انكبت حنّه أرنت (1906-1975) منذ أن حطّ بها التّرحال في الولايات المتحدة الأمريكية، خلال الحرب العالميّة الثانيّة، على دراسة وتحليل مفاصل الحياة السياسيّة المعاصرة، قصد فهم وتفكيك وشرح وتوضيح الديناميكيّة التي جرّت العالم نحو تجارب مهينة للبشرية جمعاء، ألا وهي الأنظمة الشموليّة التي امتهنت الإبادة وعمّقت العنصريّة والاستغلال، رغم أنّ هذه المظاهر كانت نسبيّا موجودة.

وأفرز هذا المبحث ثلاثيّة ساهمت كثيرا، إلى جانب العديد من المؤلفات فيما بعد، في شهرة حنّه أرنت، وتضمّنت هذه الثلاثيّة، التي صيغت منذ بدايات منتصف القرن الماضي، على التوالي العناوين التالية : “الإمبرياليّة”، و”معاداة السامية” وأخيرا “النظام الشمولي”.
ورغم أنّ الإمبرياليّة ليست بالظاهرة الجديدة، إذ جرّبها في الماضي البعيد كلّ من الإغريق والرومان، وحتى العرب والمغول، إن صحّ القول، فإنّ حنّه أرنت اعتبرت بأنّ عصر الإمبرياليّة، رغم إقرارها بماضي الظاهرة، هي وليدة الاستعمار عندما لم تفلح الدّولة – الأمّة في التأقلم مع التطوّرات الاقتصاديّة والصناعية التي عرفها الغرب عموما في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وتحديدا إثر الأزمة أي إثر أوّل أزمة اقتصادية هزّت كيان الرأسمالية سنة 1873، وأدّت إلى ظهور بوادر التوسّع الاستعماري التي أقرّها مؤتمر برلين لسنة 1878، وتنج عنه احتلال تونس (1881)، ومصر (1882)، وكانت فرنسا قد احتلت الجزائر قبل ذلك بكثير (1830) في إطار مغاير لسنوات 1880. ورغم ذلك، فقد حدّدت حنّه أرنت بداية الإمبريالية انطلاقا من سنة 1884، وربّما يعود هذا إلى اعتمادها على التطوّر التاريخي البريطاني وعلاقاته مع إفريقيا الجنوبية والهند، أكثر من غيره.
وعلى كلّ، تمكنت حنّه أرنت من تحليل الظاهرة التي انطلقت في الأوّل من استعمار استيطاني إلى هيمنة شملت كلّ جوانب الحياة، خاصة بعد تحرّر البورجوازية من قيود الدولة – الأمّة وجعلت من هذه الأخيرة آلة مطيعة لتنفيذ رغباتها في الهيمنة الاقتصاديّة لا على مجالها الوطني فحسب، بل وأيضا على مجال أوسع من ذلك، لكي يمتدّ في رحاب العالم.
وحاولت حنّه أرنت تحليل آليات هذه الإمبريالية إداريّا واقتصاديّا. ولكنها ركزت في نفس الوقت على الجانب العنصري لتصرفات المعمّرين الأوروبيين إزاء السكان الأصليين، أي الأهالي، وخاصة السود منهم في إفريقيا الجنوبية. وبالفعل، توصلت حنّه أرنت في تحليلها للإمبريالية إلى أن تبيّن كيف أنّ هياكل الشمولية ظهرت مع ولادة تقسيم إفريقيا، وخاصة الجنوب منها، بين البيض والسود، والهيمنة للأوائل، الغرباء في الأصل، على الثانين، أهالي البلاد، باسم التطوّر الحضاري، ولكن باعتماد القوّة، ثمّ تحوّل هذا التقسيم لدى الحركات الإمبريالية الموالية للجرمانية أو الموالية للسلافية، والتي، خلافا لفرنسا وأنجلترا أو هولندا، لم تجد مجالا للتوسّع الاستعماري، فدخلت هذه الحركات في صراع مع القوّتين الاستعماريتين المذكورتين، مما أفضى إلى الحرب العالمية الأولي. ولم يتوقف هذا التوجه، حسب حنّه أرنت، عند هذا الحدّ، رغم معاهدات السلام لسنتي 1919-1920، بل تواصل لكي يؤدي إلى الشمولية، تبنّتها النازية (المناصرة للجرمانية) والشيوعيّة السوفييتيّة (المناصرة للسلافية).
