المكتبة السياسيةدراسات أسيويةدراسات سياسية

كتاب دليل روتليدج لسياسة: جنوب آسيا الهند وباكستان وبنغلادش وسريلانكا ونيبال

ببطء وفي صمت، بدأت التحالفات القديمة التي تشكلت خلال الحرب الباردة في جنوب آسيا في التحول. بعيدا عن الاعتبارات الإيديولوجية بل وفقا لما تعتبره مصالحها الوطنية، تقوم كل من باكستان والهند والصين بتغيير سياساتها الخارجية.

منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي كان الإطار محددا بدقة، فباسم العداء المشترك للشيوعية كانت الولايات المتحدة تعتمد على باكستان ولم تدخر جهدا في دعمها. وهي تعلم أنه بإمكانها الاعتماد على المساندة السياسية (والمالية) للمملكة العربية السعودية من أجل إبقاء الدولة الفتية التي ولدت سنة 1947 باسم الإسلام، قائمة. وقد شاهدنا صورة جلية لهذا التحالف الثلاثي أوائل الثمانينيات في الدعم المقدم لكفاح المجاهدين الأفغان ضد الجيش الأحمر.

من جانبها كانت الهند -وهي رسميا غير منحازة- تميل في الواقع بشكل كبير نحو الاتحاد السوفياتي الذي قدم لها من جهته كل الدعم عند نهاية المواجهة الصينية الهندية والتي منيت فيها الهند بالهزيمة في جبال الهمالايا.

ثم جاء زمن ذوبان الجليد بين الصين والولايات المتحدة في السبعينيات بمبادرة من الرئيس ريتشارد نيكسون ليكتمل المشهد. فقد كانت كل من بكين وواشنطن تشتركان في معاداة قوية للسوفييت ولم يكن هناك ما يمنع اقتراب الصين من باكستان في تحالف عكسي يستهدف الهند على وجه الخصوص. وتشترك هذه الأخيرة بحدودها البرية الأطول مع هاذين البلدين الذين خاضا معها حروبها الوحيدة منذ الاستقلال في 1947.

إسلام آباد تقول “لا” لمحمد بن سلمان

ظهرت التوترات الجلية الأولى بين الرياض وإسلام آباد في أبريل/نيسان 2015. فبينما شنت المملكة العربية السعودية قبلها بأيام قليلة عملية “عاصفة الحزم”، أي حملة القصف الجوي ضد اليمن ضمن تحالف ترأسه، أعلنت باكستان رسميا أنها – على عكس المعلومات التي نشرتها الرياض – ليست جزءا من هذا التحالف. وقصد توضيح الأمور ودعم حكومة إسلام آباد في مواجهة الضغوط السعودية، صوت البرلمان الباكستاني بمنع البلاد من الانضمام إلى هذا التحالف.

بعد أشهر من ذلك، أعلن رجل السعودية القوي محمد بن سلمان، الذي كان آنذاك وزيرا للدفاع ونائبا لولي العهد “فقط”، في 14 ديسمبر/ كانون الأول 2015، عن إنشاء “تحالف مضاد للإرهاب” مشكل من 34 دولة إسلامية. غير أنه في الأيام التي تلت، أعلنت ثلاث دول ذكرها بن سلمان بأنها لم تعط موافقتها – وهي لبنان وماليزيا وباكستان مرة أخرى.

وقصد التخفيف من هذه التوترات الضارة بالجانبين، سمحت الحكومة الباكستانية في مايو/أيار 2016 لقائد أركانها راحيل شريف، الذي كان قد أحيل منذ وقت قليل على التقاعد، بتولي القيادة العسكرية للتحالف. وهكذا تم حفظ ماء وجه البلدين ولكن ذلك لم يسوّ الخلافات الجوهرية بينهما.

لسنوات طويلة، كان اصطفاف باكستان مع العربية السعودية أحد المسلمات في الجغرافيا السياسية الإقليمية، على الخصوص في عهد الجنرال ضياء الحق الذي بقي في السلطة من 1977 إلى 1988 وزاد من أسلمة باكستان بدعم سعودي. وكان الجيش الباكستاني حاضرا بشكل خفي في المملكة لضمان بقاء النظام في حال حدوث اضطرابات داخل القوات المسلحة السعودية. ومن جانبها كانت المملكة تضمن ميزانيات باكستان، بما في ذلك تمويل الأبحاث النووية التي أدت إلى إنتاج “القنبلة الذرية الإسلامية” في باكستان.

إذا كانت المصالح الاستراتيجية للرياض وإسلام آباد متوافقة في معظمها، فإن الخلافات الحتمية التي قد تحدث كانت تُسوَّى بتَكَتُّم. لكن منذ أن تركزت السلطة في المملكة بين يدي محمد بن سلمان، والذي ليس من ميزاته الأولى الصبر والحنكة الدبلوماسية، تغيرت الأمور تماما. فمن الواضح أن الرجل الذي تجرأ على احتجاز رئيس وزراء لبنان كرهينة لأن سياسته الداخلية لا تلائمه، لا يرى نفسه ملزما باحترام حساسيات باكستان التي يُفترض أنها تتبع السياسة السعودية. وهكذا كانت للضغوط الخشنة والعلنية التي مارسها على حليفه الباكستاني نتائج عكسية، مثلما كان متوقعا. وقد ترتب عن ذلك إهانة أمام الملأ تمثلت في الرفض المتكرر لباكستان في المشاركة في التحالفين الذين شكلهما محمد بن سلمان.

كما لم يفت القادة الباكستانيين ملاحظة غياب حماس منظمة التعاون الإسلامي في إدانة تصرف الحكومة الهندية في جامو وكشمير؛ ومؤخرا يبدو أن العربية السعودية قد طالبت بتسديد قرض بـ3 ملايير دولار كانت قد منحته لباكستان في 2018. على الرغم من صعوباتها المالية وبدلا عن طلب التأجيل، امتثلت باكستان وسددت في ديسمبر/كانون الأول 2020 مليارين1 ليتم تسديد الباقي خلال شهر يناير/كانون الثاني 2021. بعبارة أخرى، فإن الزواج الإيديولوجي الاستراتيجي الذي تم عقده منذ نصف قرن لم يتعثر فحسب، بل يبدو أنه في طريق الفسخ.

تحالفات عكسية

لفترة طويلة، حاولت الهند الحفاظ على علاقات جيدة مع الجميع (باستثناء باكستان والصين) حتى وإن كان عدم انحيازها يميل بشكل واضح صوب موسكو. دون أن يعلن عن إعادة توجيه الأولويات الدبلوماسية لبلاده، أحدث رئيس الوزراء ناريندرا مودي انعطافا محسوسا في السياسة الخارجية الهندية. فقد أحدث هذا القومي الهندوسي، الذي يُعتبر معاديا للمسلمين ومقرَّبا من الوزير الأول الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المفاجأة بمضاعفة الزيارات لبلدان الخليج العربية منذ بداية عهدته وخاصة إلى الإمارات العربية المتحدة. وفي نهاية كل هذه الزيارات، كان البيان المشترك لا يدين الإرهاب فحسب بل أيضا الدول التي تشجعه أو تدعمه. بسرعة اختبرت باكستان، التي كانت تدرك تماما أنها المستهدفة، فعالية سياسة مودي الواقعية من خلال لمسها التراخي الملحوظ في العلاقات الوثيقة جدا التي كانت تربطها سابقا بالسعودية والإمارات العربية. فقد وضعتها هذه التحالفات العكسية التي كانت تستهدفها في موقف صعب مع حلفائها القدامى.

لا تقتصر التغييرات التي قام بها مودي على الشرق الأوسط فحسب، فالتقارب مع الولايات المتحدة، والذي صار واقعا عندما حكم حزب المؤتمر البلاد، تسارع منذ 2014 وبصفة أكبر بعد انتخاب دونالد ترامب في 2016. بغض النظر عن العلاقات الشخصية التي أقامها القائدان، فإن التهديد الصيني هو الذي يشكل خلفية هذا التطور. وقد تميز بشكل أساسي بإعادة تنشيط “الحوار الأمني الرباعي” (Quad). ففي سنة 2004، أطلقت كل من اليابان وأستراليا والولايات المتحدة والهند الحوار الأمني الرباعي المعروف أكثر باختصار “الكواد”. غير أن هذا التجمع غير الرسمي، والذي نددت به بكين على أنه حلف شمال أطلسي آسيوي، سرعان ما دخل في شبه سبات بسبب رفض الأستراليين والهنود جعله تحالفا معلنا مناهضا للصين.

تغيرت الأمور من ثلاث سنوات، أساسا بسبب السياسة المتبعة من طرف تشي جي بينغ، والتي ينظر إليها على أنها تهديد من قبل جميع الجيران الآسيويين. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أجرت القوات البحرية للدول الأربعة أكبر مناوراتها البحرية في المحيط الهندي والمسماة بمناورات “ملابار”. لا يزال الحوار الأمني الرباعي تحالفا غير رسمي، ولكنه يقترب من ذلك بشكل ملحوظ مما يثير غضب بكين، ولكن أيضا استياء موسكو التي لم تقبل أبدا مفهوم “الهندي-الهادي” والذي يجمع من وراء “الكواد” بلدانا أخرى مطلة على المحيطين الهندي والهادي، بما في ذلك فرنسا. ويهمش هذا النهج الاستراتيجي والعسكري، الموجه بصفة جلية ضد الصين، القوة الروسية أيضا.

وفي هذا السياق يُفهمُ تأجيل القمة السنوية الروسية الهندية التي كان من المقرر عقدها في الخريف إلى أجل غير مسمى. وهي قمة كانت حتى ذلك الحين تجرى كل سنة منذ 2000، بعد التوقيع على الإعلان الخاص بالشراكة الاستراتيجية بين الهند وروسيا. فالسبب المقدم لتبرير هذا التأجيل – وباء كوفيد-19- لا يجب أن يوهم أحدا. فكل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والوزير الأول الهندي ناريندرا مودي، كثفا في نهاية 2020 من مؤتمرات الفيديو مع أهم قادة العالم. لقد تم ذكر سبب الغضب الروسي أعلاه. أما بالنسبة للهند فيبدو أنها لم تستحسن أبدا محاولات الوساطة الروسية في نزاع “لاداخ” الحدودي بينها وبين الصين، حيث تشتبه في ميل موسكو لوجهة النظر الصينية.

أزمة ثقة مع موسكو

يجب في هذه المرحلة التأكيد على نقطة رئيسية، إذ يتحدد جوهر السياسة الخارجية والأمنية لباكستان بعامل وحيد وأوحد ويتمثل وهو العداء للهند والخشية من تدخل عسكري لجارتها الكبيرة والقوية -وهي ليست نظرية فقط. يتغذى هذا الخوف من الخطاب العسكري والعدائي للعديد من قادة حزب بهاراتيا جاناتا الموجود في السلطة ووسائل الإعلام المقربة منهم حيث يشجعون ناريندرا مودي بمضاعفة عدد “الضربات الجراحية” داخل الأراضي الباكستانية. ويعطي هذا الخطاب تبريرا لهوس الارتياب الحقيقي الباكستاني، خاصة بعد أن قام سلاح الجو الهندي في فبراير/شباط 2019 بالتوغل داخل الأجواء الباكستانية، خارج جزء إقليم كشمير الخاضع للإدارة الباكستانية. وهذا يغذي بالطبع هيمنة الجيش والمخابرات (وكالة الاستخبارات الباكستانية) على المؤسسات الباكستانية. يجب النظر إلى النهج الحالي للسلطات الباكستانية على ضوء هذه النظرة للعالم وبناء على قراءة التطورات التي حدثت مؤخرا. فباكستان تتأقلم هي الأخرى مع هذا الوضع الجديد. للبلاد صورة سيئة في الغرب وهي مدركة لذلك تماما، فأفعالها (أو تقاعسها تجاه الحركات الإرهابية) هي المسؤولة عن ذلك بشكل واسع. ولكن لا يعتبر ذلك سببا للتقليل من قدرتها على استخلاص الدروس الضرورية من الديناميكيات الأخيرة. إن اقتربت الهند من الولايات المتحدة، تقوم باكستان من جهتها بنفس الخطوات مع روسيا. كانت موسكو لمدة طويلة حليف الأيام الجيدة والسيئة بالنسبة للهند. فقد اعتمدت عليها الهند بعد الهزيمة الكارثية عام 1962 أمام الصين. وهي الدولة التي أمضت معها في أوت 1971 “معاهدة سلام وصداقة وتعاون” مباشرة قبل نشوب حرب باكستان الشرقية. حرب تولدت عنها بنغلاديش بفضل التدخل العسكري الهندي، وفي غياب أي تدخل صينين حيث أحجمت بكين عن ذلك بسبب هذا التحالف السياسي العسكري الذي لا يعلن عن نفسه بين نيودلهي وموسكو.

غير أن روسيا، التي فقدت في السنوات الأخيرة مكانتها كممون رئيسي بالمعدات العسكرية للهند لصالح إسرائيل وفرنسا والولايات المتحدة، تحولت بدورها نحو باكستان لتسليمها بعض المروحيات والطائرات القتالية ومباشرة محادثات لبيع دبابات. بالطبع لا يمكن مقارنة السوق الباكستانية بنظيرتها الهندية، غير أن الرسالة الموجهة لنيودلهي كانت واضحة بما فيه الكفاية لتجر الهند خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما أثار استياء الولايات المتحدة، لتقديم طلب شراء نظام الدفاع الجوي الروسي “أس 400” بقيمة تقدر بـ5,4 مليار دولار. ومهما يكن لم تعد في شبه القارة الهندية العلاقة بين الهند وروسيا حصرية، ويعد ذلك مؤشرا على أزمة ثقة تطورت خلال السنوات الأخيرة بين موسكو ونيودلهي.

باكستان المحرومة من الدعم المضمون للولايات المتحدة (ودول غربية أخرى) ومملكات الخليج، ليست بلا خيارات أخرى. فعندما تنظر من حولها ترى أن هناك دولا إسلامية (مثلها غير عربية) قادرة على مواجهة العربية السعودية وتحدي نفوذها، مثل تركيا وإيران وماليزيا. وبصفة منطقية تماما اقتربت باكستان من تركيا وماليزيا، كما تبذل قصارى جهدها لإزالة مصادر التوتر مع إيران.

يبدو أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مارستا ضغوطا على إسلام آباد لكي تلتحق بصف الدول المسلمة المُطبعة مع إسرائيل. رفضت الحكومة الباكستانية حتى الآن القيام بذلك وقد يكون ذلك سببا وراء تسريب معلومات مثيرة للدهشة مؤخرا حول زيارات سرية لإسرائيل قام بها قادة مسؤولون باكستانيون بمن فيهم أعضاء من المعارضة.

إذا كانت هند ناريندرا مودي تعمل على إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة، فإن باكستان لا تنوي البقاء دون حراك وهي ترد بطريقتها الخاصة على المحور الجديد المشكل من الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، حيث تواجهه بشكل من التحالف يتكون من الصين وتركيا وإيران وماليزيا وبمحاولة كسب حياد إيجابي من روسيا.

تتكون التشكيلة الجغرافية السياسية الحالية إذا من سلسلة من الإجراءات وردود الأفعال فيما يشبه لعبة ذات مجموع صفري، حيث إن أغلب الفاعلين، باستثناء الولايات المتحدة والصين، هم حريصون بلا شك على عدم وضع كل بيضهم في سلة واحدة. فعندما تقترب الهند بصفة مكشوفة من الولايات المتحدة، تحذو روسيا خطوة تجاه باكستان. وعندما يبدو حليفا باكستان القدامى (أي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة) واقفين إلى جانب الهند، تقترب إسلام آباد من خصوم هذه الأنظمة الملكية في شبه الجزيرة العربية.

بالأساس، لا يوجد تقلب مفاجئ بل هناك تغير نسبي في موازين تبقى متحركة، حيث إن العداء أو الريبة لا يمنع درجة معينة من التعاون بما في ذلك حتى بين الهند والصين. ولكن في نهاية المطاف هناك إعادة ترتيب للقوى وفق نموذج جديد، وهوما نشهده حاليا في جنوب آسيا.

تحميل الكتاب

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى