كيف تؤثر الأزمة في كاليدونيا الجديدة على النفوذ الفرنسي؟

أدى إقرار الجمعية الوطنية الفرنسية في 15 مايو 2024 تعديلاً دستورياً يتعلق بزيادة عدد الناخبين في كاليدونيا الجديدة إلى إطلاق أعمال شغب عنيفة في العاصمة نوميا، ومقتل عدة أشخاص؛ ما دفع الحكومة الفرنسية إلى إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول. واعتبر الانفصاليون في كاليدونيا الجديدة أن هذا التعديل يهدف إلى الإخلال بالتوازنات الديموغرافية المتعلقة بقوائم الانتخابات المحلية لتضمين الوافدين الجدد الذين أتوا إلى الجزيرة بعد عام 1998. ويؤدي هذا التعديل إلى زيادة نحو 25 ألف ناخب إضافي على القوائم الانتخابية السابقة، وهم من المقيمين على الجزيرة منذ أكثر من عشر سنوات على الأقل. وبالرغم من إعلان فرنسا السيطرة على الوضع الأمني في كاليدونيا، والكشف عن زيارة الرئيس ماكرون إلى الجزيرة، فإن الأزمة كشفت عن تحديات عميقة لباريس في إطار تهديد النفوذ الفرنسي على الساحة الدولية.

أبعاد رئيسية

حملت الأزمة المشتعلة في كاليدونيا الجديدة أوجهاً متعددة؛ وذلك بحسب وجهات نظر الأطراف المشاركة، وتتجلى أهمها فيما يلي:

1– رفض المعسكر الانفصالي في كاليدونيا سياسات باريس: يرى ما يعرف بالتيار الانفصالي (الذين هم من شعب الكاناك Kanak؛ أي السكان الأصليين في كاليدونيا الجديدة) في هذا التعديل الدستوري الذي يقتضي فك تجميد الهيئة الانتخابية، ابتعاداً عن روح التسوية التي سمحت في عام 1988 بطي صفحة العنف في كاليدونيا الجديدة، ولقد اعتبروا أن هذه الخطوة تندرج في مسار ممنهج تتبعه الحكومة الفرنسية منذ ديسمبر2021 حين قررت الإبقاء على الاستفتاء الثالث الذي جرى في 2021 لتحديد المصير، والذي انتهى إلى رفض الاستقلال عن فرنسا، رغم مقاطعته من قبل الانفصاليين الكاناك بسبب جائحة كورونا، وهي اليوم أيضاً تناقش مسألة فك تجميد الهيئة الناخبة في غيابهم على الرغم من كونهم المعنيين الأساسيين بهذه المسألة.

ولقد اعتبر الانفصاليون (جبهة الكاناك والتحرير الوطني الاشتراكي FLNKS) أن هذا التعديل سيكون له تأثير على تحويلهم إلى أقلية، وعلى مبدأ المصير المشترك الذي تم بناء عملية إنهاء الاستعمار عليه منذ الأحداث التي حصلت بين عامي 1984–1988، والذي بفضله تم الحفاظ على السلام لأكثر من ثلاثين عاماً. ولقد أثارت طريقة تعامل وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين مع هذا الملف غضب الانفصاليين؛ حيث اعتبروا أن الوزير يقصد المناورة؛ علماً بأنه في السابق كان رؤساء الوزراء (مثل جان مارك أيرولت ومانويل فالس وإدوار فيليب) هم مَن يتعاملون مع قضية كاليدونيا الجديدة، مستغربين كيف جرى منذ فترة حكومة جان كاستيكس، الذي استقال في مايو 2022، تغيير أسلوب التعاطي الحكومي مع هذه الملف، وتكليف وزير الداخلية بذلك. ومن ثم فإن بعض الآراء ترى أن من الأفضل عودة هذا الملف إلى رئيس الوزراء الحالي جابرييل أتال.

2– انتقادات فرنسية لسياسات جبهة الكاناك في كاليدونيا: ومن جهة ثانية، ترى آراء فرنسية أن جبهة الكاناك والتحرير الوطني الاشتراكي في كاليدونيا الجديدة، وبعد مرور نحو 40 عاماً على إنشائها، لا تزال تتصرف كأنها في حالة حرب مع فرنسا، وتتمسك بفكرة إنشاء دولة لوحدها فقط من دون بقية السكان، وأنه لتحقيق هذه الغاية تلاحق بكراهيتها وتهديداتها كلَّ من هو على الجزيرة من أصول مختلفة.

وتعتبر هذه الآراء أن على الكاناك احترام فكرة أنه جرى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع لتقرير مصير هذه الجزيرة 3 مرات منذ عام 2018، واختار السكان، في كل مرة، خيار البقاء في فرنسا التي لولاها لكان مستوى المعيشة في هذه الجزيرة مماثلاً لمستوى المعيشة في أي دولة فقيرة. وتلفت هذه الآراء النظر إلى أنه في حين أن الأوروبيين والأقليات من أصول آسيوية على الجزيرة يشكلون نسبة كبيرة نحو 59% من السكان، ارتضوا بأن يكون مصيرهم مشتركاً مع أقلية الكاناك، التي تشكل وحدها نحو 41%، بيد أنه لا تزال الرغبة في التمييز راسخة لدى الكاناك من حيث حرمان المقيمين الذين وصلوا منذ أكثر من 10 سنوات من حق التصويت في انتخابات المحافظات.

3– دفاع وزير الداخلية الفرنسي عن التعديلات الدستورية: اعتبر وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين أن الاحتفاظ بالهيئة الانتخابية وفقاً للقواعد القديمة، لم يَعُد يتوافق مع مبادئ الديمقراطية، وأنه لا شيء يمكن أن يجعل فرنسا تتغاضى عن التهديدات التي تتعرض لها العائلات والأطفال في كل مكان في الأراضي الوطنية، بما في ذلك كاليدونيا الجديدة. وأبدى دارمانين استغرابه من كيفية مطالبة اليسار داخل فرنسا بمنح حق التصويت للأجانب المقيمين على التراب الوطني، في حين أنهم يعارضون السماح للذين عاشوا لفترة طويلة في كاليدونيا الجديدة بالمشاركة في الانتخابات المحلية.

4– التأثير السلبي لتزايد التفاوت الاجتماعي والاقتصادي في كاليدونيا: تُظهِر الإحصاءات أن مستوى معيشة الكاناك أقل من مستوى معيشة الجماعات السكانية الأخرى على الجزيرة، وأن هناك اختلافات كبيرة في متوسط ​​الدخل على الرغم من وجود عدد أقل من السكان البيض. ويمثل الدخل المتوسط ​​لجماعة الكاناك ما نسبته 40% فقط من الدخل في نوميا العاصمة؛ حيث يتمركز الفرنسيون. وتشير بعض الدراسات إلى أن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في كاليدونيا الجديدة أعلى بكثير منها داخل فرنسا، كما تشير إلى أن شريحة الشباب من الكاناك مُهمَّشة للغاية، وترى أن استمرار وصول الفرنسيين إلى الجزيرة يساهم في أخذ وظائفها؛ لذلك كان من اللافت أن شباب الكاناك الذين شعروا بأنهم متروكون لمصيرهم البائس، كانوا الأكثر مشاركةً في قلب أعمال الشغب التي بدأت منذ 13 مايو 2024 في كاليدونيا الجديدة، والتي لم تفلح في تهدئتها دعوات القوى السياسية المؤيدة للاستقلال إلى التريث وضبط النفس. والمُستغرَب في الأمر أن هذه الفئة من الشباب لا تتحمس إلى المشاركة في الاستفتاءات أو الانتخابات، ولكن تقود اليوم عمليات الشغب في الشارع.

5– تبني فرنسا إجراءات تصعيدية لإنهاء الاضطرابات: قامت الحكومة الفرنسية في 15 مايو 2024، وسعياً لتخفيف التوترات، إلى اتخاذ إجراء غير مسبوق، يقتضي بحظر تطبيق تيك توك في كاليدونيا الجديدة. وكان هذا الإجراء محل نقاش أثناء فترة الشغب التي رافقت حادثة مقتل الشاب نائل مرزوق على يد الشرطة الفرنسية في يونيو 2023، غير أنه لم يتم حظره حينها. وتقول الحكومة الفرنسية إن هذا الإجراء مرتبط بتطبيق نظام الطوارئ، ولضمان منع التحريض. وتعتبر بعض التحليلات أن التطبيق اُستخدم لنشر معلومات مضللة وغير موثوقة من قبل دول خارجية، أدت إلى زيادة خطر الاضطرابات وأعمال الشغب، بعد أن تناقلها المشاركون في الاحتجاجات. ولقد أصبح هذا الحظر ممكناً في كاليدونيا الجديدة؛ بسبب الولاية القضائية الفرنسية المطبقة على الجزير، وهو الحظر الذي لا يمكن للسلطات الفرنسية تطبيقه داخل فرنسا من جانب واحد في حالة حدوث أعمال شغب دون التشاور مع الاتحاد الأوروبي، كما ينص على ذلك قانون الخدمات الرقمية Digital Services Act.

وأعلنت فرنسا، يوم 19 مايو 2024، إطلاق عملية أمنية كبيرة في كاليدونيا الجديدة، وصرَّح وزير الداخلية الفرنسي “جيرالد دارمانين” بأنه “يجري في هذه الأثناء إطلاق عملية كبيرة تضم أكثر من 600 من رجال الدرك في كاليدونيا الجديدة، تهدف إلى استعادة السيطرة الكاملة على الطريق الرئيسي البالغ طوله 60 كيلومتراً بين نوميا والمطار”، وهي العملية التي أُعلِن فيما بعد عن نجاحها في تحقيق أهدافها.

التداعيات المحتملة

تستدعي تطورات الأزمة في كاليدونيا عدداً من التداعيات المحتملة التي يمكن تناولها على النحو التالي:

1– تزايد الضغوط على باريس لسحب التعديل الدستوري: ترى بعض الآراء أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير داخليته جيرالد دارمانين سوف يفشلان في حل هذه الأزمة إذا ظنا أنهما قادران على التعامل معها بالقوة وعبر واللجوء إلى الحل الأمني؛ لذلك فإنه ليس أمام الحكومة الفرنسية، على المدى القصير، سوى سحب مشروع قانون توسيع قاعدة الناخبين، وإعادة التحاور مع الانفصاليين عبر وسطاء موثوقين؛ من أجل التوصل إلى حل وسط يكون مقبولاً لدى الجميع.

2– مساعي ماكرون لترميم صورته وقدرته على استعادة النظام: وهي المساعي التي تندرج ضمن إطارها زيارة ماكرون إلى كاليدونيا الجديدة التي أُعلِن أنه سيتوجَّه إليها مغادراً باريس مساء 21 مايو 2024، وسيصل إليها صباح يوم 23 مايو بتوقيت نوميا. ولقد أعلن المتحدث باسم الحكومة الفرنسية أن هذه الزيارة تأتي في سياق إحياء الحوار مع الانفصاليين، لكن بعد استعادة النظام. ويرافق ماكرون في زيارته وزراء الداخلية والدفاع وشؤون ما وراء البحار، على أن يليها بعد عدة أسابيع زيارة ثانية يجريها رئيس الوزراء جابرييل أتال لمتابعة نتائجها.

وتقول صحيفة لوفيجارو إن الإليزيه تعمَّد قبل إقلاع طائرة ماكرون أن يسيطر الارتجال على معالم هذه الزيارة وحول برنامجها وهوية المسؤولين الذين يعتزم ماكرون مقابلتهم. ويحاول ماكرون عبر هذه الزيارة مفاجأة المسؤولين الكاليدونيين بعد أن رفض بعضهم المشاركة في مؤتمر عبر الفيديو معه في بداية الأزمة. وكانت بعض المصادر الوزارية ذكرت أن ماكرون عازم على التحدث من نوميا حول مشروع إعادة الإعمار في كاليدونيا الجديدة، والتطرق إلى موضوع تأجيل دخول التعديل الدستوري حيز التنفيذ، كما ذكرت صحيفة لوموند أن ماكرون قرر وضع تاريخ محدد كحد أقصى لاستمرار الحوار، ربما يكون ممتداً حتى نهاية شهر يونيو 2024، ومن بعدها إذا لم يتم التوصل مع القوى المحلية إلى حل وسط فسيتم تمرير التعديل حول الهيئة الناخبة.

3– تصاعد مطالب إجراء استفتاء جديد بشأن مستقبل كاليدونيا: تطالب بعض الأطراف – بعد الاستفتاءات الثلاثة التي نُظِّمت حول استقلال كاليدونيا الجديدة في 2018 و2020 و2021 – بالتوجه نحو إجراء استفتاء رابع. ولقد أيد اللجوء إلى هذا الخيار رئيس الحزب الشيوعي في فرنسا النائب فابيان روسيل. فيما اعتبرت زعيمة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبين أنه ربما يكون هناك حاجة لإجراء استفتاء رابع، ولكن يجب أن يتم ذلك خلال 40 عاماً؛ حتى لا تخسر الدولة استثماراتها التي قامت بها في أمد قصير.

4– التخوف من إحياء النزعات الانفصالية في مناطق السيادة الفرنسية: تتخوف أوساط فرنسية من تمدد عدوى المطالبة بالحكم الذاتي والاستقلال من كاليدونيا الجديدة إلى مناطق أخرى تسيطر عليها فرنسا ولديها مطالب تاريخية بالانفصال، مثل كورسيكا وبولينيزيا الفرنسية، خصوصاً بعد ظهور إشكاليات في نموذج الحكم المركزي الفرنسي. وكان لافتاً في هذا السياق مطالبة رؤساء مناطق ريونيون وجوادلوب والمارتينيك وجيانا، في بيان مشترك صادر في 19 مايو 2024، بالسحب الفوري لتعديل الهيئة الانتخابية في كاليدونيا الجديدة. ولقد اعتبر الموقعون على البيان أن الرد الأمني ​​الذي يتمثل في اتخاذ إجراءات استثنائية، كحظر المرور والإقامة الجبرية وعمليات التفتيش، فضلاً عن إرسال قوات شرطة إضافية إلى كاليدونيا الجديدة؛ لا يشكل حلاً للأزمة.

5– تزايد التوترات بين أذربيجان وفرنسا: كان لافتاً ما أشار إليه وزير الداخلية جيرالد دارمانين، في 16 مايو 2024 على قناة France 2، عن وجود صلات تجمع بين بعض قادة الانفصاليين في كاليدونيا الجديدة وأذربيجان، معتبراً أن التدخل الأذربيجاني في كاليدونيا الجديدة ليس خيالاً بل حقيقة، محذراً من أن تدخل باكو ضار للغاية. وتتحدث وسائل الإعلام الفرنسية عن اكتشاف حسابات على منصة X تدار من باكو وتتابع عن كثب الوضع في كاليدونيا الجديدة. وتدين هذه الحسابات السياسة الاستعمارية الفرنسية الجديدة، كما نشرت هذه الحسابات صورة مفبركة لشخص ميت تقول إن الشرطة الفرنسية قتلته في كاليدونيا الجديدة.

كما انتشرت صورة في وسائل الإعلام الفرنسية لناشطة محلية انفصالية ترتدي قميصاً مرسوماً عليه علم كاليدونيا الجديدة بجانب علم أذربيجان. وتعاني العلاقات بين باريس وباكو من التدهور منذ عدة أشهر على خلفية الدعم الفرنسي العسكري لأرمينيا. واقترح كزافييه برتراند رئيس منطقة أوت دو فرانس، وأحد قادة حزب الجمهوريين أن تقاطع فرنسا مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (COP29) الذي سينعقد قبل نهاية عام 2024 في باكو.

6– تهديد الوجود الفرنسي في منطقة الهندوباسيفيك: لا شك أن قادة الانفصاليين يسعون إلى تدويل قضيتهم؛ وذلك أملاً في الحصول على دعم خارجي. ويلقى هذا السعي قبولاً لدى بعض القوى المهتمة بمنطقة الهندوباسيفيك. وسواء كانت هذه القوى تهدف إلى حماية مصالحها الخاصة أو إلى إضعاف فرنسا، فإن أغلب التحليلات الفرنسية تعتبر أن هذه القوى ليست في الأساس وراء إشعال الأزمة، وإنما تستغلها عبر صب الزيت على النار. وبالإضافة إلى أذربيجان، تتجه أصابع الاتهام الفرنسية بالتدخل في الأزمة الناشبة في كاليدونيا الجديدة لاستغلال ضعف فرنسا الحالي، نحو روسيا والصين اللتين لا تنظران بعين الارتياح إلى رغبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تطوير استراتيجية فرنسية خاصة في منطقة الهندوباسيفيك.

وترجع علاقة روسيا بقادة جبهة الكاناك الاشتراكية إلى حقبة الاتحاد السوفييتي الذي كان يقدم لها الدعم، ولا تزال موسكو محافظةً على قنوات التواصل مع الجبهة إلى اليوم. ويعتبر الفرنسيون أن روسيا متورطة بشن حرب هجينة عليهم، وأنها تساهم في تأجيج تفاقم المشاعر المعادية لفرنسا كما فعلت في أفريقيا؛ حيث تم استغلال هذه الدعاية لإخراج القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر في الساحل الأفريقي بين عامي 2022 و2023، والاستعاضة عنها بمليشيا فاجنر.

أما الصين فتعمل على تطوير نفوذها في هذه المنطقة، ولقد استطاعت نسج علاقات متينة مع قادة الانفصاليين في كاليدونيا الجديدة. وتعتبر بعض القراءات الفرنسية أن من مصلحة الصين تمتين العلاقة مع حركات الاستقلال في هذه المنطقة؛ لأنه بعد الحصول على الاستقلال ستصبح هذه الدول الجديدة حليفة للصين؛ ما يزيد النفوذ الصيني، كما أن الصين تريد الحد من إحاطة تايوان بجزر حليفة لها في المحيط الهادئ.

7– اشتداد الصراع على النيكل في كاليدونيا: ففي كاليدونيا الجديدة، لا تكاد توجد مشكلة إلا أتت بشكل مباشر أو غير مباشر من النيكل؛ لأن هذه الجزيرة تحتوي على ما بين 20% و30% من احتياطيات العالم من معدن النيكل؛ حيث يسمى هناك بالذهب الأخضر. وبالنسبة إلى الانفصاليين، فإن السيطرة على هذا القطاع أمر بالغ الأهمية في مشروع الانتقال نحو السيادة الكاملة. وبالإضافة إلى أن هذا القطاع يوفر نحو 25% من فرص العمل على الجزيرة، فإن له أهمية كبرى بالنسبة إلى سلاسل الصناعة العالمية؛ حيث يتم استخدامه في تكوين الفولاذ المقاوم للصدأ، وفي صناعة بطاريات السيارات.

وعلى الرغم من انخفاض سعره بنسبة 45% في عام 2023، فإن وكالة الطاقة الدولية تتوقع تضاعف الطلب عليه في السنوات العشرين المقبلة. وتتبنى جبهة الكاناك “مبدأ النيكل” الذي ينص على السيطرة على الموارد، ووقف صادرات الخام منه، وبيعه باعتباره منتجاً مكرراً ذا قيمة أكبر؛ وذلك لوضع حد لما يعتبره الانفصاليون “افتراساً استعمارياً” من قبل فرنسا. وتحاول فرنسا إقناع قادة الكاناك بأن تصفير الصادرات من النيكل الخام سيكون مضراً بالاقتصاد الكاليدوني؛ لأن كاليدونيا الجديدة لن تستطيع إنتاجه بسعر أقل من جارتها إندونيسيا (صاحبة أكبر احتياطي عالمي بـ42%) . وفي المقابل تعرض الحكومة الفرنسية على هيئة الحكم المحلي في الجزيرة ما يسمى “ميثاق النيكل” الذي يقتضي إعادة توجيه الإنتاج نحو سوق البطاريات الأوروبية مقابل الحصول على إعانات مالية تبلغ 200 مليون يورو.

وفي الخاتمة، يبقى التساؤل المحوري حول إذا ما كانت الأزمة في كاليدونيا الجديدة ستُشكل المحطة الأولى من بداية انسحاب فرنسا من منطقة الهندوباسيفيك، في استعادةٍ للسيناريو القريب الذي حصل معها في الساحل الأفريقي، أم أن الدرس الأفريقي قد طوَّر طريقة استجابة فرنسا في التعامل مع الانفصاليين والشعوب الأصلية، سواء في مستعمراتها السابقة أو في أراضي ما وراء البحار التي ما زالت تسيطر عليها؟

بقلم نوار الصمد – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14307

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *