هل ستقوم الدولة الكردية في شمال العراق؟ هل الاستفتاء خطوة تكتيكية لتحسين ظروف التفاوض اللاحق بين بغداد وأربيل؟ هل الرفض العراقي والتركي والإيراني والسوري هو موقف جدي متناسق لخنق المشروع الكردستاني؟ هل الاقتصاد الكردستاني قادر على البقاء على قيد الحياة في ظل الموقف الاقليمي؟ وهل الموقف الأمريكي والروسي والأوروبي متسق مع الرفض الاقليمي للمشروع الكردي؟ وهل موقف الامم المتحدة بوحدة العراق تعبير عن استشعار المنظمة الدولية لمواقف القوى الكبرى؟ هل الحرب الاهلية بين الاكراد أنفسهم(بخاصة الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني) يمكن ان تتكرر كما حدث خلال منتصف التسعينات من القرن الماضي وأدى لمقتل حوالي ثلاثة آلاف كردي ؟
إن التجربة التاريخية الكردية لمحاولة انشاء كيان سياسي في اقليم تتجذر فيه مشاعر لقوميات ثلاث مشبعة بزهو تاريخي يستبطن وجدانها (الطورانية والعربية والفارسية) لا تقود لاستنتاج بجدوى تكرار المحاولة، ووجود أوجلان خلف القضبان في تركيا ، وقبله خنق دولة مهاباد في اربعينات القرن الماضي قبل ان تكمل عامها الأول (ناهيك عن فشل مملكة كردستان في العشرينات من القرن الماضي وكردستان السوفييتية وجمهورية ارارات )تأكيدات على ان هذه القوميات الثلاث لا تحتمل مزاحمة من قومية شرعيه لكنها تفتقر لأصالة الكيانية السياسية التاريخية على حدودهن.
في دراسة سابقة لي لمئات الأقليات ونزعاتها الانفصالية ، تبين لي (اعتمادا على قاعدة معلومات Minorities at risk) ان الموقع الجغرافي للأقلية مسؤول عن ما يقرب من 80% من حالات نجاح النزعة الانفصالية، ومعظم الحركات الانفصالية التي فشلت هي التي تقع في وسط الدولة أو تقع ” حبيسة” بين دول تعادي هذا النزوع، وهو ما ينطبق تماما على كردستان العراق..
إن عوامل نجاح النزعة الانفصالية بعد العامل الجغرافي هو وجود مورد اقتصادي في منطقة الاقلية(وهو متوفر لكردستان ممثلا في النفط ) لكن الموقع الجغرافي للاقليم يجعل من توظيف هذا المتغير رهين ارادة الجوار الجغرافي،وهو ما يعزز الفشل للنموذج الكردستاني.
اما وجود سند اقليمي او دولي لنزعة الانفصال كشرط آخر ، فهو لا يتوفر حتى الآن لكردستان، وبخاصة ان المنطقة لا تحتمل حالة تجدد لصراع تقف في وسطه دول عظمى..
عاملان آخران يعززان النزعةالانفصالية للاكراد هما عدم تشتتهم أولا (فهم يتجمعون في منطقة واحدة في اغلبهم مما يجعل حسهم الجمعي بقوميتهم حيا،) والثاني هو سلوك الاغلبية تجاههم في الدول التي يعيشون فيها ، واعتقد ان “سوء” سلوك الحكومات معهم عزز مشاعرهم (رغم ان العراق يمثل حالة متقدمة بعد عام 2003 مقارنة ببقية دول الاقليم في التعامل مع الاكراد)
ذلك يعني ان برزاني ( وهو في تقديري رجل لديه خبرة واسعة في العمل السياسي الداخلي،لكنه ضحل للغاية في وعيه بملابسات العلاقات الدولية) أقدم على خطوة تذكرني(رغم الفارق في بعض التفاصيل بين التجربتين) بخطوة مويس تشومبي الذي انفصل عن الكونغو معلنا ان مقاطعة كاتنغا دولة مستقلة مطالبا المساندة البلجيكية بحكم الروابط التاريخية مع الكونغو لكنه انتهى في سجون الجزائر.
إن ما يجري في كردستان العراق هو صراع بين ” حق كردي مشروع” لم يتجسد في التاريخ بشكل قار، وبين الوحدة العضوية الاقليمية لدول تاريخية (سوريا والعراق وايران وتركيا) ، ومن الواضح ان التاريخ الاقليمي وبمساندة الجغرافيا ببعديها السياسي والاستراتيجي سيضعا نجاح المغامرة الكردستانية موضع شك كبير للغاية، والفارق كبير للغاية بين نموذج جنوب السودان –كآخر حالة انفصال في الجسد العربي- وبين كردستان.

وليد عبد الحي

 

Print Friendly, PDF & Email