كتاب إدارة الوحشية: كيف غذت دولة الأمن القومي الأمريكية صعود القاعدة وداعش ودونالد ترامب (مترجم)
Max Blumenthal, The Management of Savagery: How America’s National Security State Fuelled the Rise of Al Qaeda, ISIS, and Donald Trump, (Verso: London& New York, 2019)

مع تزايد تهديد التنظيمات الإرهابية للعالم، وتحولها إلى تنظيماتٍ عابرةٍ للحدود، تصاعد الجدل حول دور الولايات المتحدة الأمريكية فى دعم الإرهاب، سعيًا لتوظيفيه لتحقيق أهدافها ومصالحها. وفى هذا الإطار، صدر كتاب: “إدارة التوحش: كيف غَذت دولة الأمن القومي الأمريكي صعود القاعدة، وداعش، ودونالد ترامب؟” للكاتب “ماكس بلومنتال”. يُستلهم عنوان الكتاب من وثيقة تنظيم القاعدة الصادرة فى عام 2004 لأبو بكر ناجي، أحد أبرز مُنظري تنظيم القاعدة.

وقد حددت الوثيقة استراتيجية بناء دولة إسلامية من خلال استغلال الفوضى الناتجة عن حروب الولايات المتحدة لتغيير النظام، وحثت الوثيقة الجماعات الجهادية على ملء الفراغ الأمني الذي اتاحه التدخل الغربي، مع شن عمليات استنزاف ضد مؤسسات الدولة المركزية. ووفقًا للكاتب، يتوافق طرح أبو بكر ناجي مع مخططات تغيير النظام التي يسعى إليها الجناح المتشدد تجاه قضايا الأمن القومي فى واشنطن، ويعكس هذا التوافق العلاقة التكافلية التي تجمع الطرفان في إشارةٍ إلى صقور الأمن القومي الأمريكي والمتطرفين الجهاديين.

البداية في أفغانستان

تناول الكاتب دور الولايات المتحدة في دعم المجاهدين في أفغانستان؛ إذ كانت أفغانستان أول سلسة الحروب المدارة من قبل الولايات المتحدة، سعيًا إلى محاصرة الاتحاد السوفيتي في فيتنام. وفى إطار تلك الحرب، تعاون كلًا من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وجهاز الاستخبارات الباكستاني، ومجموعةٍ متنوعةٍ من أمراء الحرب، وتجار الأسلحة، والجيش الباكستاني، وحركة طالبان المنشأة حديثًا. فقد كان هدف الولايات المتحدة من تلك الحرب استنزاف الاتحاد السوفيتي؛ حيث سعت إلى تطويق أكبر وأقوى دولة عسكرية في أوراسيا، وتحويلها تدريجيًا إلى دولةٍ تابعةٍ للولايات المتحدة، وذلك عن طريق دفع موسكو إلى غزو أفغانستان، والاستمرار في دعم التمرد حتى انهيار الحكومة المدعومة من قبل الاتحاد السوفيتي، والتي أدت إلى عقودٍ من الحرب الأهلية في البلاد.

وفى الوقت إلى سعى فيه المحافظون الجدد لإحداث اضطراباتٍ عالميةٍ بهدف تدشين مشروعٍ لقرنٍ أمريكيٍ جديد، وإحداث حالةٍ من الهيمنة العالمية، تحول خريجو الجهاد المناهض للسوفييت إلى قوةٍ ثورية. فلم تكن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أن المجاهدين الأفغان الذين أمدتهم بالسلاح، وساهمت فى تدريبهم للقضاء على النفوذ السوفيتي فى منطقة بحر قزوين سيتحولون إلى إرهابيين، يهددون المصالح الأمريكية في أفغانستان نفسها، ويمتد تهديدهم إلى الداخل الأمريكي، وذلك بتنفيذ واحدةٍ من أخطر العمليات الإرهابية فى التاريخ الحديث، والتي تمثلت فى ضرب برجي التجارة العالميين خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001

ألقى الكاتب الضوء على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي مثلت نقطة تحول فارقة في السياسة الخارجية الأمريكية؛ إذ اعطت مسوغًا للولايات المتحدة الأمريكية لإتباع سياسةٍ تدخليةٍ ناشطةٍ قائمةٍ على الحرب على الإرهاب. وبعد تلك الأحداث عادت مقولات “نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكاياما، و”صدام الحضارات” لصموئيل هانتجتون إلى ساحةٍ النقاش مرة أخرى، سعيًا إلى تصوير الهجوم على أنه صراع حضارات غير قابل للحل بل يجب أن يقاوم بالعنف.

وقد سبقت مقولات فوكاياما وهانتجتون مؤتمر تم تنظيمه من قبل شابٍ في حزب الليكود يدعى “بنيامين نتنياهو” بعد أشهر قليلة من وصول الخميني إلى السلطة فى إيران تحت رعاية معهد “جوناثان”. وقد هدف نتنياهو من ذلك المؤتمر إلى تدويل الفهم الإسرائيلي للإرهاب؛ حيث تم تصوير الإرهاب بإعتباره “معركة على القيم”، نشبت بين الغرب “اليهودي-المسيحي” المتحضر والجحافل الشرقية البربرية”. وعندما شرعت واشنطن في “الحرب على الإرهاب” بعد عقدين من الزمن، ساعد صدام الحضارات الذي شارك نتنياهو فى بنائه على تزويد إدارة جورج دبليو بوش باللغة التي تحتاجها لتسويق مذهبها العسكري الأحادي إلى الشعب الأمريكي؛ فتحول الغرب إلى ضحيةٍ لحكام مستبدين ضد الديمقراطية، وأصبح العالم في حالة استقطابٍ إما “معنا أو ضدنا”. وبالتالى، أصبحت حربًا دينية وحضارية وطائفية.

