أحمد الإسماعيلي

تدفع أزمة العقل العربي اليوم المفكرين والكتاب إلى مزيدٍ من تحليل الخارطة الجيوبوليتيكية لمنطقة الشرق الأوسط، خاصة في أهم الظواهر التي غيَّرت معادلات القوة وشروط الهيمنة، وهي ظاهرة الدم وسياقاتها في الفكر العربي المعاصر؛ سواء الإسلام السياسي أو الجهادي، وهي كلها إسلامات حركية بدأت تتشكل في النصف الأول من القرن العشرين، وتدرجت لتمثل ظاهرة من أخطر ظواهر العنف في تأريخ الأديان. بدأت الدراسات المعرفية تقرأ ظاهرة الدم منذ وقت مبكر؛ غير أنَّ سياقات تطور العقل العربي لم تتمكن من وقف نشوء مثل هذه الظواهر أو تطورها؛ بل ساهمتْ في كثير من الأحيان في تضخمها لأسباب عديدة؛ منها: فقدان العقل العربي لأي مشروع حضاري بعد رحيل الاستعمار؛ حيث بات “الفراغ السياسي” منطقة خصبة تظهر فيها الأفكار المتطرفة، ويغذيها الفقر والأمراض والجهل والتخلف. ثم تطوَّرت هذه الظاهرة، وشكلت مساحة كبيرة في مخيال العقل العربي الحديث والمعاصر، ونشأت حركات دموية أخلت بتوازنات الاستقرار العالمي، فضلا عن استقرار المنطقة العربية ذاتها.

“جيوبوليتيك الدم” للكاتب والإعلامي التونسي الصافي سعيد، حاول قراءة الخارطة الجيوبوليتييكة الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، عبر عدة ظواهر نشأت في تأريخها المعاصر، خاصة ظاهرة الدم في العقل الإسلامي المعاصر، وهي قراءة تبدو حديثة، ومختلفة نوعا ما عن تلك الدراسات السابقة؛ حيث تأثير الجغرافيا السياسية والتأريخ على نشوء هذه الأفكار وتطورها في العقل العربي. والكتاب يمثل واحدة من أهم الدراسات التي نُشرت في الأشهر الأخيرة؛ إذ يُعنى بقراءة الخطوط المتشابكة التي تتحرك فيها هذه الظاهرة في تأريخها السياسي المعاصر.

بدأ الكاتب بإدانة واضحة للإمبريالية الغربية، وهو يعيد إثارة أهم الإشكالات الفكرية التي طرحها رواد عصر النهضة والإصلاح، والتي تتمثل في “نظرية المؤامرة”، والدور الذي تلعبه في نشوء هذه الظواهر في المنطقة العربية. وهو تساؤل يجدُ مشروعيته التأريخية والسياسية بعد سلسلة من الحروب الدموية التي افتعلها الغرب في العالم الإسلامي، بداية من أفغانستان ومرورا بالعراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان…وغيرها، وما زالت أودية الدم تجري في العواصم التأريخية للوطن العربي. نظرية المؤامرة تسعى -بحسب الكاتب- إلى تصدع الجغرافيا القديمة وإعادة بناء جغرافيا (جيوسياسية) جديدة، تتحول فيها الحركات الإرهابية إلى مستوطنات جديدة داخل العالم العربي. يقدم الكاتب هذا السيناريو وهو يتذكر خارطة الاتحاد السوفييتي السابق، أو أبعد من ذلك حيث خارطة أوروبا القديمة، التي تعرَّضت لتقسيم خرائطي حديث عن طريق ظاهرة الدم، مستشهدا بما قاله عبدالله العروي من أن “أوروبا عبارة عن قطع متناثرة، جمعت بعناية من وسط الرعب والحروب”. فالجغرافيا الأوروبية في تأريخها المعاصر ليست سوى “نهاية مرحلة طويلة من المعاناة والحروب والنضال”. وهكذا بالنسبة للجغرافيا المتصدعة للعالم العربي، فقد “ظهرت الدفعة الأولى من دول العرب مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم تشكلت الدفعة الثانية عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ظهرت الدفعة الثالثة”، وما زال مسلسل الجغرافيا المتصدعة يتطور ليعلن عما قريب عن ظهور تشكلات جغرافية جديدة في الجغرافيا التقليدية للوطن العربي.

أزمة الجغرافيا وتصدعها ارتبطت بأزمة الهوية العربية؛ حيث ظهور إشكالات الذات والآخر، التي أسَّست لثنائيات عديدة في التفكير العربي؛ منها: العروبة والإسلام، التأريخ والعولمة، الشريعة والقانون…كل ذلك أسهم في طرائق تفكير العقل الجمعي، وانقسم العرب إلى قوميين وإسلاميين، ثم انقسمت التيارات القومية إلى يسارية وعلمانية، وانقسم الإسلاميون إلى إسلام سياسي وإسلام جهادي وإسلام سلفي وإسلام مذهبي. أخذت المؤسسات الرسمية في الوطن العربي تنظر إلى كل تلك الإسلامات أو الأحزاب الليبرالية كورقة أو كدمية تحركها في لعبة التوازنات البينية الداخلية. وهكذا؛ ظل الوطن العربي منذ ولادته الأولى حبيس تصدعات عديدة في الجغرافيا والهوية من ناحية، وفي انعدام الأمن والاستقرار والعدالة والحريات، أو شيوع التخلف والفقر والفساد والانحطاط الأخلاقي من ناحية أخرى. هذه الشروط الموضوعية التي مر بها العالم العربي كانت كفيلة بولادة تنظيمات إرهابية، تعبر عن الإسلام الجهادي الدموي داخل الوطن العربي كداعش والنصرة وبقية التنظيمات الجهادية الأخرى، التي تحاول أن تنتقل من مرحلة الجماعات المسلحة إلى مرحلة بناء الدولة المتوحشة، ولعلها تصل بعد ذلك إلى بناء الدولة المدنية كما فعل الإسلام السياسي. كل ذلك من أجل إقامة مسارات وحدود متشابكة وغامضة تتحكم في فضاءات جغرافيا الشرق الأوسط من جهة، وفي جيوبوليتيك الدم من جهة أخرى.

ويُكمل المؤلف استعراض إشكاليات الفصل الأول من الكتاب، المعنون بـالعربي المريض؛ الوهم والتأريخ البعيد، وهو يتحدث عن البدايات التأسيسية الأولى لظهور التنظيمات الإرهابية، والتعاون الإستراتيجي الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية مع هذه التنظيمات لدحر الاتحاد السوفييتي. غير أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية -بحسب الكاتب- سرعان ما اصطدمت بسحرها الذي صنعته؛ حيث استفاقت نيويورك عاصمة الحرية والديمقراطية، على أنقاض مناهج سياسية غير منضبطة صنعتها المخابرات الأمريكية، أو بعبارة أكثر دقة على مناهج سياسية غير قادرة على ضبط حراك الدم وخطوط الإرهاب؛ فقرَّرت أن تعيد بناء هذه التنظيمات بأخرى جديدة، تكون أكثر التزاما بالمعايير الأمريكية الجديدة، كما تعيد بناء الفضاء الجغرافي والسياسي الذي تتحرك فيه هذه القوى الراديكالية، فلم يعد عدو الأمس هو ذاته عدو اليوم. فالولايات المتحدة تدشن مرحلة جديدة من مراحل الصراع في المنطقة العربية؛ هذه المنطقة التي امتلأت بفوضى من المذابح التي لم يعرفها التأريخ العربي، وذلك من أجل تأكيد ما ابتدأ به المؤلف في هذا الفصل من تصدع الجغرافيا وفقدان الهوية العربية.

وفي الفصل الثاني من الكتاب، والذي عنونه المؤلف بـ”الإرهاب المعولم: الفوضى والفراغ والسرطنة”، تحدث المؤلف عن ماهية الإرهاب المعولم، وليس الإرهاب الديني فقط؛ فالإرهاب أسقط بالقوة السياسية العالمية على دلالات الظاهرة الدينية، بعيدا عن توحش الأنظمة السياسية أو تلك الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية، أو حتى الإمبريالية العالمية. يستمر الكاتب في مشكلة العلاقة بين الجغرافيا والإرهاب. مُوضِّحا أنَّ هذه العلاقة تتطوَّر بسرعة كبيرة؛ بسبب التقنيات الحديثة التي استطاع الإرهاب أن يوظفها لخدمة المشروع الذي يؤمن به. فلم تعد فضاءات الجغرافيا محصورة في جبال تورا بورا، كما أنها تجاوزت فكرة الأرض في شكلها المادي لتتحول إلى شبكة فضاء الكتروني جديد؛ فالإرهاب لم يعد يدير المعركة عبر أطروحات كلاسيكية تقليدية، تتمركز في الجغرافيا فقط؛ بل أصبحت “الفوضى” هي المساحة الكبرى التي يتحرك فيها الإرهاب. عولمة الإرهاب جعلت “مرتكبي تفجيرات نيويورك وفظائع “داعش” ليسوا متمكنين فقط من استخدام التقنيات الحديثة المتطورة؛ بل هم بارعون في فن الاستعراض الأوبرالي، فقد استلهموا المنطق السيمانطيقي للصورة، على طريقة الاستعراضات الهوليودية في إخراج وحشيتهم في العوالم المادية” (ص:99).

غير أنَّ الكاتب يعود ليؤكد لنا أن الإرهاب لم يكن قادرا على هذا الانتصار والانتشار بهذه السرعة لو لم تكن السياسات الإمبريالية تمكنه من ذلك؛ بل هي شريكة معه في صناعة العنف في منطقة الشرق الأوسط، فالدواعش “لم يعبروا العراق وسوريا بالمظلات أو الصحون الطائرة؛ بل تحت عيون الجمارك والشرطة والمراقبين الدوليين، وكل ذلك تم بعلم الدول الإقليمية والأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية”. وهذا يدفعنا إلى إعادة مشكلة العلاقة بين الغرب والشرق العربي في المخيال الغربي، هل الإسلام بتأريخيته يمثل مركز هذا الصراع، أم عوامل أخرى تدفع بالصراع بين الشرق والغرب إلى الاستمرار وفق صيغ متغيرة ومتبدلة؟ يستند الكاتب في الإجابة عن هذا الإشكال إلى ما قاله جراهام فوللر -أحد خبراء السي.آي. إي- في كتابه المعنون “عالم بلا إسلام”؛ حيث يقول: “هناك أكثر من عشرة أسباب خارج الإسلام تجعل العلاقة بين الغرب والشرق العربي الإسلامي متوترة جدًّا وجدلية؛ فحتى لو لم يكن هناك دين اسمه الإسلام، ونبي اسمه محمد، فإن العلاقة بين الشرق والغرب ما كانت لتكون أفضل مما هي عليه الآن. هناك الحروب الصليبية، والاستعمار، والإمبريالية، وهناك الاستحواذ على ثروات المنطقة، خاصة الطاقة ومراقبة الملاحة، ثم هناك الدكتاتوريات المناصرة للغرب، والتدخلات السياسية والانقلابات العسكرية، ثم هناك إسرائيل التي زرعها الغرب في خاصرة العالم العربي، وكذلك التغريب السياسي الذي يدعمه الغرب…” (ص:97). وبعيدا عن جدليات العلاقة  التاريخية بين الغرب والشرق العربي؛ إلا أنَّ الراهن السياسي والجغرافي العربي يفرض علينا الاعتراف بوجود “حقيقة سياسية وجغرافية” في منطقة الشرق الأوسط، تشتغل كافة القوى العالمية على توجيه هذا الكائن الوحشي وفق سياساتها الخاصة.

ويعود الكاتب في الفصل الثالث إلى الحديث عن “الجغرافيا المتصدعة: خطوط الهوية والنفط والدم”، وهو بهذا يحاول إيجاد مقاربات جديدة بين الجغرافيا والاقتصاد، أو بين الدم والنفط. استطاعت الدولة الإسلامية أن تهيمن على منطقة الرقة والموصل، وهي بهذا تعلن تحولا كبيرا في “معادلة الجيوبوليتيك” في الشرق كله، كما يتنبأ بذلك تيري ميسان (165)، فالدولة الإسلامية بإخضاعها الرقة، ودير الزور، والموصل وتدمر، باتت تتحكم فيما كان يسمى قديما بطريق الحرير، والذي أصبح اليوم طريق النفط والغاز، وهو الطريق المؤدي إلى الصحراء العربية. وبعد سقوط تدمر والرقة والموصل، تواترت الأخبار حول سقوط مدينة سيرت الليبية تحت قبضة “داعش”، وهي بلا شك تمثل أهمية جيواستراتيجية لتنظيم الدولة، فهي تفتح باتجاه الصحراء الإفريقية حتى  تشاد وشمال نيجيريا، كما أنها تتحكم في اتجاهات ليبيا من الشرق والغرب، وتتحكم في ممرات وموانئ النفط والغاز في ليبيا، كما أصبحت سيرت ملتقى النفط والدم، فهي المكان الجغرافي المميز الذي تتجمع فيه الدواعش من شمال إفريقيا -تونس والجزائر والمغرب وتشاد، وحتى السودان وليبيا- لتقوم بعد ذلك بإعادة تصدير الجماعات المتوحشة إلى سوريا والعراق. وهكذا؛ أصبح تنظيم الدولة الإسلامية لا يشتغل فقط في حدود الجغرافيا التقليدية مدافعا في كهوف تورا بورا كما كانت تفعل القاعدة؛ بل استطاع أن يغير المعادلات الجيواستراتيجية في منطقة الشرق العربي وشمال إفريقيا. وهكذا أصبحت الجغرافيا السياسية في منطقة الشرق العربي وشمال إفريقيا، إضافة إلى النفط الليبي والسوري والعراقي، تحت سيطرة جزئية لتنظيم الدولة الإسلامية.

لقد ظل الإسلام الداعشي تتنازعه نظريتان دوغمائيتان، ساهمتا بشكل أو بآخر في تمكينه وانتشاره؛ الأولى في الاعتقاد الدوغمائي بأنه يمكن التغلب على الإرهاب الداعشي بالانتصار للإسلام السياسي؛ غير أنَّ هذه الرؤية لا تعدو أن تكون وهما، لعوامل كثيرة تتعلق بانشطار الإسلام السياسي ذاته، وتحول جزء منه إلى الإسلام الراديكالي الدموي، وكذلك اصطدامه بطبيعة الأنظمة السياسية العربية. والثانية هي محاولة وضع تنظيم الدولة في مواجهة الإسلام المذهبي (الإسلام الشيعي)، وهذا ما كانت تحلم به بعض الدول العربية؛ بيد أن تنظيم الدولة لم يكن ضمن أجنداته الفكرية الدخول في فضاءات الصراع المذهبي، فهو لم يؤمن سوى بنظرية الخلافة الإسلامية داخل الإسلام السني ذاته. وبهذا؛ بات الاعتقاد بأطروحة التغلب على الإسلام الجهادي بالإسلام السياسي أو الإسلام المذهبي لا تعدو أن تكون أطروحة واهمة. وإضافة إلى ذلك؛ فإن الإسلام لم يعد يتحرك كأيديولوجيا فقط، وإنما يخترق فضاءات جيوسياسية داخل منطقة الشرق العربي، ويغير من الخرائط الديموغرافية في تحولات الإسلام السياسي والجهادي والمذهبي من ناحية، وفي فكر الحداثة والتحولات الديمقراطية من ناحية أخرى. أصبح الوطن العربي متشظيا من جراء اختراق خنادقه التقليدية بتيارات فوضوية حديثة، وغاب مع كل هذا المشهد مشروع الدولة في النهوض والتقدم الحضاري.

إنَّ تصدع الجغرافيا بزراعة سياسات فوضى الإرهاب “الإسلام الجهادي” التي تبناها منظرو السياسات الأمريكية في الشرق العربي رافقتها سياسة ابتلاع العائدات النفطية؛ حيث تم دفع جزء كبير من عائدات البترودولار إلى الخزينة الغربية؛ خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، تارة باسم الحماية، وأخرى عن طريق بيع الأسلحة التي تحتاجها المنطقة بفعل تضخم الإرهاب العالمي، وتارة على شكل إعادة تأسيس البنية الأساسية بعد سنوات الحرب كما حدث في الكويت والعراق، وأخرى للعلاج والغذاء ومنتجات عصر التحديث. وهكذا؛ تحولت منطقة الشرق الأوسط إلى ثالوث مُعقَّد بين جغرافيا متصدعة ونفط مهدور وفوضى الإرهاب؛ الأمر الذي أدى لشيوع التخلف والجهل والفساد، وأصبح العقل العربي يتحرك في فضاءات دائرية ليس لها بداية ولا نهاية، وتحول الإشكال إلى إشكال بنيوي معقد لا يمكن أن تنسجم كافة الحلول مع طبيعة الأنظمة السياسية الاستبدادية؛ لأن الحل يكمن في مؤسسة الدولة، التي أصبحت غائبة أو مغيبة. تحولت مشكلة الوطن العربي إذن إلى مشكل بنيوي، وأصبح العقل العربي يراهن على استقراره أكثر من أي رهانات أخرى، ولم تعد تعنيه مسألة التقدم الحضاري ولا حتى تشغل باله، بقدر ما يعنيه استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة. ولم يعد النفط مصدر رخاء واستقرار، فقد عمدت السياسات الغربية على “تحويل الأنابيب السوداء إلى أنابيب حمراء”، لتكريس سياسات التصدع وزراعة الفوضى، من أجل السيطرة على منابع الطاقة؛ فالنفط مقابل الدم، أو الدم مقابل النفط، لتنتج ثقافات مهزومة وجغرافيا متصدعة وعقل جمعي متوجس من تحولات مفاجئة تسقط الذات في الفوضى.

ومن الجغرافيا إلى التأريخ؛ ومن التشظي الجغرافي إلى التحقيب التأريخي؛ حيث التأريخ المتصارع بين ثقافات متعددة نشأت في الشرق العربي والشمال الإفريقي، وهو مشكل معرفي طرحه المؤلف في الفصل الرابع من الكتاب، والذي عنونه بـ”التأريخ الأسير: بلا سيادة ولا سرد ولا ظفر”؛ تحدث المؤلف عن مفهوم “الحس التأريخي” الغائب عن وعي العقل العربي منذ قرون، ثم ظهر بشكل كبير في نهايات الدولة العثمانية، وانقسام الثقافة الإسلامية إلى دويلات متناحرة، فرض عليها الاستعمار ثقافته ونزعته الامبريالية. وهكذا؛ فإن سقوط “الحس التأريخي” من وعي العقل السياسي العربي، وأيضا العقل الجمعي، أدى لظهور ثقافات انشطارية أصبحت لاحقا تمثل كيانات سياسية وجغرافية جديدة. لقد دخل العرب القرن العشرين بثقافة تأريخية جديدة، منشطرة ومجزأة ومتخلفة، وتحولوا من دولة مشلولة ذات كيان واحد (الدولة العثمانية) إلى دول متعددة فاقدة لكل شيء. فالثقافة العربية اخترقتها الخرافات والأساطير، وأصبح الدين يشكل عبئا كبيرا على حراك العقل الجمعي بفعل تراكمات ثقافة القرون الوسطى. في مستنقع فوضى الأفكار التي اجتاحت العقل العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين؛ ظهر الإصلاحيون الجدد كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي وابن أبي الضياف، محاولين تشخيص محنة العقل العربي من ناحية، وإيجاد مقاربات ثقافية بين الشرق والغرب، وهي مقاربات ثقافية جديدة، لم تكن موجودة في المخيال العربي قديما ولا المخيال الإسلامي. إلا أن كافة تلك المحاولات لم تنجح في تغيير مسار العقل الثقافي العربي، بل تبع ذلك انهيارات تأريخية كبرى للأمة العربية في القرن العشرين، وساعد على تلك الانهيارات أحزاب قومية لا تعي مشروعيتها التأريخية ولا مشروعيتها الاجتماعية، وأحزاب إسلامية تطرح مشروع المواجهة مع الآخر(الغرب/الحكومات الفاجرة). بدا التأريخ الحديث والمعاصر في منطقة الشرق العربي مُحمَّلا بأيديولوجيا العداء والكراهية لكل من يختلف معه، وبدأ المسلمون يصنعون تأريخا جديدا لهم عبر نشر ثقافة الذات المقدسة والآخر العدو المتربص، وتضخمت الإسلامات المذهبية والجهادية والسياسية.

وفي نهايات القرن العشرين؛ وعبر تلك الثقافات العدائية للعرب من ناحية، والثقافة الإمبريالية للغرب من ناحية أخرى؛ ظهر منظرو صدام الحضارات بترويج شبكة مفاهيمية جديدة تعلن أن الإسلام عدو الحضارات الحديثة، وهو تأكيد لثنائيات الخير والشر التي غرق فيها التأريخ الإنساني. فظهرت نظرية فوكوياما في كتابه المعنون بـ”نهاية التأريخ والإنسان الأخير”. تلك النظرية التي رأت التأريخ عبارة عن سلسلة متتابعة من الصراعات والعبودية والفوضى، لكنها انتهت في الحضارة الغربية لصالح المدنية الحديثة. غير أن نهايات العقل الغربي مهددة بفعل التراجع الحضاري الكبير الذي تعيش فيه بقية الحضارات الأخرى؛ خاصة الحضارة الإسلامية! بعد ظهور هذه النظرية؛ صدر كتاب “صدام الحضارات” للمفكر الأمريكي صموئيل هنتجتون، الذي قسَّم العالم إلى ست حضارات مُتناحرة، يحركها ويتحكم فيها الدين والتاريخ، لتنتهي هذه الحضارات -حسب المؤلف- إلى صدامات دامية وحروب مفتوحة! هذه النظريات أصبحت تشكل مناخا ثقافيا جديدا في التأريخ العالمي، وتمكنت تلك النظريات من بسط نفوذها على منطقة الشرق الأوسط، لتعيد بناء تأريخ جديد من الفوضى، ولترسم مسرحا تأريخيا جديدا من الدم المقدس؛ فالنظريتان أعادتا بناء الحضارات على أساس ديني وتاريخي، لتظل جدلية التأريخ المتشظي والجغرافيا المتصدعة قائمة في منطقة الشرق العربي وشمال إفريقيا.

وفي الفصل الأخير من الكتاب؛ يُلخِّص الكاتب حرب الجيوبوليتيك؛ مجالاته وإيقاعاته، واتجاهاته، وبدأه بالحديث عن الولايات المتحدة الأمريكية وقدرتها خلال القرن الماضي على تغيير نظام الجيوبوليتيك في الخارطة الدولية، عبر مهندس الجيوبوليتيك -الهولندي المولد، الأمريكي النشأة- نيكولاس سبيكمان، واختراعه ما يسمى بـ”المحيط المتوسطي”؛ فقد كان “أساس تصوره الجيوبوليتيكي يقوم على تشابه مميز بين البحر الأبيض المتوسط في تأريخ أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالنسبة للحضارات القديمة، وبين المحيط الأطلسي بالنسبة للحضارة الغربية في التأريخ المعاصر” (ص:381). فهو يعتقد أن المحيط الأطلسي (المحيط المتوسطي الجديد) بضفتيه الأمريكية والأوروبية يمكن أن يكون منطقة للحضارة الغربية الحديثة الأكثر تطورا تقنيا واقتصاديا. ثم يمكن أن تتحدد على ضفتيه كتلة جيوبوليتيكية جديدة تنضوي تحت مسمى القارة الأطلسية! وهذا سيجعل الولايات المتحدة تعمل على فصل المحيط الأوراسي عن القارة الأطلسية الجديدة، خاصة تلك التأثيرات الكبيرة التي يمكن أن تلعبها روسيا والصين في اختراق هذه المنظومة، والعمل على إعادة أجزاء كبيرة من القارة الأوروبية إلى جغرافيتها السياسية الأوروبية كدول شرق أوروبا، التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي سابقا. ولهذا؛ ظلت أمريكا بلدا يعيش في قلب التحولات العالمية، ولم تكن منذ تأسيسها دولة إضافية فقط على الخارطة الدولية؛ بل دولة مؤثرة وفاعلة ومحركة لأي تحولات جيوبوليتيكية تحدث في العالم. غير أن سيناريو “القارة الأطلسية” خلق بشكل غير مباشر قوة كبرى في الطرف الآخر، تتمثل في تقارب كبير بين روسيا والصين، وانتهى ذلك التقارب إلى تشكيل كتلة جيوبوليتيكية أخرى في الشرق، تسمى بـ”دول البريكس”، وتضم الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، والتي يمكن أن تنضم إليها قريبا إيران والأرجنتين ونيجيريا وإندونيسيا، ويبدو أن ثمة قناعة كبيرة بين الصين والهند وروسيا بأن بناء المجال العالمي الآخر (الأوراسي) لا يتم إلا عبر تقارب اقتصادي وسياسي كبير بينهما. كلُّ ذلك يمكن أن تلعب فيه النظرية الجيوبوليتيكية دورا كبيرا؛ غير أن محددات تطور هذا التكتل وظروف تشكله في السنوات القادمة ليست واضحة، كما أن المقاربات الأيديولوجية بين هذه الدول ضعيفة جدًّا، فكل ما يجمعها هو محاولة تشكيل قوة إستراتيجية أخرى تضاهي قوة القارة الأطلسية، وهذا غير كاف لتأسيس كيان حضاري مستقل.

كلُّ ذلك سيجعل من منطقة الشرق الأوسط منطقة اشتباكات مستمرة بين هاتين القوتين، لأسباب عديدة تتعلق بالهيمنة على منابع الطاقة أولا، والتحكم الجيواستراتيجي في المضائق العالمية، والممرات الدولية؛ فالشرق العربي وشمال إفريقيا يمثلان الجسر الذي يربط بين هاتين القوتين، وهو جسر ضعيف وهش، غير قادر بذاته على بناء كتلة جيوبوليتيكية جديدة، وإنما سيظل في السنوات الخمسين المقبلة “فضاء مملوكا للخارج”. وعلى هذا السيناريو؛ فإن هذه المنطقة الشرق أوسطية ينبغي أن تظل منطقة نزاعات داخلية في الدين والتاريخ والاقتصاد والسياسة والجغرافيا؛ فهي كلها مجالات حيوية لاستمرار الصراع البيني في الشرق الأوسط العربي والإسلامي. إن كافة التنظيمات الإرهابية الموجودة في إفريقيا والشرق الأوسط تشتغل بطريقة غير مباشرة في ترجيح موازين معادلات الطاقة العالمية، كما أنَّ مآلات هذه المنطقة الشرق أوسطية غير واضحة إلى الآن؛ لكنها بلا شك لن تعود كما كانت قبل غزو العراق للكويت. إن التفكك الجيواستراتيجي واضح داخل هذه المنطقة، كما أن المقاربات الجيوبوليتيكية لهذا التفكك تبدو أيضا واضحة؛ غير أنَّنا لا يمكن أن ندرك حجم هذا التفكك، كما لا ندرك التقسيم الجديد “للحقيقة السياسية” في الوطن العربي. كل ذلك يعتمد على ظروف التشكل وسياقات التطور في سيرورة الصراع وصيرورته؛ وسنبقي نردد: هل نحن أمام خارطة جيوبوليتيكية جديدة في الشرق الأوسط؟

————————

– الكتاب: “جيوبوليتيك الدم: التأريخ الأسير والجغرافيا المتصدعة”.

– المؤلف: الصافي سعيد.

– الناشر: سوتيميديا، تونس، 2015.

– عدد الصفحات: 462 صفحة.

تحميل الكتاب