صدر للمؤرخ العراقي أ.د. محمد علي داهش كتابه (المغرب العربي المعاصر) عن دار ابن الاثير للطباعة والنشر / 2013 في طبعته الثانية (المزيدة والمنقحة) وهو يحمل عنواناً فرعياً (الاستمرارية والتغيير) ويعالج الكتاب التطورات الداخلية في اقطار المغرب العربي (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا) منذ بداية الاحتلال الاستعماري في مطلع القرن التاسع عشر، وحتى الاستقلال في النصف الثاني من القرن العشرين. ثم يتابع تطورات الاوضاع السياسية في ظل حكومات ما بعد الاستقلال حتى نهاية سنة 2012

ان الجديد في هذا الكتاب، هو رصد المؤلف لتطور الحراك الشعبي العفوي والمنتظم من خلال واجهات الرأي العام، ومنظمات المجتمع المدني، مروراً ببروز احزاب جديدة بدأت تبحث عن دور في ممارسة العمل السياسي الى جانب الاحزاب التقليدية التي اسهمت في التحرر والاستقلال، ثم واصلت مسيرتها السياسية وبأسلوب عملها وقواها الاجتماعية التقليدية التي شاخت وعجزت عن فهم مطالب القوى الجديدة. ويرصد الكاتب ايضاً نمو وتطور الحركات الاسلامية وتعدد قواها السياسية في كل قطر مغاربي منذ مرحلة الثمانينات، وبداية دورها في مسرح السياسة الداخلية منذ تسعينات القرن المنصرم وحتى الان. وهذا النمو والظهور والتوسع جاء نتيجة لأزمة واسعة فقيرة ومهمشة، وفي مقابل ذلك، ظهور فئات اقتصادية وسياسية وعسكرية سيطرت على الاوضاع، واثرت على حساب الشرعية الاوسع اجتماعياً، وسيادة الفساد المالي والاداري والسياسي، وتنامي استبداد القوى الحاكمة، في معظم الاقطار المغاربية، مما ولّد حركات، احتجاجية مناهضة في صفوف الشعب، استفادت منها القوى الاسلامية والوطنية، وكل ذلك ادى الى رضوخ الحكومات الى مطالب الشعب منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وبداية مشاريع اصلاحية في المجالات كافة، ارادت ان تمتص الغضب الشعبي العام. وتبقي على استمرارية دورها السياسي والعسكري والامني.

        لقد اوضح المؤرخ داهش، ان حدة الفوارق الطبقية والتهميش السياسي للشرائح الشعبية الواسعة والتسلط الحزبي الواحد وسيادة القبضة السياسية والعسكرية والامنية، ادت الى بروز اكثر للقوى السياسية والاسلامية ومنظمات المجتمع المدني التي بدأت تبحث عن دور في البناء السياسي وتبحث عن طريق للتغيير الشامل، ناهيك عن بروز ظاهرة (الفرانكوفونية) والنزعة الامازيغية الجديدة ومطاليبها وما تشكله من خطورة على الهوية الوطنية العربية الاسلامية وعلى الوحدة الوطنية، مدفوعة بقوى خارجية تريد ان تعيد هيمنتها، وتلتف على الاستقلال والمكاسب الوطنية بدعمها للاتجاهات المناقضة للعمل الوطني والعربي الاسلامي في هذه الاقطار المغاربية.

        إن مجمل الاوضاع الداخلية السياسية (الاستبداد الحزبي والسياسي) والاقتصادية والثقافية، أدت الى تنامي حدة التوتر الشعبي، وبدأت القوى الشعبية وواجهات الرأي العام تفرض حضورها ونفوذها وقيادتها للأوساط الشعبية، وتضغط بقوة على المؤسسات الحاكمة لتغيير سياستها بدل الاستمرار في انتهاج سياسة ما بعد الاستقلال، فمرحلة ما قبل نصف قرن هي ليست مرحلة بداية القرن الحادي والعشرين، وان احترام ارادة الشعب واشراكه في صنع القرار الوطني، اصبح مطلباً شعبياً ملحاً الى جانب المطالب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الاخرى التي تحترم حق الشعب في العيش في حرية وكرامة. وعلى ذلك بدأ التحرك الشعبي المضاد للاستبداد في تونس ثم في ليبيا، واسقط الانظمة الحاكمة فيهما، فيما راحت القوى الشعبية الاخرى في بقية الاقطار المغاربية تصعد من مطاليبها بالاتجاه الذي يضغط على الحكومات لتغيير مناهجها واشراك الشعب وقواه الوطنية والاسلامية في صنع القرار السياسي.

        ويؤكد الدكتور داهش في ثنايا الكتاب، ان الطريق لتحقيق الاستقرار السياسي في الاقطار المغاربية (والعربية) هو في تحقيق وسيادة الديموقراطية في الحياة السياسية وبما يعبر بحق عن مصالح واراء الشعب عبر قواه الوطنية الحقيقية، وبما يحقق (الامن العام) للمواطن بدل الانسحاق تحت وطأة الفقر والجهل والتهميش والخوف من السلطة ومن المستقبل المنظور، وهذا يدفع الى عدم سيادة الفوضى والصراع السياسي والاجتماعي (كما حصل في تونس وليبيا)، وهذا التأكيد على احترام ارادة الشعب وتحقيق مطالبه العادلة، لان الشعب – وحسب مؤرخنا- هو صاحب المصلحة الحقيقية اولاًَ واخراً، فله حق الحياة في كرامة ورفاه في اقطار مغاربية (وعربية) تكتنز بعناصر القوة المادية. وفي النهاية يؤكد الدكتور داهش، ان المخرج لحل المشاكل الوطنية بمختلف اتجاهاتها، يدفع الى ضرورة التقارب الحقيقي، والتعاون البنّاء بين اقطار المغرب العربي (واقطار الوطن العربي عامة) وتحقيق التكامل على طريق الاتحاد، وعلى وفق ما جاء في مقررات اتحاد المغرب العربي، وهذه –وحسب الكاتب- يُبعدها عن الانكشاف والضعف ومحاولات الهيمنة الاستعمارية بأشكالها الجديدة، ويعزز قدرتها على النمو والتطور والاكتفاء الذاتي والقدرة على الممانعة.

        واخيراً لابد من الاشارة الى ان المؤرخ د. محمد علي داهش يقدم رؤية جديدة لتشخيص الاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما عهد عنه وفي كل مؤلفاته التي تناول بها بموضوعات المغرب العربي، برصانة طروحاته وعلمية معالجاته مرتكزاً الى معطيات التاريخ الحديث معززاً تلك التحليلات بالوثائق الاساسية، وعليه فيُّعد هذا الانجاز المعرفي اضافة نوعية للمكتبة المغاربية والعربية عموماً، متمنياً للمؤلف الدكتور محمد علي داهش المزيد من التقدم والانجاز العلمي.

تحميل الكتاب