تغيير نظم الحكم فى الشرق الأوسط

ناقش الكاتب دوافع الولايات المتحدة للحرب على الإرهاب؛ إذ تذرّعت بالحرب على الإرهاب لغزو كلًا من أفغانستان والعراق، غير أنها فى إطار تلك الحرب، قامت بتوفير البيئة الخصبة لإنعاشه؛ فعملت على تخريب الدول، وإضعاف مؤسساتها الأمنية، ما أوجد البيئة الخصبة لنشاط التنظيمات الإرهابية. فتمخض عن الحروب التي شنتها الولايات المتحدة لتغيير النظم أزمات لاجئين ذات أبعاد غير مسبوقة، وصعود الجهادية المتطرفة العابرة للحدود.

اختارت دولة الأمن القومي الأمريكي تكرار أخطاءها مرةً أخرى؛ فغزت العراق، ما أدى لانهياره، وتحوله إلى دولةٍ فاشلة، أتاحت تربة خصبة لقيام داعش. وأعقب ذلك غزو ليبيا، حيث أدى التدخل بقيادة الولايات المتحدة إلى تحولها إلى دولةٍ فاشلةٍ أخرى، استولت عليها الميليشيات الجهادية. ثم انتقلت آلة تغيير النظام إلى سوريا، ما ساعد على انتشار داعش.

وفى ذلك السياق، لعبت تركيا دورًا مزدوجًا؛ حيث وفرت الدعم لداعش من ناحية، وواجهت القوات الكردية في ذات الوقت من ناحيةٍ أخرى. كذلك لعبت لبنان دورًا سلبيًا في توفير المجال الجوي الدولي الوقائي لكلًا من عمليات التوغل الجوية الإسرائيلية وحلف الناتو، في الوقت الذي أوت فيه قوات داعش على الحدود السورية دون رغبتها فى ذلك. أما إيران، فقد قدمت الدعم العسكري واللوجيستي لسوريا، وعملت على توسيع نفوذها في “الهلال الشيعي”.

وبعد ذلك، جاءت روسيا، الحليف التقليدي لسوريا، الذي أثبت حجم الأكاذيب حول المصالح الأمريكية في هزيمة الجهاديين. وبمجرد أن أدركت الولايات المتحدة تراجع نفوذها، اتخذت روسيا مكانها القديم المألوف في وسائل الإعلام الرئيسة في الولايات المتحدة باعتبارها العدو. فأصبح “المتمردون” “معتدلين” ، وأصبحت “الخوذ البيض”  الذين ساعدوا داعش، من ذوي الخبرة الإنسانية هم الأخيار في الإعلام الغربي.

صعود ترامب

أكد الكاتب على أن انتخاب دونالد ترامب لم يكن ممكنًا بدون أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتدخلات العسكرية اللاحقة التي وضعتها دولة الأمن القومي الأمريكي. فقد ساعدت تلك الحروب الفاشلة في الخارج الولايات المتحدة على تعرضها للإرهاب وصعود القومية المتطرفة. فكانت رئاسة ترامب هي النتيجة الحتمية لإمبريالية المحافظين الجدد في فترة ما بعد الحرب الباردة.

نجح ترامب فى توظيف أحداث الحادي عشر من سبتمبر خلال حملته الإنتخابية؛ إذ أعطى الأيديولوجيين في صناعة الإسلاموفوبيا صوتًا جذابًا لم يتمتعوا به من قبل، فتعهد بالحظر التام على المسافرين المسلمين من سبع دول، وأشار إلى ما عانته عائلات أمريكا الوسطى من ضررٍ معنويٍ بسبب الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان. فقد كان ترامب، على استعدادا للاستفادة من النواحي العميقة المناهضة للتدخل في جميع أنحاء البلاد، بينما دعت “هيلاري كلينتون” لإنشاء منطقة حظر الطيران في سوريا.

مجمل القول، استعرض الكاتب الصعود الموازي للجهادية الدولية والقومية الغربية المتطرفة، منذ تمويل واشنطن السري للمجاهدين في أعقاب الغزو الروسي لأفغانستان في سبعينيات القرن الماضي بالسلاح والأموال. وقد ظلت الولايات المتحدة منذ ذلك الحين تدعم المتطرفين، الذين أصبحوا أعداءها فيما بعد. وفى إطار السعي الأمريكي لتغيير النظم في الشرق الأوسط، قام البنتاجون بتدريب العناصر الجهادية المسلحة في أفغانستان، وسوريا، وليبيا. وبذلك، خُلقت أرضٌ خصبةٌ لنمو نشاط للدولة الإسلامية داعش. وبالتالي، توصل الكاتب إلى أن القوى المتطرفة التي تهدد السلام الآن في جميع أنحاء العالم هي النتيجة الحتمية للإمبريالية الأمريكية.

تحميل النسخة العربية المترجمة