ومن ناحيّة أخرى، اعتبرت حنّه أرنت أنّ العنصرية والبيروقراطية كانتا أيضا من العناصر التي مكّنت من فرض عملية التوسع الإمبريالي. فالعنصريّة، وإن كانت قديمة منذ العهد الروماني، فهي التي شرّعت هيمنة البيض على الشعوب الأخرى باسم النقاوة العرقيّة والتقدم الحضاري.
أمّا البيروقراطية، فقد كانت بمثابة البديل عن السلطة السياسية للبلد الأمّ، باعتبار أن الإدارة في المستعمرات هي الكفيلة بحسن إدارة وتصريف الأمور دون انتظار التوجيهات من العاصمة الأمّ التي قد تتأخر. وهذا ما أدّى أحيانا إلى صراعات بين الإدارة المحلية للمستعمرات والعاصمة الأمّ.
ومن ناحية ثالثة، ميّزت حنّه أرنت بين ما أسمته الإمبريالية البحرية والإمبريالية القارية. فالأولى هي الإمبريالية التي سلكتها كلّ من بريطانيا العظمى، وفرنسا وهولندا بالتوسع خارج المجال الأوروبي، محتلّة مجالات أخرى من العالم فيما وراء البحار بحكم امتلاكها لأساطيل بحريّة وبحكم تطوّر بورجوازياتها في المجال الاقتصادي، بل وتمكنت بذلك من اقتسام العالم فيما بينها. بينما الإمبريالية القارية هي التي اصطبغت بها الحركات الجرمانية والسلافية، اللتان لم تجدا مجالا للتوسع، فركنتا إلى نوع من القومية القبلية التي أدّت إلى الحرب العالمية الأولى ونهاية الإمبراطوريات الروسية، والألمانية، والنمساوية – المجرية وحتى العثمانيّة. غير أنّ سياسة الإلحاق والإمبريالية القارية تواصلت حتى فيما بين الحربين، لكي تؤديّ، مع تنامي العنصرية بين الجرمانية والسلافية، إلى إقامة الأنظمة الشمولية التي مارستها كلّ من النازية والشيوعية السوفييتية.
وانتهى المطاف بحنّه أرنت إلى مقاربة لتحليل وضعية المشردين وغير الحاملين لأوراق تثبت هويتهم، كعملية تجريد البعض من البشر من إنسانيتهم. كما انكبت في نفس الإطار على مسألة اللاجئين التي أفرزتها الأنظمة الشمولية وما عاناه قانونيّا المشردون حتى في البلدان الديمقراطية، حيث رغم سريان مفعول مبادئ حقوق الإنسان والمواطن المعلن عنها منذ الثورة الفرنسية، وجد هؤلاء اللاجئون والمشردون صعوبات جمّة للاندماج.
والحصيلة بالنسبة لحنّه أرنت هو أنّ الإمبريالية، وليدة الاستعمار، أفرزت في نهاية الأمر العنصرية، والأنظمة الشمولية نتيجة إخفاق حركات الالحاق الجرمانية والسلافية في التوسع، بل وجدت نفسها في حالة تصادم، خلصت إلى تعميق مفهوم الانتماء العرقي، وبالتالي تكريس العنصرية وتنفيذه، باسم الصفاء العرقي، لتصفية عناصر بشريّة أخرى، من بين اللاجئين والمشردين بالخصوص.
وإذن، يمكن القول بأنّ مجريات هذا الكتاب هي بمثابة المقدّمة لفهم الآليات التي ارتكزت عليها الأنظمة الشمولية إلى حدود خمسينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي توقفت عندها حنّه أرنت، مع العلم أنّ الإمبريالية لم تنته بانتهاء الأنظمة الشمولية، لا خلال الحرب الباردة، ولا حتى بعد انهيار جدار برلين، بل أخذت أشكالا أخرى، حريّ بنا الانكباب عليها وتحليل مفاصلها
_____________
– الإمبرياليّة ومعالم الإبادة والعنصرية والشمولية
• الثمن انكبت حنّه أرنت (1906-1975) منذ أن حطّ بها التّرحال في الولايات المتحدة الأمريكية، خلال الحرب العالميّة الثانيّة، على دراسة وتحليل مفاصل الحياة السياسيّة المعاصرة، قصد فهم وتفكيك وشرح وتوضيح الديناميكيّة التي جرّت العالم نحو تجارب مهينة للبشرية جمعاء، ألا وهي الأنظمة الشموليّة التي امتهنت الإبادة وعمّقت العنصريّة والاستغلال، رغم أنّ هذه المظاهر كانت نسبيّا موجودة.
وأفرز هذا المبحث ثلاثيّة ساهمت كثيرا، إلى جانب العديد من المؤلفات فيما بعد، في شهرة حنّه أرنت، وتضمّنت هذه الثلاثيّة، التي صيغت منذ بدايات منتصف القرن الماضي، على التوالي العناوين التالية : “الإمبرياليّة”، و”معاداة السامية” وأخيرا “النظام الشمولي”.
ورغم أنّ الإمبرياليّة ليست بالظاهرة الجديدة، إذ جرّبها في الماضي البعيد كلّ من الإغريق والرومان، وحتى العرب والمغول، إن صحّ القول، فإنّ حنّه أرنت اعتبرت بأنّ عصر الإمبرياليّة، رغم إقرارها بماضي الظاهرة، هي وليدة الاستعمار عندما لم تفلح الدّولة – الأمّة في التأقلم مع التطوّرات الاقتصاديّة والصناعية التي عرفها الغرب عموما في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وتحديدا إثر الأزمة أي إثر أوّل أزمة اقتصادية هزّت كيان الرأسمالية سنة 1873، وأدّت إلى ظهور بوادر التوسّع الاستعماري التي أقرّها مؤتمر برلين لسنة 1878، وتنج عنه احتلال تونس (1881)، ومصر (1882)، وكانت فرنسا قد احتلت الجزائر قبل ذلك بكثير (1830) في إطار مغاير لسنوات 1880. ورغم ذلك، فقد حدّدت حنّه أرنت بداية الإمبريالية انطلاقا من سنة 1884، وربّما يعود هذا إلى اعتمادها على التطوّر التاريخي البريطاني وعلاقاته مع إفريقيا الجنوبية والهند، أكثر من غيره.
وعلى كلّ، تمكنت حنّه أرنت من تحليل الظاهرة التي انطلقت في الأوّل من استعمار استيطاني إلى هيمنة شملت كلّ جوانب الحياة، خاصة بعد تحرّر البورجوازية من قيود الدولة – الأمّة وجعلت من هذه الأخيرة آلة مطيعة لتنفيذ رغباتها في الهيمنة الاقتصاديّة لا على مجالها الوطني فحسب، بل وأيضا على مجال أوسع من ذلك، لكي يمتدّ في رحاب العالم.
وحاولت حنّه أرنت تحليل آليات هذه الإمبريالية إداريّا واقتصاديّا. ولكنها ركزت في نفس الوقت على الجانب العنصري لتصرفات المعمّرين الأوروبيين إزاء السكان الأصليين، أي الأهالي، وخاصة السود منهم في إفريقيا الجنوبية. وبالفعل، توصلت حنّه أرنت في تحليلها للإمبريالية إلى أن تبيّن كيف أنّ هياكل الشمولية ظهرت مع ولادة تقسيم إفريقيا، وخاصة الجنوب منها، بين البيض والسود، والهيمنة للأوائل، الغرباء في الأصل، على الثانين، أهالي البلاد، باسم التطوّر الحضاري، ولكن باعتماد القوّة، ثمّ تحوّل هذا التقسيم لدى الحركات الإمبريالية الموالية للجرمانية أو الموالية للسلافية، والتي، خلافا لفرنسا وأنجلترا أو هولندا، لم تجد مجالا للتوسّع الاستعماري، فدخلت هذه الحركات في صراع مع القوّتين الاستعماريتين المذكورتين، مما أفضى إلى الحرب العالمية الأولي. ولم يتوقف هذا التوجه، حسب حنّه أرنت، عند هذا الحدّ، رغم معاهدات السلام لسنتي 1919-1920، بل تواصل لكي يؤدي إلى الشمولية، تبنّتها النازية (المناصرة للجرمانية) والشيوعيّة السوفييتيّة (المناصرة للسلافية).
ومن ناحيّة أخرى، اعتبرت حنّه أرنت أنّ العنصرية والبيروقراطية كانتا أيضا من العناصر التي مكّنت من فرض عملية التوسع الإمبريالي. فالعنصريّة، وإن كانت قديمة منذ العهد الروماني، فهي التي شرّعت هيمنة البيض على الشعوب الأخرى باسم النقاوة العرقيّة والتقدم الحضاري.
أمّا البيروقراطية، فقد كانت بمثابة البديل عن السلطة السياسية للبلد الأمّ، باعتبار أن الإدارة في المستعمرات هي الكفيلة بحسن إدارة وتصريف الأمور دون انتظار التوجيهات من العاصمة الأمّ التي قد تتأخر. وهذا ما أدّى أحيانا إلى صراعات بين الإدارة المحلية للمستعمرات والعاصمة الأمّ.
ومن ناحية ثالثة، ميّزت حنّه أرنت بين ما أسمته الإمبريالية البحرية والإمبريالية القارية. فالأولى هي الإمبريالية التي سلكتها كلّ من بريطانيا العظمى، وفرنسا وهولندا بالتوسع خارج المجال الأوروبي، محتلّة مجالات أخرى من العالم فيما وراء البحار بحكم امتلاكها لأساطيل بحريّة وبحكم تطوّر بورجوازياتها في المجال الاقتصادي، بل وتمكنت بذلك من اقتسام العالم فيما بينها. بينما الإمبريالية القارية هي التي اصطبغت بها الحركات الجرمانية والسلافية، اللتان لم تجدا مجالا للتوسع، فركنتا إلى نوع من القومية القبلية التي أدّت إلى الحرب العالمية الأولى ونهاية الإمبراطوريات الروسية، والألمانية، والنمساوية – المجرية وحتى العثمانيّة. غير أنّ سياسة الإلحاق والإمبريالية القارية تواصلت حتى فيما بين الحربين، لكي تؤديّ، مع تنامي العنصرية بين الجرمانية والسلافية، إلى إقامة الأنظمة الشمولية التي مارستها كلّ من النازية والشيوعية السوفييتية.
وانتهى المطاف بحنّه أرنت إلى مقاربة لتحليل وضعية المشردين وغير الحاملين لأوراق تثبت هويتهم، كعملية تجريد البعض من البشر من إنسانيتهم. كما انكبت في نفس الإطار على مسألة اللاجئين التي أفرزتها الأنظمة الشمولية وما عاناه قانونيّا المشردون حتى في البلدان الديمقراطية، حيث رغم سريان مفعول مبادئ حقوق الإنسان والمواطن المعلن عنها منذ الثورة الفرنسية، وجد هؤلاء اللاجئون والمشردون صعوبات جمّة للاندماج.
والحصيلة بالنسبة لحنّه أرنت هو أنّ الإمبريالية، وليدة الاستعمار، أفرزت في نهاية الأمر العنصرية، والأنظمة الشمولية نتيجة إخفاق حركات الالحاق الجرمانية والسلافية في التوسع، بل وجدت نفسها في حالة تصادم، خلصت إلى تعميق مفهوم الانتماء العرقي، وبالتالي تكريس العنصرية وتنفيذه، باسم الصفاء العرقي، لتصفية عناصر بشريّة أخرى، من بين اللاجئين والمشردين بالخصوص.

وإذن، يمكن القول بأنّ مجريات هذا الكتاب هي بمثابة المقدّمة لفهم الآليات التي ارتكزت عليها الأنظمة الشمولية إلى حدود خمسينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي توقفت عندها حنّه أرنت، مع العلم أنّ الإمبريالية لم تنته بانتهاء الأنظمة الشمولية، لا خلال الحرب الباردة، ولا حتى بعد انهيار جدار برلين، بل أخذت أشكالا أخرى، حريّ بنا الانكباب عليها وتحليل مفاصلها