المكتبة الأمنيةدراسات أمنية

كتاب قرن من الحرب: سياسة النفط البريطانية ـ الأمريكية والنظام العالمي الجديد

بحسب وصف المؤلف، يستهدِف هذا الكتاب إلقاء الضوء على مجالات غير مطروقة من تاريخنا، وهو يمثل جهداً لتشجيع المواطنين العاديين على أن يفكروا ملياً في ما تقوم به حكوماتنا بالتفويض الذي حصلت عليه منهم. ويرى المؤلف أن الأجندة الأمريكية في العراق كانت من أجل النفط، ولكن ليس بالتبسيط الذي يفهمه العامة. فلم تكن حرب عام 2003 مجرد مسألة جشع، بل مسألة قوة جيو-سياسية أولاً وأخيراً. ويستهدِف هذا الكتاب تقديم تحليل لسياسات القوة التي ترتكز على سياسات النفط. فلقد كان القرن الأخير قرناً أمريكياً اعتمد على ركيزتين: أولاً، أدوار لا خلاف عليها للعسكرية الأمريكية. وثانياً، الدولار بصفته عملةً للاحتياطي العالمي. وقد تضافرت القوة العسكرية وقوة الدولار مع سلعة واحدة هي النفط. فكما قال كيسنجر مشيراً إلى أهمية النفط: (تحكَّمْ في الطاقة تتحكَّمْ في الأمم).

من ناحية أخرى، فقد ارتكزت السيطرة الجيو-سياسية البريطانية على ثلاث ركائز، هي: أولاً، التحكم في البحار، وثانياً، السيطرة على البنوك العالمية، وثالثاً، السيطرة على المواد الخام العالمية. وفي بداية الربع الأخير من القرن التاسع عشر اعتمدت بريطانيا على آلية معقدة لاستمرار احتفاظها بدور عالمي لها، وذلك من خلال ما سُمي (الإمبراطورية غير الرسمية). ففكرة وجود علاقات اقتصادية خاصة مع (الدول الخاضعة)، ومفهوم (نطاق التأثير)، ومفهوم (دبلوماسية توازن القوة)، كلها انبثقت من النسيج المعقد للإمبراطورية البريطانية غير الرسمية حتى نهاية القرن الماضي. ففي بدايات سبعينات القرن التاسع عشر، بدأ كساد اقتصادي في بريطانيا إثر أزمة مالية، وجاء ذلك الكساد العظيم في عام 1873، وبحلول تسعينات القرن التاسع عشر، انتهت فترة القيادة البريطانية السهلة للعالم الصناعي، وأسس كل ذلك لسياسة النفط في عام 1882.

وفي سبتمبر 1882، رأى اللورد البريطاني أدميرال فيشر أنه يتعين على بريطانيا أن تستبدل بأسطولها البحري الذي يعتمد على محركات الفحم آخرَ يعتمد على محركات الديزل التي تنفث دخاناً أقل مقابلةً بسابقتها، كما أنها أقل استخداماً للعنصر البشري والوقت في عملية تموين السفن الحربية، إلى جانب أنها تزن ثلث مثيلاتها التي تُدار بالفحم من حيث الوزن، وربعها من حيث أطنان الوقود. وفي عام 1911، خلف فيشر نظيرُه تشرشل الذي بدأ حملة من أجل بناء أسطول يعتمد على محركات الديزل. وكان الوجود البريطاني في الخليج العربي مهماً للمصالح الوطنية البريطانية، كما أن معظم أسهم شركة بريطانيا الفارسية للنفط (بريتش بتروليوم حالياً) كانت مملوكة لبريطانيا، وأصبح النفط يمثل جوهر المصالح الاستراتيجية البريطانية.

 وخلال الحرب العالمية الأولى، أدرك الجميع أن النفط هو مفتاح نجاح إحداث ثورة في الاستراتيجيات العسكرية. وفي زمن الحرب، أصبحت معدات التموين ومعدات النقل الحربية والإمدادات الوفيرة من الوقود الجديد تكتسب أهمية أكبر على نحو متسارع.

