بقلم الدكتوراه سكينة ابراهيم بن عامر

هذا كتابي الجديد الذي انتظرت ولادته بفارغ صبر، واخترت له من الأسماء اسم ( دليل الباحث العلمي) وقد صدر عن الدار العالمية للنشر والتوزيع بالاسكندرية منذ ثلاثة أيام .

كتابي هذا مميز في حياتي، فهو خطوة جديدة أخطوها في مجال البحث العلمي، أضيف بها جهداً علمياً جديداً يستكمل جهود الباحثين السابقين في مجال البحث العلمي، فهو يقدم للباحث الخطوات التطبيقية والإجرائية لإنجاز بحثه، وهو يأخذ بيد الباحث خطوة بخطوة منذ بداية تفكيره في موضوع البحث، ومروراً بكيفية تصميمه وتطبيقه، ووصولاً إلى استخراج نتائجه واقتراح توصياته، لذلك تكثر في الكتاب الأمثلة التطبيقية، والنماذج العملية، وتتوزع في جنباته الأنشطة التدريبية التي تصحب عملية البحث العلمي في خطاه المتتالية، فتتكامل المعرفة العملية مع المهارة التطبيقية، لتشكل معاً منهجاً علمياً تطبيقياً في مجال البحث العلمى، وهذا هو جوهر موضوع كتاب ( دليل الباحث العلمي).

يتدرج كتاب ( دليل الباحث العلمي) في خمس فصول متتابعة يمثل كل فصل منها دليلاً تطبيقياً لخطوات البحث العلمي، تبدأ بالتفكير في موضوع البحث ، وتنتهي بإجراء خطوات البحث، وكتابته في شكله النهائي، حيث اهتم في فصوله الخمسة بربط عملية البحث العلمي بعملية التفكير الإبداعي، ليرتبط البحث من بدايته بالإبداع والابتكار والتميز، وذلك من خلال عرض مجموعة من أدوات التفكير الإبداعي وأساليبه، توضيح كيفية استعمالها في البحث العلمي، مثل أساليب بناء الخرائط الذهنية، وأدوات العصف الذهني، والتحليل الرباعي، وتعلم كيفية استعمال هذه الأدوات والأساليب في مرحلة اختيار موضوع البحث، وفي تحديد العنوان ، والربط بين العنوان وبين أجزائه، وكذلك في أثناء تطبيق الإجراءات البحثية، أو في أثناء استنباط النتائج، وربطها بالواقع الذي تتناوله المشكلة البحثية، ومجال البحث ومحدداته، ليقدم الكتاب للقارئ العربي أساليب مبتكرة في البحث العلمي، تستند إلى تفجير طاقات العقل اللامتناهية أثناء البحث والدراسة والاستنتاج.

قد خصصت الباحث الإعلامي بالأمثلة والتطبيقات المدرجة في هذا الكتاب، وعددته دليلاً له في مجال بحثه، لكن بإمكان أي باحث في أي مجال علمي أن يستفيد من خطوات الكتاب التطبيقية، فأسس البحث العلمي واحدة في مجالات العلوم كلها، وإنما تختلف التخصصات في طبيعة الموضوعات البحثية المختارة، وفي نوعية مجتمع البحث الذي يُطبق فيه، إذ بإمكان الباحث في العلوم الاجتماعية، أو في العلوم الهندسية، أو في العلوم القانونية، أو الطبية، أو أي في مجال علمي آخر؛ أن يستعين بالكتاب وما يحتويه من تطبيقات في إجراء بحثه، سواء أكان طالباً في مرحلة البكالوريوس أو في الليسانس، أو كان باحثاً في مرحلة الماجستير أو الدكتوراه، وإنما خصصت الباحث الإعلامي بالأمثلة والتطبيقات العلمية الواردة في الدليل لاحتياج الباحثين الإعلاميين بصفة خاصة إلى مرجع ودليل يعطيهم أمثلة تطبيقية في مجال التخصص، فضلاً عن احتياج المكتبة العلمية العربية إلى مثل هذا الكتاب التطبيقي.

إن هذا الكتاب هو خلاصة جهد علمي مطبق ضمن مجموعة محاضرات أُلقيت على طلاب كلية الإعلام بجامعة بنغازي، وهو خلاصة مجموعة دورات وورش تدريبية متخصصة في كتابة البحث العلمي قدمتها لطلبة الماجستير في كليات الإعلام، والآداب، وطب الإسنان، وأكاديمية الدراسات العليا ببنغازي، حيث كان لتفاعل الباحثين المستقبليين بصمات واضحة في تطوير معلومات المحاضرات؛ وحافزاً لتأليف الكتاب، لعلي أقدم للباحث المستجد ما يفيد في إنجاز بحثه، وما يعينه على رحلة علمه وتخصصه.

وسيلحظ القارئ الكريم أني قد أدرجت نشاطاً تطبيقياً في نهاية كل موضوع، يساعد في تقييم الموضوعات الشبيهة في الدراسات السابقة، بحيث يوجه الباحث إلى عقد مقارنات علمية بين ما يكتبه في بحثه، وبين ما كتبه الآخرون في البحوث السابقة التي تكَون التراث المعرفي لموضوع بحثه، كما يقدم النشاط أيضاً خطوات تطبيقية تساعد الباحث في بناء جزئيات بحثه بشكل متسلسل ومبسط، وهكذا يمكن من خلال تطبيق تلك الأنشطة بناء مقترح البحث، وتطبيق خطواته أولاً بأول.

الأمر الآخر الذي قد يلاحظه القارئ الكريم في هذا الكتاب، هو الاستعانة بنماذج من خرائط العقل التي توضح تطور التفكير في الكتاب، مرسومة يدوياً ولم يتم الاستعانة ببرامج الحاسوب الخاصة برسم خرائط العقل مثل برنامج (ED raw Mind Map) ، أو برنامج (X Mind) وغيره من برامج خاصة بتصميم الخرائط الذهنية؛ التي يمكن الحصول عليها بتحميلها عبر روابط مباشرة موجودة على شبكة المعلومات، وتعلم كيفية تطبيقها عبر مواقع عديدة تعطي دروساً ودورات تطبيقية في كيفية تصميم الخرائط الذهنية، وهي عملية ممتعة، وليست بالشيء الصعب، غير أنني فضلت استعمال مجموعة الخرائط المرسومة يدوياً لأيسر على القارئ الكريم فكرة تصميم الخرائط الذهنية، وأجعله يشعر أنَ تصميمها يتم ببساطة وسهولة ويسر ومتعة، سواء اُستعمل في تنفيذ الخرائط الذهنية برامج حاسوبية جاهزة، أم اُعتمد على إبداع الباحث الذاتي في تنفيذها، فأنا شخصياً أحس بنوع من الارتباط والتلقائية والانطلاق باستعمال الرسم اليدوي لخرائط العقل، ولكل منا أسلوبه وطريقة تفكيره، ونوع اهتمامه واستمتاعه بالأشياء.

وأخيراً أقول لكم إنَ هذا الكتاب عاش معي مرحلة صعبة من تاريخ وطننا الغالي، حينما تشابكت الرؤى، وتفرقت الأهواء، وصار كل على (مصالحه) يغني، فقد بدأت الكتابة فيه في أرض الوطن بداية عام 2014، تحت القصف العشوائي، وأصوات القذائف والرصاص، ورائحة البارود، وجمعت كلماته بين تراقص خيوط الضوء المتسللة عبر فرجات الأبواب المغلقة، والنوافذ المتربسة، وضوء الشموع الموشكة على الذوبان، خفت عليه كفلذة كبد وُلدت في زمن الحرب، وتنقل معي في ديار الغربة، ورافق خطاي المغادرة أرض الوطن قسراً، أنوء بحمله خوفاً من الضياع، وأخشى من فقده كما كان فقد الأحباب، فصار لي عبر أيام الحنين هو المأوى، أُهرع إليه لأدفن أشواقي، وألجأ إليه لأطفئ مرارة الغربة، فصارت أحرفه لي السلوى، وأصبحت صفحاته لي الوطن.