محمد عبدالرحمن عريف

     هو من رجال حركة يوليو المصرية، الذين كانت لهم أدوار مؤثرة فى نجاحها، هؤلاء الرجال لم يحركهم طمع أو نهم السلطة أو المال، وظلوا على رجولتهم ووطنيتهم حتى النهاية، وانتهى الأمر بمعظمهم في دائرة (المغضوب عليهم)، أو دائرة النسيان. وشارك واتفق واختلف كمال الدين حسين مع حركة يوليو في كل مراحلها، وتقلد مناصب عديدة، بلغ مجموعها تسعة مناصب، ورغم ذلك خرج من الحكم قبل أن يبلغ الـــ(42 عامًا).

    من أهم النقاط التي تم توضحها في مذكرات كمال الدين حسين دوره في حركة يوليو ونشاطه بعدها، يقول كمال الدين حسين “كنت مسؤولًا عن ضباط المدفعية في منطقة ألماظة، ووزعنا القوات للسيطرة على مدخل ألماظة، وتمركزت القوات بعد الكيلو 4.5 لمواجهة احتمال تدخل القوات البريطانية، رغم أنني كنت وقتها مدرساً في كلية أركان الحرب، سيطرنا على المنطقة، ثم تحركت بعض الوحدات إلى الأماكن المحددة وفق الخطة”. ويتابع “توجهت بعد ذلك إلى القيادة العامة في كوبرى القبة، عقب احتلالها بواسطة كتيبة مدافع الماكينة بقيادة البكباشى يوسف صديق وأذكر من الضباط الذين اشتركوا وقادوا العمليات في منطقة ألماظة اليوزباشية محمد أبوالفضل الجيزاوى وأحمد كمال وخالد فوزي وعلي فوزي يونس. عندما قررنا القيام بالثورة وبدأنا نخطط لها لم يكن يجول بخاطر واحد منا التصدى للحكم، وكنا نستهدف تصحيح الأوضاع والقضاء على الفساد المستشري حتى بدأ يشمل قيادات الجيش، وعندما خططنا للثورة كان لابد من اختيار زعيم لها، قائد يعرفه الناس، فنحن جميعًا أعضاء تنظيم الضباط الأحرار مازلنا شبابا غير معروفين، وبحثنا عمن يكون قائدًا للثورة لنقدمه إلى الناس ليقتنعوا به. ورشح عبدالحكيم عامر، اللواء محمد نجيب، وكان يمتاز بالشجاعة والوطنية وما له من تاريخ في العسكرية، خاصة دوره البطولي في حرب فلسطين”.

دوره كقائد للمقاومة الشعبية

    يوضح كمال الدين حسين أنه بعد تأميم قناة السويس مباشرة، كان لابد أن تحسب احتمال قيام إسرائيل والدول العظمى بعمليات ضدنا، وصار لزاما أن نستأنف نشاط الحرس الوطني، واقترح جمال عبدالناصر أن نسميه جيش التحرير، وأن أتولى قيادته، ولم أكن أعلم أن عبدالحكيم عامر كان يقترح أن يتولى قيادته عبدالفتاح فؤاد، وكانت نظرة جمال عبدالناصر أن أتولى قيادته، لأن هذا التعيين يوحي بالاهتمام الزائد بالموضوع، إذ يتولاه أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة ووزير التربية والتعليم. وباعتبار تاريخي في الحرب والثورة وإعداد الحرس الوطني والعمليات الفدائية في القناة، والنقطة الثانية التي استهدفتها من ذلك أن موضوع الحرس الوطني أصبح موضوعًا تغلب عليه الروتينية، وكان من اللازم أن تنبعث حركة عسكرية جديدة لمواجهة الطارئ الجديد.

     بعد ذلك عرض عليّ عبدالناصر الذهاب إلى منطقة القناة لتفقد الحالة والوجود مع القوات، حتى تعلم أن القيادة معها، وعرض الأمر على عبدالحكيم عامر ولم يبد استعدادًا لذلك، فأبديت له منتهى الاستعداد، وذهبت بالفعل، وكانت القوات الشعبية (جيش التحرير) في أشد الحاجة إلى السلاح والذخيرة، فاتصلت بعبدالناصر لأبلغه، وعلمت أنه أعطى أوامر للجيش عن طريق القيادة العامة ولم يستجب أحد إلى هذه الطلبات باستثناء إحدى الكتائب. واتصل بي عبدالناصر وأخطرني بالتحرك إلى الإسماعيلية، وأن أتولى قيادة قوات الجيش الموجودة في منطقة القناة.

مواجهة كمال الدين حسين

    بعد الانتهاء من حركة يوليو يقول عضو مجلس قيادة الثورة “كانت هناك خلافات في وجهات النظر مع جمال عبدالناصر منذ الشهور الأولى لحركة الضباط الأحرار، وكانت تجري تصفيتها في حدود المناقشة الطبيعية. وبعد ذلك، اكتشفنا وجهًا جديدًا لصديق ورفيق المشوار الثوري الرئيس جمال عبدالناصر، فبدأ ينصرف عن الأصدقاء المخلصين لمجرد أن رأيهم يختلف عن رأيه، بالسماح للمنافقين بالاقتراب منه، حتى أصبحوا من أقرب المقربين فاستخدموا كل الوسائل ليتبنى خطاً متطرفاً باسم الاشتراكية.

    يروي كمال الدين حسين “كان البقاء مستحيلاً، لذا تقدمت باستقالتى لأن وجودي سيكون سبباً لإدانتي على كل ما يجري من أمور لا أوافق عليها، ولم يجُل بخاطري التحدث عنها علناً أو سراً خارج المجال الرسمي، لأن طبيعتي تأبى مهاجمة نظام مازلت جزءاً منه. وعقب 1956 بدأ الإعداد لصياغة الدستور الدائم، وانتخاب رئيس الجمهورية وعرض مشروع الدستور على مجلس قيادة الثورة لمناقشة مسودته، وأقره مجلس الأمة بعد اختلافه حول بنوده ما بين معارض وموافق عليها، رغم الآثار المترتبة بعد ذلك على الصلاحيات التي منحها الدستور لعبد الناصر باعتباره رئيسًا للجمهورية. وكانت هذه الموافقة نابعة من ثقتنا المطلقة في عبدالناصر، وأنه لن يستغل صلاحياته سوى لمصلحة الوطن ولإظهار روابطنا ووحدتنا أمام الشعب”. من جهة أخرى “كان في ذهننا أحداث عام 1954، وما ترتب عليها من أحداث وقوى الثورة المضادة وأحزاب منحلة وإخوان وشيوعيين إلخ، واستعدادهم لانتهاز الفرصة للانقضاض على الثورة بدعم القوى الخارجية التي وجدت في الثورة قوة عنيدة تسير عكس أغراضها.

تلويح عبد الناصر بتكليفه بقيادة الجيش

     من الطريف أن عبد الناصر في صراعه المبكر مع المشير عبد الحكيم عامر، وهو صراع بشري طبيعي ومتوقع، كان يُلوّح دائماً بورقة إسناد قيادة الجيش إلى كمال الدين حسين، لكنه في هذا التلويح كان من الذكاء بحيث لا يقول إن كمال الدين حسين سيحُل محل المشير عبد الحكيم عامر قائداً للقوات المسلحة لكنه كان يقول إنه سيُسند قيادة الجيش إلى كمال الدين حسين، وقيادة الطيران إلى عبد اللطيف البغدادي.

   لم يكن هذا الأمر مفاجئا ولا سراً فقد بدأت الإشارة إليه في مرحلة مبكرة بعد قيام الثورة حين كُلّف كمال الدين بقيادة الجيش الشعبي بالموازاة لتكليف المشير عبد الحكيم عامر بمنصب القائد العام للقوات المسلحة، وفيما يبدو أن كتالوج الانقلابات العسكرية كان يحض على ضرورة تكوين جيش استثنائي أو حرس ثوري بالإضافة أو بالموازاة مع الجيش الرسمي، لكن طبيعة المصريين التي نعرفها لم تكن تتطلب هذا الأمر ولا تتقبله على هذا النحو الجذري فلم يعرف عن الجيش الرسمي أي رغبة ولو ضعيفة في مقاومة الاتجاه السائد في مصر سواء كان هذا الاتجاه حصاداً لثورة أو لانقلاب عسكري أو لغير ذلك.

     من الجدير بالذكر أن هذه الفكرة أعادت طرحت نفسها بقوة في حرب 1956، ومع أن بداية هذه الحرب سرعان ما انتهت بأقصى سرعة بالانسحاب المصري التام من سيناء ومن مدن القناة فإن الحاجة المعنوية إلى الإيحاء بوجود مقاومة شعبية أو وجود قدرة جيش بديل كانت تتطلب مثل هذا الإعلان عن تكوين مثل هذا الجيش على وجه السرعة والثورية من قبل دراسة أو تخطيط ما يتطلبه هذا الجيش من تسليح، وذلك على الرغم مما هو معروف عن أن عبد الناصر كان قد احتاط للأمر وسحب كل السلاح من المواطنين بعد قيام ثورة 1956 في تصرف مناقض تماماً لما كانت وزارة الوفد أو حكومة النحاس باشا قد توسعت فيه من توزيع السلاح على المواطنين بالمواكبة مع اتساع المقاومة الشعبية للمحتل الإنجليزي ومعسكراته أو مستعمراته في منطقة قناة السويس.

    عن فكرة توليته قيادة الجيش تعاود الإطلال بعد الانفصال هذا هو ما يرويه البغدادي نفسه في حديثه لمجلة نصف الدنيا (1996) حيث يقول: “عندما حدث الانفصال قال عبد الحكيم عامر: شوفوا واحد غيري يمسك الجيش فأنا لا أستطيع مواجهة الضباط والجنود بعد ما حدث، وكنا قد فكرنا بعد حرب 1956 أن يترك عبد الحكيم الجيش ثم تراجع عبد الناصر عن هذه الفكرة، وبعد الانفصال واقتراح عبد الحكيم أن يترك الجيش، عرض عبد الناصر عليّ أن أشرف على سلاح الطيران ويتولى قيادة الجيش كمال الدين حسين” “وكان لعبد الحكيم ضباط في الجيش موالون له فقلنا لعبد الناصر: لابد أن نتخلص منهم أولًا ثم تتولى أنت منصب القائد العام وأتولى أنا الطيران وكمال حسين يتولى الجيش، ونقوم بعملية تطهير للجيش” “ولكنه رفض ولم ينفذ الفكرة”.

    فكما قال زكريا محيي الدين: “لو توليت أنت وكمال حسين هذين المنصبين فستصبحان أخطر على عبد الناصر من عامر الذي أولاه عبد الناصر قيادة الجيش لأنه صديقه الصدوق، رغم أنه لم يكن الشخص المناسب ولكنه اختاره ليؤمن له نظامه ويؤمنه هو شخصيا”.

رسالتاه إلى الرئيس والمشير وقرار الرئيس ورد المشير

    ذكرنا في استعراض حياة كمال الدين حسين أنه اعتزل الحياة السياسية (في مارس 1964) حيث قدم استقالته النهائية لعبد الناصر مع زميله عبد اللطيف البغدادي، وبدءا من إعادة تشكيل المناصب العليا في مارس 1964 غاب اسم كمال الدين حسين نهائيًا من مناصب نواب رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء… إلخ.

    اختفى اسم كمال الدين حسين من الأخبار نهائيًا، وتعارف الجمهور العربي على أنه كعادة المبعدين في عهد الرئيس عبد الناصر ذهب وراء الشمس، وفجأة تواترت الأخبار المؤكدة عن  صدور قرار الرئيس جمال عبد الناصر باعتقاله، وتحديد محل إقامته، وتردد أن السبب أنه أرسل للرئيس عبدالناصر رسالة يدور كل محتواها حول كلمة اتق الله التي كانت موضوعًا للرسالة، كانت هذه الرسالة في 12 أكتوبر 196 وقد شاع أنه استنكر فيها موجات القبض العنيف والعشوائي على الإخوان المسلمين، والتعذيب الشديد الذي تعرضوا له، كما أنه اعترض فيها على الفساد، وانتهاكات حقوق الإنسان.

     بعد تحديد إقامة كمال الدين حسين فإنه كتب رسالة شهيرة (نشرت تفصيلاتها فيما بعد سنوات) في ٢٥ أكتوبر 1965 إلى صديقه ورفيق سلاحه المشير عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة وهو يومها الرجل الثاني في البلاد، وقد رد عليه المشير عبد الحكيم عامر برسالة مطولة نشرها أنصار المشير فيما بعد. ويتوافق تاريخ رسالته للرئيس وتحدد إقامته وتبادل هاتين الرسالتين بينه وبين المشير عبد الحكيم عامر مع  وجود زميلهم زكريا محيي الدين على رأس الحكومة (بدأ رئاسته للوزارة في أكتوبر 1965)، وكانت هذه الموجة من اضطهاد عبد الناصر للإخوان واتهاماتهم بمثابة رد فعل عنيف من عبد الناصر تجاه ما أحس به (وكان ذكيًا ومحقا) من القلق والإحباط نتيجة ما صحب تشييع المواطنين لجنازة الزعيم مصطفى النحاس باشا من هتافات حماسية شقت عنان السماء طوال ذلك اليوم الصيفي الطويل معبرة عن المشاعر المكبوتة في أثناء غياب الرئيس نفسه.

      توافق هذا مع ضرورة خطب ود السوفيييت بتمكين الشيوعيين واضطهاد الإخوان المسلمين. رسالته إلى صديقه المشير لنقرأ رسالة كمال الدين حسين إلى صديقه المشير عبد الحكيم عامر “اليوم، أصبحت، يا عبد الحكيم، أعتقد أنه لا حياة لي في بلدي الذي بتّ أرى فيه جزاء كلمة (اتق الله) هو ما أنا فيه، (وما أهلي فيه)، عندما قلت لكم اتقوا الله، قصدت أن تتقوا الله في هذا الشعب الذي قمنا لخلاصه واسترداد حريته. ” قلت لكم اتقوا الله، بعد أن ألجمتم جميع الأفواه، إلا أفواه المنافقين والمتزلفين والطبالين والزمارين. قلت لكم اتقوا الله في الحرية التي قضيتم على كل ما كان باقيًا من آثارها، وكنا نأمل أن تتفتح لها براعم نامية، نطمئن حين نمضي من هذه الدنيا أننا قد أدينا أمانتنا، فنترك بعدنا هذه البراعم، وقد نضجت وأصبحت قوية قادرة على الصمود. “قلت لكم اتقوا الله، لأنكم أردتم استنعاج هذا الشعب، وأنا لم أكن أرضى بذلك، ولذلك، أصبحت، الآن، لا أطيق الحياة في هذا الجو الخانق. أنا آسف أن تتحول ثورة الحرية إلى ثورة إرهاب، لا يعلم فيها كل إنسان مصيره، لو قال كلمة حرة يرضي بها ضميره ووطنه، إنني لن أستعطف أحداً، ولن أخاف إلا الله، وأنا حين أكتب إليك الآن، لا أطلب شيئاً غير الرحيل عن هذه الأرض، التي يئست من أن تقال فيها كلمة حق، فضلا عن أن يقام فيها ميزان عدل. “يا عبد الحكيم، ألم أقل لك، في مارس الماضي، ما هي ضمانات الحرية، فقلت “نحن ضمانات الحرية”، وقلت لك إنني لا أثق في ذلك، وهذه الأيام تأتيني بالبرهان بأن للحرية ضمانات وأنتم الضمانات، كل شيء جائز. ألم أقل لك، يومئذ، إنه إذا لم يتنازل عن تألهه وفرديته [الضمير يعود على الرئيس جمال عبد الناصر]، فلا فائدة للعمل معه، فهل، يا ترى، الذي جرى لمواجهة كلمة اتق الله هو دليل لهذا التنازل؟ كلمة صريحة أقولها لك، يا عبد الحكيم، أنا أرثي لهذه الحال، ومع ذلك، أتمنى أن يهديكم الله، لا تغضب أنت الآخر يا عبد الحكيم، راجع نفسك ولا يغلبك الهوى والغرض، راجع ضميرك قبل ثورة 23 يوليو، وعلى مدى سنين من هذه الثورة، ثم انظر أين ينتهي بكم الطريق، طريق الحرية أقدس ما منح الله للإنسان. يجب أن تعلم يا عبد الحكيم رأي الناس فيكم وما يحسون نحوكم، لقد أصبحتم ويا للأسف في نظر الشعب جلاديه، نتيجة تدعو للرثاء وحصاد مر لثورة 23 التحريرية الكبرى، تتجرعه الملايين المستذلة بعد ما وضعت في تلك الثورة وقيادتها آمالها وأعطتها الكثير واستأمنتها على الكثير، على الحرية، ولكن أين الأمانة الآن، والله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، لقد بُددت الأمانة، لقد وئِدت الحرية، ونعيش هذه الأيام وكأننا في ليل لا يبدو له فجر. يا عبد الحكيم، لا تتصور أنني مبتئس بما جرى، ولكنني حقيقة أشعر بالأسف، وأقول “يا حسرة على الرجال. يا خسارة على الثورة، وأشعر بذنب واحد، هو أن ثقتي غير المحدودة فيكم مكنت الطغيان أن يسلب هذا الشعب حريته وكرامته وإنسانيته، ومهما كانت الشعارات الزائفة التي ترددت، والادعاءات التي تقال، فالناس جميعا يعرفون حقيقتها والسلام”.

رد عبد الحكيم عامر على كمال الدين حسين

    بعث المشير عبد الحكيم عامر  برده إلى كمال الدين حسين في 4 نوفمبر 1965 وبدأ عبد الحكيم رسالته (الجوابية) بالتنبيه على أنه سيكون صريحًا مع صديقه (أي كمال الدين حسين) لأن الصراحة كفيلة بالفهم الصحيح فضلًا عن أنها لا تزعجه وعن أنه اعتادها، ولست أدري (الضمير لكاتب هذه السطور) متى حدث هذا التعود، ولو كان قد حدث حقيقة هل كان من الممكن أن تحدث هزيمة 1967 قبل أن ينقضي عامان على كتابة وتبادل مثل هذه الرسالة الصريحة؟! على كل الأحوال فإننا نقرأ الرسالة لنكتشف أن ما يتصوره المشير عبد الحكيم عامر.. صراحة. لم يكن كذلك ولا جزءًا من ذلك، وإنما هو شقشقة خطابية باصطلاحات سياسية فحسب، بل إننا نكاد نقول إن عبد الحكيم عامر في الغالب لم يصل إلى فهم ما يعنيه كمال الدين حسين بكلماته وتنبيهه الذي أرسله إليه.. ونحن نرى عبد الحكيم عامر، يواجه صديقه كمال الدين حسين (مبكرًا جدًّا) بلهجة خطابية تبدو عاقلة، لكنها منفعلة جدًّا في ذات الوقت، وهو يلخص انطباعه تجاه موقف صديقه في أن يستنكر عليه أن ينخدع في الإخوان المسلمين وسيد قطب. وهو يصف لصديقه [مؤامراتهم] من واقع ما وصفتها الأجهزة الأمنية من مبالغات أو افتراءات، ومن واقع ما قدم للناس على أنه نتائجها، وهو يقفز إلى ذكر هذه النتائج بافتراض حدوثها كما لو كانت تحققت! متبعًا أقسى أسلوب في الاتهام والافتراء، وهو أسلوب اتبعته حركة 23 يوليو على الدوام.

    نرى المشير عبد الحكيم عامر (في رسالته لكمال الدين حسين) وهو حريص على أن يعاقب الإخوان المسلمين بما نسب إليهم زورًا من نوايا لا من أفعال، ونراه يدينهم ويحكم عليهم من واقع هذه النوايا المصورة، ثم إنه بناء على ذلك وتأسيسًا عليه كان يلوم كمال الدين حسين أن يتعاطف مع قوم نسبت إليهم مثل هذه النوايا. ويصل المشير عبد الحكيم عامر إلى أن يستعدي كمال الدين حسين على الإخوان باسم “الأخوة والوفاء والمبادئ الاسلامية والإنسانية»، (وكأنه يتحدث إلى صديق في فريق أو إلى عضو في جماعة سرية)، وهو حديث إن جاز أن يكون بين شخصيتين كعبد الحكيم وكمال، فإنه لا يليق بالمستوى التنفيذي والسياسي الذي وصلا إليه، فقد كان كلا منهما نائبًا لرئيس الجمهورية، وكان كمال كما نعرف قد أصبح رئيسًا للوزراء كما كان عبد الحكيم قد أصبح قائدًا عاما للقوات المسلحة! وعبارات المشير عبد الحكيم عامر في هذا الشأن أوضح من أن تحتاج إلى تقديم أو شرح، فهي عبارات مباشرة بسيطة قصيرة مصاغة على هيئة أسئلة استنكارية موحية، وإن كانت منكرة.

    يقول عامر فيها “عزيزي كمال.. بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته “لقد تعودت ألا تزعجني الصراحة، لأن الصراحة هي الطريق إلى الفهم الصحيح، ودعني أيضًا أن أصارحك القول، وقد تعودت أن أقول ما أعتقد ولا أخشى في ذلك إلا الله وضميري». “إن طبيعة الرسالة التي تلقيتها منك كانت بمثابة صدمة عنيفة قد نسفت في نظري جميع القيم والروابط التي تجمعنا، وفي رأيي لم يكن هناك ما يبررها على الإطلاق فهي مرسلة، وسأعبر عن ذلك مخلصًا وصادقًا: “من كمال رسول الله إلى عبد الحكيم كسرى أنو شروان”؛ أي من نبي مؤمن إلى قائد ملحد، وأنت لست نبيًا، وما كنا نحن بملحدين كافرين. فنحن نؤمن بالله واليوم الآخر». “وكنت أنتظر أن تكون رسالتك في مثل هذا الوقت وهذه المؤامرات الإجرامية التي تدبر والتي كان الغرض منها التحطيم والقضاء على نفوس بريئة والرجوع بها إلى الخلف سنين طويلة». “كنت أنتظر على الأقل أن تستنكر ذلك وما عهدت فيك عدم الوفاء وما عهدت أن ترى الأمور بهذه الطريقة الغريبة التي لا أعلم ولا يعلم إلا الله كيف وصل بك الأمر إلى ذلك، تتشكك في كل شيء وترى صورًا قاتمة لا وجود لها.. ماذا ألم بك؟ لا أعلم”.

المشير يظن أن صديقه الذي ينبهه هو المغيب

    تتواصل نصائح عبد الحكيم عامر التي قدمها لصديقه كمال الدين حسين، وإذا نظرنا بقدر من التأمل البسيط إلى النص الذي كتبه عبد الحكيم أو كاتب رسالته، لوجدناه وقد استسهل أن يبدو وكأنه قد انساق تمامًا إلى ترديد كلام الإعلام المحرض على الإخوان وعلى غيرهم، والمؤمن بشيء هلامي لا وجود له في الواقع، وهو ما يتعارض مع الوطنية المجردة بل ومع التدين أيضًا، بينما تقول رسالة عبد الحكيم عامر أنه مؤمن مثالي “ارجع إلى نفسك يا كمال وتأمل كل شيء بهدوء وبنفس خالية من الغضب والنزعات، فكر في الأمور بعيدًا عن المؤثرات وبعيدًا عن كلام المغرضين وهمساتهم وافتراءاتهم، الذين لهم هوي والذين لا يبغون إلا مصلحة ذاتية من ورائك، وقد وجدوا في شخصك الأمل الذي يحقق لهم الأمل وهذه الأهداف، فهم يدعون الكلام باسم الحق وهم لا يريدون إلا الباطل».

    يواصل عامر “إن المؤامرة الأخيرة التي دبرها الإخوان المسلمون المتعصبون مؤامرة لا يمكن وصفها إلا بأنها جريمة ضد شعب بأسره بل جرائم قتل باسم الإسلام.. دماء تسيل، وخراب يعم باسم الإسلام، هل هذه هي الحرية التي يطالب بها هؤلاء الذين يريدون فرض أنفسهم على الناس بالدماء والخراب” “والله هذا لا يقره دين ولا يقره ضمير ولا يقره أي شخص عنده إنسانية». نعم المشير يصارحه بعقيدته الراسخة في اتهام سيد قطب نجده وهو يؤكد لصديقه كمال الدين حسين عقيدته الراسخة في اتهام سيد قطب حتى أنه تجاوز في هذا الاتهام كل الحدود المعقولة، ونجد عبد الحكيم يتساءل هل يريد سيد قطب أن يكون نبيًا، أو ظل الله على الأرض؟ ويبدو عبد الحكيم واثقًا ومتماسكًا في هذا النص الذي كتب له على هذا النحو “المتياسر في فهمه»، و”المتحامل في اتهاماته»، والمعتمد على أكاذيب ومبالغات لا يمكن لسياسي حقيقي أن يبني عليها رؤية أو مناقشة.. وبطريقة الدبة التي قتلت صاحبها يلخص عبد الحكيم في رسالته معاناة الجماهير، دون أن يلتفت إلى أن نظام الحكم الذي يدافع عنه هو الذي خلق هذه المعاناة وغذاها وأدامها.

   نعم لو أن أحدًا أراد تصوير الانتكاسات التي وصل إليها حكم حركة 23 يوليو أو الحكم الناصري فيما قبل هزيمة 1967 ما وجد نصًا أبدع من هذا في مقابل الأرقام المبالغ فيها التي يؤثر بعض الكتاب الشيوعيين إيرادها عن معدلات التنمية الكاذبة…، وهو يقول: “إنني تابعت التحقيق خطوة خطوة، والمؤامرة فيها أكثر مما نشر حتى الآن أيريد سيد قطب أن يصنع من نفسه نبيًا ينزل عليه الوحي يأمره بقتل الناس وتدمير البشر، أهو ظل الله على الأرض ينهي حياة ما شاء من العباد، لا أعلم كيف لم يحدث في نفسك هذا العمل الألم كل الألم؟. وكيف اكتفيت بإرسال خطابك لي بالمعني الذي سبق أن ذكرته لك؟. هل فكرت ماذا كان سيرتب على نسف محطات الكهرباء فقط؟ توقف المستشفيات، وفاة المرضي رجالًا ونساء وأطفالًا، القاهرة بلا ضوء، بلا مصانع يعمل فيها آلاف العمال…. أصبحوا عاطلين». “الناس لا تجد قوت يومهم بل لا يجدون حتى الماء ليشربوه. مجاري تطفح في الشوارع وفي المنازل، أوبئة تفتك بأرواح لن تعوض طبعًا. باسم ماذا يحدث كل هذا؟. بأمر من يحدث كل هذا كيف تعوض مثل هذه الخسارة قبل سنوات طويلة؟. أما الأرواح فلن تعوض طبعًا، باسم ماذا يحدث كل هذا؟. بأمر من يحدث كل هذا؟. حكم من هذا؟. حكم من جعلوا أنفسهم خليفة الله في الأرض؟. إنه اغتيال لشعب ولحريته ولحياته ولتقدمه بل أيضًا لمعاشه اليومي».

المشير عامر يحرض كمال الدين حسين على الإخوان

    هنا يلجأ المشير عبد الحكيم عامر في رسالته التي تبني جوهرها، مثل غيرها من النصوص التحريضية، على اتهامات مقولبة، إلى وضع كمال الدين حسين في الجهة الأخرى من معركة الثوار مع الإخوان، ويتحدث عبد الحكيم في رسالته لصديقه كمال الذين حسين عن اعتقاده الواثق في استمرار استحقاقه هو وعبد الناصر للثقة التي كان كمال الدين حسين قد وضعها فيهم، وأنه -أي كمال- لم يخطئ بوضع ثقته فيهم لأنهم يحافظون بالفعل على مصالح الشعب. ويؤكد المشير عبد الحكيم لصديقه كمال الدين حسين أن الثورة مهما أخطأت فإنها تصحح أخطاءها بدون قسوة أو انتقام (ومن العجيب أن عبد الحكيم نفسه أصبح بعد أقل من عامين أكبر ضحية للقسوة والانتقام).

    يلجأ المشير عبد الحكيم (دون وعي سياسي في الغالب) إلى ترديد فهم شمولي مغلوط للحرية، فيقول في رسالته إن الذي يقضي علي الحرية هو التعصب مهما كان رداؤه وليس مجرد قانون، ويهاجم المشير عبد الحكيم عامر ما يزعم أنها آراء الإخوان في هذا الصدد ويصفها بالكفر بالقيم الإنسانية والبشرية، وهو يقول: “وماذا يكون شعورك وأولادك في منطقة تتفجر منها مواد النسف؟. ماذا يكون شعور كل أب كل أم كل أخ؟. فكر قليلًا يا كمال دون تحيز ودون غضب لأن هذا هو حكم الطغيان بكل معانيه حكم الغابة بكل صوره، هذا هو الإرهاب بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى مروع». “هل الأخوة والوفاء تعنيان تأييدك لهذا العمل أو تعنيان أنه كان يجب عليك استنكاره؟». “هل المبادئ الإسلامية والإنسانية تقر أنك لا تقف لتحارب كل هذا بكل قوتك بدل أن تؤيده في خطابك الأول الذي يدل معناه على ذلك؟». “أي معنى ذلك أنك توافق على قتلنا، وهذا في رأيي أبسط الأمور، فلكل أجل كتاب، ولكن كيف يطاوعك ضميرك وكيف تقنع نفسك بالموافقة على اغتيال شعب؟». “تعرضت في كلامك عن الثقة فينا، وأنا بدوري أقول إنك لم تخطئ بثقتك فينا وكل ما أريده منك وأرجوه أن تفكر بعيدًا عن كل مؤثر أو مظهر ولا تجعل أي تصرف شخصي أو تصرف بسيط يؤثر على جوهر المواضيع».

    يواصل عامر فيقول: “إننا، ومن جانبي أيضًا، سنعمل على المحافظة على مصالح شعبنا وسنحافظ عليه ضد أي محاولات من هذا الطابع بكل وسيلة ممكنة، وكما ذكرت حقًا في خطابك الأخير أن الناس يعرفون الحقيقة، ولكن ليست الحقيقة التي تتصورها أنت والتي طبعًا يصورها لك بعض الناس الذين تعتبر أن كلامهم لا يقبل المناقشة».

    المشير يستنكر تفكير كمال الدين حسين في الإقامة في المدينة المنورة “وتقول إنك تريد أن تخرج إلى السعودية؟ لماذا هل هي بلد الحريات؟ هل هي بلد الإسلام؟». “ما هذا يا كمال؟ عجيب والله هذا التفكير إن النبي ﷺ كان بشرًا ومات كما يموت البشر، وإن جلوسك بجانب قبره لن يعطيك شيئًا».

المشير ينصح صديقه كمال الدين حسين

   يصل عبد الحكيم عامر إلى أن يتصور نفسه من ملاك الحقيقة المطلقة وإلى أن يضع صديقه بين شقي الرحي طارحًا عليه التساؤل الساذج: هل يوافق على أن يتولى هؤلاء (الحيوانات الكاسرة) بتعصبهم وقسوتهم الحكم؟ أم أن الواجب هو منعهم من الوصول إليه، حتى لو كان ذلك بالاسلوب القاسي الذي ينتقده كمال الدين حسين، لأنه لا يعلم (الحقيقة) على حين ما يبرره المشير عبد الحكيم عامر لأنه يعلم (الحقيقة). ويقول المشير عبد الحكيم عامر في هذا الصدد: “لا تخدع نفسك يا كمال، جرد نفسك يا كمال من كل الاعتبارات مليًا وستري الأمور بغير هذه العين، خصوصًا بالنسبة للحقائق التي سردتها لك ولا تقبل جدلًا». “ثم بعد ذلك تكلمني عن قانون ويزعجك أن يصدر مثله وهذا ليس موضوعًا جوهريًا ومهمًا.. أخطأت الثورة يا كمال فإنها تصحح دائمًا أخطاءها». “ولكنها ما كانت قاسية وما كانت منتقمة وأنت تعلم ذلك وشاركتنا في أفكارنا وفي قراءاتنا وفي جميع الأحداث التي مرت بشعبنا منذ يوليو 1952 وتعلم جيدًا كيف نفكر وكيف نتصرف».

    “إن الذي يقضي على الحرية ويقتلها هو التعصب مهما كان نوعه ومهما كان شكله ومهما كانت الشعارات التي يحتمي فيها؛ إن كان تحت اسم إسلام أو تحت اسم إصلاح أو غيره، أن بلادنا يتآمر عليها الاستعمار والرجعية. ألا يكفي ذلك حتى تخرج هذه الفئة لتضع البلاد تحت رحمته وتجعلنا في قبضته مرة أخرى ربما إلى سنين طويلة لا يعلم إلا الله عددها؟». “وهل هذا مفهوم الحرية؟ وهل هذه هي الحرية التي أعلنها الإسلام؟ أنا أقول كلا وألف كلا، بل إن هذا هو الكفر بعينه بكل القيم البشرية والإنسانية بأكملها». “أتوافق يا كمال على أن يحكم مثل هذا الشعب مثل هذه الحيوانات الكاسرة التي نزعت من قلوبها الرحمة. تعصب أعمي لا يرى إلا في القتل والتهديد وسيلة لكل شيء وبأمر من ظل الله على الأرض سيد قطب، وهل هذا هو حكم الله؟. “إن الله بريء من القتلة والسفاحين. “لماذا أنت عاتب إذن؟. أليس عتبي عليك أكثر وأعظم؟. أليس من حقي وأنا بشر ولست نبيًا ولا أدعي أنني أوتيت من الحكمة كلها أو بعضها، أليس من حقي أن أصاب بصدمة حين أجد أن هذا هو أسلوب تفكيرك الجديد وهذا ما يقره ضميرك، وهذا ما تراه حقًا؟».

الصداقة تتحول إلى حب بلا أمل

    ثم يصور عبد الحكيم عامر نفسه وهو يواجه زميله وصديقه كمال الدين حسين باعتقاده في ضعف أمله في أن يستمع إليه ، ومع هذا فهو يقول له إنه لا يزال حريصا عليه ، وأن حرصه هذا هو الذي جعله يمنع عنه الناس حتى لا يتصلوا به لكي لا يؤذيه هذا الاتصال، وإذن فهو لا ينكر أنه أقام من نفسه قيمًا على صديقه ولكنه فيما يصفه بأنه صدق شديد، يفسر له أنه يفعل ذلك من منطق الحب، وهو فيما يبدو حب بلا أمل، كما تقول الرسالة نفسها: “إنني يا كمال كما تعرف لا أخاف أحدًا ولا أخشى إلا الله وضميري، ولولا سفري لفرنسا لجابهتك بهذه الحقائق مع ضعف أملي أنك ستستمع لما أقوله وتقتنع بالحقائق الملموسة، إننا لم نمنع الناس عنك إلا خوفًا عليك.. وخوفًا على الناس ألا تنتهي المأساة البشرية التي كانت تعمل على ثلاثة عشر عامًا”. “أرجو أن تصفو إلى نفسك وتفكر في هذه الآراء وتطرح المسائل الصغيرة جانبًا، وطبعًا أنت حر في أن تأخذ بها أو تلقيها في عرض البحر ولكن لي الحق أن أكتب إليك ناصحًا بأمانة وصدق كما كتبت إليّ لائمًا وناصحًا”. “ربما تذكر أنك كنت في الحكم وجميع السلطات في يدك سياسية وتنفيذية، وهذه حقيقة وكنت حر التصرف، وهذه حقيقة أيضًا، ولم يحدث طوال هذه الفترة أن اختلفت على المبادئ التي نثور عليها الآن بل كنت متحمسًا لها وكنت أشد تطرفًا، هذه حقيقة أيضًا ربما تذكر القوانين الاشتراكية سنة 1961 والآراء التي أبديتها أنت شخصيًا في الاجتماع بالإسكندرية، وكنت يا كمال متطرفًا لحد كبير ومتحمسًا للقوانين أشد التحمس..  حقيقة أيضًا».

     “ماذا تغير إذن بعد ذلك حتى تتحول هذا التحول المفاجئ المتطرف أيضًا، وفجأة يصبح كل شيء خطأ وتصبح الحريات مغتالة على حد تعبيرك الذي لم أهضمه مطلقًا.. فجأة حدث كل ذلك.. ما الذي غير أفكارك بهذه السرعة الكبيرة.. ما الذي أخل [بتوازنك] لهذه الدرجة.. حتى تنقلب أفكارك فجأة».

    المشير عامر يمن عليه برده وتصل رسالة المشير عبد الحكيم عامر إلى جملة لا يكتبها إلا يساري متمرس على توجيه التهم بسرعة وقسوة، ولا يجد عبد الحكيم أي حرج في أن يتهم صديقه كمال الدين حسين بأنه يعطل عقله عن المناقشة، وينبهه عبد الحكيم إلى أن تطبيق أي نظام يحتاج إلى إعادة التقييم.. وعند هذه النقطة يبدأ عبد الحكيم عامر يصور نفسه في موقع الناصح الذي يتولى توجيه النصائح القاسية إلى كمال الدين حسين بأن يتقي الله في نفسه وفي شعب مصر وفي حياة الناس وأرزاقهم. ويقرن المشير عبد الحكيم عامر هذه النصائح بقوله إنه كان مترددًا في أن يكتب لكمال الدين حسين لأنه يعرف ما وصل إليه من رأي، ولكنه مع هذا “تنازل”  وفضل أن يكتب إليه ويقول: “.. ولكنك يا كمال أصبحت دكتاتورًا تريد فرض رأيك فحسب». ”لقد تناقشنا أكثر من مرة في أفكارك وتطارحنا الحجج والبراهين.. وصدقني والله ما وجدت في آرائك التي أصر على أنها ظهرت فجأة شيئًا منطقيًا أو سليمًا.. وجدت لديك إصرارًا غريبًا وعقلك يرفض أن يناقش.. بل تصميمًا فقط على ما أنت فيه».  “إن تطبيق أي نظام في حكم الشعوب يحتاج منا جميعًا لإعادة النظر في خطواتنا من حين لآخر، فجل من لا يخطئ».

المشير عامر يصفه بالدكتاتورية

    ثم يصل المشير عبد الحكيم عامرإلى أن يصف صديقه بالدكتاتورية “وأظن ألا تعتبر نفسك معصومًا من الخطأ.. ولا أظن أن يصل بك الأمر إلى هذا الحد.. ولكن كل الشواهد تدل على غير ذلك.. فأنت تريد فرض رأيك، ورأيك أنت فقط في نظرك الصحيح، وهذه هي الدكتاتورية في أعنف مظاهرها يا كمال.. وهذا هو قتل الحريات وضربها ضربة قاصمة». “كل منا يرى عيوب غيره، وحبذا لو فكر في عيوب نفسه.. لماذا لا تحاول أن تجابه نفسك وتعرف عيوبك كما تبحث عن عيوب الآخرين وتبالغ فيها إلى أقصي الحدود.. إن فعلت أو حاولت بالنسبة لنفسك يكون حكمك على الأمور أقرب إلى الصواب ولا تختلط الأمور في ذهنك هذا الاختلاط الفظيع». “لا تجعل حالتك النفسية تؤثر على تفكيرك..». “ولا تجعل لكلام من حولك قدسية.. وهم في كلامهم معك في قرارة أنفسهم يعملون طلبًا للنفوذ وطلبًا للسطوة وللشهرة.. وعندي على ذلك أمثلة كثيرة واقعية، أمثلة حية غير مبنية على استنتاج أو على كلام الغير». “إذا فكرت جيدًا وحللت كل شيء لنفسك بصراحة ووضوح ستجد أنني كنت خير ناصح حتى ممن تظن أنهم أقرب وأخلص الناس إليك، وأعود مرة أخرى وأقول كيف تتصور أن تولد الحرية في ظل الدماء والخراب.. وأن يكون لفئة من الناس أن يتكلموا ويفعلوا باسم الله مفوضين منه.. [يفعلون] ما شاءوا.. هل هذه هي الحرية.. هل هذا هو طريق الحرية أو الديمقراطية»؟.

    “أقول بدوري يا كمال اتق الله في نفسك.. اتق الله في شعب مصر.. اتق الله في حياة الناس وأرزاقهم.. ولا تظلم نفسك ولا تظلم الناس معك.. لقد حاولت جهدي أن أشرح لك الحقيقة وإن كانت مرة، ولكنك دفعتني إلى ذلك دفعا.. “وأقول وأنا مرتاح الضمير إنني أديت الأمانة.. ولعلك ترى الأمور على حقيقتها بعيدا عن المؤثرات التي وقعت [فيها] فترة من الزمن، وإن حدث ذلك كان نصرًا عظيمًا لك على نفسك وكان نعمة وبركة من الله للجميع». “وقد ترددت أن أكتب خوفًا أن تكون قد سددت أذنيك لا تريد أن تسمع أحدًا إلا إذا حدثك على هواك وعلى ما تحب.. ولكنني قررت أن أرد عليك قدر جهدي ومناقشة الموضوعات التي أثرتها ليست صعبة.. فقد ناقشتها معك مرارًا وما اقتنع أحد من الذين ليس لهم غرض بما تقول يا كمال.. “والسلام عليكم ورحمة الله».

    ثم إن عبد الحكيم بعد كل هذا الذي وجهه إلى صديقه في الفقرة الأخيرة لا يجد أي حرج (بل يجد الفرصة) في أن يكتب لكمال الدين حسين في نهاية الخطاب ملحوظتين ينبهه فيهما بشدة إلى أهمية أن يتسق مرة مع التاريخ ومرة أخرى مع الواقع وهاتان الملحوظتان: ملاحظة: إنني أخشى حكم التاريخ عليك أن يقول كمال حسين انقلب على الحكم متبنيًا أفكارًا جديدة لأنه ابتعد عن السلطة التنفيذية والسلطات التي يمارسها. ملاحظة: كتبت إليك هذا لتعرف الجانب الآخر من الصورة التي قد تكون تاهت عنك وسط خضم المتكلمين والمحدثين، وإني أكتب لك ما أعتقده وعن صدق والحديث طويل ولا يتسع له حتى هذه الصفحات القليلة ولكن لعل الله يجمع ما تفرق ويهدي ويرتق الصدع.

الحنين للسياسة

   في منتصف عهد السادات راود كمال الدين حسين الحنين إلى السياسة، ولو من باب اللجوء إلى القاعدة الشعبية في دائرة من الدوائر الانتخابية، وهكذا فإنه اتخذ قرارًا شجاعًا لم يتخذه أحد من أنداده، ورشح نفسه لمجلس الشعب عن دائرة بنها في انتخابات 1976 وفاز بعضوية مجلس الشعب، وأصبح بفضل اسمه وتاريخه ومناصبه من النواب البارزين تحت القبة،  لكنه  بحكم جمود العقلية العسكرية كان غير قادر على بدء موجات مؤثرة من الفعل البرلماني القادر على بناء توجه ما  كما أنه بالطبع لم يكن مؤهلًا لأداء دور التأسيس لتحالف برلماني يقوده أو يوجهه، فقد كان فطاحل عهد ما قبل الثورة لا يزالون على قيد الحياة والنشاط.

   مع هذا الأفق الذي بدا غير محدد المعالم فإن كمال الدين حسين بما عرف به من حماس فعل أقصى ما تصور أنه كان متاحًا أمامه، فسارع وبأقصى ما هو ممكن من السرعة في عالم السياسة إلى الدخول في خلاف علني وجسور مع السادات من خلال رسالة مفتوحة، ومع البريق الخاطف لهذه الفكرة  فمن المفهوم والمعروف في كل الممارسات السياسية ومع كل الأنظمة أنه كان يمكن له أن يقول بأكثر مما قال به في هذه الرسالة وفي ظلالها بفضل ما كان يتمتع به من صفته البرلمانية، وكان من الممكن له أن يلقيها في البرلمان (وبطريقة مفاجئة) قبل نشرها (وليس بعده) محفوظة مطولة ملحنة منغمة، وهو واقف  تحت القبة، محتميًا بحصانته البرلمانية، لكنه فيما يبدو وقع تحت تأثير من كانوا يترددون عليه ويسولون له مواقف اندفاعية لم يكن من الصعب عليهم تصور قبوله بها. وهكذا فإن رسالته المفتوحة للرئيس سرعان ما مهدت الفرصة لإسقاط العضوية عنه في 1977، فبقي في الحياة العامة كوجه معارض، وقد رشح مرة ثانية في انتخابات 1979 لكن النتيجة جاءت بفوز غيره.

معارضة للذروة

    لم يكن من المتوقع سياسيًا أن تصل معارضة كمال الدين حسين للسادات إلى ذروتها بسرعة من خلال مثل هذه الرسالة المفتوحة لرئيس الدولة، لكن هذا كان من المتوقع إنسانيًا ونفسيًا، وعلى عكس ما تقول به السياسة، فقد كان كمال الدين حسين نفسه يحس بالجرح والحرج معًا من أن يكون مرؤوسًا للرئيس السادات، حتى إنه لم يحفظ لنفسه أي خط من خطوط الرجعة حين نشر رسالته، وهكذا فإن رسالته رغم محتواها الجيد لم تترك أي أثر في الحياة السياسية، وفسرت حتى في أوساط المعارضين في إطار شخصي بحت على الرغم مما نعرفه من صدق كمال الدين حسين فيها وإخلاصه، والسبب بسيط جداً، ذلك أن صورة كمال الدين حسين في عهد جمال عبد الناصر كواحد من أهم رموز النظام، والذي لم تكن قيمته تقل عن أن يكون واحدًا من أهم خمسة من رموز النظام بقيت هي الطابع المسيطر والمأثور عن شخصيته، على حين تضاءل إلى أقصى حد ما عُرف في 1964 على نطاق ضيق من أن كمال الدين حسين ترك الحكم مغاضبًا وثائرًا، والسبب في هذا هو قوة تعبئة النظام الناصري لمستويات القواعد الشعبية، وهو ما تكفّل بتخفيف قيمة معارضته إلى حدود قريبة من التلاشي، بل إن الإعلام الناصري كان قد نجح في تصويره في صورة سلبية عاجزة ضعيفة القدرة على تحمل التحديات الثورية وهي ذاتها الصورة التي كانت الأجهزة الناصرية القوية والمؤثرة تصور بها من استغني عنهم ناصر. وتبدع في هذا التصوير، وهي بالطبع صورة سلبية المعالم والفعل والولاء، وهي صورة تبدأ بالعصيان للزعيم وتنتهي بالفشل، وكان هذا بالطبع هو حال كلّ من عارض عبد الناصر مهما كان من أقرب المقربين أو أخلص الخلصاء.

    هكذا فإن صورة كمال الدين حسين لم تكن تكتسب أي زهو أو فخار ولا أي مجد من حيث هو معارض في ١٩٦٤، وإن كان هو  قد ظل، عن حق، يعتقد في غير ذلك. وقد استمر الحال على هذا المنوال حين كان كمال الدين حسين واحداً من الذين تبنوا إرسال وثيقة المعارضة التي وقّعها عدد محدود من كبار المسئولين السابقين في 1972 ورفعوها للرئيس أنور السادات.

   هكذا فقد جاء وجود كمال الدين حسين في برلمان 1976 مفاجئًا، وبدا هذا الوجود، بلا مبالغة، للجماهير البعيدة عن مُجريات الأمور وكأنه بمثابة تفضّل من النظام أو الدولة على واحد ممّن تركوا المسيرة، أما في لغة العدميين وما أكثرهم فإنه كان يبدو جزءا من اللعبة، وأما بلغة المسكونين بهاجس التآمر، فقد كان يبدو وكأنه كمين منصوب للبحث عمن سيتردد عليه من المواطنين أو الساسة. الفشل في خلق كيان سياسي ترتبت على الموقف القديم المستقر المعالم الذي رسمته الأجهزة الناصرية العميقة لصورة كمال الدين حسين الذي خرج عن الخط الثوري صعوبة حقيقية ومبررة في مهمة كمال الدين حسين حين أراد البدء في معارضة جادة أو حادة للرئيس أنور السادات، وازداد الأمر صعوبة بسبب انتماء الرجلين (السادات وكمال الدين حسين) إلى مفاهيم متقاربة جدًا، وهو ما ظهر أثره بالفعل، ذلك أن سياسة الرئيس أنور السادات كانت في واقع الأمر متسقة تماماً أو إلى حد كبير مع توجهات كمال الدين حسين، وربما أنها كانت أكثر “يمينية” مما كان كمال الدين حسين يطالب به، بل ربما أن كمال الدين حسين لم يكن بحكم تكوينه قادرًا على أن ينفذ  أمنياته السياسته المعروفة في إلغاء اعتداءات النظام الناصري على المال الخاص بالسرعة التي نفذها بها السادات حين بدأ بتصفية الحراسات بمجرد توليه الرئاسة، ولم تكن خطوات كمال الدين حسين في هذا السبيل بقادرة على أن تحفر مكانة حقيقية في الشارع السياسي او الوجدان الشعبي لا لنقص في الايمان عند صاحبها أو لنقص في اليقين وإنما جاءها توقع الضعف النسبي مما كان متوقعا من نشاط رجل عرف قبل سنوات بموهبته الإدارية المؤمنة بضرورة التنفيذ التدريجي المتقن، وقد كان كمال الدين حسين في وجدان الجماهيرإداريًا ملتزمًا نمطيًا، ولم يكن مثل الرئيس أنور السادات متمكنا من  السياسة والخطابة والتحريض، وقادرًا على أن يبدأ الدوامات من دون تحسب، على يترك للزمن إصلاح كل ما هو ممكن و وارد  بل وحتمي من التسرع في إنفاذ أي سياسة جديدة من هذا القبيل.

     هكذا فإن كمال الدين حسين حين أراد أن يصوغ فكرته في معارضة السادات لجأ مضطرًا إلى أن يتخطى أداء السادات في مجال المزايدة اللفظية فحسب في الحديث عن حقوق الإنسان وذلك من قبيل استعارة القول بلعنة الظالم.

    ظل كمال الدين حسين طيلة حياته مهموما بالشأن العام وبالحياة العامة، وبحكم أنه كان من الأشخاص المبادرين الذين يدفعهم الإيمان إلى العمل فقد ظل معنيًا بحقيقة الانتماء وبأن عليه أن يؤدي لوطنه دورًا ما، وكان إحساسه بالألم يتزايد إلى درجة كبيرة حين يرى نفسه، وقد أصبح لا يؤدي أي دور، بينما كان هو نفسه في وقت من الأوقات (عن قريب) يؤدي كل شيء بحماس وإنجاز وإعجاب وتصفيق من الناس، وباختصار شديد فإن كمال الدين حسين ظل يبحث للدافعية عن مدفعية وهي عبارة كفيلة بالتصوير الدقيق لتاريخه في نصف عمره الثاني.

   كان مبادراً كونه لم يكن مبارزاً لا شك في أن كمال الدين حسين كان شجاعاً ومبادراً ومخلصاً لكنه في الوقت نفسه لم يكن مبارزاً لأسباب كثيرة أهمها أنه لم يكن هناك من يرغب في أن يُبارزه، كما أنه لم يكن هناك من هو مضطر إلى أن يبارزه، كما أنه لم يكن هناك أحد يرغب في أن يهاجمه، ولم يكن هناك أحد على استعداد لأن يهاجمه. وفضلًا عن هذا فإنه لأسباب عملية مفهومة لم يُصنف باعتباره معارضاً لعبد الناصر ولا للناصرية، كما أنه لأسباب عملية أخرى فإنه أيضا لم يصنف باعتباره ناصريًا سابقًا ومشاركًا في الناصرية، وهكذا كانت المعارضة التي يقوم بها كمال الدين حسين، إن وجدت لا تعدو أن تكون خصاماً مع لا خصام، ووفاقاً مع لا وفاق، وهكذا انتهى أمرها سريعًا على الرغم من القيمة التاريخية لصاحبها.

    نستطيع أن نقول الشيء نفسه بكل حذافيره عن المعارضة التي كانت توجه أو تصوب إلى كمال الدين حسين في ثنايا كتابات الناصريين التقليدية. وحين تولت الانتخابات البرلمانية  1979إسقاط كمال الدين حسين في دائرته تم ابتلاع الأمر بسرعة (ولا نقول بسهولة فقد تكفلت السرعة بالسهولة) في إطار ما هو معروف من سياسة حكومات 1952 في إدارة الانتخابات بأسلوب تختلف نسبة التزوير فيه مع احترامه لطابع التزوير وأهمية التزوير، ومع أن أداء الوزارة في إدارة انتخابات ١٩٧٩ كان انتكاسًا لما تحقق في ١٩٧٦ فإن الباحثين والمثقفين المصريين رأوا في الأمر عودة إلى مسار حكم ثورة ١٩٥٢، وسواء أكان كمال الدين حسين قد رسب في انتخابات 1979 بإرادة الحكومة أو بإرادة الجماهير، فإنه فيما هو ظاهر للناس انصرف تماماً عما كان قد شرع فيه من معارضة، وذلك فإنه لم يؤسس كيانًا ولا انضم لكيان، ولم يتبن سياسة معارضة ولم يدافع عن سياسة معارضة، وهنا ظهر أن الحضن الشيوعي الذي لجأ إليه زميله خالد محيي الدين كان أكثر دفئاً من حضن المثالية لأن المثالية لا تملك حضناً من الأساس.

    يبقى أن حسين في أخريات حياته من مصاعب كثيرة في الكبد منذ منتصف الثمانينيات وحتى توفي في 19 يونيو سنة 1999 في مستشفى المعادي للقوات المسلحة نتيجة للقصور الشديد في وظائف الكبد، وأقيمت له جنازة عسكرية تقدمها حملة النياشين ومنها  قلادة النيل: أرفع وسام في مصر، وقد تقدم مبارك المشيعين لجنازته العسكرية، ومعه من بقي على قيد الحياة من زملائه في مجلس الثورة ورئيس الوزراء ورئيسا مجلس الشعب والشورى والوزراء، وقد شارك في العزاء مندوبون عن ملك السعودية وأمير الكويت والرئيس الليبي والرئيس الفلسطيني.