ماكس هوركهايمر: النظرية التقليدية والنظرية النقدية

ماكس هوركهايمر-النظرية التقليدية والنظرية النقدية

قد يبدو لأول وهلة أن تمييز هو تركها يمر بين النظرية التقليدية والنظرية النقدية لا يبدو كونه (كما ذهبت إلى ذلك بعض الأدبيات الفلسفية في بادئ الأمر) تمييزاً استيمولوجياً ينحصر في مجرد الاختلاف بين تصوّرين للعلاقة بين المعرفة والنظرية والموضوع؛ أي يبدو أنه تمييز من مجرد منظور نظرية المعرفة ونقدها.
والحق أن بعض المواضع من مقالة هوركها يمر قد تشي ببعض وجاهةٍ لهذا الاعتبار الايستيمولوجي؛ غير أن الأمر في جوهره يتعلق ببيان الفرق بين سنّتين أو تَحْتَارِينَ نظريين متباينين حدّ التعارض فيما بينهما، ينحدر الأول كما يقول هوركها يمر في فاتحه  من مثالية ديكارت (ويجد أوج عبارته وصوغه في منطقيات هوسّرل)، ويصدر الثاني عن نقد الاقتصاد السياسي (الذي يفترض نقداً جذرياً للمقالة المثالية في الموضوعية التاريخية ).

والحال أن النظرية التقليدية تكوّن منظومة منغلقة من القضايا تترابط فيما بينها (ترابطاً يتخذ شكل الاستنباط والاستدلال الموحدين)، ومن ثم تخضع إلى مبدأ التخصص العلمي ووهم الاستقلالية العلمية.

تقوم النظرية النقدية على تطوير مفهوم مادي للعقل يجعل النظرية ترتبط ارتباطا متوتراً بالممارسة (أي من دون افتراض وحدة تماهٍ صوريٍّ بينهما)، ومن ثم على العكس كليّاً من النظرية التقليدية التي تفصل المعرفة عن العمل والممارسة؛ ترى النظرية النقدية أنه من همّها  أن تفهم الوحدة الجدلية للمعرفة والنظرية والموضوع (لا فهماً نظرياً، منطقياً وحسب؛ بل تطبيقياً – عملياً أيضاً).

وبما أن وحدة المعرفة (النظرية) والموضوع (المجتمع)؛ أي أسس الممارسة الاجتماعية في سياقات تاريخية عينية، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُفْهم باشتقاقاتها أو استنتاجها من الوضع المنطقي وحسب (أي من تلقائية الفعالية النظرية دون غيرها)؛ فإنه لا مناص للنظرية النقدية أن تتوخى منهجاً جدلياً لا يسلّم بالثبات الجوهري للعلاقة بين الذات والنظرية والموضوع بقدر ما يعي أنه لا بدّ للتفكير النقدي أن يقترن بالتجربة من دون أن يكون في خدمة واقع معطى مُسْبَقًا.

وبعبارة أوضح، لا تعني جدلية التفكير النقدي في ظلّ بنيان اجتماعي بات متصدعاً، مجرد الوقوف عند الوقائع والأحوال (فهذا خَبَرِيّ يكتفي بترسيخ وتنظيم مقولات يُزعم أنها محايدة قدر الإمكان)، ولا تعني أيضاً نسخ هذه الوقائع والأحوال في وحدة فكرية صمّاء (فهذا تنوير مثاليّ لا يلبث أن ينصهر في النظام القائم للأشياء ويتواطأ معه)؛ بل تعني الجدلية هنا الانخراط في التطور التاريخي للصراعات والتناقضات الاجتماعية، اِنْخِرَاطًا ما ينفك برغم التفكير على التدقيق والتمحيص ويبدّل بالنسبة إلى النظرية والممارسة النقديتين، دلالة المعارف التي تُنتجها العلوم المتخصصة، ومن ثم يرغم النظرية النقدية نفسها على مراجعة مقولاتها ومفهوماتها (التي لو سلّمت نهائياً بمصداقيتها لوقعت في أغلظ أشكال الكذب والوهم).

بهذا المعنى الجدلي لا يمكن أن تكون النظرية التقليدية حكم معرفة؛ بل لا تنبني الأعلى حكم وجود نقدي بالجوهر، مفاده أن الشكل الأساسي لاقتصاد السلع الذي يكوّن  تاريخياً، يتضمن في حدّ ذاته التناقضات الداخلية والخارجية للعصر ولا يزال ينتجها في أشكال أكثر حدّة. . . وإنه بات يعوق في نهاية المطاف، مواصلة التطور، ويكبح جماحه ويدفع البشرية إلى بربرية جديدة.

حكم الوجود هذا ليس حقيقة نهائية بالنسبة إلى النظرية النقدية؛ بل يقتضي على الدوام، تطويراً وتعديلاً نقديين – تاريخيين ولا سيما فيما يتعلق بالتنظيم الاحتكاري الحادث لعلاقات الإنتاج الجديدة، ومن ثم بالأشكال الحادثة للهيمنة والاستغلال. . .

وإلى هذا، فإنه لو تعقب الباحث عن التكوين النظري لصاحب هذه المقالات التي يضمها هذا الكتاب، أي ماكس هوركْها يمر (ولا سيما عن تاريخ نشوء هذا المنظور النظري النقدي) لتبين له أنه لم يأت الفلسفة على وجه التخصص الدراج بين أهلها وقتئذٍ (أي الاقتصار على مزاولة فلسفة المثاليات الألمانية وعلي تمحيص إرثها الفلسفي تحديداً).

وذلك أنه على الرغم من أن هوركها يمر قد تدرج في تكوينه الأكاديمي من تحرير أطروحةٍ إلى إنجاز ملفّ تأهيلٍ جامعي حول ملكة الحكم عند كنط (في نقائضيتها ثم في مدلولاتها التوسطية بين النظر والعمل)؛ فإن صوغه للبرنامج الفلسفي للنظرية النقدية لا يحتكم فيه إلى أيّ من المثاليات الألمانية؛ بقدر ما ينم عن  نظري وأكاديمي بعينه (كنط – هيغل – شوبنهاور – ماكس رفعاً ونسخاً) يستلهم فيه بشكل معلن، الماديّة التاريخية، يعني تحدياً تحويل الفلسفة إلى ممارسةٍ نقدية جذرية من شأنها أن تكون سهم تغيير فعلي للواقع الفعلي الإنساني.

وقد تبدو هذه المقالات في ظاهرها متنافرة، وألا شيء يصل بينها غرصانياً، فواحدة في سوء الفهم الميتافيزيقي للمادية من حيث مجرد مقابلتها بالمثالية، ومن ثم في محاولات بكنه عن غير دراية وعلي ما تتضمنه في  تفكير وتغيير إلى يوم الناس هذا؛ وأخرى هي ورشة تحليلية تاريخية في الزعيم (ترسم صورة رينزواصيل كوزا وسافونارولا وتتعقب تاريخ نشوء المبدأ البرجوازي ) ولكنها ترمي بكيفية مضمرة إلى استكشاف الطبع التاريخي للزعيم البرجوازي/ الفاشي، وأخرى في نقد اجتماعي لنمط الفرد الذي ما تنفك الأسرة تعيد إنتاجه من حيث تطبيع الفرد على  والهيمنة، وأخرى في الفرق النظري أصلاً بين شَرْعِيَّتَيْنِ في النظر، تقليدية ونقدية، ومقالة أخرى في العقل من جهة ما هو إوّاليّة مركزية للمحافظة على الذات. . . إلخ.

لكن هذه المقالات  على تنافرها الظاهر من حيث الغرض؛ إنما تجتمع على مغزى نقديّ بحت هو قوام الفلسفة الاجتماعية النقدية لهوركها يمر

تحميل الكتاب  (لست مُنشىء هذه الكتب، ولم أقم بتصويرها أو رفعها على الإنترنت، وإنما هي متاحة بهذه الروابط)