فؤاد الصباغ – كاتب تونسي و باحث اقتصادي

إنعقدت مؤخرا بمدينة سوتشي الروسية قمة إقتصادية و أمنية بين الحلف الثلاثي الإستراتيجي المتكون من روسيا الإتحادية و تركيا العثمانية و الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فبالتوازي مع مؤتمر وارسو, إنعقدت في المقابل هذه القمة وفقا لأجندة بعيدة الأمد لتقف صدا منيعا أمام حلف الشرق الأوسط أو بالأحرى حلف الناتو العربي-الإسرائيلي- الأمريكي. فهذه القمة لم تأتي من فراغ بل كان لها تخطيط مسبق يشمل ملفات إستخباراتية لدراسة الأوضاع العسكرية, السياسية و الإقتصادية بمنطقة الشرق الأوسط. فالرئيس فلادمير بوتين شديد الحرص علي توطيد علاقاته مع شركائه و حلفائه الدائمين في المنطقة مع تشبثه بتثبيت التواجد الروسي في المنطقة مهما كان الثمن و لو كان ذلك بالضربة القاضية و الساحقة. أما مخرجات هذه القمة كانت في مجملها تراهن علي حلف صاعدا إقتصاديا و صامدا عسكريا شملت ملفات التعاون المالي و التجاري و أيضا التعاون الأمني و العسكري البعيد الأمد. بالإضافة إلي ذلك رفعت قمة سوتشي نفس الشعارات التي رفعت في مؤتمر وارسو و قمة ميونيخ و هي بالأساس الراهن علي السلم و الأمن.

التعاون المالي و التجاري

مما لا شك فيه تعد روسيا دولة قوية لا تقهر في منطقة الشرق الأوسط و يمتد نفوذها المالي و التجاري علي معظم تلك الدول خاصة منها سوريا و إيران و تركيا. أما إنتمائها إلي مجموعة البريكس فهو يعزز من قوتها مع الإقتصاديات الصاعدة التي تحقق نسب نمو إقتصادية مرتفعة جدا مقارنة مع بقية دول العالم. فهذا الفضاء الذي يجمع البرازيل و روسيا و الهند و الصين و جنوب إفريقيا يمثل قطب إقتصادي قوي و منافس حقيقي للإقتصاد الأوروبي و الأمريكي. بالنتيجة جاءت ولادة هذا الحلف الثلاثي الجديد لتعزيز نواة القوة الإقتصادية الصاعدة و الواعدة بالمنطقة خاصة منها في مجال المبادلات التجارية في قطاع الطاقة أو المواد الإستهلاكية و الصناعية و النسيج و غيرها. إن هذا التعاون في مجال الطاقة كالنفط و الغاز بين تركيا و إيران و روسيا يعتبر قوة مستقبلية ضاربة في مختلف المبادلات التجارية و التعاون الدولي. كما أن الممرات الإستراتيجية لأنابيب الغاز و النفط في المنطقة تمثل المحور الأساسي للتعاون بين تلك الدول في منطقة تشهد فوضي عارمة و حروب طال أمدها خاصة في سوريا و اليمن. إن رهان الكرملين علي تلك الرؤية الإستشرافية في مجال التعاون المالي و التجاري المنصهر في هذا الحلف الجديد يعد ثمرة نجاحات إستراتيجية تحقق المردودية العالية و النجاعة الفاعلة. كما يساهم هذا الحلف الصاعد في رفع نسق التنافسية الإنتاجية الإقليمية و يساهم أيضا في تطوير البنية التحتية خاصة منها في مجال الطاقة و التكنولوجيا التي تعتبر مصدر تراكم الثروة الوطنية الهامة لدي روسيا و إيران. أما في المقابل تمثل تركيا المعبر الرئيسي لجميع المبادلات التجارية التي تربطها مع روسيا الإتحادية من جهة و بمنطقة الشرق الأوسط من جهة أخري.

التعاون الأمني و العسكري

ركزت قمة سوتشي بالأساس علي حفظ الإستقرار بالمنطقة الآمنة بمدينة إدلب السورية مع مد خط تعاون عسكري إقليمي خاصة علي الحدود التركية الروسية من جهة و الحدود التركية السورية من جهة أخري. كما تناولت هذه القمة ملف إنسحاب القوات الأمريكية من سورية بحيث كانت التقارير العسكرية سلبية لدي مكتب بوتين و التي تشير معظمها إلي عدم الخروج الكلي للقوات العسكرية الأمريكية من المنطقة مع تزايد ضعف التغطية الدفاعية بالقواعد الجوية الروسية السورية المشتركة. إن التعاون الأمني و العسكري بين هذا الحلف الصامد يمثل قوة الردع و الدفاع عن المصالح الإستراتيجية البعيدة الأمد في المنطقة. بالتالي يعتبر الملف السوري جزء لا يتجزأ من الصراع الإقليمي علي النفوذ و بقاء الرئيس الأسد في السلطة هو بالأساس مرهون بالتواجد الإيراني و الروسي في منطقة الشرق الأوسط. إن تعزيز التواجد الروسي بالقواعد العسكرية في المنطقة يمثل جوهر التعاون المستقبلي بين إيران, روسيا و تركيا خاصة منها التغطية الجوية الدفاعية و التنسيق الإستخباراتي علي أرض الميدان. كذلك تراهن هذه القمة علي دحر قوات تنظيم النصرة الإرهابي و القضاء تماما علي ما يسمي بتنظيم الإرهاب الدولي داعش الذي كان داهس علي نفوس السوريين بحيث قتلهم و شردهم في مخيمات اللاجئين بالدول المجاورة أو الأوروبية. عموما يعتبر هذا الحلف الثلاثي القوي ردا واضحا و صارخا علي مؤتمر وارسو الذي يعتبر إيران عدو خطير و يجب الحشد الدولي ضده. إذ تبين للعالم أن إيران لها إمتدادا إقليميا في الخليج الفارسي و تحظي بتعاون عربي شاملا و كاملا ما عدي من قبل دولتين تكن لها العداء الشديد و هما الإمارات العربية المتحدة و المملكة العربية السعودية. إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تشكل خطرا إقليميا علي أي طرف و ذلك بإعتراف روسي بل هي حليف إستراتيجي تسهر علي حماية المصالح الإقليمية المشتركة و تساهم في قوة الدفاع عن حلفائها عبر حرسها الثوري المنتشر في أغلب دول الشرق الأوسط.

من سوتشي..إلي وارسو و ميونيخ

لم تأتي قمة سوتشي 2019 من فراغ و لم تكن هي أيضا بعيدة عن طاولة المفاوضات التي كانت تدور في كواليس مؤتمر وارسو أو ميونيخ. إذ و لو إختلفت الأهداف و المحتوي بين تلك القمم, إلا أن جوهرها كان واحد و هو تعزيز الأمن و السلم العالمي و الذي كان شعارا موحدا بينها. إن مخرجات قمة سوتشي خلصت إلي نتيجة أن إيران دولة مسالمة لا تشكل تهديدا للأمن الإقليمي و هي تسعي إلي تعزيز السلم عبر تواجد قواتها الدفاعية فقط في تلك المنطقة. إذ يحرص الرئيس بوتين علي حق إيران لإمتلاكها للطاقة النووية لأغراض سلمية منها إنشاء مولدات كهربائية تعمل بالطاقة النووية أو لأغراض علمية و بحثية. أما تطويرها لقاعدة الصواريخ البالستية و غزوها للفضاء يمثل لها حقا مكتسبا لا يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة. و وصولا إلي قمة وارسو التي لم تشارك فيها ألمانيا و فرنسا و بريطانيا و التي كانت مقتصرة فقط علي الحضور الخليجي و الإسرائيلي كانت تمثل في مضمونها توجيها للإتهامات المغرضة حول البرامج العلمية النووية الإيرانية. بالإضافة إلي ذلك كان لشيطنة الأعمال الإيرانية في المنطقة الركن الهام من الحوارات السرية المغلقة عبر تلك الأسطوانة التي كان يرددها نتنياهو دائما و هي “أن إيران هي البعبع المخيف في المنطقة و المحتلة لأربعة دول عربية و لا تعترف بمبادئ الديمقراطية و الحرية”. بالتالي كثرت الشياطين في المنطقة و المواطن العربي أصبح لا يعرف من هو الشيطان الحقيقي. فإيران تعتبر إسرائيل و أمريكا هما الشيطان الأرعن أما في المقابل تعتبر إسرائيل و حلفها الشرق الأوسطي الجديد المعروف بالناتو العربي أن إيران و روسيا هما الشيطان المرعب. ففي كل دولة يوجد الصالح و الطالح و لا أحد يشكك في النوايا السيئة لبعض الجهات بحيث أصبحت الخيانة في كل مكان عبر ذلك التطبيع المسموم و التخلي الكلي من الجانب العربي عن نصرة القضية الفلسطينية. عموما من خلال هذا المشهد من الأحداث المأساوية المتراكمة تتجه منطقة الشرق الأوسط نحو المزيد من التشرذم و التشتت في المواقف و العلاقات و نحو التكتلات الإقليمية. فالصراع علي النفوذ الإقليمي يعد جرس إنذار مبكر للإنجراف نحو المجهول عبر مؤشرات ملامح حرب إقليمية أو عالمية قادمة في الأفق, إذا فشلت مجهودات التسوية السلمية. أما الإلتزام بالإتفاق النووي الإيراني السابق أو التحضير لمؤتمر جديد يحدد مفاهيم و طموحات إمتلاك إيران للطاقة النووية السلمية يعتبر هو الضامن الوحيد للحفاظ علي الأمن و السلم بمنطقة الشرق الأوسط.

إن منطقة الشرق الأوسط برمتها تعيش تحت بركان هائج قابل للإنفجار في أي وقت ممكن بحيث تشهد تلك المنطقة تصاعد متواصل في لهجة الوعد و الوعيد مع التهديد و التصعيد. أما في المقابل نلاحظ هرولة نحو التطبيع الذي أصبح علنا بين الدول الخليجية و إسرائيل مع السعي للتكتل في حلف وارسو المشكل للناتو العربي الجديد ضد سياسات إيران في المنطقة و خاصة منها ضد حقها لإمتلاكها للسلاح النووي. عموما إذا إستمر هذا التصعيد و التهديد و هذه التكتلات بين حلف سوتشي القوي و الصاعد إقتصاديا و الصامد عسكريا ضد حلف وارسو المشكل للناتو العربي-الإسرائيلي-الأمريكي و الذي يسعي بدوره إلي شيطنة الأعمال الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط مع تكريس مبدأ التخلي عن القضية الفلسطينية بتعلة مبادرة صفقة القرن للسلام تحت الرعاية الأمريكية, فبالنتيجة الأمور في مجملها ستتجه نحو العنف و التصادم و الدخول في دوامة الأزمات الدبلوماسية. أما قمة ميونيخ في ألمانيا تحت شعار الأمن و السلم جاءت هي أيضا لتساهم في نسف الإتفاق النووي الإيراني بالكامل و بتحريض أمريكي تدعو فرنسا و بريطانيا و ألمانيا للتخلي عن هذا الإتفاق المقيت و السيئ و الإتجاه نحو الإندماج في التكتل الجديد المشكل لحلف ناتو وارسو. عموما كل هذه المؤشرات الأولية تشير إلي أن حرب إقليمية قادمة في الأفق و لربما ستتحول إلي حرب عالمية, إذا فشلت الحوارات العقلانية لتسوية مختلف القضايا العالقة بالطرق السلمية.

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email