تتجه الجزائر إلى خيار توسيع دائرة الاستكشاف والبحث عن المحروقات في مجال عرض البحر المتوسط والجرف القاري كأحد الخيارات الإستراتيجية التي تبقى أقل كلفة من الاستكشاف في المحروقات غير التقليدية من نفط وغاز صخري جنوبا. وقد سبق للجزائر أن قامت بخطوات أولية بعمليات مسح زلزالي في بعض المناطق وتحديد النطاق الخاص بالمكامن المحتملة، خاصة في ظل التقديرات التي بينت عن غنى المنطقة الشرقية للمتوسط بالمحروقات.

وتشير تقديرات وزارة الطاقة والمناجم إلى أن “الأحواض البحرية، التي تمتد من الشرق إلى الغرب بطول 1200 كم وتغطي مساحة تقارب 95000 كم 2. تنقسم هذه المنطقة إلى أربع كتل استكشافية كبيرة (أرقام 143 و144 أ و144 ب و145)، وهي تتوافق مع أحواض البوران في الغرب وأحواض ألجيرو بروفنسال في جزئها الأوسط والشرقي. كما توجد صخور المخزن “الصخرة الأم” في العصر الميوسيني أو فترة، وهي فترة جيولوجية من المقياس الزمني الجيولوجي تمتد من 23.03 مليون إلى 5.332 مليون سنة مضت والبليوسيني السفلي.

ووفقا لأولى عمليات المسح الزلزالي ومن خلال تحديد جميع عناصر أنظمة البترول ذات درجة الشكوك المتغيرة، أظهرت عمليات محاكاة تشغيل هذه الأخيرة بواسطة نمذجة الحوض ثنائية الأبعاد وثلاثية الأبعاد إمكانيات تراكم النفط والغاز بشكل أساسي بالقرب من الهامش، بين 20 و65 كم من الساحل مع وجود أقصى مدى 70 كم في خليج بجاية. كما تم تحديد نظريا قدرات على محور بجاية عنابة.

وأشار خبراء في مجال الاستكشاف إلى أن منطقة الأوفشور الجزائرية واسعة النطاق جغرافيا، لكنها تظل قليلة الاستكشاف، حيث لم يتم مثلا عملية حفر في العمق في المنطقة سوى في منطقة تعرف ببحر البحران ويُنطق بحر البوران‏، وهو بحر كان يسمى قديما بحر غرناطة، وهو الجزء الأقصى غرباً من البحر المتوسط، ويقع بين إسبانيا في الشمال والمغرب والجزائر في الجنوب، كما تمت عمليات حفر قليلة العمق أي أقل من 1000 متر على بعد سواحل أرزيو والعاصمة وعنابة.

وسبق لمجمع سوناطراك أن أعلن في 9 مارس 2019 عن مباشرة عمليات استكشاف في عرض البحر “أوفشور” خلال السداسي الثاني من 2019، قبالة الساحل الشرقي بين بجاية وسكيكدة على هامش الطبعة 12 من المنتدى الجزائري الأمريكي حول الطاقة الذي انعقد في هيوستن،موازاة مع الإعلان عن انتهاء حيازة كافة المعطيات الزلزالية ذات البعدين الثاني والثالث مع نهاية السداسي الأول، وقدر حجم المشترك للبئر الأول بترليونات متر مكعب من الغاز الحيوي، مع تقدير احتواء الساحل الغربي أيضا لمكامن النفط،بتقديرات بملايين البراميل.

وحددت الدراسات الأولية استنادا لتحليل المعطيات الزلزالية بالبعد الثاني للساحل الشرقي بالخصوص وجود تماثل بين الاحتياطيات التقديرية والحقل الغازي الضخم الذي اكتشف من قبل مصر بالشراكة مع إيني، وهو حقل “الزهر” الذي يصل إلى نحو30 تريليون متر مكعب من الغاز.

وكانت عمليات الاستكشاف شرقا وغربا تتم بالشراكة مع المجموعتين الفرنسية توتال والايطالية إيني مع التوقيع في أكتوبر 2018 لأولى اتفاقيات الاستكشاف، والاتفاق على تقاسم المخاطر،وتم تحديد السفينة المستكشفة التي تقوم آنذاك بعمليات الاستكشاف بسواحل بجاية وسكيكدة قادمة من مالطا.

وسجلت تطورات لاحقا، خاصة مع الإعلان في فيفري 2021 عن تخلي توتال الفرنسية عن عقد الاستكشاف في الساحل الغربي، بينما ظل عقد إيني قائما بالنسبة للساحل الشرقي. وكانت بنود الاتفاق بالنسبة للساحل الشرقي ينص على استكشاف على نطاق الحوض الشرقي الجزائري على امتداد مساحة 15 ألف متر مربع، وبالنسبة للجهة الغربية 10 آلاف متر مربع.

>> ويعود في هذا الحوار، وزير الطاقة السابق، عبد المجيد عطار لمختلف جوانب هذا الملف:

“المردودية الاقتصادية يحددها حجم المخزون المكتشف”

وقّع مجمع سوناطراك اتفاقيتين للتنقيب عن المحروقات في عمق البحر، غير أنّ نتائج دراسات المسح الزلزالي لم تكشف إلى غاية الآن، ما رأيكم في ذلك؟

في حقيقة الأمر، هاتان الاتفاقيتان تعتبران عقودا للاستكشاف ترجع إلى عدة سنوات، وأعتقد على حد علمي بأن شركة توتال إينرجي انسحبت منها، وبالتالي لم تبق سوى الشركة الإيطالية “إيني” التي اهتمت بالاستكشاف عبر المسح الزلزالي على مستوى المنطقة الشرقية لأعماق الساحل الجزائري، وهي النتائج التي لا يمكن أن تنشر إلا في الحدود الداخلية للعلاقات بين شركتي “إيني” و”سوناطراك”، فيما يهدف هذا النوع من النتائج بالمقام الأول إلى تقييم إمكانية انجاز آبار لاستخراج المحروقات في أعماق المياه الإقليمية الوطنية من دون أي مشاكل تذكر.

وأعتقد أنّ الانطلاق في المرحلة العملية الآن ممكن من الناحية التقنية، رغم شروط أخرى لابد من أخذها بعين الاعتبار، فيما يتعلق بالمجال التعاقدي (نوع عقود الشراكة في قانون المحروقات الجديد)، ومن الناحية المالية أيضا، كون انجاز بئر واحد لاستخراج المحروقات في عمق البحر يكلف ما قيمته حقلا كاملا على الأرض، وهو ما يتراوح ما بين 50 إلى 100 مليون دولار على حسب عمق البئر.

كم تقدرون الإمكانيات الوطنية من المحروقات في عمق البحر؟

حاليا لا يمكننا التخمين بشكل دقيق بالقدرات الحقيقية للجزائر في هذا المجال لسببين؛ أولهما حالة عدم المعرفة الحقيقية لتواجد المحروقات في أعماق المياه الإقليمية الوطنية، إذ أنّها لم تخضع إلاّ لدراسات مسح زلزالي في جزء منها مؤخرا، لأنّ البئرين القادمين يختلفان عن البئر الذي اكتشفته شركة “إيني” مؤخرا في الجهة الشرقية للمتوسط بالقرب من السواحل المصرية، الذي ينتج منذ 2017 ما يعادل 850 مليار متر مكعب، إلاّ أن هذه التجربة تجعل شركة “إيني” الإيطالية تكتسب الخبرة الكافية وتتحكم في هذا النوع من الآبار ذات الطبيعة المختلفة عن الحقول الكلاسيكية على الأرض، ومع ذلك لا بد من التوضيح بأنّ بعض الخبراء في مجال الجيولوجي في الجزائر ومنطقة المتوسط متشائمون بإمكانية وجود مخزون كبير من المحروقات بأعماق الجهة الغربية من البحر المتوسط.

يرى خبراء أن تكاليف الاستغلال والإنتاج في هذا النوع من الحقول مرتفعة جدا، هل يؤثر ذلك سلبا على المردودية الاقتصادية للاستثمار؟

تكاليف استغلال آبار المحروقات في عمق البحر مرتفعة للغاية بالمقارنة مع تكاليف النشاطات نفسها في الحقول العادية، لكن هذا الأمر يرتبط بكمية المخزون المراد استكشافه؛ فإذا كان هذا الأخير “المخزون” هاما وكبيرا، يصبح الحقل ذا مردودية من الناحية الاقتصادية، حيث أنّ العديد من الشركات تقوم بإنجاز حقول من هذا النوع تمتد لأعماق مختلفة، وفي ظروف مناخية أعقد من تلك التي تميز البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي فإنّ القرار الأخير بالتوجه لهذا الاستثمار بيد الخبراء والتقنيين وفقا لما تتوج به الدراسات المعمقة والموسعة، لتقييم إمكانية اكتشاف المحروقات في عمق البحر وحجم المخزون المحتمل، وهو ما يسمى لدى المختصين بـ”المخاطر التقنية”، قبل المضي في المرحلة اللاحقة التي تسمى بـ”المخاطر المالية”، وهو ما أعتقد أن شركتي إيني وسوناطراك متحكمتان فيه بفضل خبرتهما في المجال.