يخطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لزيارة الصين خلال الفترة من 31 مارس إلى 2 أبريل 2026، لعقد قمة مع نظيره الصيني شي جين بينج في بكين، في توقيت بالغ الحساسية تشهده العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم. وتأتي الزيارة في ظل عودة حالة عدم اليقين إلى المشهد التجاري، بعدما ألغت المحكمة العليا الأمريكية في 20 فبراير 2026 تعريفات جمركية واسعة كانت قد فُرضت على الصادرات، بما أعاد خلط الأوراق بشأن مسار الهدنة التجارية التي تم التوصل إليها العام الماضي عقب أشهر من التصعيد المتبادل.

وتنعقد القمة كذلك في سياق ضغوط أمريكية متزايدة على شركاء بكين في مجال الطاقة؛ إذ شددت واشنطن تطبيق العقوبات على تجارة بعض أنواع النفط الفنزويلي، في وقت تُعد فيه الصين من أكبر مستورديه، إلى جانب التهديد بفرض رسوم على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، وهو ما يضع بكين – بوصفها أكبر مستورد للنفط الإيراني – أمام معادلة معقدة بين مصالحها الاقتصادية وحساباتها الجيوسياسية.

ملفات رئيسية

من المتوقع أن تركز القمة المرتقبة في بكين على حزمة من القضايا الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، فضلاً عن عدد من الأزمات الدولية التي تنخرط فيها الإدارة الأمريكية حالياً، وذلك على النحو التالي:

1– قضايا التجارة والرسوم الجمركية:
تمثل الهدنة التجارية الهشة بين واشنطن وبكين محوراً رئيسياً للنقاش؛ إذ يسعى الطرفان إلى منع عودة التصعيد في الرسوم الجمركية التي أثقلت كاهل سلاسل الإمداد العالمية. ويُعد تقليص العجز التجاري هدفاً ثابتاً في خطاب “ترامب” خلال ولايته الثانية، خاصة بعد تراجع العجز مع الصين في عام 2025 إلى نحو 202 مليار دولار، وفق بيانات رسمية أمريكية.

غير أن قرارات قضائية حدّت من قدرة الإدارة الأمريكية على فرض رسوم واسعة منحت بكين هامشاً تفاوضياً أوسع قبل القمة؛ ما يجعل محادثات بكين فرصة لإعادة ترتيب أولويات السياسة التجارية، واختبار إمكانية التوصل إلى صيغ جديدة لتخفيف القيود الجمركية مقابل تنازلات صينية، مثل زيادة مشتريات السلع الزراعية والطائرات والطاقة الأمريكية. إلا أن الحكم القضائي الأخير يعزز موقف بكين، وقد يصعّب على واشنطن انتزاع التزامات كبيرة وسريعة.

2– تخفيف القيود على رقائق الذكاء الاصطناعي:
يُتوقع أن يحتل ملف القيود الأمريكية على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين موقعاً مركزياً في جدول الأعمال. ففي يناير 2026، حدّثت وزارة التجارة الأمريكية، عبر مكتب الصناعة والأمن، سياسة مراجعة التراخيص بحيث تُقيَّم طلبات التصدير حالةً بحالة، بدلاً من الرفض التلقائي، شريطة الالتزام بضوابط أمنية صارمة، شملت حدوداً على كميات الشحن واختبارات أداء مستقلة.

ويعكس إدراج هذا الملف في القمة حساسيته بوصفه أحد أبرز محاور التنافس الاستراتيجي بين البلدين، لا سيما مع ارتباطه بالأمن القومي والتفوق التكنولوجي، بما يجعله اختباراً لقدرة الطرفين على إدارة الخلاف دون الانزلاق إلى قطيعة تكنولوجية شاملة.

3– مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان:
تظل قضية تايوان إحدى أكثر نقاط التوتر السياسي حساسية بين واشنطن وبكين. وخلال اتصال هاتفي في فبراير 2026، وصف “شي” تايوان بأنها “أهم قضية” في العلاقات الثنائية، محذراً من ضرورة التعامل بحذر بالغ مع صفقات التسليح الأمريكية لتايبيه.

وكانت واشنطن قد وافقت في ديسمبر 2025 على حزمة مبيعات أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، وهو ما قوبل بإدانة صينية. وفي سياق التحضير للقمة، وُضعت أي عروض إضافية قيد المراجعة؛ بما يعكس تحول ملف التسليح إلى ورقة تفاوض قد تُستخدم لتيسير تفاهمات أوسع في الملفات الاقتصادية والتكنولوجية، في إطار سعي الإدارة الأمريكية للحفاظ على توازن دقيق بين دعم حليف آسيوي وتجنب استفزاز بكين.

4– سلاسل الإمداد والمعادن الحرجة:
تتصدر مسألة تأمين سلاسل الإمداد للمعادن الحيوية جدول أعمال القمة، في ظل مساعي واشنطن لتقليل الاعتماد على الصين في هذا القطاع الاستراتيجي، الذي يشمل معادن أساسية لصناعات البطاريات والطاقة المتجددة والرقائق الإلكترونية. وقد استضافت الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية محادثات ضمت أكثر من 50 دولة لبحث تنويع مصادر الإمداد.

في المقابل، تدعو بكين إلى الحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد عبر الحوار والتعاون، وترى في التحركات الأمريكية محاولة لتطويق نفوذها الصناعي. ومن ثم، سيشكل هذا الملف ساحة اختبار لإمكانية الجمع بين إدارة المخاطر والحفاظ على الترابط الاقتصادي العالمي.

5– مكافحة تهريب الفنتانيل:
يبرز التعاون في الحد من تهريب الفنتانيل إلى الولايات المتحدة كأحد الملفات ذات البعد الداخلي المهم للإدارة الأمريكية. فقد اتخذت بكين في أواخر 2025 إجراءات لتقييد تصدير بعض المواد الأولية المستخدمة في تصنيع هذه المادة، وأدرجت عدداً منها على قوائم الرقابة.

وتسعى واشنطن إلى تحويل التعهدات العامة إلى آليات تنفيذية واضحة تشمل تبادل المعلومات وتعزيز التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون، وربط التقدم في هذا الملف بقضايا تجارية أوسع؛ ما يعكس تشابك الأبعاد الأمنية والاقتصادية في العلاقة الثنائية.

6– الوساطة الصينية في الأزمات الدولية:
من المرجح أن تطرح واشنطن خلال القمة مسألة الدور الصيني في الأزمات الدولية، وعلى رأسها الحرب الروسية–الأوكرانية والتوترات المرتبطة بالملف النووي الإيراني. ففي ظل تعثر الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، قد تسعى الإدارة الأمريكية إلى حث بكين على ممارسة ضغوط أكبر على موسكو، مستفيدة من علاقاتها الاقتصادية الوثيقة معها.

أما في الشرق الأوسط، ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران واستمرار المفاوضات النووية، فإن الدور الصيني – بالنظر إلى علاقاته المتنامية مع طهران – يُنظر إليه في واشنطن بوصفه عاملاً يمكن توظيفه للحد من التصعيد النووي والإقليمي، بما يجعل هذا الملف جزءاً مهماً من مقايضات القمة المحتملة.

ختاماً،
لا يُتوقع أن تكون قمة بكين بين “ترامب” و“شي” مجرد محطة بروتوكولية، بل تمثل اختباراً حقيقياً لمسار العلاقات الأمريكية–الصينية في سياق تنافس استراتيجي متعدد الأبعاد. فعلى الرغم من الهدنة التجارية التي أُبرمت في أواخر 2025، لا تزال الشكوك المتبادلة قائمة، والتباينات ممتدة من التجارة إلى التكنولوجيا والأمن وسلاسل الإمداد.

وعليه، تبدو القمة المرتقبة محاولة لإعادة ضبط إيقاع العلاقة الثنائية، ومنع انزلاقها نحو مواجهة اقتصادية أو تكنولوجية شاملة. غير أن تشابك المصالح وعمق الخلافات يجعلان من هذا اللقاء اختباراً لقدرة القوتين على إدارة التنافس دون تحويله إلى صدام مفتوح، في لحظة دولية تتسم بقدر كبير من السيولة وعدم اليقين.