بالرغم من أن وزير العدل، عبد الرشيد طبي، برر تجريم سلوك غلق مقرات المؤسسات العمومية، مع اقتراح عقوبة تصل إلى 20 سنة سجنا وغرامة بـ 200 ألف دينار، أثناء عرضه لتعديلات قانون العقوبات أمام النواب، بأنه سلوك يعرف انتشارا واسعا ويمس بالمصلحة العامة، وأنه لا يمس بالحق النقابي، إلا هذه “الجريمة” لا تزال غامضة من حيث أركانها وشروط قيامها وكذا من حيث الحدود الفاصلة مع ممارسة حق التظاهر والاحتجاج، حسب قراءات قانونيين ونقابيين لمقترح الوزير.

رصدت “الخبر” مخاوف بعض النقابيين والقانونيين من احتمالات تأثير فكرة تجريم سلوك غلق المؤسسات العمومية الذي يصاحب عادة الحركات الاحتجاجية، على الحق في التظاهر، في حين، يطمئن وزير العدل، عبد الرشيد طبي، ويقول إن “التعديل الجديد لقانون العقوبات لا يمس إطلاقا بالحق النقابي، كونه يتحدث عن أفعال مادية متمثلة في إغلاق الإدارات العمومية أو منع الوصول إليها باستعمال التهديد أحيانا”.

ويدقق عضو الحكومة أكثر في مبرراته “القانون يحمي الحق النقابي والتظاهر السلمي، لكن في حالة قيام عمال نقابيين بمنع الدخول إلى مقرات العمل بما فيها وحدات الإنتاج، فيتم المعاقبة عليها وفق إطار قانوني آخر هو المساس بوسائل العمل”.

وبينما يفصّل الحقوقي بوجمعة غشير، بين تجريم فعل غلق مدخل مؤسسة معينة في سياق ممارسة حركة احتجاجية من جهة والتظاهر كوسيلة للتعبير عن مطالب أو انشغالات أو آراء من جهة أخرى، يتحدث القانوني الزبير عثماني، عن ضرورة توضيح أركان هذا التجريم من الناحية الجنائية، ومن حيث طريقة الغلق ومدته الزمنية، مقدما مثلا بالتساؤل عما إذا كان التجمهر أمام المدخل الرئيسي لمقر مؤسسة عمومية، يعد غلقا له؟

وبالنسبة للمتحدث، فإن تجريم فعل ما يحتاج إلى تحديد بدقة ركنيه المعنوي والمادي، وتمييزه عن الأفعال المشابهة له، حتى لا يقع تداخل وخلط مع التهم الأخرى التي تندرج في نفس السياق، كي “يتسنى للجهات القضائية والأمنية، التعاطي قانونيا مع الوقائع المطروحة أمامهم”.

وفي السياق، أفاد عثماني، أن لجوء المحتجين إلى غلق مقرات المؤسسات العمومية أو حتى الطريق العام هو وسيلة ضغط وتعبير عن حجم التذمر والسخط، غير أنه يحمل في طياته مساسا بمصالح المواطنين وبنشاط المرفق العام، وبالتالي يتحول إلى ضرر للمجتمع أكثر منه ممارسة لحق التظاهر والاحتجاج، وهو ما يبعده تدريجيا عن معنى السلوك الاحتجاجي.

وعليه، يتابع أستاذ الحقوق بولاية عنابة، يتعيّن على المشرّع ضبط الحدود الفاصلة بين السلوكين، وتوضيح عملية التجريم بدقة من كل زواياها وخلفياتها، مع الأخذ بعين الاعتبار الجانب الحقوقي والحرياتي فيها.

بدورهم، يرى نقابيون أن تجريم غلق المقرات أثناء احتجاجات المواطنين، لا يعدّ بالضرورة تجريما للسلوك الاحتجاجي، لأن التنظيمات النقابية لديها أدوات تفاوضية أكثر سلمية كاللقاءات والتواصل المباشر وغير المباشر، إلى جانب وسائل ضغط أكثر انتقائية للطرف الآخر، كالإضرابات المفتوحة ومحددة المدة.

ومن جانب ميداني، فإن أغلب الاحتجاجات التي تقع في محيط البلديات تصاحبها عمليات غلق للمقرات وتهديدات بالانتحار، وعادة ما يشنها مواطنون لديهم مطالب بالسكن والتنمية والعمل، خلافا للحركات الاحتجاجية ذات بعد عمالي ومهني يقف من ورائها تنظيمات نقابية معتمدة وغير معتمدة، ولم يسبق لها أن أقدمت على غلق مقر مؤسسة عمومية أو عرقلة نشاطها، سوى عن طريق الإمتناع عن العمل.

ويشكّل غلق مقرات البلديات وبعض المؤسسات العمومية في الجزائر ظاهرة قائمة تتكرر بشكل شبه يومي في المناطق التي تضعف فيها التنمية، وتعتبر سلوكا احتجاجيا ووسيلة تعبير، يلجأ المواطنون إليها عندما ينسد أمامهم الأفق أو لما يتقاعس المسؤول المحلي أو يفشل في إقناع بالوسائل التواصلية وبالبراهين والحجج.

وعلى صعيد أمني، كانت الأجهزة الأمنية تتعامل مع هذه السلوكات من منطلق أنها نتاج ضغط اجتماعي متواصل وظروف معيشة قاسية، لتقاطع هذه التهمة، على ما يبدو، بحق التظاهر المكفول دستوريا وأمميا، وعليه لم يجر تحويلها إلى قضايا بعنوان “التجمهر غير المسلح” وإحالتها إلى الجهات القضائية.

لكن، في حال المصادقة على تعديلات مشروع قانون العقوبات الجديد كما هي، قد يحدث تحولا في طبيعة المقاربة الأمنية في التعامل مع وقائع غلق مقرات البلدية، حيث تصبح مصالح الأمن ملزمة بإحالة كل من أقدم على غلق أو عرقلة نشاط مؤسسة عمومية إلى الجهات القضائية، بوصفه سلوكا غير قانوني من جهة، ولا يصنّف ضمن خانة التظاهر السلمي من جهة أخرى.

ويتعيّن على نواب المجلس الشعبي، في نظر عينة من المحامين، تحدثت إليهم “الخبر”، توسيع دائرة التشاور في مناقشة هذه المقترحات، بما يسمح بتعديلها وإثرائها جيدان بما يجعلها عديمة التأثير على التظاهر كحق مكفول دستوريا.