شهدت الدول الأوروبية، خلال الأيام السابقة، موجات حارة شديدة وغير مسبوقة؛ ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، إلى التحذير من أن الحرائق المستعرة في أوروبا وغيرها من القارات في العالم، إضافة إلى موجات الحر الخانقة، تشير إلى أن الإنسانية تواجه “انتحاراً جماعياً”. وتتوافق تلك التطورات مع إدراكات الشباب الأوروبي للمهددات؛ حيث أظهر الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة “توي” بمدينة هانوفر بشمال ألمانيا، وعُرضت نتائجه في 7 يوليو الجاري أن 76% ممن شملهم الاستطلاع في دول أوروبية متنوعة يرون أن الاحتباس الحراري هو التهديد الأكبر، تلته الحرب في أوروبا بنسبة 64%، ثم وباء كورونا بنسبة 50%.

مؤشرات الأزمة

ثمة عدد من المؤشرات على تفاقم أزمة التغير المناخي، وما تتسبب فيه من مشكلات وكوارث تترك تأثيراتها على المجتمعات المستقرة. وتحمل التطورات الأخيرة في القارة الأوروبية أمثلة لتلك المؤشرات، منها:

1– ارتفاع غير مسبوق لدرجات الحرارة: يؤثر تغير المناخ على موجات الحرارة في أوروبا بطريقة ديناميكية؛ حيث تجلب منطقة الضغط العالي البطيئة الحركة، الهواء الحار من شمال أفريقيا إلى دول القارة الباردة. فقد شهدت الدول الأوروبية في الأيام الماضية ارتفاعاً كبيراً وغير مسبوق في درجات الحرارة. فتجاوزت درجات الحرارة في المملكة المتحدة الـ40 درجة مئوية، للمرة الأولى في تاريخ البلاد، وأصدر مكتب الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة أول تحذير أحمر على الإطلاق من درجات الحرارة الشديدة؛ ما يشير إلى وجود “خطر على الحياة”. وأفادت وكالة الأرصاد الجوية الوطنية الفرنسية بأن 64 منطقة سجلت درجات حرارة مرتفعة قياسية، وتجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

2– اشتعال حرائق على نطاق واسع: مع ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا، التهمت الحرائق مساحات شاسعة من الغابات في دول القارة خلال الأيام الماضية؛ حيث يؤدي الطقس الحار إلى استنزاف الرطوبة من الغطاء النباتي، وتحويله إلى وقود جاف يساعد على انتشار الحرائق؛ فعلى سبيل المثال، شهدت فرنسا سلسلة حرائق هائلة بالأقاليم الجنوبية الغربية وخاصة إقليمي نوفيل–آكيتين وجيروند؛ حيث اجتاحت النيران أكثر من 10000 هكتار من الغابات، مع امتداد الحرائق إلى غابات أخرى بالقرب من مدينة بوردو. كما تسببت حرائق الغابات التي امتدت إلى 30 بؤرة نشطة في مناطق مختلفة بإسبانيا، في تدمير أكثر من 14 ألف هكتار من الغابات والمحميات الطبيعية.

وقد حذرت دراسة نشرها المحاضر في علم البيئة بكلية الأحياء بجامعة برشلونة جوفر كارنيسر، في مجلة “Scientific Reports” من تزايد مخاطر نشوب حرائق شديدة في أوروبا بسبب زيادة موجات الحر والجفاف، خاصة في جنوب أوروبا وحوض البحر المتوسط، بما قد يتجاوز قدرات مكافحة الحرائق في المجتمعات الأوروبية. وبحسب بيانات أصدرها نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبية التابع لبرنامج مراقبة الأرض بالاتحاد الأوروبي “كوبرنيكوس”، في 21 يوليو الجاري، فقد تخطت المساحات التي اجتاحتها النيران في الأسابيع الأخيرة في أوروبا المساحة الإجمالية للأراضي المحترقة خلال عام 2021 بأكمله.

كما تضاعفت مساحة الريف الأوروبي المحترق إلى أكثر من 3 أضعاف هذا العام، مع ما يقرب من 450 ألف هكتار من الأراضي المتفحمة، مقارنة بمتوسط الأشهر المناظرة خلال الفترة بين عامي 2006 و2021 البالغ 110 آلاف هكتار. وشهدت أوروبا ما يقرب من 1900 حريق غابات مقارنة بمتوسط 470 حريقاً للفترة المذكورة. وتؤثر زيادة الحرائق بدورها على ارتفاع درجات الحرارة؛ حيث تتسبب في زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة من الحرائق وفي زيادة درجات الحرارة خلال فصل الصيف.

3– تغيُّر أنماط هطول الأمطار: تشهد أوروبا خلال السنوات الأخيرة تغيراً ملحوظاً في أنماط هطول المطر؛ حيث تلعب التغيرات المناخية دوراً في تغير أنماط هطول الأمطار في أوروبا. فوفق دراسة أجراها مكتب الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة، فإن الغازات الدفيئة مسؤولة عن الظروف الجافة الطويلة المدى في حوض البحر المتوسط ​​وزيادة هطول الأمطار على بقية أوروبا خلال فصل الشتاء.

4– حدوث فيضانات مدمرة: شهدت القارة الأوروبية خلال السنوات الماضية فيضانات مدمرة، فعلى سبيل المثال ضربت فيضانات قوية أجزاء من غرب ألمانيا وهولندا وبلجيكا، في يوليو 2021، وبالإضافة إلى تدمير المباني والممتلكات، خربت الفيضانات إمدادات الطاقة وإشارات بث الهواتف. وتشير دراسات إلى أن تغير المناخ غيَّر مواعيد فيضانات الأنهار في أوروبا خلال الأعوام الخمسين الأخيرة؛ حيث تسبب في تقديم موعد الفيضانات في شمال شرق القارة وتأخيره في مناطق قريبة من البحر المتوسط.

تداعيات ضاغطة

تسببت أزمة التغيرات المناخية وما أحدثته من ظواهر مناخية وطبيعية، في عدد من التداعيات الضاغطة على الاستقرار الداخلي في الدول الأوروبية، ومنها:

1– مخاوف من أزمة ديموغرافية بسبب تزايد الوفيات: تتسبب التغيرات المناخية وظواهرها من ارتفاع بدرجات الحرارة وفيضانات وحرائق في حدوث وفيات؛ الأمر الذي يخلق مخاوف من حدوث أزمة ديموغرافية على المدى الطويل، من جراء تزايد أعداد الضحايا الناتجة عن كوارث التغير المناخي. وتهدد درجات الحرارة غير المسبوقة حياة بعض السكان الأوروبيين؛ فقد لقي أكثر من 1100 شخص حتفهم في إسبانيا والبرتغال، بسبب موجة الحر التي ضربت أوروبا الأيام الماضية. وسبب حرائق الغابات الكبيرة، مشكلات في الجهاز التنفسي والقلب، خاصة لدى المسنين والصغار. وأظهرت دراسة نشرتها مجلة “The Lancet” أن التعرض لدخان حرائق الغابات يؤدي في المتوسط إلى أكثر من 30 ألف وفاة سنوياً في 43 دولة، وأن التغيرات المناخية الأوروبية قد تتسبب في مقتل 152 ألفاً بحلول نهاية القرن الحالي، وستتضاعف أعداد الوفيات 50 مرة إذا لم تؤخذ التدابير الوقائية اللازمة.

كما أن هناك بعداً نفسياً يتعلق بتنامي الخوف من الإنجاب لدى من يعانون من القلق البيئي والخوف من تبعات التغير المناخي؛ حيث تتخوف بعض الأسر في الدول التي تشهد ظواهر مناخية متطرفة وكوارث طبيعية من فكرة الإنجاب قلقاً على حياة أطفالهم فيما بعد من جراء تفاقم أزمة المناخ.

2– تحمل الحكومات تكلفة اقتصادية باهظة: يحمل التغير المناخي وما يتسبب فيه من دمار وكوارث طبيعية، تكلفة اقتصادية مرتفعة، تدخل في إطارها عملية الاستجابة لحالات الطوارئ، وما يلحق بالبنية التحتية من دمار، والتعويضات والإصلاحات وغير ذلك، وهي التكلفة التي تتحملها الحكومات وتشكل عبئاً مضافاً على ميزانيتها. وعلى سبيل المثال، تراوحت الأضرار الاقتصادية في الولايات المتحدة، بحسب بعض التقديرات، بين 71 و348 مليار دولار في السنوات الأخيرة.

3– إجلاء السكان من مناطق الخطر: صاحب الحرائق التي شهدتها الدول الأوروبية عمليات إجلاء اضطرارية؛ فعلى سبيل المثال أدى اجتياح النيران للغابات في فرنسا إلى إجلاء أكثر من 12 ألفاً، وأدى امتداد الحرائق إلى غابات أخرى بالقرب من مدينة بوردو إلى إجبار السكان ورواد مواقع التخييم على مغادرة المنطقة، وأعلنت السلطات في جنوب غرب فرنسا عن خطط لإخلاء المزيد من البلدات وتشريد 3500 شخص معرضين لخطر الوقوع في مسار النيران، كما قررت السلطات اليونانية إخلاء سبع قرى وقائياً في منطقة بمحافظة ريثيمنو في جزيرة كريت.

4– انخفاض إنتاجية المحاصيل الزراعية: تؤثر أزمة التغير المناخي على إنتاجية الغذاء؛ حيث يقلل الجفاف كمية المياه اللازمة لإنتاج الأغذية والاحتياجات الأساسية، وتؤثر درجات الحرارة المرتفعة على نمو المحاصيل الزراعية. ويهدد هذا التأثير الأمن الغذائي للدول الأوروبية، خاصة مع الأزمة الموجودة بالفعل في ظل الحرب الأوكرانية، وهو ما يخلق مخاوف مجتمعية تتعلق بعدم قدرة الحكومات على توفير الغذاء اللازم لمواطنيها مع احتدام أزمات التغير المناخي وتداعياتها الزراعية داخل وخارج أوروبا. وقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة من تعرض الدول لفاجعة بالنسبة إلى الإنتاج الغذائي بسبب التغيرات المناخية.

5– تفاقُم أزمة الطاقة في الدول الأوروبية: بينما تواجه الدول الأوروبية أزمة في قطاع الطاقة من المحتمل تفاقمها على وقع الحرب الأوكرانية والخلافات مع روسيا، فإن موجة الحر الخانقة المستمرة في عدد من الدول الأوروبية تهدد بتفاقم تلك الأزمة؛ حيث تؤدي إلى زيادة الطلب على شراء واستخدام أجهزة تكييف الهواء التي تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء، وهو الأمر الذي يعني مضاعفة الطلب على الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء.

6– تضرر البنى التحتية الاستراتيجية والعسكرية: وذلك في الوقت الذي تؤدي فيه التغيرات المناخية وما يصاحبها من كوارث مناخية طبيعية إلى أضرار كبيرة بالبنى التحتية، مثل التي تتسبب بها الفيضانات وحرائق الغابات والموجات الحارة. الأمر الذي لا يقف عند حدود البنى التحتية المدنية، بل يطال كذلك منشآت استراتيجية وعسكرية. فعلى سبيل المثال، أوقف سلاح الجو الملكي الرحلات في أكبر قاعدة عسكرية تابعة له في المملكة المتحدة، وهي قاعدة برايز نورتون العسكرية، بسبب “ذوبان المدرج” إثر موجة الحر التي تشهدها بريطانيا.

7– تزايد حركة الهجرة واللجوء المناخية: مع تزايد تأثيرات التغير المناخي في الدول الأوروبية التي تشهد موجات حارة غير مسبوقة، فإن ثمة مخاوف من أن تؤدي التغيرات المناخية إلى موجات هجرة ولجوء جديدة. وقد أقر الميثاق العالمي للاجئين، الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018 بأن العوامل المناخية والكوارث الطبيعية تؤدي إلى تزايد حركات اللجوء بالفعل.

ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، اضطر نحو 265 مليوناً إلى مغادرة منازلهم في الفترة بين 2008 و2018 بسبب الكوارث المناخية. ورغم ترجيح تقديرات متخصصة في هذا الشأن أن تكون الهجرة الناتجة عن التأثيرات المناخية هجرة داخلية على الأغلب، فإن ثمة أصواتاً أوروبية تدعو إلى منح اللجوء لمن يضطرون إلى الهجرة بسبب الكوارث الناتجة عن التغيرات المناخية.

8– الصدام مع رافضي الحد من الانبعاثات: بقدر ما تحمل قضية التغير المناخي توافقاً عالمياً وأوروبياً على أهمية مواجهتها، فإن ثمة صعوبات محتملة من الممكن أن تواجهها الحكومات على أرض الواقع على صعيد المواجهة الفعلية. فعلى سبيل المثال، من الممكن أن تحاول مجمعات صناعية وشركات كبرى عرقلة التشريعات المناخية التي تؤثر على تلك الشركات وتجبرها على التحول نحو آليات اقتصادية خضراء؛ وذلك تحت مبررات وأسباب من بينها التأثير على قدرات الإنتاج وتكلفة التشغيل.

إذ يتعين إعادة هيكلة الصناعات المتسببة بنسب عالية من الانبعاثات بوتيرة سريعة، وفرض سعر كربون أعلى على كبار الملوثين الأوروبيين؛ من أجل إجبارهم على التحول إلى عمليات صناعية تحمي المناخ؛ الأمر الذي ترى هذه الشركات أنه قد يضر بتنافسيتها خارج الاتحاد الأوروبي ويعطي ميزة للشركات غير الأوروبية. كما تقاوم جماعات الضغط في صناعة الأخشاب فرض قيود مناخية على هذه الصناعة. ومن الممكن أن يمثل رفض تلك المجموعات تشريعات الحد من الانبعاثات الكربونية نقطة صدامية مع الحكومات الأوروبية.

9– زيادة الضغوط الخضراء على الحكومات: ثمة ضغوط يمكن تسميتها “الضغوط الخضراء” تمارسها جماعات فاعلة وحركات مهتمة بالتغير المناخي على الحكومات الأوروبية. وفضلاً عن أن التداعيات السلبية للتغيرات المناخية تحفز تلك الضغوط وتزيدها، فإنها تجذب إليها دوائر شعبية أكثر اتساعاً نتيجة تزايد حالات الضرر الناتجة عن التغيرات المناخية، وإدراك خطورتها من واقع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة وحرائق الغابات المتكررة، والأضرار المباشرة التي تلحق بالمواطنين الأوروبيين. خاصةً أن التوجه البيئي بات أحد المحددات الانتخابية في أوروبا، وهو الأمر الذي تزيده تلك التداعيات، على النحو الذي يمثل عامل ضغط على الحكومات والقوى السياسية الأوروبية لاتخاذ مواقف أكثر دعماً لمواجهة التغيرات المناخية.

إجراءات طارئة

تتطلب المشكلات المترتبة على التغيرات المناخية من الحكومات إجراءات طارئة؛ حيث تخلق الكوارث الطبيعية تحديات من المهم على الحكومات مواجهتها؛ ما يستدعي تشكيل فِرق لإدارة الأزمات الطارئة، واتخاذ قرارات عاجلة لمواجهة تلك الحالات. وعلى سبيل المثال، فتحت فرنسا إدارات المتاحف وأماكن أخرى مكيفة الهواء أمام العموم مجاناً، مع تمديد ساعات فتح المسابح، وتجهيز سجلات مخصصة للمعرضين للخطر، خصوصاً المتقدمين في السن أو الذين يعيشون وحدهم، كما أقامت السلطات البريطانية نقاط مياه مجانية. وعلى نطاق أكبر، تدعو الأزمة الأجهزة الحكومية إلى اتخاذ إجراءات تدخلية وإعلان حالات الطوارئ فيما يتعلق بالاستجابات الصحية والطبية والمستشفيات وأجهزة الإطفاء وغيرها.

وفي السياق ذاته، تضاعفت الحاجة إلى إعادة تصميم البنية التحتية؛ إذ تشير تقديرات الخبراء إلى أن المباني لم تصمم في العديد من الدول الأوروبية بطريقة تتحمل درجات تفوق 25 درجة مئوية، خاصة في شمال أوروبا؛ حيث تم بناء معظم المنازل للحفاظ على الحرارة لمساعدة السكان على تحمل البرد على نحو أفضل؛ ما يتسبب في ارتفاع درجات الحرارة في الأماكن المغلقة أثناء موجات الحر؛ وذلك فضلاً عن أن جزءاً ضئيلاً من المباني بوجه عام مجهز بمكيفات الهواء، بالإضافة إلى أن “المدن التي لم يتم بناؤها لتحمل درجات الحرارة المرتفعة، في كثير من الحالات، لا تمتلك البنية التحتية المناسبة للحفاظ على البرودة، وتحتاج الكثير من الظل والوصول إلى المساحات الخضراء والمياه، أو تدابير الاستجابة للطوارئ لمساعدة الفئات الأكثر ضعفاً.

ختاماً.. سبق أن حذر الاتحاد الأوروبي من أن تغير المناخ يشكل تهديداً وجودياً لن يُستثنى منه أي بلد، ولفت إلى أن العالم يعاني من كوارث طبيعية مدمرة ناجمة عن تغير المناخ، كالأعاصير والتغيرات في الخارطة المناخية والفيضانات والحرائق، الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى المخاطر التي ينطوي عليها ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي. إلا أنه مع تزايد موجات الحرارة والحرائق التي تضرب الدول الأوروبية، فإن ذلك من الممكن أن يحفز الدول الأوروبية بدرجة أكبر على التفكير في مواجهة أكثر جدية للتغيرات المناخية التي باتت تداعياتها السلبية تهدد استقرارها الداخلي بقدر أكثر وضوحاً.

بقلم عبدالمجيد أبو العلا – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية