هذا بحث تعريفي شامل لمصنف ورحالة وشاعر من العصر الموحدي في الأندلس، هو علي بن موسى بن سعيد المتوفي سنة 685هـ/1285م. والهدف من هذا البحث، الذي ألم بمختلف الجوانب الشخصية والعلمية عند ابن سعيد، تقديم دراسة شاملة ومستقصية عن علم من أعلام النهضة الثقافية الأخيرة في الأندلس ومصنف من كبار المصنفين العرب في القرن السابع (الثالث عشر الميلادي)، هذا المصنف الذي تعتبر كتبه، وفي طليعتها “المغرب في حلى المغرب”، وثائق هامة في دراسة الأدب الأندلسي والمغربي عامة والأدب المصري والشامي والعراقي في العصور الإسلامية، وذلك في إطار ظاهرة التفاعل الثقافي بين المغرب والمشرق.

يقع هذا البحث في مقدمة وستة فصول: تهتم المقدمة بعصر ابن سعيد وبيئاته: الإقليمية والملحية والعائلية، فتوجز خصائص الوضع السياسي والثقافي في المشرق والمغرب في ذلك الوقت ثم تلتفت بشيء من التفصيل إلى الوضع السياسي والثقافي في الأندلس فتتبع التطورات السياسية الهامة في النصف الأول من القرن السابع وتذكر خصائص المجتمع والثقافة في ذلك الوقت مشيرة إلى مواقف المثقفين من وضع مجتمعهم وخط سير العلوم المختلفة، الأدبية والجغرافية خاصة، والمراكز الثقافية الشهيرة. وبعد ذلك تنتقل إلى تقديم صورة شاملة عن بيئة إشبيليه من مختلف جوانبها وتتبع ذلك بحديث موجز عن أسرة بني سعيد ونشاطها الثقافي بقصد إعطاء فكرة عن بيئة ابن سعيد العائلية.

ويختص الفصل الأول بتاريخ حياة ابن سعيد، حيث يعيد صياغة هذا التاريخ من الأخبار والروايات المتفرقة حسب الترتيب الزمني ليرافق ابن سعيد في حياته المبكرة في وطنه الأندلس وفي رحلاته إلى أقطار المشرق بعدئذ. أما الفصل الثاني فيبحث في شخصية ابن سعيد وثقافته العامة ويركز على عوامل تكوين شخصيته ثم على المزايا والخصائص التي نشأت تأثراً بتلك العوامل.

ويتحدث الفصل الثالث عن علمه ومصنفاته ومنهجه فيتعرض على التوالي: لحدود علمه واتجاهاته ثم لأساتذته ثم لمصنفاته على اختلاف أنواعها ثم لمنهجه في التأليف. ويأتي الفصل الرابع ليتحدث عن ابن سعيد الرحالة الجغرافي حسب الترتيب التالي: نظرة في جغرافيته الأدبية حيث دخل التصور الجغرافي في أساس تركيب كتابيه الأدبيين الكبيرين (المغرب) و(المشرق)، ثم حديث عن أدب الرحالة عنده على ضوء مات تركه لنا من مذكرات عن زياراته لمصرن ثم عرض لجهوده في الجغرافية الخالصة.

ويشغل الحديث عن آرائه النقدية الفصل الخامس، حيث التفت إلى مواقفه النقدية العامة وموقفه من التيارات النقدية في تاريخ الأدب العربي، ثم فصلت آراؤه الخاصة أو ما يمكن تسميته بنقده التطبيقي الموضعي فيما يتعلق بالشعر والنثر على حد سواء.

وجاء الفصل السادس والأخير من هذا البحث ليتحدث عن شعر ابن سعيد، حيث عرض للمظاهر الرئيسية في شعره ثم التفت إلى خصائصه الفنية وإلى المؤتمرات المتعددة التي أثرن فيه. وعلى العموم فقد روعي في هذا البحث-عبر مختلف فصوله- الالتفاف إلى ميول ابن سعيد الأدبية ومزاياه النفسية وآرائه النقدية في حد ذاتها أولاً، استيفاء لمتطلبات البحث العلمي، ومن حيث تأثيرها في مصنفاته ثانياً تحقيقاً لأحد أهداف هذه الدراسة فقد أثرت تلك الآراء والميول في مصنفات تعتبر وثائق مهمة للدارس الحديث المهتم بتاريخ الأدب العربي، ولا بد له إذا أراد أن يحسن استعمالها من التنبه إلى المؤثرات التي أثرت فيها.

وبتركيز هذه الدراسة على “ظاهرة” ابن سعيد المغربي من مختلف جوانبها، كان الهدف من وراء ذلك: تبيان مظاهر ونماذج التفاعل والتبادل الثقافي الحي بين المغرب والمشرق في إطار الحضارة العربية الإسلامية من خلال تجربة شخصية وعلمية ملموسة لأحد أعلام هذه الحضارة. هذا بالإضافة إلى إبراز التزامه بمواصلة العمل الثقافي رغم الانهيارات السياسية الكبرى في عصره، بما يعطي لأبناء جيلنا من المثقفين العرب قدوة صالحة يتأملونها في عصر أشبه ما يكون بعصر ابن سعيد…

الاطلاع على الكتاب