إنعقدت مؤخرا قمة مجلس التعاون الخليجي بالرياض – المملكة العربية السعودية وسط إهتزاز و عدم إستقرار لهذا التكتل الإقتصادي, السياسي و التجاري في فضائه الإقليمي بالجزيرة العربية. إذ تعاني دول أعضاء هذا المجلس من عديد الأزمات المتراكمة منها الأزمة الدبلوماسية القطرية و الحصار الإقتصادي عليها, أيضا أزمة اليمن الإنسانية و حرب التحالف الإماراتي و السعودي عليها. بالإضافة إلي ذلك تداعيات إغتيال الصحفي جمال خاشقجي و الأزمة الدبلوماسية الحادة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان و أعضاء مجلس الكونغرس الأمريكي. هذه القمة رغم إنعقادها في ظل كل هذه المتغيرات الإقليمية إلا انها كانت عاجزة تمام العجز من أجل إيجاد أي حلول جذرية للأزمات السياسية المتراكمة و المتسارعة و التي كانت لها تأثيرات مباشرة علي الأوضاع الإقتصادية و المبادلات التجارية بين الدول الأعضاء لمجلس التعاون الخليجي من جهة و نحو الدول الخارجية منها العربية و الأوروبية من ناحية أخري.

كما أن قمة الأوبك المؤخرة التي خرجت بوثيقة تدعو الدول المنتجة للنفط بتخفيض أسعار المحروقات كانت أيضا لها تأثيرات سلبية إضافية نظرا لتلك التراكمات الإقتصادية المتزايدة و تلك الأزمات السياسية المتصاعدة بحيث أصبحت اليوم في مجملها تمثل العائق الرئيسي لمجلس التعاون الخليجي المشترك الذي تحول إلي مجلس العدوان الخليجي المتفرق. فنتائج هذه القمة لم تكن ذات جدوي فعالة أو تحمل التطلعات و الآمال المنتظرة من أجل تعزيز المكاسب الإقتصادية و التجارية نظرا للوعود المحدود قصد تخفيف التوتر بين الدول الأربعة و هي الإمارات العربية المتحدة و المملكة العربية السعودية و دولة البحرين و الكويت مع دولة قطر التي أصبحت بدورها تعيش في فضاء معزول ضمن مجلس ينبذ تصرفاتها و تصريحاتها. إذ من أهم مخرجات هذه القمة هو تعزيز الإندماج و التعاون بين الدول الأعضاء و تفعيل الفضاء الجمركي لتسهيل الحركية بين الأشخاص و السلع و خاصة منها تنقل الشاحنات المحملة بالبضائع التجارية بين دول مجلس التعاون الخليجي.

فعلي الرغم من طرح نقاط تسوية لإيجاد مخرج للأزمة مع دولة قطر عبر وساطة كويتية من أجل عودتها إلي الساحة الخليجية و إندماجها في فضائها الخليجي و الإقليمي ضمن التوجيهات السعودية و الإماراتية في إطار رؤية محاربة الإرهاب و خاصة منها المخططات الإستراتيجية الإيرانية في المنطقة, إلا أن بوادرها الأولية لم تكن مشجعة نظرا لبعض المشاكل الداخلية و الدولية. لقد كان التعاون الخليجي منذ قرون طويلة الدرع الصامد و القوي للجزيرة العربية ضد أي عدوان خارجي أو أي حصار إقتصادي أجنبي أو ضد أي كوارث طبيعية أو أي حروب إقليمية, إلا أن هذا التعاون تلاشي و أصبح اليوم مشلول بالكامل و غير قادر علي تجاوز محنته. هذا الفضاء الإقتصادي و التجاري للدول النفطية أصبح مهدد بالتشتت نتيجة للتشرذم في المواقف و الآراء للملوك و الأمراء. كما أن هذه الأزمة الدبلوماسية و السياسية ستتسبب بضرر شامل و كامل علي جميع القطاعات الإقتصادية و المصالح التجارية لمجلس التعاون الخليجي. فنظرا لغلق المعابر التجارية مع دولة قطر و توجه دولة الإمارات العربية المتحدة و المملكة العربية السعودية نحو تصعيد الحرب ضد جماعات الحوثي المدعومة إيرانيا تزايد التفارق و التنافر في المواقف و العلاقات الخليجية و التي مجمل نتائج أزمتها تضر بشكل مباشر علي مصالحها الإقتصادية و تهدد أمنها القومي علي المدي البعيد. بالنتيجة زادت كلفة الإنفاقات في الميزانية الخليجية التي استنزفت مواردها المالية و أصبحت تعاني من عجز في ميزان مدفوعاتها نظرا للخلل الواضح بين المصاريف و المداخيل العمومية و الجبائية علي الرغم من الأموال الطائلة الواردة من أموال المعتمرين و الحجاج لبيت الله و من مبيعات المواد الطبيعية الخام كالنفط و الغاز. بالتالي تمثل المصاريف المتراكمة علي شراء الأسلحة و الإنفاق علي الحروب في سوريا و اليمن ضد التواجد الإيراني في المنطقة أضعفت الخزينة العمومية بشكل ملحوظ و أبرز دليل علي ذلك توجه دولة الإمارات مؤخرا لبيع العديد و العديد من النزل الفخمة و المنشآت المالية و المصرفية و التجارية إلي جهات أجنبية.

بالإضافة إلي ذلك توجه المملكة العربية السعودية نحو طرح سندات حكومية بالأسواق المالية العالمية و دعوة الأطراف الأجنبية المشاركة في منتدي دافوس الصحراء إلي تكثيف تعاونها الإستثماري و التجاري الدولي في الخليج العربي. خرجت هذه القمة الختامية لمجلس التعاون الخليجي بالدعوة لتكثيف التنسيق و التعاون المشترك قصد تعزيز مكانة القطاع الخاص و تحفيز المبادلات التجارية الداخلية عبر بعض التخفيضات الجمركية علي حركية مرور الشاحنات. إلا أن إنعكاسات الأزمة القطرية ستبقي العائق الرئيسي أمام تحفيز التنمية الإقتصادية المشتركة نظرا للحصار الجائر علي دولة قطر و تشبث بعض المسؤولين القطريين بالتعاون مع التحالف الذي يجمع تركيا و إيران و روسيا. إن بوادر تشكل الشرق الأوسط الكبير بدأت تتشكل و نظرية الفوضي الخلاقة التي روجت لها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندليزا رايس طبقا لنظرية فرق تسد لورنس العرب بدأت تطبق فعليا علي أرض الواقع.

أما أزمة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بشأن قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي فهي تندرج ضمن صفقة تصفية حسابات و لها أغراض إستراتيجية في المنطقة, و حرب اليمن أيضا لها أهداف إقليمية بعيدة الأمد, كذلك الحصار الخليجي علي قطر و إتهامها بدعم إيران و الحركات الإسلامية و الإرهاب له أغراض سياسية ستنعكس مباشرة علي الأوضاع الإقتصادية و التجارية الخليجية و ستتسبب في تفكك هذا المجلس الخليجي الضعيف و الذي أصبح يعاني من شلل و عجز كامل بشأن إتخاذ أي قرار مشترك في ظل غياب كلي للمواقف الرسمية القطرية. فتراكم الأزمات الدبلوماسية و الإقتصادية في الخليج العربي و تصاعد سياسة الإبتزاز الأمريكي و تزايد فوضي الحروب في المنطقة منها محاربة ما يسمي بداعش و الحرب في سوريا و اليمن مع تضاعف الوهن في العمل الخليجي المشترك كلها تمثل اليوم عوامل سلبية ستتسبب في المستقبل القريب بإنهيار مجلس التعاون الخليجي و ستشكل ملامح الشرق الأوسط الكبير و الجديد.

فؤاد الصباغ باحث اقتصادي دولي