صدر حديثا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع كتاب” اليسار العربي في أفوله” للكاتب والمفكر الفلسطيني سلامه كيله، المقيم في سوريا، يقول الكاتب في مقدمة الكتاب : اليسار العربي في أزمة؟ هذه مسألة باتت قديمة، لأن اليسار بات يتلاشى، فيتحول إلى أحزاب هرمة ذو سياسات تميل إلى المهادنة والتكيف مع الأمر الواقع، والقبول بأقل القليل. وربما تكون هذه المسألة باتت قديمة كذلك لأن هذا اليسار قد تجاوز المبادئ التي تجعل منه يساراً. إن سياساته المهادنة وقبوله الأمر الواقع هما ما جعلاه يتجاوز المبادئ التي تجعله يساراً، وبالتالي إلى أن يتهمش. لهذا أشرت إلى أفول اليسار، إلى انزوائه خلف اليمين.
أفول اليسار؟ نعم،
هذا الوضع يجب أن يطرح الأسئلة حول الأسباب التي قادت إلى هذه النهاية. لكن أولاً يجب الإقرار بأن الأمور قد وصلت إلى النهاية، فقط انطلاقاً من الواقع القائم.
لقد اتبعت إستراتيجية خاطئة، وكانت تضحيات مناضليها كبيرة، لكن كانت تصبّ في هذه الإستراتيجية، مما جعلها لا تحقق شيئاً مهماً، سوى هذا التراث النضالي لأفراد أبطال. فالنشاط الذي يفضي إلى نتيجة حقيقية هو ذاك الذي ينبني على إستراتيجية صحيحة وليس أي نضال. حيث أن هذه الإستراتيجية إنبنت على خطأ معرفي، على سوء معرفة بالماركسية (سوى تلك التي عممتها الماركسية السوفيتية، والتي لم تكن ماركسية). وحينما يكون هناك خطأ معرفي يعود الأساس الطبقي هو محدِّد الرؤية والبرامج. لهذا أشرت إلى فعل البرجوازية الصغيرة، التي تحت شعارات الشيوعية كانت ترسم (بشكل غير واعٍ طبعاً) سياسة تخدم التطور الرأسمالي، وتكيف العمال في إطار النضال المطلبي ليس إلا.
هذه مسألة من المسائل التي يتناولها هذا الكتاب عبر نقاش “ساخن” مع شخصيات وأحزاب يعبّرون عن “منطق” الحركة الشيوعية العالمية التي كان “العلماء السوفييت” هم منظروها دون جدال. وبالتالي فإن الهم الذي يسكن النقاش هو الإجابة على سؤال: ما هو دور الحزب الشيوعي؟ وما هو موقع الطبقة العاملة في الصراع؟ هل دعم تطور برجوازي أو قيادة النضال والاستيلاء على السلطة؟
وفي المقابل هو نقاش مع الذين يجيبون بأن هدف الطبقة العاملة هو تحقيق الاشتراكية، فكيف يمكن أن نحقق الاشتراكية في مجتمع مخلّف، دون صناعة، أو بصناعة هامشية، وزراعة متخلفة، ووعي قروسطي. وأيضاً يعاني من الاحتلال في أكثر من منطقة، ومجزأ؟
هنا النقاش يجري حول رؤية الماركسيين لدورهم في الواقع، وبالتالي رؤيتهم لدور العمال والفلاحين الفقراء في الصراع الواقعي. وسيبدو أن النقاش فيها قد تكرر مع أكثر من طرف من الأطراف التي يتناولها الكتاب، وأظن بأنها مسألة مفصلية، وكانت أساس في تهميش الحركة الشيوعية وتفككها، وتحوّلها إلى مجموعات صغيرة تعيش على هامش الطبقات، أو تنحصر في مجموعة من الفئات الوسطى.
الكتاب سجالي، يحاول أن يكشف إشكالية منطق الرؤية قبل أن يشير إلى خطأ المواقف وما آلت إليه. وربما يظهر هنا بعض التكرار نتيجة ذلك، لكن إشكالية المواقف ذاتها كانت تقود إلى ذلك.

يناقش الكاتب والمفكر اليساري سلامة كيلة في هذا الكتاب أزمة اليسار العربي في أربعة أجزاء هي: مشكلات اليسار العربي، الفلسطيني والعراقي والسوري نموذجا، وجردة حساب لسياسات دوغمائية، والماركسية والمهمات الديمقراطية في الوطن العربي، وصولا إلى الجزء الأخير من الكتاب الماركسية. . المهمات الديمقراطية والثورة.

ويرى في كتابه أن أزمة اليسار مسألة باتت قديمة، كون اليسار بات يتلاشى ويتحول إلى أحزاب هرمة ذات سياسات تميل إلى المهادنة والتكيف مع الأمر الواقع، والقبول بأقل القليل، ولكون اليسار قد تجاوز المبادئ التي تجعل منه يساراً، فسياساته المهادنة وقبوله بالأمر الواقع هما ما جعلاه يتجاوز المبادئ التي تجعله يساراً، وبالتالي سيأفل بسبب انزوائه خلف اليمين.

ويتناول في كتابه سياسات وممارسات ورؤى لأحزاب وقوى وأشخاص لعبوا أدوارا في تاريخ الحركة الشيوعية العربية والماركسية عموماً. انطلقت من تفكيك “البنية الذهنية” عبر البحث في السياسات والمواقف، وكون أن مصدر هذه السياسات وتلك المواقف كان معرفياً، لكنه تداخل مع الطبقي، أو أنه جذب فئات وسطى ولم يجلب عمالاً وفلاحين فقراء في الغالب، أو أن القطاعات العمالية والفلاحية التي انجذبت تكيّفت مع سياسة لم تكن تخدم مصالحها إلا بالمعنى الضيق، المتعلق بما هو مطلبي في بعض المراحل.

ويلفت أيضا إلى أن العنوان الفرعي للكتاب وهو: نحو يسار جديد، وربما يكون الأدق: نحو شيوعية مناضلة. هو جهد المرحلة المقبلة. الجهد الذي يجب أن يبذل الآن وفي المرحلة المقبلة من أجل تحقيق الاستقلال والوحدة والتطور، في مرحلة تشهد تخلخلاً في الوضع الإمبريالي.

يصف كيلة كتاب بالسجالي، إذ يحاول أن يكشف إشكالية منطق الرؤية قبل أن يشير إلى خطأ المواقف وما آلت إليه. لكن إشكالية المواقف ذاتها كانت تقود إلى ذلك. رغم أن البحث في الأزمة التي تواجه اليسار قد مرّ عليه دهر إلا أنه لم يصل إلى نتيجة، حيث أن كل طرف يعتقد بأنه قد قدّم الإجابة الكاملة، التي تظل ذاتية إلى أبعد مدى لأنها لا تؤسس قناعة عامة بطبيعة الأزمة. ولهذا ربما بات علينا البحث في أزمة البحث في الأزمة وليس في الأزمة ذاتها، لأن مهمة البحث هي الوصول إلى نتائج عامة وليس حصرا في تخمينات ذاتية”.

لقرآة وتحميل الكتاب من هنا