يقدم في هذا الكتاب أحد عشر عالمًا ومفكرًا رؤية مستقبلية للهند، ويعرضون في هذا المجال التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه الهند لتكون لاعبًا عالميًا أساسيًا، ولتنشئ فرصًا لتحسين حياة ظروف أكثر الناس فقرًا وحرمانًا في المجتمع، وتملك أيضًا فرصًا مهمة يمكن أن تجعل الهند في مصاف الدول المتقدمة، مثل النهضة العلمية والتقنية الكبيرة  التي تتمتع بها الهند اليوم.
تتوزع فصول الكتاب الخمسة عشر على الهوية والثقافة والتراث والبيئة والعلم والمساواة واللامساواة والحداثة والديمقراطية والمهمشين في الهند (الداليت) ومستقبل الماركسية وآفاق الرخاء والإعلام والمعلوماتية والدور العالمي للهند، ويقدمها مجموعة من العلماء والمفكرين: كريشنا كومار؛ أستاذ التعليم بجامعة دلهي، ودروف راينا؛ أستاذ النظرية الاجتماعية وتاريخ العلوم، وبينا أجارول؛ أستاذ الاقتصاد بجامعة دلهي، ورستم باروشا؛ كاتب ومخرج، وديبانكار جوبتا؛ الأستاذ بجامعة جواهر لال نهرو، وسونيل خيلناتي؛ المحاضر بجامعة لندن، وجوبال جورو؛ أستاذ السياسة بجامعة بيون، ودافيد آلام؛ الأستاذ بجامعة هيماشال براديش، وب. سيناث؛ الصحفي في مومباي، وبرابهات باتنايك؛ أستاذ الاقتصاد بجامعة نهرو، و ن.رام؛ رئيس تحرير مجلة “فورنتلاين”، وماهيش رانجاراجان؛ مؤرخ بيئي.
يقول روميلا ثابار؛ محرر الكتاب: إن الهدف من الكتاب هو العمل على إيجاد توعية للأبعاد المتعددة لهموم صناعة مجتمع أفضل، وفي ذلك فإن الهموم الرئيسية للهند، هي: الهوية وتحديات الأصوليات والتعصب والإقصاء والتهديد. وهي مقالات تتعلق بشكل أساسي بالألفية كنقطة يحب التوقف عندها لإجراء تقييمات، والتفكير بما يخبئه المستقبل.

وهنا تبدو -كما يرى ثابار- مجموعة من الملاحظات؛ فالتعليم ما زال يبدو استمرارية بليدة لعملية إثراء القلة المحظوظين، وربما يكون ثمة خوف من الناخب المثقف يدفع إلى الإبقاء على التعليم متخلفًا، وعلى الرغم من وجود الكثير من الحديث عن امتلاك الهند للقدرات التي تؤهلها للسيطرة على أنظمة الاتصالات الحديثة في كل أنحاء العالم، هناك حديث قليل جدًا عن ضرورة محو الأمية لتشجيع الفكر الإبداعي المستقل.

ويلاحظ أيضًا أن وظيفة الجامعات تتغير وأنها لم تعد المراكز الوحيدة للأبحاث في العلوم، وأحيانًا في العلوم الاجتماعية.

تقدم بطيء وثابت

يقول كريشنا كومار: إن التاريخ يلقي بظل ثقيل على المستقبل، وفي التفكير لمستقبل الهند، هناك الاستعمار والاستقلال وتأثيرهما على المستقبل، وكذلك التعليم وتعليم المرأة واتساع مشاركتها الاقتصادية والسياسية، والدور المتغير للأسرة، وتحديات وفرص تحقيق مساواة بين الطبقات والفئات الاجتماعية في الهند، والتعددية اللغوية، وتطوير التعليم واستيعاب الشبكية وتأثيراتها في التعليم والاندماج. وهناك في الهند أزمات كبرى مثل: استغلال الأطفال، ونسبة البطالة المرتفعة بين الشباب، والتفاوت في الدخل والفرص، والأمراض السارية والأوبئة.

وقد تكون المساواة هي التحدي الأكبر في الهند التي نشأت منذ آلاف السنين على نظام اجتماعي اقتصادي طبقي، وتلاحظ بينا أغاروال أن معظم النساء الهنديات ما زلن يبقين دون ممتلكات، 13% فقط من النساء ورثن عن آبائهن أرضًا، وما زال تمثيل النساء في المواقع العامة لصناعة القرار منخفضًا لا يتجاوز 10 في المائة، ونسبة الأمية بين النساء تزيد عنها بين الرجال بمقدار الضعف، وثمة مقاومة للمساواة الاقتصادية بين الرجل والمرأة اعتقادًا بأن ذلك يهدد استقرار وانسجام وحدة العائلة، وربما يكون أساس التفكير المستقبلي في هذا المجال هو ملاحظة العلاقة بين تفكك الأسرة والاستقلال الاقتصادي للمرأة.

وتحدّ المسؤوليات الأساسية للمرأة تجاه العناية بالأطفال من مشاركتهن في النشاط الاجتماعي والسياسي، كما ينقص النساء الإدراك الواضح لمصالحهن الشخصية، ويعانين من ضميرية زائفة من حيث إنهن يقدرن رفاهية الأسرة أكثر مما يقدرن رفاهيتهن، وبرأي أمارتيا سن فإن ذلك من أسباب استمرار عدم المساواة.

ومن الاقتراحات للنهوض بوضع المرأة بناء مؤسسات طوعية وعامة للعناية بالأطفال وكبار السن لإنشاء بيئة ملائمة لعمل النساء، وبالطبع لابد من تغيير العادات الاجتماعية المتعلقة بدور الجنسين.

التفكير من خلال الثقافة

يقول رستم فاروتشا: إن الثقافة تواجه تعاليًا غير معترف به منتشرًا بكثرة في الدوائر الفكرية، ولكن ثمة اعتراف بالميراث الثقافي الهندي، وثمة إيمان متأصل بحيوية الثقافة، ولكن نحتاج أن نحدد دور الثقافة، فلا نتجاهلها ولا نحمّلها أكثر من قدرتها، فالثقافة تشبه في دورها النهضوي دور “الخثارة” التي تجعل الحليب يتخثر من أجل إنتاج اللبن الرائب.

وربما يكون التحدي الأساسي في المجال الثقافي هو التعددية الثقافية والتفاعل بين هذه الثقافات في الهند، والقدرة على تجاوز الحالة الفظيعة القائمة اليوم في الفصل والتعصب بين الطبقات والثقافات، وإلغاء وتهميش ثقافات المضطهدين.

لقد دخلت الهند في الحداثة ولكنها -كما يراها ديبانكار غوبتا- حداثة غير عصرية؛ فالطبقات التي تتمتع بالامتياز أكثر من غيرها، والتي تبدو على أنها الأفضل لإدخال الحداثة، هي في الحقيقة ليست مجهزة للقيام بهذا المشروع، فهذه الطبقات هي الراعية للفساد والتبعية، وما سيجلب حداثة أكثر إلى الهند هو الطاقات التحررية الكامنة في الدولة القومية، وقوى التطور الصناعي والتمدن، ومع مرور الزمن ستقوم هذه الوسائل معًا بفرض مدى أوسع من الوجدان الاجتماعي وقدرة أعظم للاشتراك في المصير مع الآخرين، فمن دون تغيير في العلاقات الاجتماعية؛ ومن دون زخم متسارع لنقاط التشابه المشتركة؛ لن يستطيع التطور الصناعي والتمدن وحدهما تحقيق الحداثة، لعلهما ضروريان؛ لكنهما ليسا شرطين كافيين للحداثة، واعتمادًا على الأحداث التاريخية ؛ فإنه من الممكن ان تتاخر الحداثة، أو تنهار أو تفشل على الرغم من القدرة التصنيعية والنمو الاقتصادي الإجمالي.

حتى تتجسد الحداثة بحق يجب أن يتم تقليص المسافة بين الطبقات الاجتماعية؛ لأجل خلق تشابه كبير بينها؛ فالقدرة على زيادة مجموعة التشابهات وتعزيزها بين الناس هو مشروع المواطنة، ولهذا السبب لدى الدولة القومية هذه الطاقات التحررية الكامنة، أعتقد أن إيميل ديركهايم كان على حق حين قال: إن واجبنا الأول هو التشابه مع الآخر، ومن الواضح أن الطبقات الاجتماعية صاحبة الامتياز لن تكون هي التي ستشجع هذه العقيدة، فالأمل يكمن في الطبقات الوسطى الأدنى فالأدنى، حيث المجال الأوسع للوجدان الاجتماعي؛ فعلى هذه المستويات ثمة تشابه أعظم في الذوق واللغة والخيارات الجمالية، والخبرات في التعامل مع المؤسسات الوطنية.

ويقول غوبتا:”الأغنياء أصحاب النفوذ الذين يمتلكون التقنيات المتقدمة وينعمون بالرفاهية ليسوا عصريين أصلاً، ولا يمكن الاعتماد عليهم لإدخال الحداثة، والأطباء الذين يعملون في المستشفيات الخاصة الباهظة ينتهجون منهجًا نخبويًا، ليس فقط تجاه مرضاهم، وإنما أيضًا تجاه عمال المستشفيات الآخرين الأقل شأنًا منهم، كما أن أولئك الذين يعملون في القطاعات الاقتصادية المتقدمة ويجلسون خلف طاولات بيضاء مقابل واجهات زجاجية ضخمة لا يمتون بصلة إلى الأناس الآخرين الذين لا يتحدثون لغهم ذاتها أو لا يستطيعون التأثير في عاداتهم السلوكية أو الخطابية الشبيهة بالعادات الغربية.

وعلى الرغم من ذلك فإن الحداثة ستأتي رغمًا عنهم لأن الدولة القومية والديمقراطية والتطور الصناعي المتزايد سيرغمهم على إفساح المجال لأولئك الذين كانوا حتى الآن على هامش التطور الاقتصادي،.. وهكذا يستمر برنامج التطور، ولكن ما إن يتمكن الشعب الذي يتمتع بالقوة من خلال الروح الاجتماعية التي يتمتع بها حتى نستطيع القول: إن الحداثة أوشكت على التحقق، وحتى يتم ذلك فلنعمل على ألا يتأثر حكمنا على هذه المسألة بأصحاب الحداثة السطحية العابرة الذين ليس بوسعهم إلا التفاخر بمقتنياتهم المادية، فهؤلاء هم الذين بسببهم ما زالت حداثة الهند غير عصرية حتى الآن”.

الديمقراطية

الهند اليوم -كما يقول سونثل خيلناني- مجتمع سياسي بامتياز، وما بدا في الماضي من منظومة تصنيف وتراتب اجتماعي صلبًا وغير قابل للتغيير يبدو الآن لينًا وطيعًا للإرادة الإنسانية، ويلاحظ المراقبون للمشهد السياسي الهندي في الزمن المعاصر اتجاهين اثنين واضحين، فمن جهة يرون اختفاء المؤسسات والإجراءات السياسية سواء أكان المجلس التشريعي أم الأحزاب السياسية أم مؤسسات القطاع العام؛ إذ يعترف بأنها كلها عصية على الإصلاح، ومن جهة أخرى يشير المراقبون إلى المستويات المتزايدة للمشاركة في العملية الانتخابية السياسية.

ويمكن أيضًا ملاحظة ثلاث لحظات بارزة في تاريخ السياسة الديمقراطية في السنوات الخمسين الماضية؛ ففي أواخر الأربعينيات حتى أواخر الستينيات يمكن للمرء أن يتحدث عن تعزيز دور الدولة، وبرزت في السبعينيات والثمانينيات التوجهات نحو المركزية في السلطة الحكومية، وبدأت في التسعينيات مرحلة زادت فيها أهمية الانتخابات، ومن المؤكد أنها (الانتخابات) أضفت الحيوية على المجتمع، ولعبت دورًا في اجتذاب الملايين للعملية السياسية.

هل يمكن للعمل الديمقراطي أن يُنشئ التوازن بين الصراعات المعقدة في الهند؟ يتساءل خيلناني ويجيب بأنه مطلب مبالغ فيه؛ فالديمقراطية ليست عصا سحرية، إنها تساعد المجتمع على التفكير في ممارساته وخياراته، ولكنها لا ترغمه على ذلك، وليس بإمكانها أن تعطي ضمانات حول نتائج هذا التفكير، يجب اختيار التفكير؛ يقول خيلناني، وأن نفكر بخياراتنا وعواقبها، والتوازن المعقد غير المستقر دومًا الحاصل بين الاثنين.

ويعتقد دافيد آلام أنه تسيطر اليوم على السياسية الهندية ثلاث قضايا رئيسية؛ وسوف يكون لها أصداء بعيدة المدى في حياة الناس العاديين في الهند: الديمقراطية والمساواة والعلمانية، وفي هذا السياق يمكن النظر إلى مستقبل الأقليات الدينية والعرقية والإثنية في الهند؛ حيث تبدو المعركة من أجل المساواة ليست من أجل أن تكون بين أفراد غير متساوين كما كان الحال في الغرب، ولكنها معركة تخوضها طوائف ضعيفة مع بعضها، كانت تنقصها الحرية بشكل جماعي ثم وجدت نفسها تتمتع بحرية قانونية وسياسية لحظة الاستقلال.

اللامساواة

من المتوقع كما يرى ب. سيناث أن تستمر معاناة المجتمع الهندي طويلاً في القرن القادم بسبب عجزه عن حل القضايا الأساسية في القرن الماضي، وقد زادت مشاركة المواطنين العاديين في العملية السياسية ولكنها مشاركة جاءت عندما ضعفت المؤسسات العامة، فقد باعت الدولة كثيرًا من مواردها وأصولها الكفيلة بتحسين أوضاع الفقراء إلى القطاع الخاص، وتدخل الهند الألفية أيضًا مع مئات الملايين من الأميين، وما زال الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة متدنيًا.

ويتحدث البنك الدولي عن ارتقاع عدد الفقراء في الهند، ويذكر أن 40 مليون هندي انضموا إلى صفوف الفقراء في تسعينيات القرن العشرين، .. من هم الفقراء في الهند؟ 40% من هؤلاء الفقراء لا يملكون أراضي، 45% مزارعون هامشيون، والنسبة المتبقية هم حرفيون قرويون ومنبوذون (الداليت)، ولكن الهنود يتزايدون حزمًا حوق الديمقراطية الأساسية مع أنهم ليسوا بمستوى الحزم الذي يجب أن يكونوا عليه، ويزداد أيضًا نفوذ الداليت وتأثيرهم.

وفي هذا السياق يعرض جوبال جورو قضية “الداليت” وهم المهمشون والمنبوذون في النظام الطبقي الإقطاعي المتراكم والمتوارث في الهند، وبدأت مع استقلال الهند جهود ومحاولات لإلغاء التمييز ضدهم ودمجهم في المجتمع الحديث، واستطاع الداليت تحقيق قدر من التعلم المهني والأكاديمي والتقني، واستطاعت قلة منهم دخول البرلمانات ومجالس الولايات، واستطاع بعضهم أن يغير نمط حياته، ولكنهم بشكل عام وبنسبة كبيرة تقتصر مشاركتهم على أعمال النظافة وجمع القمامة، وهي وظائف ينظر إليها على أنها متدنية اجتماعيًا في مجتمع مدني ذي عقلية هندوسية، وهم أيضًا ضحايا لفصل حسي، وفصل في السوق أيضًا، فبسبب تدني قوتهم الشرائية تنحصر مشاركتهم في الأسواق التي تباع فيها الأشياء المستخدمة والمزيفة.

الرخاء والمعلوماتية والمستقبل

هل هناك دور لتقنية المعلومات في محاربة الفقر والتخلف؟ بالتأكيد؛ يقول إن آر ناريانا مرثي، ولكن ذلك لا يحدث تلقائيًا، فلن تعمل التقنية جيدًا في ظل الظلم الاجتماعي الذي يزداد سوءًا، ولكن الهند -كما يقول- اكتسبت احترامًا كبيرًا في المجتمع الدولي بعد أن فتحت اقتصادها مستجيبة لتحدي العولمة، وبرزت كوجهة مهمة للتجارة الدولية ونشاط الاستثمارات وبخاصة في صناعة المعلوماتية، وقد تستطيع الهند أن تكون لاعبًا مهمًا في السوق العالمي للمعلوماتية.

ويرى كوشيك باسو أن المؤكد حول القرن القادم إذا استبعدنا هزة أرضية عملاقة يمكن أن تضع حدًا لكل أشكال الحياة المتقدمة أو تعود بنا إلى العصر الحجري أنه سيكن زمن نمو اقتصادي غير مسبوق مصحوب بعملية مطردة من العلمنة، وقد تبدو فرضية تدعو إلى الابتهاج ولكنها تدعو إلى القلق، ففي ظل نمو اقتصادي سريع وغير متساو فإن الهند كما يتوقع باسو يمكن أن تتجه إلى مزيد من اللامساواة والتوترات الاجتماعية.

شهدت السنوات العشرون التي أعقبت الاستقلال في الهند نموًا اقتصاديًا وبناء نظام التعليم العالي والبنية التحتية الصناعية والبيروقراطية، وتزايد النمو الاقتصادي في العقدين التاليين في ظل محاولات لتحرير الأسواق ونشوء نزعة استهلاكية، وكان الإنجاز الجيد منذ أوائل التسعينيات هو القدرة على اجتذاب الاستثمارات، فزاد احتياطي الهند إلى 34 مليار $ وهي زيادة لم يكن أحد يتخيلها وبخاصة أن الهند كانت في عام 1991 تواجه شُحًا مخيفًا في العملات والاحتياطيات يهدد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

إن التحول إلى دولة غنية -يقول باسو- ليس هدفًا في حد ذاته جديرًا بالاهتمام، فهناك أشياء أفضل يمكن استهدافها؛ فحتى يكون الغنى والازدهار هدفًا يستحق العناء يجب أن يؤدي إلى تحسين ظروف الفقراء في المجتمع والسوق، ولأجل ذلك يجب العمل على تحسين التعليم والنظام القضائي.

هل ستكون الهند دولة عظمى؟ وهل ستنجح في مواجهة الفقر وعدم المساواة؟ وما علاقة تقدمها ووضعها القائم بالمجتمع العالمي؟ من المؤكد أن الهند تبدو عملاقًا عالميًا ينمو وإن ببطء ويواجه تحديات كبرى وعظيمة، ولا شك أن تطور الهند يغيّر في بنية المنظومة العالمية، وقد تصبح المنافسة والصراع والشراكة عالميًا بين القمم/القوى الثلاث (الولايات المتحدة والصين والهند).

تعرض روبين ميرديت في كتابها “الفيل والتنين” تغيرات البنى الاقتصادية ونظام حركة وإدارة مشروعات الأعمال وهجرة ملايين الوظائف إلى الصين والهند مقابل ملايين العاطلين عن العمل في العالم المتقدم، والتحولات العميقة في البنى الطبقية وطبيعة التحالفات الطبقية الجديدة المحتملة على الصعيد العالمي، وتقول المؤلفة: نحن أمام حدث مذهل لم يشهد العالم مثله منذ أن ظهرت أميركا.

لقد بدأ الإصلاح الاقتصادي في الهند في العام 1991 وكانت الهند في ذلك العام تعاني من الفقر والإفلاس، ودخلت الهند بسرعة إلى سوق الصناعات البرمجية، وطورت الشركات الهندية العريقة مثل تاتا من قدراتها وفرصها، حتى أصبحت الهند من أهم الدول المصنعة للسيارات، وأنشأت مجموعة كبيرة ومتطورة من المشروعات والبنى التحتية، مثل الطرق والمطارات والموانئ والكهرباء والطاقة والاتصالات.

يقول رجل الأعمال الأكثر أهمية في الهند وسليل عائلة تقود أكبر الأعمال والصناعات في الهند منذ أكثر من مائة عام: إن الصين مصنع العالم، ويمكن للهند أن تكون مركز المعرفة، وإذا جمعنا بينهما فسوف يكون ذلك مصدر قوة تكاملية كبرى، وقد هاجرت بالفعل ملايين الوظائف من ذوي الياقات البيضاء في الصناعات الخدمية إلى الهند، وهناك المزيد في الطريق، ويتوقع أن تنتقل في السنوات الثلاثين القادمة 9 ملايين وظيفة من الولايات المتحدة إلى ما وراء البحار، معظمها يذهب إلى الهند، ويعمل الهنود اليوم من الهند مع الشركات الأميركية بدءًا من الرد على الهواتف إلى أعقد الأعمال وأدقها، وتحولت الهند إلى سوق كبرى للعمل توفر للشركات العالمية حول العالم الكفاءات المهنية والعلمية والإدارية لتسيير أعمالها، ويبلغ اليوم عدد العاملين مع شركة آي بي إم في الهند 43 ألفًا، وتتحول الهند أيضًا إلى سوق لمنتجات هذه الشركات.

وقد اكتشفت الشركات الأجنبية أن المصانع الهندية هي من بين الأفضل والأقوى منافسة في العالم في الإنتاج، ويعود ذلك إلى تراث غاندي ونهرو في رفع قدرات ومهارات المهنيين والحرفيين الهنود، واللذين شجّعا على تطوير الشركات الصغيرة والسلع المصنوعة يدويًا، ونشأت شراكات ناجحة بين الشركات العالمية والشركات الهندية، بدأت بمصانع تويوتا للسيارات وامتدت إلى معظم الشركات والمصانع، ونتيجة لذلك زادت صادرات الهند من قطع غيار السيارات بنسب عالية متوالية.

يقول فيجاي كلكار وزير المالية الهندي السابق: ثمة مجموعة فريدة من العوامل التي تشير في موضوعية إلى أن الهند أضحت على أعتاب عصر ذهبي من النمو، وإذا أمسكنا بهذه اللحظة يمكن للهند أن تحظى بحقبة رخاء غير مسبوقة وأن يكون لها رأي حاسم في تشكيل النظام الاقتصادي العالمي والسياسة العالمية أيضًا.

تعتمد الرؤية الهندية للنهضة على المعرفة والزراعة؛ ففي المجال الأول تعتقد الهند أن لديها موارد بشرية مؤهلة ويمكن مضاعفتها لتعمل في السوق العالمية في البرمحة والمحاسبة والتصميم وسائر الأعمال والمهن التي تتطلب قدرات معرفية وإحاطة باللغة الإنجليزية لتشغل عشرات الملايين من الشباب الهندي في أعمال تؤدى لصالح شركات عالمية في بلادها، وتستعيد طريق التوابل من خلال الإنترنت. وفي مجال الزراعة فإنها ستحافظ على الريف وتدمجه في التنمية والنهضة، وتزود الأسواق العالمية بالمنتجات الزراعية، ويشكّل الريف 70% من السكان في الهند، وبذلك فإنها تملك قوة عاملة هائلة يمكن أن تحقق فائضًا كبيرًا في الإنتاج المحلي والعالمي أيضًا.

وبالطبع فإن الهند تواجه عقبات وتحديات كبيرة تتمثل في الأمية (35%) والطائفية والثقافة المضادة للتنمية والانقسام الطائفي، وضعف البنى التحتية وتآكلها، سواء الطرق أو المطارات والموانئ والسكك الحديدية والمرافق والمدارس، وتحتاج لأجل تحقيق أهدافها إلى استثمارات هائلة في البنى التحتية، ولكن من الواضح أنها تسير في طريق تعرفه وتدركه جيدًا، ربما تكون أبطأ من الصين وأقل حيوية وديناميكية بسبب الديمقراطية والتعددية الحزبية والسياسية، ولكنها عقبة يمكن أن تتحول مع الزمن إلى أفضلية كبرى على الصين.

معلومات الكتاب
عنوان الكتاب: الهند، الألفية الثالثة.
المؤلف: مجموعة من المؤلفين.
تحرير: روميلا ثابار.
ترجمة: محمد خير ندمان.
عرض: إبراهيم غرايبة – باحث متخصص في العلوم الاجتماعية.
السنة: 2011.
الناشر: الرياض، كتاب العربية 20، 1432ه/2011.
عدد الصفحات: 567.
___________________________________________
* ابراهيم غرايبة: باحث متخصص في العلوم الاجتماعية
تأليف: مجموعة من المؤلفين، تحرير: روميلا ثابار، ترجمة: محمد خير ندمان