وفي ظل حكم الشريف حسين بن علي أمير مكة وحامي البقاع المقدسة في مكة والمدينة، حصلت بريطانيا على دعم ثمين من القوات العربية، وذلك بعد وعد بريطاني بالحصول على سيادة واستقلال كاملين بعد هزيمة الأتراك، مكافأةً على التعاون العربي. ويجادل المؤلف بأن بريطانيا سرعان ما نقضت عهدها بعد ذلك بغرض تأمين مصادر النفط ومصادر الثروة التي تزخر بها المنطقة، والتي تحتاج إليها بريطانيا، وكذا لتحقيق التفوق البحري البريطاني على فرنسا في منطقة الشرق الأوسط. وبحلول عام 1920، كانت بريطانيا قد استطاعت إحكام سيطرتها على إفريقيا الجنوبية، بما فيها المناطق الغربية التي كانت خاضعة لألمانيا، إلى جانب المناطق الغنية بالنفط المكتشفة حديثاً في أراضي الإمبراطورية العثمانية السابقة من خلال الحضور العسكري أو الوعود المتناقضة، وتأسيس الانتداب البريطاني على فلسطين لمنحها لليهود بوصفها أرض الميعاد.

وبحلول بدايات عام 1920 أيضاً، تحكمت بريطانيا في ترسانة من الشركات الخاصة التي كانت تخدم المصالح البريطانية في السيطرة على كل المناطق التي من المتوقع أن تتوافر بها الثروة النفطية، ومن ثَمَّ التحكم فيها. وعلى الرغم من أن بريطانيا لم تتحكم إلاّ في ما نسبته 12 في المائة من مناطق إنتاج النفط بحلول عام 1912، فإنها سيطرت على معظم مناطق العالم التي يوجد فيها مخزون نفطي بحلول عام 1925.

وعلى الرغم من ذلك، وبعد الحرب العالمية الثانية، فإن بريطانيا كانت معتمدة على الولايات المتحدة تماماً، إذ كانت للأخيرة اليد الطولى في السياسة العالمية. وأوجدت اتفاقية (بريتون وودز) نظام استبدال الذهب، حيث تم ربط عملات الدول الأعضاء في الاتفاقية بالدولار الأمريكي الذي شهد طفرة من عملة متواضعة إلى العملة الأقوى في العالم مدعوماً بالاقتصاد الأقوى فيه على نحو لا يقبل الجدل. وفي عام 1947، تبنت الولايات المتحدة خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا. واستخدمت الدول المتلقية ما نسبته 10 في المائة من قيمة خطة المساعدات لشراء النفط الذي كانت الشركات الأمريكية هي التي تتولى توفيره. وبحلول عام 1947، كانت خمس شركات أمريكية تتولى توفير 50 في المائة من حاجات غربي أوروبا من النفط، وأصبح النفط من أهم سلع تموين الاقتصاد.

ويرى المؤلف أنه بحلول عام 1971، كانت السياسة الأمريكية الرئيسية تتوخى التحكم في الاقتصادات العالمية وليس تطويرها. وقد أعلن الرئيس نيكسون إيقاف تحويل الدولار إلى ذهب رسمياً، واضعاً العالم في نظام الدولار من دون غطاء من الذهب. ولم يَعُدْ ممكناً لمستعملي الدولار الأمريكي استبداله بالذهب. ومن أجل تحويل ميزان القوة لخدمة المصالح البريطانية والأمريكية والدولار، تم إطلاق هجمة كبيرة ضد النمو الصناعي في العالم، وتم تنفيذ حظر نفطي عالمي لدفع الأسعار إلى الارتفاع، وهو ما أدى إلى ارتفاع دراماتيكي في الطلب على الدولار الأمريكي، العملة المستخدمة في شراء النفط.

وبحلول أكتوبر 1973، قامت منظمة (أوبك) برفع أسعار النفط بنسبة 70 في المائة، وأدت الزيادة في الأسعار إلى منافع كبيرة لبنوك لندن ونيويورك وشركات النفط متعددة الجنسيات الأمريكية والبريطانية.

 وفي يونيو 1978، خطت الكتلة الاقتصادية الأوروبية نحو المرحلة الأولى لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة. وفي عام 1979، أصبح النظام النقدي الأوروبي في حيز التشغيل والعملات الأوروبية مستقرة، وهو ما سبب مخاوف لدى بعض الدوائر في لندن وواشنطن على أساس أنه من المحتمل أن يهدِّد ذلك السيطرة الراهنة لنظام (البترودولار). وعلى عكس لندن وواشنطن، وافقت ألمانيا وفرنسا على شراء النفط مباشرة من دول (أوبك) عبر إيداع المصارف الأوروبية، ومن ثم النظام النقدي الأوروبي، فوائضهما المالية.

 وبحسب تحليل المؤلف، فإنه بعد سقوط الشاه وظهور الثورة الخمينية في عام 1979، تخلت إيران عن خطط تطوير الطاقة النووية التي تم الترتيب لها خلال عهد الشاه، وألغت الثورة البرنامج الكامل لبناء مفاعلات نووية فرنسية وألمانية، كما تم خفض صادرات النفط الإيرانية نحو 3 ملايين برميل يومياً، وهو ما أدى إلى شكوى سعودية. وعلى الرغم من ذلك، فإن تكريس أزمة الطاقة انتهى بنهاية عام 1979.

وفي عام 1985، تم توظيف النفط لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي؛ فقد تم إقناع المملكة العربية السعودية بتدبير (صدمة نفطية) معاكسة لتغمر سوق النفط العالمية التي تعاني الكساد بنفطها الغزير. وكان من المخطط أن يعمل ذلك على موازنة التضخم، غير أن الحيلة لم تنجح، فكل من بريطانيا وأمريكا عانت أزمةً ماليةً في بداية التسعينات. وقام صدام حسين بغزو الكويت بعد قليل من انتهاء الحرب مع إيران، وتلت ذلك عملية (عاصفة الصحراء)؛ وعلاوة على ذلك، فقد شهدت فترة التسعينات تحطم آمال السلام والرخاء.

وفي عام 2001، وصل الرئيس جورج بوش إلى السلطة محاطاً في إدارته بمجموعة من العاملين في صناعة النفط. ويجادل المؤلف بأن النفط والجغرافيا السياسية عادا ليحتلا مكانة رئيسية في اهتمام واشنطن. وأصبح العراق محطّ أنظار الإدارة الجديدة التي استهدفت إزاحةَ صدام حسين. وكان من المقترح أن يتم وضع السياسة الأمريكية لمصلحة تحقيق تحكم عسكري في الخليج العربي، ومثّلت الحملتان ضد أفغانستان والعراق الخطوتين الأولَييْن نحو تحقيق هذه السياسة.

ويتساءل المؤلف عما إذا كانت هذه هي الأيام الأخيرة للنفط؟ ربما تكون الإجابة (سلبية) على أساس أن المصادر المحتملة الجديدة للطاقة معروف أنها توجد في ليبيا والسودان وكولومبيا وفنـزويلا، إضافة إلى العراق.

أخيراً نقول إن هذا الكتاب غزير بالمعلومات، غير أنه مكتوب بلغة صحفية. وما يدعم التحليل الذي يقدمه المؤلف ما هو واضح من ارتباط بين ما حدث في سياسة العالم منذ عام 1815 حتى الآن من ناحية، وبين السعي البريطاني ـ الأمريكي للسيطرة على النفط من ناحية أخرى. وربما يكون التفسير الأحادي الجانب غير كاف، وربما يقدم التركيز على سياسة النفط بعض الفهم للسياسة العالمية، غير أن الفهم الكامل للسياسة الحقيقية ربما يتطلب إدخال متغيرات أخرى في المعادلة.

تحميل الكتاب

4.9/5 - (51 صوت)

SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى