تسير الشؤون المنظِمة لعمل الدبلوماسيين على هذا المنوال منذ أكثر من نصف قرن، إلا أن هذه الحريات المحفوظة لهم يمكنها، في بعض الأحيان، أن تكون مضرة، خاصة إن تم استخدام الحصانات لارتكاب أعمال غير قانونية أو التستر عليها. تبعاً للقانون الدولي، لا يمكن، بشكل عام، للدولة المضيفة أن تعتقل أو تحاكم دبلوماسي من دولة ثانية ارتكب جرم على أراضيها. لكن يبقى لها الحق، تبعاً للقانون، في تطبيق مبدأ “الأشخاص غير المرغوب فيهم” (persona non grata)، وطردهم من البلاد[2].

في حالات كثيرة سابقة، عمد دبلوماسيون إلى مخالفة القوانين العامة، أكان عبر تهريب المخدرات في حقائبهم الدبلوماسية مثلاً أو، كما في حالة خاشقجي، قتل مواطن داخل القنصلية السعودية. يضع القانون الدولي الدولة المضيفة أمام إحدى الخيارات الصعبة، فتواجه معضلة بين حماية مبادئ القانون الدبلوماسي الدولي من ناحية، أو أخذ الإجراءات التي تحفظ الامن العام[3]. إن ركنت إلى الخيار الأول نتج عنه تفشي للجرائم التي يرتكبها الدبلوماسيون أو لتلك التي تمارس داخل المباني القنصلية والدبلوماسية. أما وإن ركنت إلى الخيار الثاني، فتكون قد خرقت القانون الدولي، وخلقت أزمة دبلوماسية مع دول أخرى.

تبعاً لذلك، تطرح قضية خاشقجي المعضلة القانونية التالية: إن كانت الحصانات الدبلوماسية ضرورية لعمل النظام الدبلوماسي الدولي، ماذا يمكن العمل إن تم الاحتماء بهذه الحصانات إلى درجة تعريض حقوق الإنسان، والأمن العام، وسيادة الدول الأخرى للخطر؟

قد يكون الاهتمام الدولي بهذه القضية، والتصاريح الصارمة التي أطلقت مدخلاً لإعادة النظر بإتفاقيتا فيينا الدبلوماسيتان. فقد رأى أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن هذه الجرائم باتت أقرب إلى “أمور طبيعية”، داعياً إلى إجراء “تحقيق فوري وشامل وشفاف في ملابسات موت خاشقجي”، كما حثّ على محاسبة المتورطين بشكل كامل[4]. آخرون كثر رأوا بأن الجريمة تشكل تحدياً حقيقياً، ليس للدول المعنية بها وحسب، إنما “للقانون الدولي القائم على سيادة الدول”[5].

قد يكون تشعب المواقف والمصالح المتعلقة بقضية خاشقجي، كما الغضب الدولي الناتج عنها علامات إيجابية، فتفتح باب النقاش حول تجديد القوانين والمبادئ التي ترعى العمل الدبلوماسي والقنصلي، وتضع قوانين أكثر صرامة بحال تم استخدام الحصانات الدبلوماسية للقيام بجرم أو إعاقة تطبيق العدالة. وعلى الرغم من أن اتفاقيات فيينا تشير بوضوح إلى أنه من واجب جميع الأشخاص الذين يتمتعون بحصانات دبلوماسية أو قنصلية أن يحترموا قوانين وأنظمة الدولة المضيفة وأن لا يستخدموا المباني بشكل يتنافى مع ممارسة المهام الدبلوماسية، لا تحتوي الأحكام ذات الصلة على أي عقوبة واضحة لإساءة استخدام المباني الدبلوماسية أو القنصلية.

بعد مرور غيمة الاستفادة السياسية من الجريمة والضجة الإعلامية حولها، قد يتم تحديث أحكام القوانين الدولية، أو فرض عقوبات واضحة كالإزالة المؤقتة لحصانة المباني والحقائب الدبلوماسية والقنصلية، إن كان هناك من شك حقيقي حول ارتكاب جرم خطير. أو ربما مجرد بحث عن حلول ممكنة لمنع إساءة استخدام الحصانة الدبلوماسية والتهرب من العدالة.

المسؤولية التركية وحدود التدخل والاستفادة

يعطي القانون الدبلوماسي والقنصلي الدولي حصانة للمباني التابعة للسعودية في تركيا، كما للآليات والحقائب التابعة لها، بالإضافة إلى القنصل وبعض الموظفين من ذوي الصفات الدبلوماسية. إلا أن القانون لا يذكر أي حصانة للموظفين العاديين، أو آلياتهم، أو مقر إقامة القنصل الخاص. كل هؤلاء الأشخاص والأماكن لا يخضعون لأي حصانة إستثنائية، فيمكن لتركيا، بالتالي، أن تقود حملة تحقيق معهم أو بحث فيهم[6].

من ناحية أخرى، أعلنت أنقرة، عبر مسؤوليها السياسيين والأمنيين، أن فريقاً مؤلفاً من تسعة أشخاص قد حط رحاله في تركيا قبل يوم من اختفاء خاشقجي في الثاني من تشرين الأول / أكتوبر، وتواجدوا معه في القنصلية في نفس الوقت. ثم ما لبثوا أن تنقلوا بين القنصلية السعودية ومنزل القنصل. ليعود وينضم إليهم فريق من ستة أشخاص آخرين قدموا إلى اسطنبول من الرياض، ثم غادروا جميعاً في مساء ذلك اليوم. هذا الادعاء التركي، يكفي وحده ليضع أنقرة أمام مسؤولية أخلاقية في البحث والتحري في قضية مقتل خاشقجي، طالما من اتهمتهم البيانات التركية بالجريمة قد تنقلوا على أرضها، وربما نقلوا جثة خاشقجي من مكان إلى آخر.

وعليه، طالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 23 تشرين الأول / أوكتوبر أن تكشف السعودية عن من أعطى الأوامر في تنفيذ الجريمة، كما كشف “المتعاونين المحليين” الذين نفذوها وأخفوا جثة خاشقجي. بالإضافة إلى ذلك، طالب أردوغان الحكومة السعودية بالسماح بمحاكمة المتهمين في تركيا، وتسليم كل أعضاء الفرق الأمنية الذين قدموا إلى القنصلية السعودية في اسطنبول يوم مقتل خاشقجي. كما لم ينسَ التذكير بأن الجريمة تم التحضير لها على الأراضي التركية، ما يعطي حكومته الحق في متابعة القضية، ومؤكداً أنه يتوقع أن يتم إجراء تعديل على اتفاقيات فيينا بعد هذه الحادثة[7].

تبقى المهمة الأساسية والقطبة المخفية في هذه القضية، والتي من المتوقع أن يلعب الأتراك دوراً أساسياً فيها، هو تحديد مكان جثة خاشقجي. فحتى الساعة، لم يتم العثور على الجثة، وهي مسؤولية تركية – سعودية مشتركة، على إعتبار أن آخر مكان معلوم تواجد خاشقجي فيه كان في القنصلية، فيما لا شيء يمنع أن تكون جثته قد نُقلت إلى أي مكان آخر تابع للسيادة التركية.

ما أن أخذت القضية بُعداً دولياً، حتى أعلنت أنقرة والرياض عن تشكيل فريق مشترك للبحث داخل القنصلية عن جثة خاشقجي أو أي أثر له. طالبت أنقرة أن تمنحها الرياض الحرية الكاملة للتفتيش في مقر القنصلية وآلياتها، إلا أن الرياض رفضت هذا الأمر، ثم توصلت إلى اتفاق مع الجانب التركي يسمح له بالتفتيش في بعض الأماكن، لكن بالتعاون مع الجهات السعودية المعنية. أما تفاصيل الإتفاق الثنائي، فبقي غامضاً، ولم يتم تسريب مضمونه وشروطه وحدوده[8].

تحاول أنقرة، قدر الإمكان، الظهور بمظهر الساعي إلى كشف ملابسات الجريمة، لكن دون إغضاب السعودية بشكل كامل، وترك الباب مفتوح أمام التعاون الثنائي. لا يعني هذا الأمر، بطبيعة الحال، أن أنقرة لا تبحث عن استفادة سياسية من هذه القضية، أو تلميع لصورتها في العالم، أو ربما كسباً مادياً وسياسياً من السعودية إن أطبقت على كامل تفاصيل الحادث. غير أن المؤكد هو أن لأنقرة يداً طولى في إمكانية كشف كامل ملابسات الجريمة، حيث تسعى أجهزتها الأمنية، ومخابراتها المحلية، إلى تقصي الحقائق قدرما يسمح القانون بذلك. إن نجاح أنقرة في حل قضية خاشقجي يعطيها جرع معنوية من الثناء الدولي، كما يقر بأهمية دورها في حفظ الأمن وتطبيق القانون وإقامة العدل في المنطقة بشكل عام.

أما في حالة عدم العثور على جثة خاشقجي، أو عدم تلبية السعودية لمطلب أردوغان بتسليم الفرق الأمنية لمحاكمتها في تركيا، يبقى لهذه الأخيرة حرية التصرف مع البعثات الدبلوماسية السعودية وفق اتفاقيات فيينا الدبلوماسية والقنصلية. يمكن لأنقرة أن تطرد القنصل السعودي والموظفين التابعين للقنصلية من ذوي الصفات الدبلوماسية، كما يمكن لها أن تقطع العلاقات الدبلوماسية مع السعودية تحت حجة التدخل في شؤونها الداخلية وتنفيذ جريمة على أراضيها. إلا أن ذلك قد لا يحصل أبداً، وذلك لعدم الرغبة التركية في أن يلحق ضرر سياسي واقتصادي بين دولتين إقليميتين مهمتين على حساب قضية قانونية محدودة.

الولايات المتحدة الأميركية: أموال السعودية أهم من العدالة

ما أن أخذت قضية خاشقجي بعداً دولياً، حتى راحت الولايات المتحدة تتصرف على أنها معنية فيها. لم يأمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى الساعة، بأي تحقيق قانوني في الجريمة، إنما اعتبر أن ذلك غير ممكن لأن الجريمة قد وقعت في تركيا و “الضحية ليس أميركياً”[9]. كما أكد، في أكثر من تصريح علني، أن الصفقة التسليحية المعقودة مع السعودية، والتي تساوي 110 مليار دولار، لا يجب عرقلتها بسبب مقتل شخص واحد[10].

لخاشقجي الحق في العمل والإقامة في الولايات المتحدة، وهو حاصل على الإقامة الأميركية من نوع “واو”، والتي تسمح له في البقاء لثلاثة سنوات على الأراضي الأميركية، وتعطيه بعض الحقوق القانونية خارج تلك الأراضي. إن واحدة من أبرز هذه الحقوق هي “الحق في تبليغ” أي شخص أميركي أو حاملاً للإقامة الأميركية بخطر يتهدد حياته.

أقر التوجيه الصادر عام 2015 عن مدير المخابرات الوطنية والمتعلق بـ”قانون الأمن القومي”، بأن على الولايات المتحدة تقديم إشعار لغير الأميركيين من ذوي الإقامة الأميركية  إن كان هناك “تهديدات وشيكة بحدوث قتل متعمد أو الإصابة الجسدية الخطيرة أو الاختطاف”[11]. فيما كانت الولايات المتحدة الأميركية على علم بأن خاشقجي كان هدفاً محتملاً قد يعرض حياته للخطر. إذ نشرت صحيفة “واشنطن بوست” بأن المخابرات الأميركية كانت تنوي الطلب من خاشقجي العودة إلى الولايات المتحدة[12] بسبب مخاطر أمنية، فيما نشرت صحف أخرى معلومات استخباراتية عن حصول وكالة الاستخبارات الأميركية لمعلومات عن تحضير “السعودية لمفاجئة غير سارة لخاشقجي”[13]. وحين سؤلت مكاتب الاستخبارات المعنية عن سبب عدم تبليغ خاشقجي بالخطر على حياته، رفضت التعليق[14].

لم تعمل الأجهزة الأمنية الأميركية وفق التوجيه الصادر عام 2015، ولم تبلغ خاشقجي بمعلوماتها عن خطر يتهدد حياته. فلم يعد إلى الولايات المتحدة، أو يتنبه لعدم الدخول إلى القنصلية السعودية، فانتهى أمره مقتولاً.

طرح بعض الأميركيون المعارضون لإدارة دونالد ترامب فكرة إرسال فريق من “مكتب التحقيقات الفيدرالية” للمساعدة في الكشف عن هذه الجريمة. إلا أن هذا المكتب لا يملك صلاحيات خارج البلاد في قضايا غير مصنفة كقضايا إرهابية، أو لها أثر إرهابي أو المشتبهين فيها مصنفون من قِبل الولايات المتحدة الأميركية كمنظمات أو أفراد إرهابيون. كما يجب أن يتبع هذا التصنيف المحدد، طلب من تركيا، كما موافقة من السعودية ليتدخل “مكتب التحقيقات الفدرالية” في هذه القضية، وهي أمور تبدو جمعيها بعيدة التحقيق.

تستمر الإدارة الأميركية في النظر إلى قضية خاشقجي كقضية سياسية مرتبطة بعلاقتها مع السعودية بشكل خاص ومع تركيا بشكل ثانوي. فيما يعمد المعارضون لهذه الإدارة إلى الضغط عليها لفتح تحقيق أو مشاركة في التحقيق لمعرفة حقيقة الجريمة، أكان لإنزعاجهم من العلاقة الأميركية – السعودية الجيدة، أو بسبب سعيهم، حصراً، لمعرفة الحقيقة وراء مقتل خاشقجي.

المسؤولية السعودية وإدارة الأزمة

بالإضافة إلى تركيا والولايات المتحدة الأميركية، تقع المسؤولية الأكبر، في قضية خاشقجي، على الدولة السعودية. لا ينبع هذا الأمر من أن القتيل يحمل الجنسية السعودية، أو أن الجرم قد تم، على ما يُفترض، في القنصلية السعودية فقط، بل، كذلك، لأن جميع المنظمات الدولية ورؤساء الدول والمؤسسات الإعلامية تضع السعودية في موضع المتهم. ينتظر العالم من الدولة السعودية تحقيقاً شفافاً حول الجريمة وظروفها والضاليعين فيها، كما عقاباً لمرتكبيها والمحرضين عليها.

وكان المسؤولون السعوديون قد أظهروا تلبكاً واضحاً في التعامل مع الحادث، فتضاربت معلوماتهم حول الجريمة بشكل شبه يومي على مدى الأسابيع الماضية. الأمر الذي لا يشي بجدية في التعامل مع الجريمة، أو يعطي أملاً في الوصول إلى فك لغزها وكشف حقيقتها أمام الرأي العام الدولي.

جلّ ما قامت به السعودية حتى الآن هو إدارة الأزمة وليس حلها. فقامت بإصدار البيانات المتناقضة وإقالة المستشار بالديوان الملكي السعودي سعود القحطاني وبضعة مسؤولين آخرين من مناصبهم[15]. لم يُرضِ هذا التصرف الكثير من مسؤولي العالم، بل طالبوا الرياض بـ”تحقيق معمّق وشفاف” حول الجريمة[16]. كما أن الإقالات ذات الإجراء المسلكي، ليست رداً قانونياً حازماً على جريمة حصلت، ولا هي كافية كعقاب لجريمة قتل بمبنى تابع للدولة.

أما أعضاء الفرق الأمنية الذين تم رصدهم يزورون اسطنبول يوم مقتل خاشقجي فلم يتم التحقيق معهم بشكل حقيقي، فيما لم يتم الطلب من القنصل السعودي في تركيا العودة إلى بلاده لإجراء المقتضى القانوني معه. إيزاء هذا التلكؤ، تضع الرياض نفسها أمام وابل من الانتقادات القادمة من كل حدب وصوب، كما تعرض نفسها لإمكانية استغلال كل من تركيا والولايات المتحدة الأميركية للجريمة في الميدان السياسي والاقتصادي.

يمكن للسعودية أن تتابع التعاون مع تركيا في عملية البحث عن جثة خاشقجي، كما يمكنها الموافقة على طلب الرئيس التركي في إجراء محاكمة للمشتبه بهم في تركيا. قد يعني هذا الأمر المستبعد الحدوث أن السعودية سوف تخسر جزءً من سيادتها، إلا أن الموافقة على هذا الطلب يمكن أن يجنبها الكثير من الانتقادات الدولية من ناحية، ويؤدي إلى معرفة حقيقة قتل خاشقجي من ناحية أخرى.

يمكن للسعودية أن تقوم بالكثير من الأمور، إلا أن الأهم هو القيام بشيء قانوني وقضائي يعطي القتيل بعضاً من حقه، ويحقق العدالة المنتظر تحقيقها. إن أسوأ ما يمكن القيام به، في هذه القضية بالذات، هو عدم القيام بأي شيء، ومعالجتها في الإعلام وميدان السياسة أو عبر اللوم العشوائي المتبادل، وليس في ميدان الأدلة الدامغة والتحقيق الشفاف والقانون.

جو حمورة، قضية جمال خاشقجي: القانون الدولي ومسؤولية الدول، المفكرة القانونية، في 24 تشرين الأول 2018.

[1] Kareem Fahim, John Wagner and Souad Mekhennet, “Turkish investigators search Saudi Consulate where journalist was last seen”, The Washington Post, October 15, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/saudis-to-allow-turkish-investigators-to-search-consulate/2018/10/15/4f1fd074-d000-11e8-a4db-184311d27129_story.html?noredirect=on&utm_term=.77285722fdd8

[2] إتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، 1963، مادة رقم 23.

[3] Deniz Baran, “Consular immunity or impunity? Jamal Khashoggi’s murder puts diplomatic privileges in doubt”, Middle East Eye, October 21, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: https://www.middleeasteye.net/columns/Saudi-Arabia-Jamal-khashoggi-case-raises-questions-about-consular-immunity-743047390

[4] Kamal Ahmed, “Jamal Khashoggi disappearance: UN chief demands ‘truth’”, BBC, October 13, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: https://www.bbc.com/news/world-europe-45848603

[5] Deniz Baran, op. cit. Available on: https://www.middleeasteye.net/columns/Saudi-Arabia-Jamal-khashoggi-case-raises-questions-about-consular-immunity-743047390

[6] Scott R. Anderson, “What International Law Tells Us About the Khashoggi Investigation”, Lawfare, October 15, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: https://www.lawfareblog.com/what-international-law-tells-us-about-khashoggi-investigation

[7] Daily Sabah, “Khashoggi murder premeditated, Erdoğan says, demands answers from Saudi”, October 23, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: https://www.dailysabah.com/diplomacy/2018/10/23/khashoggi-murder-premeditated-erdogan-says-demands-answers-from-saudi

[8] Scott R. Anderson, op. cit. Available on: https://www.lawfareblog.com/what-international-law-tells-us-about-khashoggi-investigation

[9] Time, “President Trump Stresses That Jamal Khashoggi Was Not an ‘American Citizen’ in Latest Remarks About Missing Journalist”, October 17, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: http://time.com/5427224/president-trump-saudi-arabia-khashoggi-citizen/

[10] Alex Lockie, “Trump frets over arms sales as worldwide outrage grows over disappearance of Saudi critic”, Business Insider, October 11, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: https://www.businessinsider.com/trump-saudi-arabia-arms-sales-khashgoggi-disappearance-2018-10

[11] Intelligence Community Directive, (U) Duty to Warn, 2015. Available on: https://fas.org/irp/dni/icd/icd-191.pdf

[12] Shane Harris, “Crown prince sought to lure Khashoggi back to Saudi Arabia and detain him, U.S. intercepts show”, The Washington Post, October 10, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: https://www.washingtonpost.com/world/national-security/crown-prince-sought-to-lure-khashoggi-back-to-saudi-arabia-and-detain-him-us-intercepts-show/2018/10/10/57bd7948-cc9a-11e8-920f-dd52e1ae4570_story.html?noredirect=on&utm_term=.82d8942272f8

[13] John R. Schindler, “NSA: White House Knew ‘Disappeared’ Saudi Dissident Was In Danger. Why Didn’t They Protect Him?”, Observer, October 10, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: https://observer.com/2018/10/nsa-source-white-house-knew-jamal-khashoggi-danger/

[14] Heather Timmons, “What does the US owe Jamal Khashoggi?”, Quartz, October 19, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: https://qz.com/1428499/jamal-khashoggi-what-trump-owes-khashoggi-under-us-law-and-constitution/

[15] Alessandra Galloni and Simon Robinson, “How the man behind Khashoggi murder ran the killing via Skype”, Reuters, October 22, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: https://www.reuters.com/article/us-saudi-khashoggi-adviser-insight/how-the-man-behind-khashoggi-murder-ran-the-killing-via-skype-idUSKCN1MW2HA

[16] Rebecca Morin, “Pompeo thanks Saudi king for Khashoggi investigation”, Politico, October 16, 2018. Accessed in 23/10/2018, available on: https://www.politico.eu/article/mike-pompeo-thanks-saudi-king-salman-for-jamal-khashoggi-investigation/

 

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أصدر البيت الأبيض، الثلاثاء 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، في خطوة نادرة، بيانًا بشأن اغتيال الصحفي السعودي البارز جمال خاشقجي، معبرًا عما يشبه الموقف النهائي للرئيس دونالد ترامب وإدارته من القضية. تحدث البيان بصورة لافتة عن علاقات التحالف الراسخة بين الولايات المتحدة والسعودية، وأشار إلى عزم الرئيس الحفاظ على هذه العلاقات. وبالرغم من أنه وصف مقتل خاشقجي بالبشع، فقد أحجم عن تحميل ولي العهد السعودي، الذي تدور حوله الشبهات، المسؤولية، وإن رفض تبرئته في الوقت نفسه. واختار البيان، الذي يُعتَقد أن الرئيس نفسه ساهم في كتابته، لغة غير حاسمة ليصف علاقة ابن سلمان بالحادث المفجع، قائلًا “من المحتمل أنه كان يعلم، وربما لم يكن”.

    حشد البيان عددًا من المسوغات لحرص الرئيس على العلاقة مع السعودية، بما في ذلك الحفاظ على مستوى منخفض لأسعار النفط، والاستثمارات السعودية المتوقعة في الولايات المتحدة، والحرب على الإرهاب، واستراتيجية مواجهة إيران. ولكنه بدا كأنه يفصل بين العلاقات الأميركية-السعودية والعلاقة مع ولي العهد. هذا الفصل بين العلاقة مع المملكة وولي عهدها لم يتبعه أي إجراء من إدارة ترامب فيما يتعلق بالأخير.
    بصورة إجمالية، اعتبر البيت الأبيض أن قرارات حظر السفر التي أعلنتها الخارجية الأميركية مسبقًا بحق المتهمين بالتورط في مؤامرة اغتيال خاشقجي كافية للتعبير عن موقف الإدارة، تاركًا الباب مواربًا لتفاهم مستقبلي بين الإدارة والكونغرس، إن رغب الأخير في فرض عقوبات إضافية على السعودية بما لا يتعارض مع سياسة الرئيس تجاه المملكة.
    أثار بيان البيت الأبيض ردود فعل غاضبة في أوساط الإعلام الأميركي، الذي تبنَّى قضية خاشقجي من البداية، كما في أوساط الكونغرس، لاسيما مجلس الشيوخ. السبب الرئيس خلف ردود الفعل تلك كان تقرير وكالة الاستخبارات الأميركية (السي أي إيه) بخصوص القضية، الذي كان تسرب قبل صدور بيان البيت الأبيض بأيام لوسائل إعلام بالغة التأثير، بما في ذلك الواشنطن بوست، التي كان خاشقجي أحد كتابها. كما أشارت وسائل إعلام أميركية إلى أن أعضاء لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ اطلعوا هم أيضًا على التقرير. ويعتقد لدى دوائر أميركية متعددة أن تقرير السي أي إيه كان قاطعًا في تحميل ولي العهد السعودي مسؤولية الأمر باغتيال خاشقجي.

    من جهة أخرى، أثار بيان الإدارة الأميركية خيبة أمل واضحة في أنقرة، التي انتظرت طويلًا إعلان البيت الأبيض موقفًا محددًا من القضية. والسبب خلف خيبة الأمل التركية أن أنقرة قررت من البداية تبني مقاربة قضائية للجريمة، على أن تترك الموقف السياسي للولايات المتحدة، والدول الغربية الأخرى، وثيقة الصلة بالمملكة العربية السعودية. يدرك الأتراك أن قدرتهم على الضغط وتحقيق أهداف سياسية من القضية تظل محدودة، وأن الولايات المتحدة، بصورة خاصة، هي الجهة الرئيسة التي تستطيع أن تفرض على السعودية ثمنًا سياسيًّا لمؤامرة الاغتيال البشعة. بالإعلان عن عزوف البيت الأبيض عن اتخاذ إجراءات عقابية سياسية، أصبح على تركيا، ربما، إعادة النظر في استراتيجية التعامل مع القضية.

    هذا الاختلاف في التقديرات بين البيت الأبيض وزعماء في الكونغرس من جهة، وبين موقف ترامب وتوقعات أنقرة من جهة أخرى، يؤكد أن قضية اغتيال جمال خاشقجي دخلت مأزقًا جديدًا سيفتح الباب أمام عدة احتمالات على المستويين السياسي والقضائي معًا. فهل يصعِّد الكونغرس من ضغوطه على الرئيس ترامب ليرفع يده عن ولي العهد السعودي؟ وهل تسير القضية باتجاه التدويل إذا تواصل الخلاف بين أنقرة والرياض وواشنطن حول تحديد كافة المسؤولين عن الجريمة والفصل بين الحقائق والأكاذيب فيما أعلنته مختلف الأطراف من تفاصيل؟ وهل ثمة أمل في أن يدفع المسؤولون عن اغتيال خاشقجي الثمن السياسي لما تعهدوه من جريمة؟
    الرواية السعودية الأخيرة

    بعد توالي الروايات السعودية لحادثة اغتيال الصحفي البارز جمال خاشقجي، خرج وكيل الادعاء العام السعودي على العالم في مؤتمر صحفي، 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، ليقدم الرواية الرابعة لهذه الحادثة. ولكن بيان رجل القانون السعودي لم يوضح ما إذا كان الادعاء العام في المملكة قد أنهى التحقيقات، وأعد لائحة الاتهام، وأحال القضية للقضاء، أم لا، سيما أنه كشف عن أن الادعاء طلب الإعدام لخمسة متهمين، وفرض عقوبات جزائية لأحد عشر متهمًا آخر.

    طرح ممثل الادعاء العام السعودي الرواية السعودية الجديدة لمقتل خاشقجي في عدة نقاط أبرزها:

    1. أن المسؤول عن الأمر باستعادة جمال خاشقجي، سواء بالإقناع أم بالقوة، هو نائب رئيس الاستخبارات العامة السابق، أحمد عسيري.

    2. أن قائد المهمة (لم يذكر اسمه)، هو من قام بتشكيل فريق من 15 شخصًا ووزعهم على ثلاث مجموعات (تفاوضية- استخبارية- لوجستية).

    3. أن نائب عسيري تواصل مع المستشار السابق (يقصد سعود القحطاني، على الأرجح) بشأن قائد مجموعة التفاوض الذي وافق عليه المستشار وطلب الاجتماع معه.

    4. أن قائد المهمة تواصل بشكل فردي مع أخصائي في الأدلة الجنائية بهدف مسح الآثار الحيوية المترتبة عن العملية في حال تطلب الأمر إعادته بالقوة.

    5. أن رئيس مجموعة التفاوض هو من قرر قتل المجني عليه بعدما تبين له تعذر نقله إلى المكان الآمن في حال فشل التفاوض معه.

    6. أن الجريمة نجمت عن عراك وشجار وتقييد وحقن المواطن المجني عليه بإبرة مخدرة بجرعة كبيرة أدت إلى وفاته.

    7. أن الجثة بعد مقتل المجني عليه تمت تجزئتها من قبل المباشرين للقتل وتم نقلها إلى خارج مبنى القنصلية.

    8. أن الكاميرات الأمنية في مبنى القنصلية وقع تعطيلها.

    9. أن قائد المهمة قدم تقريرًا كاذبًا لـ “عسيري” يتضمن الإفادة بخروج المواطن المجني عليه من مقر القنصلية بعد فشل عملية التفاوض أو إعادته بالقوة.

    لم يكن لدى متابعي القضية شك أن الرواية السعودية الجديدة لا تستند إلى أرض صلبة، فهي لا تخلو من تناقضات منطقية، ومن تضارب مع مقولات تم التوكيد عليها في روايات سعودية سابقة.

    في اليوم التالي، 16 نوفمبر/ تشرين الثاني، نشرت صحيفة حرييت التركية تقريرًا أفاد بأن السلطات التركية تحتفظ بتسجيلات إضافية لتلك التي تحمل تفاصيل عملية اغتيال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول في 2 أكتوبر/تشرين الأول، والتي أكد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من قبل أن ممثلي عدة دول غربية، إضافة إلى مسؤول استخباراتي سعودي، قد استمعوا لها. وذكرت حرييت أن الشريط الصوتي الجديد يكشف عن تحضيرات مجموعة الاغتيال السعودية لعملية القتل، ولا يترك مجالًا للشك في أن هدف المجموعة كان القتل وليس إقناع خاشقجي بالعودة إلى بلاده، خلافًا لما أعلنه ممثل الادعاء السعودي في مؤتمره الصحفي.

    وكانت رواية الادعاء السعودي الجديدة قد قوبلت بقدر كبير من الاستهجان والسخرية من قبل أكبر صحيفتين أميركيتين، الواشنطن بوست، والنيويورك تايمز، حتى قبل أن يكشف التسريب التركي لصحيفة حرييت عن وجود شريط صوتي إضافي لاستعدادات مجموعة الاغتيال قبل حضور جمال خاشقجي لقنصلية بلاده ظهر يوم 2 أكتوبر/تشرين الأول.

    المقاربة التركية

    في مواجهة الإنكار السعودي الرسمي، أصر الجانب التركي، منذ البداية على أن جمال خاشقجي دخل قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول، ظهر يوم 2 أكتوبر/ تشرين الأول، ولم يخرج حيًّا. وقد احتاج الأتراك يومين حتى أكملوا الاستماع لتسجيلات التصنت على القنصلية وأدركوا حقيقة ما حدث: أن جمال خاشقجي قتل داخل مبنى القنصلية، وفي جناح القنصل العام نفسه، وأنه قتل بصورة وحشية وقطعت جثته.

    فتحت السلطات التركية تحقيقًا جنائيًّا في واقعة اختفاء خاشقجي، في حين بدأ المحققون تسريب ما توفر لهم من معلومات، بما في ذلك أسماء وصور مجموعة الاغتيال، وحركة المجموعة طوال يوم الاغتيال وحتى مغادرتها من مطار إسطنبول، وحركة عدد من السيارات المشتبه فيها والتابعة للقنصلية. ما إن بدأت التسريبات حتى أدرك المسؤولون السعوديون أن الأتراك توصلوا إلى معرفة حقيقة ما حدث، فاتصل ابن سلمان بهم وعرض اللقاء لحل الإشكال دون جدوى. في الأثناء أرسلت الرياض مدير جهاز الاستخبارات السعودية، خالد الحميدان إلى أنقرة لمعالجة ما بدا أنه يتطور سريعًا إلى أزمة في علاقات البلدين، حيث وفر الأتراك للمسؤول السعودي فرصة الاستماع لشريط صوتي قصير، يكشف ما حدث لجمال خاشقجي منذ دخوله القنصلية وحتى قتله على يد مجموعة الاغتيال السعودية. أنكر الحمدان، أي دور لجهازه في العملية، وأبلغ الرياض بخطورة الموقف، ما دفع الملك سلمان للتدخل وإرسال خالد الفيصل لمعالجة الأمر. ولكن عروض خالد الفيصل بتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين وتلميحه إلى إمكانية رفع الحصار عن قطر، فشلت في إقناع الأتراك بتغيير مسار مقاربتهم للحادثة.

    بعد فشل خالد الفيصل في مهمته، أجرى الملك سلمان اتصاله الأول بالرئيس أردوغان، مؤكدًا على صلابة العلاقات بين البلدين، وعارضًا تشكيل لجنة تحقيق مشتركة في القضية، وهو ما وافق عليه الرئيس التركي. عملت اللجنة على تنسيق عملية تفتيش مبنى القنصلية وتفتيش جزئي لمنزل القنصل من قبل الادعاء العام التركي. ولكن السعوديين كانوا قد قاموا بعملية تنظيف شاملة، باستخدام مواد كيماوية خاصة للمكانين، في محاولة لإخفاء الأدلة من مسرح الجريمة وتضليل المدعي التركي.

    لم تعترف السعودية رسميًّا بالمسؤولية عن الاغتيال إلا في 20 أكتوبر/تشرين الأول، حيث أُعلن عن اعتقال 18 شخصًا. وكان الملك سلمان قد أبلغ أردوغان بالإجراءات السعودية بحق المتهمين في اتصال هاتفي ثان، قبل الإعلان السعودي الرسمي. والواضح، سواء في اتصال سلمان بأردوغان، أو بقرار القبض على 18 متهمًا، أن الرياض اعتقدت أن إجراءاتها ستضع نهاية للأزمة مع تركيا، وتغلق ملف القضية برمته، ولكن الأمور لم تسر كما رغبت الرياض.

    فبالإضافة إلى سخرية وسائل الإعلام الغربية من الرواية السعودية، طالب مسؤولون أتراك، مقربون من الرئيس أردوغان، الرياض بضرورة الإفصاح بصورة كاملة عن حقيقة ما حدث. كما أعلن الادعاء التركي رسميًّا عن طلب تسليم المتهمين لتركيا، كون الجريمة وقعت على أرض تركية. ولكن الأثر الأكبر كان لتسريبات تركية جديدة، كشفت عن أن مجموعة الاغتيال أُرسلت أصلًا لقتل خاشقجي، وأن عملية الاغتيال ارتُكبت عن سابق تصميم وتصور، وأنها لم تستغرق سوى دقائق معدودة، ولم يسبقها لا استجواب، ولا محاولة إقناع بالعودة إلى البلاد. كما كرر المسؤولون الأتراك، بما في ذلك رئيس الجمهورية، مطالبهم الثلاث: تسليم المتهمين بارتكاب الجريمة، الكشف عن الجهة التي أعطت الأوامر لمجموعة الاغتيال، والكشف عن مصير الجثة.

    تصميم تركيا على مواصلة التحقيق، واتباعها سياسة إحراج مستمرة للسلطات السعودية، لدفعها إلى الاعتراف بحقيقة ما حدث، صاحبه عمل على المستوى الدولي، بهدف دفع القوى الغربية، لاسيما الولايات المتحدة، لاتخاذ إجراءات سياسية لمعاقبة المسؤولين عن الجريمة. والمؤكد أن أنقرة كانت على اقتناع كامل، من البداية، سواء لطبيعة الأدلة الملموسة التي تمتلكها، أو الأدلة الظرفية المحيطة بالحادثة، أن محمد بن سلمان هو من أعطى الأمر بتصفية خاشقجي. ويعتقد الأتراك أنه بدون تحميل ابن سلمان مسؤولية الجريمة، فإن القضية لم تصل إلى نهايتها بعد. (فمن، يملك، مثلًا، السلطة لتشكيل مجموعة اغتيال على هذا المستوى، ضمت عناصر رفيعة من دوائر حكومية سعودية مختلفة، بما في ذلك الحرس الملكي. ولماذا قام ماهر المطرب، مسؤول المجموعة، بإجراء أربعة اتصالات هاتفية، خلال وجوده في إسطنبول، مع سعود القحطاني، مستشار ولي العهد، وأحد مساعديه المقربين، ومن وجه له الاتهام بالمشاركة في عملية الاغتيال من قبل السلطات السعودية نفسها؟).

    ردود الفعل الغربية

    كان جمال خاشقجي مقيمًا دائمًا في الولايات المتحدة، التي اتخذها مقرًّا له منذ مغادرة بلاده في خريف 2017، ويحمل أولاده الجنسية الأميركية، ولم تزل إبنة له تواصل تعليمها في إحدى الجامعات الأميركية. إضافة إلى ذلك، فقد أصبح جمال منذ إقامته في الولايات المتحدة أحد كتاب الرأي بصحيفة الواشنطن بوست. ولذا، فمن الجهة الجنائية البحتة، اعتبرت الولايات المتحدة طرفًا فعليًا في القضية. ولكن هناك ما هو أكثر من ذلك، فالولايات المتحدة الحليف الأهم للسعودية منذ عقود، وتملك من وسائل التأثير على الداخل السعودي ما لا تملكه أية دولة أخرى. وهذا ما جعل أنقرة حريصة، وبصورة استثنائية، على تقديم كافة الأدلة التي توفرت لديها للجانب الأميركي، آملة أن تتخذ إدارة ترامب الإجراء المكافئ لحجم الجريمة وبشاعتها. ولكن ليس للولايات المتحدة وحسب.

    فقد صرَّح المسؤولون الأتراك بأنهم أطلعوا نظراءهم في أجهزة الاستخبارات الغربية على ما يكفي من الأدلة، للكشف عن حقيقة ما حدث. ولكن ما قُدِّم للأميركيين من أدلة يفوق ما قُدِّم للدول الغربية الأخرى. أولًا، لأن إدارة ترامب، تحت ضغوط إعلامية وضغوط الرأي العام، كانت أول من يرسل موفدًا كبيرًا، مثل وزير الخارجية، مايك بومبيو، إلى السعودية وتركيا يومي 16-17 أكتوبر/ تشرين الأول. وبالرغم من أن طبيعة مهمة بومبيو في البلدين لم تتضح كلية، إلا أن المؤكد أنه اطلع على جزء من الأدلة في أنقرة.

    بيد أن مهمة الاستطلاع الأكبر كانت تلك التي تعهدتها جينا هاسبل، مديرة السي أي إيه، التي أمضت يومي 23 و24 أكتوبر/ تشرين الأول في أنقرة، بصحبة وفد كبير من المحقيين والمختصين في وكالة الاستخبارات الأميركية. وطبقًا لمصادر تركية، فإن هاسبل تركت أنقرة وهي مقتنعة تمامًا بمسؤولية السعودية عن الجريمة، وأن مجموعة الاغتيال السعودية كُلفت أصلًا بقتل خاشقجي، وأن هناك من المؤشرات ما يكفي لتحميل ابن سلمان المسؤولية السياسية عن الجريمة.

    وفي 11 نوفمبر/ تشرين الثاني، التقى أردوغان بقادة الدول الغربية، وبالرئيس ترامب، على وجه الخصوص، على هامش الاحتفالات بمئوية نهاية الحرب العالمية الأولى. ويُعتقد أن أردوغان أطلع نظراءه الغربيين على وجهة النظر التركية في الحادث، وعلى ما تكشفه الأدلة المتوفرة لأنقرة من تفاصيل. خلف ذلك كله، برز إجماع غير مسبوق في أوساط الإعلام الغربي، يمينه ويساره، على جانبي الأطلسي، وفي الدوائر البرلمانية الأوروبية والأميركية، على السواء، على ضرورة معاقبة السعودية، والمسؤولين فيها عن الحادث، مهما علت مواقعهم. ولكن، في النهاية، لم تأت الإجراءات العقابية بمستوى التصريحات الغربية التي أطلقت في أسابيع الأزمة الأولى.

    والأرجح، كما هي الأمور عادة في مثل هذه الأزمات، أن الدول الأوروبية كانت تنتظر الموقف الأميركي، وأن الإجراءات التي اتخذتها عكست، إلى حد كبير، تلك التي اتخذتها واشنطن. فقد أعلنت قرارات حظر سفر على المتهمين السعوديين في فرنسا وألمانيا، وعلقت الأخيرة، بدون أن تلغي، صفقات السلاح المتفق عليها مع السعودية. ولكن بريطانيا، التي أرسلت وزير خارجيتها إلى الرياض، وطالبت السعودية بالكشف عن كافة ملابسات القضية، لا تبدو على استعداد لإيقاف صفقات السلاح للسعودية. فحاجة بريطانيا المتزايدة لشركاء تجاريين بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي تجعلها أكثر استعدادًا لغض النظر عن انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية وفي غير السعودية.

    بصورة من الصور، تحول الموقف الذي أعلنته إدارة ترامب من القضية يوم 20 نوفمبر/ تشرين الثاني، إلى معيار لردود الفعل الغربية في عمومها. كما برزت أصوات داخل الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، تذكر بأن أيدي معظم هذه الدول ملوثة بدماء القتلى خارج نطاق القانون. صحيح أن أحدًا في تلك الدول لم يرتكب جريمة بهذه البشاعة، ولم ينسج مؤامرة اغتيال في دولة أخرى ذات سيادة، أو خطط لتحميل هذه الدولة مسؤولية الاغتيال، ولكن القتل في النهاية هو القتل.

    هل وصلت قضية اغتيال خاشقجي إلى آخر الطريق؟

    قام ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بجولة عربية، شملت عواصم حلفائه في الإمارات والبحرين ومصر إضافة إلى تونس التي لقيت فيها زيارته معارضة واحتجاجات شعبية واسعة. وهي جولة سبقت مشاركته في قمة دول العشرين، التي تعقد في الأرجنتين في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني. هدف الجولة، كما يبدو، توكيد ولي العهد السعودي على أنه لم يتأثر بالشبهات التي تحيط بدوره في عملية اغتيال خاشقجي، وأنه لم يزل قادرًا على التصرف كزعيم لبلاده. فترميم صورة ابن سلمان، ومحاولة استعادة المناخ الطبيعي في عمله ونشاطه السياسي، جزء لا يتجزأ من الجهد السعودي لإغلاق ملف اغتيال خاشقجي وتجاهل أصابع الاتهام الموجهة إلى القيادة السعودية. فهل وصلت قضية خاشقجي إلى آخر الطريق؟

    لم تواجه السعودية في تاريخها الحديث أزمة بحجم الأزمة المترتبة على اغتيال خاشقجي. وحتى أزمة مؤامرة اغتيال عبد الناصر، في 1958، وكشف دور الملك سعود فيها لم تكن بهذا الحجم. فخطة اغتيال عبد الناصر لم تنجح، والرئيس المصري، آنذاك، لم يكن ينظر إليه بإيجابية في الدوائر الغربية. ولم يكن لوسائل الاتصال آنذاك من الأثر ما تمارسه اليوم. وليس ثمة شك أن عملية اغتيال خاشقجي، والكشف عنها، أضر كثيرًا بموقف السعودية الأخلاقي، وأوقع بها خسائر سياسية ملموسة. فمن زاوية منافسة تركيا على زعامة العالم الإسلامي السني، على الأقل، خرجت السعودية بخسائر فادحة. ولم يكن غريبًا بالتالي أن ترتفع أصوات مئات الصحفيين والأكاديميين وزعماء سياسيين وقادة الرأي العام، في تونس والجزائر ومصر، ترفض زيارات ابن سلمان المخطط لها لهذه الدول.

    إضافة إلى ذلك، فقد شتتت مؤامرة الاغتيال الانتباه عن الجرائم الفادحة التي ارتكبتها إيران، خصم السعودية الإقليمي، في سوريا منذ تورطها في دعم نظام الأسد ضد شعبه. وما لا يقل أهمية، أن جريمة اغتيال خاشقجي فتحت ملف الحرب في اليمن على مصراعيه، ووفرت فرصة لبذل المزيد من الضغوط على السعودية وحلفائها لإيقاف الحرب.

    بيد أن ذلك ليس كل شيء، فمن جهة، لم يرفع الأتراك أيديهم عن القضية بعد. ولا يُعرف على وجه اليقين ما إذا كان لدى أنقرة من دليل قاطع يربط بين ولي العهد السعودي والجريمة، لم يكشفوا عنه بعد. كما أن لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي، ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، تخطط كل منهما لعقد جلسات استماع لكبار مسؤولي إدارة ترامب، للكشف عن جوانب الجريمة المختلفة، وما إذا كان موقف الرئيس الأميركي من القضية يضر بمصالح الولايات المتحدة القومية. وبالرغم من أن أعضاء مجلس الشيوخ الأكثر تشددًا في الموقف من ولي العهد السعودي لم يعلنوا بعد عن تفاصيل خطوتهم المقبلة، فالمتوقع تقديم مشروع قانون لمجلس الشيوخ يفرض عقوبات على المسؤولين عن الجريمة، بما في ذلك ولي العهد السعودي.

    ليس من الواضح، بالطبع، كيف سيتفاعل البيت الأبيض مع الخطوات التي يمكن أن يتخذها مجلسا الكونغرس. ولكن المؤكد أن ولي العهد السعودي، بل السعودية ككل، لن تجد من الأصدقاء في الكونغرس ما كانت تجده من قبل. ففي الكونغرس، كما في الإعلام الأميركي، كُسرت صورة الأمير الإصلاحي، الجريء، بلا رجعة. وسيصعب، بعد اليوم، نسيان صورة الأمير القاتل، الذي لا يتورع عن ملاحقة خصومه بوحشية وتهور. ومهما بذل الإسرائيليون، والجهات المؤيدة لهم في واشنطن، من جهد لحماية ولي العهد السعودي، لم تعد هناك من دوائر كثيرة في العاصمة الأميركية لديها الاستعداد لسماع دعايات الترويج لابن سلمان. ومع استمرار الضغط الإعلامي وإصرار زعماء في الكونغرس على المضي في معرفة حقيقة ما حدث لخاشقجي إلى النهاية، ربما يضطر ترامب إلى النأي بنفسه عن ابن سلمان، لاسيما بعد إعلان مستشار الأمن القومي، جون بولتون، أن أجندة الرئيس ليس فيها مجال للقاء ولي العهد خلال قمة العشرين.

    خلف ذلك كله، يظل الموقف داخل السعودية نفسها محل التكهنات. فقد نشرت وكالات أنباء ذات مصداقية، مثل رويترز وبلومبيرغ، ودوائر معارضة سعودية في الخارج، تقارير تفيد بانطلاق حراك داخل الأسرة السعودية لعزل محمد بن سلمان من منصبه، واستبداله بشخصية أخرى، مثل عمه أحمد بن عبد العزيز. ولكن، ليس ثمة دلائل ملموسة على أن مثل هذا الحراك قد انطلق بالفعل. ما يكاد يكون محل إجماع، داخل السعودية وخارجها، أن حراكًا معارضًا لولي العهد داخل الأسرة السعودية يصعب أن يتبلور بدون ضوء أخضر أميركي، صريحًا كان أو خفيًا. ومن الصعب، في ظل انقسام الموقف الأميركي بين إدارة ترامب والكونغرس، معرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة قد قررت التخلص من ابن سلمان.

    ما هو مؤكد، بعد مرور ما يقارب الشهرين على جريمة اغتيال جمال خاشقجي، أن القضية لم تزل تتفاعل، وأن السلطات السعودية فشلت في التخلص من ظلالها الثقيلة، وأن ولي العهد، محمد بن سلمان، لم يزل في المركز من هذه الظلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock