ان حالة الاستعصاء النهضوي الراهنة  التي تعيشها البلاد العربية واستمرار الفرقة والتشتت ،اذ تدمّر أحلاما عديدة طالما راودت الشعوب العربية خاصة في ظل النكسات المتتالية والهزائم المتوالية ، فإنها تمثل أرضا خصبة وحافزا هاما للأنتلجنسيا العربية للإشتغال على هذا الواقع المتردي واذكاء الوعي الجماعي بضرورة التوحّد والتفكير في مشاريع فكرية – واقعية جادة تولي العامل الوحدوي دورا رئيسا في عملية التحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، وتحاول كسر طوق التأخر الذي يحبس العرب خارج أسوار العصر .

وقد شهد التاريخ العربي المعاصر محاولات جادة لبناء منظومات فكرية متكاملة تحمل البعد القومي في أسسها وأهدافها وتحاول الاستجابة لتطلعات الشعوب ، وبالرغم من نجاحها النسبي في استقطاب الجماهير من مختلف الطبقات الاجتماعية فإنها شهدت فشلا على الصعيد الواقعي التطبيقي لعدة أسباب موضوعيّة أهمها غياب استراتيجية واضحة المعالم لوحدة ذات بعد قومي تامة الشروط وعدم مراعاة الظرفية العالمية وحقيقة الصراع الاقليمي مع العدو الصهيوني ،كما مثل الكيان الصهيوني محور هذه الايديولوجيات ومثل اجتثاثه السمة المميزة للخطاب السياسي فيما تم تغييب الجانب التنموي والتكامل الاقتصادي والاجتماعي العربي والاقتصار على تجارب قطرية ضيقة منيت بفشل على الصعيد الواقعي التطبيقي وحياد عن النظرية المرسومة فكان أن سقطت هذه المشاريع الفكرية في الطوباوية في التعامل مع قضايا و ووقائع جد حساسة وأعادت الحلم للإنسان العربي فيما حافظت بل وعمّقت بؤسه ومعاناته وكرّست مع الزمن حالة الاحباط وانعدام الثقة في كل مشروع ينادي بالوحدة ليذكر بالأحلام الموؤودة والشعارات الكبرى والانجازات المخيبة للآمال .

ان الدوغمائية والطوباوية في التفكير والانسياق وراء الأحلام و السقوط في الشعبوية مثلت الخلل الأهم في بناء المنظومات الفكرية الوحدوية السابقة في جانبيها النظري والتطبيقي ، وكان ذلك نتيجة حتمية لحالة الاستلاب والتهميش الذي عاشته الفئات المتثقفة العربية …، فكانت في حالة وعيها المستلب في حاجة ماسة الى الانتقال الى مواقع الوعي المطابق لحاجيات التقدم العربي ، ذلك الوعي الذي يشترط قدرا من المصالحة مع الذات وقدرا أكبر من الحرية في الانتاج والتفكير بكل عقلانية والنظر للواقع بموضوعية بتفكيكه و تحليله واعادة بنائه على الصعيد النظري بكل استقلالية مع الدفع نحو المصالحة بين العمل الفكري الضروري للإنتاج و العمل السياسي الضروري للممارسة والتطبيق .

ان معركة الفكر العربي اليوم تتجاوز تلك الثنائيات التي أذكت الصراع بين المفكرين والتيارات السياسية العربية في وقت ما ، والتي تمحورت حول ثنائية أولوية الايديولوجيا الإشتراكية أم الليبرالية لبناء الصرح الوحدوي ومن جهة أخرى ثنائية الخيار العسكري ام الخيار السياسي في التعامل مع الكيان الصهيوني و ثنائية الوحدة السياسية أولا ام الوحدة الاقتصادية …إلى غير ذلك من الاختلافات التي تحولت الى خلافات و أدت الى شكل جديد من التشرذم والتشتت والانقسام الفكري في قضية مصيرية تهم الشعب العربي في وجوده ومستقبله .

اذا كانت هذه الانسياقات الايديولوجية قد أذكت في السابق هذه الاتجاهات والثنائيات فإن غياب الاساس العقلاني للمشروع الوحدوي كان من أبرز العوامل الدافعة إلى التباس الفكر واستلابه وعدم وضوحه وتعاليه عن القضايا الجوهرية للواقع وعجزه عن القبض على شروط النجاح والتي لا تنبني إلا على أساس وعي عقلاني مطابق ينطلق من الواقع ليعود اليه دون ابتذال أو اغفال و دون تخيل وطوباوية …اعتمادا على مناهج علمية واضحة وحقول مفهومية كتوسّطات ضرورية تبسّط تشعبات الواقع بتنوع ظواهره وتعقد نظمه وتطوره المستمر وتجعله جاهزا للوصف والتحليل وتجعل من امكانية صياغته في مشروع فكري نظري غير متعال عن الواقع الملموس يعاد اختباره وتجريبه عبر الممارسة فيتم تصويبه على ضوء تفاعله مع الواقع فتظيف النظرية للواقع بقدر ما يظيف الواقع للنظرية في جدلية مستمرة .

