دراسات سياسية

قطر :نهاية دبلوماسية الإنابة

Rate this post

شكلت السياسة القطرية منذ منتصف التسعينات تقريبا لغزا للكثير من الدارسين،فهي دولة غنية لكنها صغيرة في كل الامكانيات إلا المالية منها، ولكنها تمكنت من الحصول على دور ” بطل المسرحية” لفترة قاربت العقدين، فلماذا تقاربت قطر مع حزب الله وحماس وسوريا والاخوان المسلمين في مرحلة ما..ثم اصبحت المحرض الاول على كل هذه الأطراف باستثناء حماس( حتى الآن على الأقل)؟ وكيف نوفق تقاربها مع حزب الله وبناء الضاحية الجنوبية في بيروت والتي دمرتها اسرائيل وهي تضم أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة في ذات الوقت؟ كيف تساند حماس وهي من أوائل من تقارب مع اسرائيل دون معاهدة؟..مشهد يحتاج للتفكيك؟ دعوني أحاول ذلك:
1- المشهد الأول:
من تقاليد الدبلوماسية الأمريكية في التعامل مع مصالحها في آتون الصراعات الاقليمية هو العمل على التواصل مع أطراف الصراع ، لكن هذه الاطراف تنطوي أحيانا على لاعبين تعتبرهم الولايات المتحدة خصوما لها أو ضمن ” محور الشر”، وهو ما يعني صعوبة التواصل مع هؤلاء الخصوم(مثل حماس او حزب الله او ايران..الخ)، لاسيما إذا كان الخلاف معهم ذا طبيعة استراتيجية، مما يجعل الولايات المتحدة تجد حرجا سياسيا في ترتيب لقاءات علنية (أو سرية معرضة للانكشاف) مع هؤلاء الخصوم، لا سيما ان التواصل العلني من قبل الولايات المتحدة مع ” بعض الخصوم ” قد يبدو نوعا من الضعف والتنازل ، كما ان طرح بعض الأفكار من قبل الولايات المتحدة مباشرة على بعض الخصوم قد يؤدي لنتائج عكسية ” أحيانا ” كما هو الحال في العلاقة مع سوريا مثلا (عندما كان السفير الأمريكي في دمشق)..وتاريخ العلاقات الدولية يعرف نماذج كثيرة على هذه الحالة.
وللخروج من هذا المأزق ، لجأت الولايات المتحدة لما يسمى “دبلوماسية الإنابة”(Proxy Diplomacy)، على غرار “الحرب بالإنابة: Proxy War”، وتعني دبلوماسية الإنابة توظيف طرف إقليمي لأداء دور ناقل المواقف الأمريكية للخصوم الذين يصعب التواصل معهم ، أي ان يكون وسيطا ينقل وجهة نظر الدبلوماسية الأمريكية للخصوم بل وقد يعرض عليهم اقتراحات معينة تكون الولايات المتحدة قد “وشوشته بها “.
ومعلوم أن من يوكل له نقل الرسائل بين المتخاصمين يجب ان يكون موضع ثقة من الطرفين المتخاصمين، وإلا فإن مهمته ستكون معيبة وقاصرة، وعليه على “دبلوماسي الإنابة” ان يكسب طرف خصوم الولايات المتحدة قبل بدء الدخول لخشبة المسرح.
وفي تقديري أن دبلوماسية الإنابة الأمريكية في الفترة من 2003 إلى 2017 وقعت على قطر لتقوم بدور تمثيل وجهة النظر الأمريكية لدى خصوم واشنطن في المنطقة ، وليست مصادفة ان نقل القاعدة الأمريكية من السعودية إلى قطر بعد غزو العراق كان مصادفة(2003) ، بل هو تطمين لقطر بانها ستقوم بدور “الإنابة” في ظل حماية أمريكية ، لأن المهمة خطرة للغاية في منطقة يصعب التنبؤ بردود أفعال أطرافها.
ولكي تصبح قطر طرفا يُطمأن له من قبل خصوم الولايات المتحدة في المنطقة ، شرعت قطر قبل أداء الدور في تعزيز علاقاتها مع كل خصوم الولايات المتحدة :دعم حماس، والمساعدة على بناء الضاحية الجنوبية في بيروت كمساعدة للتقارب مع حزب الله، والتقارب مع سوريا، وساهمت قناة الجزيرة في تعزيز هذه الصورة ، إلى درجة بدت فيها قطر والجزيرة وكأنهما في المعسكر المعادي للولايات المتحدة، وكان ذلك واضحا في تغطية الجزيرة لحروب حزب الله مع اسرائيل، وبدت قطر ” قطارا لثقافة سياسية ليبرالية وتحررية عربية ذات نكهة جديدة من ناحية وتجد صدى لدى شعوب يخنقها الاحباط السياسي والاجتماعي والاقتصادي من ناحية ثانية، وهو ما مهد المسرح لقبول أولي لدبلوماسية الإنابة.
2- المشهد الثاني:
في عام 2004 (أي في نفس الفترة تقريبا لنقل قاعدة العديد العسكرية) نشرت مؤسسة راند(Rand) الأمريكية الهامة دراسة تحت عنوان
” Civil Democratic Islam :Partners ,Resources ,and Strategies”
و تقوم فكرة الدراسة على أن تعمل الولايات المتحدة على التقرب من التيارات الاسلامية المعتدلة لتطويق التيارات الاسلامية المعادية” المتطرفة “، وهو ما يستدعي طبقا للدراسة التقارب مع الجناح الاكثر اعتدالا وهو جناح الاخوان المسلمين(لا سيما ان هذا الجناح أبدى اعتداله من خلال تعايشه مع نظم سياسية تتناغم أغلب سياساتها مع توجهات السياسة الأمريكية “، ووجدت قطر في الاخوان المسلمين حركة ليست موالية لواشنطن بالمعنى التقليدي، وليست على الطرف النقيض تماما على غرار الحركات العربية أو الاسلامية المتناقضة مع واشنطن بشكل كبير، فبدأت الدوحة بالتقارب مع هذا التيار والترويج له لا سيما انه ليس بعيدا عن ثقافة المجتمع القطري ، وهو ما سبق لي ان بينته في تحليل مضمون قناة الجزيرة في كتاب نشرته قناة الجزيرة ذاتها ، حيث خلصت الدراسة إلى ان السمة الاكثر وضوحا في مضمون الرسالة الاعلامية لقناة الجزيرة هي أنها الأقرب للإخوان المسلمين، بل تحولت بعدها الدوحة كعاصمة للاخوان المسلمين فكرا وقيادات .
3- المشهد الثالث:
نجحت الدبلوماسية القطرية في مرحلة ما قبل الربيع العربي في تكريس قناعة بانها ” مع التحرر والنهضة وقريبة من قوى المعارضة العربية “، وعليه برزت الدبلوماسية القطرية وبمساندة ناجحة للغاية من قناة الجزيرة وبشكل يدل على احتراف اعلامي كبير في تبني مشاهد “الربيع العربي” واستثمار الصورة الإيجابية التي كرستها الجزيرة في العقل العربي خلال القيام بدور “الإنابة”، ومن هنا انقادت الجماهير وراء هذه السياسة، ونجحت في مراحلها الأولى في ابراز دور الحركات الاسلامية كقائد لهذه التغييرات، وتم استثمار النجاح الداخلي للتيار الاسلامي في تركيا كنموذج ناجح يشد نحو إتباعه من ناحية ويتم تقديمه كمؤشر على الافق المستقبلي للحركة الاسلامية العربية الناهضة من ناحية ثانية.
4- المشهد الرابع:
لكن نجاح دبلوماسية الإنابة القطرية ومخطط راند تعرض لنكسة كبيرة نتيجة لثلاثة عوامل:
1- أن القوى المعارضة للسياسة الأمريكية لم تستجب ولو بالحد الأدنى ” للوشوشات القطرية” باستثناء حماس التي بدت قلقة وعاجزة عن فهم ما يجري ، كما أنها الاكثر حرجا بسبب صعوبة ظروفها، بينما لم تستجب ايران او حزب الله او سوريا ..الخ لدبلوماسية الإنابة، وهو ما جعل الولايات المتحدة تشعر بالعجز القطري عن مواصلة النجاح الذي لاح في بداية المشروع.
2- شكل التغيير الذي وقع في مصر بعزل مرسي ضربة كسرت ظهر المشروع لاسيما بسبب مركزية دور الإخوان المسلمين المصريين في الحركة السياسية للاخوان في العالم العربي بشكل خاص، ولعل ذلك يفسر ردة الفعل الحادة من قطر وتركيا وبقدر اقل رزانة من إدارة أوباما تجاه ما وقع، وعملت الولايات المتحدة على تطويق اثر ما وقع على السياسة الأمريكية ونجحت في ذلك بل ووظفته لصالحها ببراغماتية مشهود لها في السياسة الامريكية ، بينما طغت النزعة الغرائزية على رد الفعل القطري والتركي.
3- إدراك كل من روسيا والصين ( وهناك فيض من الدراسات في البلدين حول ما جرى) أن الولايات المتحدة تسعى للتمركز حول المجال الحيوي لروسيا وعلى طريق الحرير الجديد الصيني، فبعد خسارة روسيا لأوروبا الشرقية ، شرعت السياسة الأمريكية في التغلغل في دول الجوار الآسيوي لروسيا(وأغلبها دول اسلامية)(وهو ما يتضح في اتفاقية الشراكة من أجل السلام مع كازاخستان ، وقاعدة مناس الامريكية في قرغيزيا، ثم الطلب الأذربيجاني لعضوية الناتو وجورجيا…الخ)، وبناء على هذه الصورة ، تدخلت روسيا عسكريا في هذه المناطق وبمساندة صينية واضحة، وبعد نجاح روسيا في صد طوق الجوار القريب ، انتقلت الولايات المتحدة للخط الثاني من ايران للعراق وسوريا ولبنان، وهو ما أدركته روسيا والصين وعملتا على افشاله.
5- المشهد الخامس:
يبدو أن فشل دبلوماسية الإنابة التي ارادت الدوحة أن تحتكرها وصل لمراحله الأخيرة من خلال ظهور توجهات جديدة تسعى لاسدال الستار على هذا الدور ، وهو ما يعني أن الأزمة الخليجية ليست إلا منافسة بين كل الاطراف على من يكون ” نجم دبلوماسية الإنابة ” في نسختها الجديدة، فبطل النسخة القديمة لم يصفق له ” كل ” الجمهور في خاتمة الأداء ، وهو ما دفع المخرج للبحث عن “بطل جديد” وبنص جديد….ألف ربما.

وليد عبد الحي

 

الوسوم

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock