كتاب: سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي. تأليف محمد نجيب بوطالب

يسعى هذا الكتاب لتتبع مفهوم القبيلة واستعمالاته، ولرصد أهم الآليات التي تحكمت على مدى التاريخ الحديث والمعاصر في البناء الاجتماعي القبلي في المغرب العربي، وللكشف عن أهم التمفصلات التي حكمت علاقة الدولة بالمجتمع في خضم التحولات الاجتماعية في منطقة تميزت بعمق وثراء القراءة الخلدونية للتاريخ الاجتماعي.

تحميل الكتاب

يرى محمد نجيب بوطالب في كتابه «سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي» أن المجتمع يحمل في داخل أنساقه أسباب انتظامه وأسباب عدم انتظامه بما يعلنه عادة من تبدلات.
ويعتبر أن دراسة صيرورة تبدل البناء الاجتماعي القبلي في الشكل وفي المضمون في المغرب العربي ليست مجرد دراسة جهوية، بل إنها تنطلق من رؤية شمولية اعتمدت عمليات المقارنة والكشف عن التفاعلات وإماطة اللثام عن الجدليات في علاقة وطنية بين الجزء والكل، وبين الفرع والأصل. ويجهد المؤلف في التعمق في مظاهر تواصل المعطى القبلي والظاهرة القبلية في الممارسات اليومية، ليؤكد أن الأرض والسياسة والقرابة لا تنفك حتى الآن، وفي فترات متقطعة، تستنهض المعطى القبلي. حيث كثيراً ما تطبع علاقات الفاعلين واستراتيجياتهم اليومية بطابع يستمد جذوره من الإرث القبلي للمجموعات المحلية على الرغم مما يلاحظه الباحث من عمليات تخفي تلك المحركات والنوازع في أثواب قد تبدو جديدة.
ويرى محمد نجيب بوطالب أن القبائل المخزنية وجدت في سائر أنحاء المغرب العربي، حيث أطلق عليها في المغرب الأقصى اسم قبائل «القيش»، وتتمثل بالخصوص في الأوادية والشرافة.
وفي الجزائر تمثلها الدواير والزمايل. أما في تونس فقد لعبت قبيلة دريد الدور الريادي في العلاقة التوظيفية مع الدولة، مثلما لعبت مجموعتا المحاميد وأولاد نوار نفسه في ليبيا.
وغالباً ما تضع هذه القبائل على ذمة الدولة مجموعة من فرسانها مقابل بعض الامتيازات، حيث تمثل مجموعات عسكرية ثانوية تساعد الجيش النظامي «المحلة» خلال الجولات الخاصة بجمع الضرائب في فترة الانتفاضات.
وإذا كان هؤلاء لا يلعبون دوراً أساسياً في أثناء نشوب الحروب بين الجيوش النظامية، فإنهم يلعبون الدور الأهم فيما يتعلق بالعمليات العسكرية الداخلية ضد مجموعات قبلية يجاورونها أو يتحدرون منها.
غير أن مفهوم القبائل المخزنية يثير إشكالاً منهجياً وتطبيقياً، فهل أن جميع رجال القبيلة الموصوفة بالمخزنية اندمجوا فعلياً في خدمة الدولة، أم أن الأمر يتعلق ببعض الأسر وبعض الأعيان فقط؟
وهل أن هذا الدور كان يتحقق في مختلف المراحل؟ أم أن الخدمة المقدمة للدولة كانت تقتصر على بعض الفترات؟ وما هو المقابل الذي يتحصل عليه أفراد القبيلة المخزنية؟ وهل كانت عملية التوظيف تستوجب بالفعل تقديم خدمات يتمتع بها الأفراد والجماعات المستخدمون؟
وهنا يعتبر المؤلف أن الأمر لا يزال بحاجة إلى مزيد من التعمق. وفي المقابل فقد قامت بعض المجموعات والأفراد من القبائل المعارضة للقبائل المخزنية بدور مخزني معروف، مثل بعض المجموعات من ورغمة ومن الهمامة والمثالثيث وجلاص في تونس.
ويطلق اسم القبائل الريعية على القبائل الخاضعة لهيمنة الدولة، والتي توجد في وضعية متوسطة بين المجموعات المخزنية والمجموعات المستقلة.
وعادة ما تستقر في السهول والمنخفضات، وتتكون من منتجي الحبوب في المناطق المجاورة لمراكز السلطة. لكن عملية الجباية المرتبطة بالموقع والحالة الاقتصادية والأمنية كانت تفرض درجات مختلفة من الخضوع أو التحالف مع السلطة المركزية.
فقد خضعت علاقة الدولة بالقبائل الريعية إلى ظروف مختلفة، لذلك كانت المحلة في تونس والحركة المحلة في تونس والحركة في المغرب تقومان بجمع الضرائب من هذا الصنف من القبائل دون حاجة دائمة لاستعمال العنف.
ويميز المؤلف بين عدة متغيرات خلال تناول موضوع المخزنة، معتبراً أنه ليس كل خضوع يعني أن المجموعة أصبحت مخزنية، لأن المخزنة حالة غير طارئة وهي تعتمد على القوة.
أما اصطلاح «قبيلة مخزنية» فهو لا ينطبق على قبائل ورغمة. وتوجد مجموعات مستقرة من الجبالية كانت تدفع ضريبة المجبى بشكل شبه دائم تحت ضعط قوى الدولة وممثليها.
وهم هنا بصدد دفع ضريبة مزدوجة، الأولى للدولة والثانية للمجموعات المحلية الحامية. وتمتلك المنطقة تقاليد عريقة في التمرد على ممثلي الدولة المركزية بسبب موقعها الجغرافي وتركيبة قبائلها. قبيلة ورغمة كما يقول عبد الرحمن تشايجي «لا تعرف الاستقرار.. وكانت لا تعيش في الغالب إلا من اللصوصية والنهب».
وأخيراً، فإن عمليتي الخضوع والتمرد كانتا تعبران عن واقع متغير فرضته الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فالسكان المستقرون، سواء في الساحل (جربة ـ جرجيس) أو في الداخل (الجبالية)، اتخذوا قرار «تقبل» السلطة الاستعمارية، ليس لأسباب نفسية أو أخلاقية بقدر ما كان ذلك لأسباب فرضتها طبعة الموقع ونمط العيش المستقر.
أما قبل الاحتلال الفرنسي فقد كانت هذه المجموعات المستقرة في أقصى الجنوب التونسي تتعرض لهجمات المحلة التي أخضعتها وفرضت عليها دفع الجباية، مثلما كانت قبيلة عكارة بجرجيس عرضة لهجمات القبائل الليبية (التدنوايل بالخصوص) وهجمات بني زيد من الشمال.