ان سمة الوعي المطابق المنشود الذي على الانتلجنسيا العربية التحلي به واعتماده كأساس للتفكير والبناء الفكري الوحدوي هي العقلانية في التعامل مع الوقائع والتخلي عن الانطباعية والحدس والوثوقية باعتبارها السمات المميزة للأنماط التقليدية في التفكير والتي لا ترى في نظام علاقات الواقع والفكر بنية علائقية  يمكن فهمها ومقاربتها ، بل ترى فيها ركاما من الأحداث تأول انطلاقا من حقائق مطلقة ثابتة ، مسبقة ، مكتوبة بصياغة واحدة أبدية لا تعترف الا بالعلاقات العمودية وتلغي حق المراجعة والمناقشة والحوار والنقد في عالم يشهد حركة مستمرة وتغييرا متواصلا في حاجة الى فكر متطور مواكب للواقع في سيرورته محاولا اعادة صياغة العلاقة بين الأفراد بناءا على الظروف المستجدة وانشاء نظم وقوانين تستجيب للراهن ، نسبية غير مطلقة وغير مقدسة قابلة للنقد واعادة الصياغة خاضعة لمنهج العلم والعقل .

لذلك تبدوا الاستقلالية عن كل ماهو فكر أصولي رجعي ضرورة مبدئية يفرضها المنهج للسمو بالفكر الوحدوي المنشود عن الصبغة التبشيرية ولتجنب سقوط النخب المفكرة في الصراعات المذهبية الضيقة التي يمكن أن ترتقي إالى صراعات طائفية على المستوى الفكري تكرّس مشروعية الانقسامات الدينية والمذهبية الكامنة والمتفجرة في الواقع العربي .

ان خارطة الأقليات العرقية والدينية والاختلافات المذهبية والطائفية التي تجزّء المجزّء في البلاد العربية يكاد لا يخلوا منها قطر ، لذلك تبدوا عقلنة وعلمنة الفكر الوحدوي ضرورة واقعية تفرضها شروط الوحدة المرجوة ، غير أن نبذ الأصولية في التفكير لا يعني بأي حال التعالي عن الهوية الثقافية للمجتمع العربي فنجاح الفكر الوحدوي مشروط بالتصاقه وانطلاقه من هوية المجتمع العربي بمختلفه تشكلاته الدينية والمذهبية و مراعاة هوية العرقيات التي تمثل أقليات تشارك العرب في الجغرافيا والوطن …وعلى أساس ذلك يبدوا الفكر العقلاني الأكثر مشروعية في مخاطبة الفرد و الأكثر قربا من مشاغله بقدر ما يبتعد عن التصنيفات العقدية والعرقية الضيقة …فأساس المواطنة هو القاسم المشترك بين كل مكونات المجتمع على أساس الحريات المكفولة والمضمونة للجميع على قدم المساواة.

وبالتوازي مع نبذ الفكر الرجعي الأصولي أثبتت التجارب الوحدوية السابقة فشل اسقاط الايديولوجيات الجاهزة ذات المنشأ الغربي ومحاولات تطويعها على الواقع العربي المختلف ثقافة و تاريخا ومستوى تقدم اقتصادي واجتماعي وفكري …فأكدت مرة أخرى فشل أي فكر مهما كان تقدميا ما لم ينبع من حاضر المجتمع وخصوصياته وما لم يستجب لمتطلباته ويكون مطابقا للواقع مع شرعية الاستفادة من تجربة الأخر .

ان الأنتلجنسيا العربية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالامساك بزمام الأمور في صياغة خطاب فكري وحدوي متماسك أساسه المطابقة مع الواقع والانطلاق منه متوسلا بالمناهج العقلانية والعلمية الانسانية للخروج من أزمة الفكر السياسي العربي وتأزم واقع العمل العربي التنموي المشترك كخطوة نحو الاصلاح وتمهيد الطريق للرقي بالوعي العربي لدى الجماهير والتحسيس بأهمية المشاركة الفاعلة في نحت ملامح المستقبل وتكريس قيم الديمقراطية وحرية الفكر والتعبير السبيل الأوحد لإثراء الفكر العربي الوحدوي والابتعاد به عن مزالق التطرف والظلامية . 

الاطلاع على الكتاب