د. مروة صبحي منتصر –  إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

تؤثر الصراعات العسكرية بشكل كبير على مستقبل التغيُّرات المناخية حول العالم؛ وذلك على الرغم من أن الجيوش النظامية كانت منذ عقود تخشى أن تكون أزمات المناخ المتنامية هي السبب الرئيسي للصراع في المستقبل. ولا تعد الحرب الروسية الأوكرانية بمعزلٍ عن تلك التطورات، خاصةً في ظل ارتداداتها المباشرة وغير المباشرة على مسألة التغير المناخي، وما ارتبط بها كذلك من تصاعد أزمات الطاقة في بعض دول العالم، وعرقلة التحول الدولي إلى مصادر الطاقة النظيفة بدرجة كبيرة؛ حيث تكشف التقديرات أنه منذ بداية الحرب أصبح من المتوقع تزايد استخدام الوقود الأحفوري بنحو 14% في ظل نقص إمدادات الطاقة، لا سيما من روسيا التي تعتبر أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم وتساهم بنحو 40% من احتياجات الدول الأوروبية، كما أنها ثاني أكبر مصدر لمشتقات البترول وثالث مصدر عالمي للفحم. وقد دفعت تطورات الحرب الأوكرانية الكثير من الدول إلى تعزيز تأمين وارداتها من الوقود الأحفوري في المدى المنظور، وهو ما تجلّى بشكل واضح في الحالة الأوروبية مع إعلان موسكو في سبتمبر 2022 تعليق شحنات الغاز الطبيعي عبر خط الأنابيب عبر خط أنابيب “نورد ستريم 1”.

عسكرة المناخ

تؤثر الحروب والصراعات العسكرية المتفاقمة تأثيراً مباشراً على مسألة التغيُّر المناخي، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1- خطر التحول الأخضر غير المنضبط: رغم تدافع الحكومات والشركات لتأمين إمدادات النفط والغاز والفحم على المدى القصير، يقول بعض المحللين إن الحرب الروسية الأوكرانية يمكن أن تسرع انتقال الطاقة النظيفة على المديين المتوسط والطويل، وإنه إذا استمر النفط فوق مستوى 150 دولاراً للبرميل على المدى الطويل، فقد يكون هذا بمنزلة مؤشر خطر على الاقتصاد العالمي، كذلك فإن هناك مخاطر منهجية حقيقية من أن هذه الحرب يمكن أن تُعجل بتحول أخضر غير منظم. ومن المؤكد أن الصراع كشف عن إرث سوء التخطيط من جانب دول الاتحاد الأوروبي لتنويع الإمدادات الروسية عندما أتيحت لها الفرصة، وهناك أيضاً خطر يتمثل في أن الانتقال السريع إلى الطاقة المتجددة قد لا يمكن التنبؤ به ويزعزع استقرار الأسواق بشكل أكبر.

2- العودة إلى مصادر الطاقة شديدة التلوث: على النقيض من التحول إلى الطاقة النظيفة للتعويض عن فقدان إمدادات النفط والغاز، فضلاً عن ارتفاع الأسعار، تتجه العديد من البلدان أيضاً إلى مصدر طاقة رخيص لكنه شديد التلوث، وهو الفحم. جدير بالذكر أن استهلاك الفحم في أوروبا كان ينخفض باطراد في السنوات الأخيرة، وفي أكتوبر 2021، خلال قمة مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2021، دعت العديد من الدول إلى فرض حظر كامل على الفحم، ولكن بعد الحرب الأوكرانية، توقفت خطط إغلاق محطات الفحم، وتباطأ انخفاض الاستهلاك من نحو 29% بين عامي 2017 و2019، إلى 3% فقط بين عامي 2019 و2021. ومن المحتمل أن يؤدي هذا إلى إبطاء إزالة الكربون في أوروبا على المدى القصير، على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يريد على المدى الطويل مضاعفة تطوير الطاقة المتجددة للاقتراب من الاكتفاء الذاتي.

3- إزالة غابات في منطقة الأمازون: التأثير الآخر الأقل شهرة للأزمة الأوكرانية هو التهديد بمزيد من إزالة الغابات في منطقة الأمازون؛ حيث قام الرئيس البرازيلي اليميني المتطرف جايير بولسونارو، الذي ينكر المخاوف البيئية، بتوظيف الحرب الأوكرانية كحجة لمزيد من استخراج البوتاسيوم من منطقة الأمازون، وتقليل الاعتماد على واردات روسيا في هذا الإطار؛ ولذا دعمت تصريحات الرئيس البرازيلي تسريع إزالة الغابات، سواء بشكل قانوني أو غير قانوني. وقد أدى هذا النمط إلى تحذير العديد من الخبراء من “نقطة تحول” قادمة؛ حيث ستتحول أجزاء كبيرة من الغابات المطيرة إلى سافانا جافة؛ ما يؤدي إلى تغيير أنماط الطقس وإطلاق مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

4- تصاعد مخاطر “التدمير البيئي”: في اليوم الأول من الحرب الروسية في أوكرانيا، تم الإبلاغ عن إشعاع جاما في منطقة تشيرنوبيل بما يقرب من 28 ضعف الحد السنوي، في وقت تدير فيه أوكرانيا خمسة عشر مفاعلاً نووياً في أربعة أماكن مختلفة. ومن الممكن – حتى لو تعرض أحد المفاعلات للتلف – أن نرى كارثة تشيرنوبيل الثانية؛ حيث يمكن للحطام والإشعاع المنطلق في أي هجوم أن ينتشر آلاف الكيلومترات، ويمكن أن يؤدي إلى العديد من المشاكل الصحية للمواطنين؛ ليس فقط في أوكرانيا، ولكن أيضاً في أقرب البلدان. ومن جانب آخر، فإن هناك العديد من مناجم الفحم التي عفا عليها الزمن في منطقة دونباس، وهي تشكل خطراً كبيراً في أوكرانيا لأنه عندما يتم إغلاق منجم لا يمكن التخلي عنه للأبد؛ إذ لا تزال هناك مهام يجب القيام بها مثل المياه التي يجب ضخها باستمرار لمنع تلوث الخزانات بالمعادن الثقيلة مثل الزئبق والرصاص والزرنيخ، وفي ضوء استمرار العمليات العسكرية في أوكرانيا، فإن تنفيذ هذه المهام أمر بالغ الصعوبة. 

تحولات جيواستراتيجية

تحفز الحرب الروسية الأوكرانية على التفكير في مستقبل الوضع المناخي العالمي، وما يقترن به من تحولات جيواستراتيجية عالمية؛ وذلك على النحو التالي:

1- ظهور بدائل الطاقة غير النفطية: في حين أن الحرب الحالية قد تكون بمثابة انتكاسة قصيرة المدى لأهداف المناخ العالمي، فمن المرجح أنها على المدى الطويل ستسرع من تحول الطاقة، ومن المرجح أن تعتمد أغلب الدول الغربية على الهيدروجين الأخضر كوقود مستقبلي موثوق به وذي أسعار معقولة، خاصة مع قطع بوتين إمداداته عنها من النفط والغاز؛ حيث يجبرها على الاستثمار بوتيرة أسرع في الطاقة المتجددة والتخلي عن استخدام الوقود الأحفوري في المستقبل؛ ففي غضون أسبوعين من الحرب الأوكرانية، أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطط لتركيب توربينات الرياح والألواح الشمسية والمضخات الحرارية بشكل أسرع من أي وقت مضى، فيما أعلنت ألمانيا وحدها الالتزام بمبلغ 200 مليار يورو لإزالة الكربون من إمدادات الكهرباء بحلول عام 2035. وفي المقابل يمكن أن يفضي التحول نحو الطاقة غير النفطية في المستقبل إلى الإضرار باقتصادات الدول التي تعتمد في أغلب اقتصادها على تصدير النفط والغاز، فتتراجع أهميتها الجيواستراتيجية.

2- اشتداد أزمة الأمن الغذائي العالمي: سلطت الحرب الضوء على دور روسيا وأوكرانيا كلاعبين رئيسيين في الزراعة العالمية. وتمثل هاتان الدولتان معاً 28% من صادرات القمح عالمياً. علاوة على ذلك، تعد روسيا أكبر مورد للأسمدة ومكوناتها الخام، مثل النيتروجين. وفي حين أن الآثار القريبة المدى للاضطرابات الزراعية المرتبطة بتوافرها وسعرها ستظهر بشكل أكثر حدة في الأماكن التي تعتمد على حبوب البحر الأسود (مثل ليبيا وباكستان ودول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى)، أشارت التقديرات إلى أنه سيكون هناك آثار مضاعفة عالمية مدمرة؛ إذ ستؤدي زيادة تكاليف الوقود ومحدودية الأسمدة إلى قلة توافر الحبوب ورفع الأسعار في جميع أنحاء العالم؛ ما يؤثر بشكل غير متناسب على الذين لديهم أقل قوة شرائية. 

3- تفاقم أزمة لاجئي المناخ: ترتبط التطورات المناخية السلبية بشكل كبير بأزمة اللجوء، ومن المرجح أن يكون معظم المتأثرين من ذلك في البلدان المعرضة للتغير المناخي داخل إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وفي الدول الجزرية الصغيرة دون أن ينفي ذلك عدم تأثر باقي دول العالم بهذه الظاهرة السلبية؛ إذ تجبر تهديدات ارتفاع مستوى سطح البحر، وارتفاع الحرارة، وحرائق الغابات، والجفاف، ونقص الغذاء والماء، الناس بالفعل على التحرك من أماكنهم إلى أماكن أخرى. جدير بالذكر أنه منذ عام 2008، وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تم تشريد 21.5 مليون شخص سنوياً قسراً بسبب الأحداث المتعلقة بالطقس، مثل الفيضانات والعواصف وحرائق الغابات وارتفاع درجات الحرارة. ومن المتوقع أن ترتفع هذه المؤشرات في العقود القادمة مع تنبؤات من المركز الدولي (IEP) بأن 1.2 مليار شخص يمكن أن يتشردوا على مستوى العالم بحلول عام 2050 بسبب تغير المناخ والكوارث الطبيعية. وتأتي الحرب الأوكرانية لتزيد تنبؤات تدهور المناخ العالمي، خاصةً مع تقديرات أممية بفرار أكثر من 8 ملايين شخص من أوكرانيا من جراء التدخل العسكري الروسي.

وختاماً، بالرغم من أن الحرب الأوكرانية – الروسية الدائرة تؤدي إلى مستويات مرتفعة من التدمير البيئي والتدهور المناخي العالمي، فإن بعض التقديرات تشير إلى أنها يمكن أن تكون دافعاً نحو إصلاح النظام المناخي العالمي والإسراع نحو التحول إلى الطاقة المستدامة، وما يمكن أن يحدد ذلك هو سياسات الدول في المدى المنظور، لا سيما في ظل ما كشفت عنه الحرب من نقاط ضعف متعددة فيما يتعلق بالأمن المناخي، سواء داخل الدول أو حتى على المستوى العالمي، وبما يتطلبه ذلك من تضافر الجهود الدولية لتحجيم الارتدادات السلبية المتسارعة للتغيرات المناخية.