كورونا والبنوك المركزية والحصاد المرّ

بقلم د/ أحمد ذكرالله – نشر في العربي الجديد بتاريخ 9/8/2021
قفزت البنوك المركزية الكبرى في العالم على كل المعايير المصرفية والمحاذير الإجرائية والانضباطية خلال المواجهة الشاملة للتداعيات الاقتصادية لانتشار كورونا، ورغم نجاحها مبدئياً في تلافي العديد من آثار الأزمة، إلا أن هناك تحذيرات كثيرة من النتائج المترتبة على برامج الإنقاذ وآثارها المستقبلية والتي قد تشكل مخاطر كبرى قد لا تستطيع تلك البنوك مواجهتها مستقبلا، لا سيما في ظل استنفاد معظم قدراتها في المواجهة الحالية.
ومع القفزة الحادة وغير المتوقعة لأسعار المستهلك في أميركا، زادت المخاوف من وتيرة الضغوط التضخمية المتصاعدة، الأمر الذي عرّض إدارة جو بايدن لانتقادات حادة، وزعزع الآمال في انتعاش سلس من الأزمة على خلفية التحفيز المالي الضخم وعمليات التطعيم السريعة في البلاد، بل ودفع خبراء إلى التساؤل حول بدء ظهور الأعراض السلبية لسياسات التيسير الكمي، وكيفية مواجهتها.
سياسات غير مسبوقة لإنعاش الاقتصاد المأزوم
جاءت استجابات البنوك المركزية العالمية لأزمة كورونا غير مسبوقة من حيث السرعة في ضخ الأموال والحجم والنطاق، وخلص بنك التسويات الدولية في تقريره السنوي الأخير إلى أن تلك البنوك “نشرت ترسانتها الكاملة من الأدوات، وأحيانًا بطرق غير مسبوقة”، و”تمكنت من تجاوز عدد من الخطوط الحمراء السابقة لاستعادة الاستقرار خلال هذه الأزمة.
وكانت سياسة التيسير الكمي في مقدمة السياسات المتبعة لتوفير الأموال اللازمة لإنعاش الاقتصاد، وهي السياسة التي تشتري فيها البنوك المركزية كميات كبيرة من الأصول المالية (السندات الحكومية أو سندات الشركات) باستخدام النقود المطبوعة في محاولة لتحفيز الاقتصاد عن طريق “ضخ” النقد مباشرة في الجهاز المصرفي، وتزيد هذه المشتريات من احتياطيات البنوك، مما يمكنها من تقديم المزيد من القروض، وبهذه الطريقة، يتم تحقيق أثرين في نفس الوقت، تخفيض أسعار الفائدة وزيادة الأموال في النظام المصرفي.
ونظريا، تؤدي هذه السياسة إلى تزايد الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري وخلق المزيد من الوظائف. ويمكن أن يتخذ التيسير الكمي عدة أشكال، اعتماداً على الأصول التي يشتريها البنك المركزي، وممن تم شراؤها، وما هي الكميات.
تلال من الأموال في شرايين الاقتصاد
أقدمت البنوك المركزية الكبرى في العالم على ضخ تلال من الأموال في الشرايين الاقتصادية خلال فترة قصيرة وبأحجام غير مسبوقة تقدر بتريليونات الدولارات، ومن أبرز الأمثلة على ذلك أن ما أعلنه مجلس الاحتياط الفيدرالي “البنك المركزي الأميركي” من برامج للطوارئ في ثمانية أيام فقط (من 14 إلى 23 مارس 2020) ثم الأربعة أشهر اللاحقة، يساوي تقريبا إجمالي البرامج التي نفذها في عام الأزمة العالمية 2008 بأكمله.
بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي برنامج التيسير الكمي بشراء فوري للسندات بقيمة 80 مليار دولار، لكنه اشترى ما لا يقل عن 700 مليار دولار من الأصول بعد ذلك. وكنتيجة لهذه السياسات، نمت محفظة الأوراق المالية للاحتياطي الفيدرالي من 3.9 تريليونات دولار إلى 6.6 تريليونات دولار خلال الفترة ما بين منتصف مارس وأوائل ديسمبر من العام الماضي.
لجأ الفيدرالي الأميركي إلى طباعة النقود (أو إنشائها رقميًا) وضخها في الاقتصاد عن طريق شراء سندات من المؤسسات المالية.
كما لجأ الفيدرالي الأميركي إلى طباعة النقود (أو إنشائها رقميًا) وضخها في الاقتصاد عن طريق شراء سندات من المؤسسات المالية، ففي 26 فبراير 2020، بلغ حجم الميزانية العمومية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي 4.16 تريليونات دولار، وبحلول 10 يونيو، قفز الرقم إلى 7.17 تريليونات دولار، أي أنه على مدى ثلاثة أشهر ونصف فقط طبع الاحتياطي الفيدرالي وضخ 3 تريليونات دولار في الاقتصاد.
كما أطلق بنك إنكلترا المركزي موجة من التيسير الكمي في أعقاب تفشي الفيروس، حيث ضخ 200 مليار جنيه إسترليني من التسهيل الكمي في مارس/آذار 2020. وتم الضخ تباعا لما مجموعه 645 مليار جنيه في الاقتصاد عن طريق بيع السندات الحكومية.
كما قرر بنك إنكلترا تسهيلاً كمياً إضافياً بقيمة 100 مليار جنيه في يونيو 2020، يليه 50 مليار جنيه إضافي في سبتمبر/أيلول 2020 و50 مليار جنيه في ديسمبر/كانون الأول 2020.
وفي مطلع يونيو 2020، أعلن البنك المركزي الأوروبي أنه سيزيد برنامج الشراء الطارئ لمواجهة الأوبئة بمقدار 600 مليار يورو (672 مليار دولار) في محاولة منه لدعم الاقتصاد في أعقاب أزمة فيروس كورونا، بالإضافة إلى 750 مليار يورو من مشتريات السندات الحكومية التي أعلن عنها في مارس، ليصل الإجمالي إلى 1.35 تريليون يورو.
الآثار السلبية للإفراط في التيسير الكمي
مع انتشار الفيروس، أغرقت البنوك المركزية الأسواق المالية بالسيولة، وتضمنت الحملة وفقًا لإحصاءات “بنك أوف أميركا” 164 تخفيضًا في أسعار الفائدة في 147 يومًا، كما ضخت البنوك 8.5 تريليونات دولار في الدعم النقدي، وضخت الحكومات 11.4 تريليون دولار إضافية في شكل تحفيز مالي، وبما يقارب الـ20 تريليون دولار في المجموع.
بالطبع، كانت لتلك التدخلات آثار إيجابية في وقف النزيف الاقتصادي، حيث أدت السيولة الضخمة ومشتريات الأصول بشكل استثنائي إلى استقرار سريع للأوضاع المالية في مارس وإبريل، لكنه في المقابل خلق العديد من التحديات التي ربما تواجه عمل البنوك المركزية خلال الفترة القادمة.
ومن بين هذه التحديات إضعاف قدرة القطاع المصرفي على تمويل الاقتصاد في المستقبل، لا سيما في ظل تجاهله الإجراءات التنظيمية المشددة المعمول بها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وفي حال استمرار الأزمة الصحية في العديد من البلدان التي لم تحصل على نصيب عادل من اللقاح ربما تعتاد الشركات والحكومات على تكاليف الاقتراض المنخفضة، وهو الأمر الذي لن تستطيع البنوك المركزية تحمله طويلا.
المشكلة الأعمق التي قد تواجه البنوك المركزية أيضاً هي كيفية تجنب الانزلاق إلى الانكماش، لا سيما في ظل اندفاع تلك البنوك إلى تمويل الشركات التجارية وشركات الأوراق المالية بنسب تفوق أضعاف ما وجه للأسر.
إلى جانب ذلك، يأتي التخوف المنطقي من التضخم بعد ضخ كل تلك التريليونات، ولكن المشكلة الأعمق التي قد تواجه البنوك المركزية أيضاً هي كيفية تجنب الانزلاق إلى الانكماش، لا سيما في ظل اندفاع تلك البنوك إلى تمويل الشركات التجارية وشركات الأوراق المالية بنسب تفوق أضعاف ما وجه للأسر.
يبدو أن الإجراءات التي اتخذتها البنوك المركزية وتلال الأموال التي حقنت حتى الآن في الاقتصادات المختلفة ستكسب المعركة ضد الانكماش مرحلياً، لكن من السابق لأوانه أن تتمّ معرفة ما إذا كانت البنوك المركزية ستستطيع السيطرة حتى النهاية، حيث أنفقت معظم إن لم يكن كل ذخيرتها في دحر الانكماش، كما أنها راهنت على استقلاليتها بتعاونها غير المحدود مع السياسات المالية، فإذا استمرت الأزمة لفترة أطول فإنه من المرجح أن يكون من الصعب التغلب على الانكماش.
وتأتي مشكلة تضاعف الديون العالمية كسلبية أخرى لتلك السياسات، حيث يشير تقرير مراقب الديون العالمية التابع لمعهد التمويل الدولي إلى أن جائحة كوفيد19 أضافت 24 تريليون دولار إلى جبل الديون العالمية على مدار العام الماضي، حيث وصلت إلى مستوى قياسي بلغ 281 تريليون دولار، وأن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم تجاوزت 355%. كما أن برامج الدعم الحكومي شكلت نصف الزيادة.
وتوقع التقرير كذلك زيادة الدين الحكومي العالمي بمقدار 10 تريليونات دولار أخرى هذا العام وأن يتجاوز 92 تريليون دولار، مضيفًا أن إنهاء الدعم قد يكون أيضًا أكثر صعوبة مما كان عليه بعد الأزمة المالية، وأن هناك القليل من الدلائل على الاستقرار على المدى القريب.
مرحلة حصاد الثمار المرة
اضطرت البنوك المركزية في مواجهة أزمة كورونا إلى التدخل المفرط وبشكل زائد عن الحد، وفي سياسات لم تختبر من قبل، مستخدمة سلسلة من الإجراءات غير التقليدية وغير المجربة لدعم النمو الاقتصادي وتجنب حدوث انكماش ذي آثار تخريبية، ولكن كان لهذه التدخلات العديد من الآثار السلبية التي ربما حان وقت حصاد ثمارها المرة.
فقد خلق اختراع التيسير الكمي الوهم بأن البنوك المركزية يمكن أن تتجنب الأزمات المالية من خلال توفير سيولة غير محدودة. لكن ما فعلته تلك البنوك هو حل أزمة الديون عن طريق زيادة الديون، وعلى المدى القصير سيشعر الاقتصاد بالانتعاش، ولكن على المدى الطويل، ستعاني الإنتاجية والنمو ويزداد عدم المساواة.
وكما هو المعتاد سيخرج الاقتصاد العالمي من أزمة ليواجه المزيد من الأزمات، وستستمر الحلقات المفرغة للأزمات حتى تطور البنوك المركزية من سياساتها بدلاً من تلك التي تكافئ المتسببين في الأزمة.
SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14301

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *