ألكسندر كولي ودانيال نيكسون، مجلة الشؤون الخارجية، عدد يوليو/أغسطس 2020، الولايات المتحدة

إعداد وترجمة: جلال خشّيب، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية

ترتكز هذه الدراسة على آخر كتابٍ مشتركٍ نشره الباحثيْن شهر مايو 2020 بعنوان: “الخروج من الهيمنة: تفكّك النظام العالمي الأمريكي”، وهو كتابٌ مثيرٌ للجدل، يُحاجج فيه الباحثيْن وفي هذه الدراسة أيضاً بأنّ الهيمنة الأمريكية العالمية والنظام العالمي الليبرالي الذّي رعته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يشهدان في هذه اللحظة إنحداراً دائماً لا قدرة للولايات المتحدة بعد الآن على تصحيح مساره، خلافاً لكلّ لحظات الأزمات التّي شهدتها الولايات المتحدة من قبل، وبأنّنا مقبلون على ظهور نظامٍ دوليٍ أقلّ تعاوناً وأكثر هشاشة.
لا يرتبط هذا التفكّك بالآثار التّي أحدثتها أزمة كوفيد-19 ولا بالسياسات الإنعزالية الخطيرة للرئيس ترامب التّي تُقوّض القيادة الأمريكية العالمية (كإنسحابه من العديد من الإلتزامات والمنظمات الدولية، تقليله لقيمة التحالفات ولأهميّة القيم الليبرالية وحقوق الإنسان، دعمه لتفكّك الإتحاد الأوروبي، محاباته للمستبدّين..)، بل يرتبط وضع الإنحدار الدائم هذا بحدوث تحوّلٍ في العوامل التّي مكنّت الولايات المتحدة من تحقيق وضع الهيمنة في السابق، إنّها اليوم ذات العوامل التّي إنقلبت عليها وتضغط في إتّجاه تفكّك الهيمنة الأمريكية ونظامها الليبرالي العالمي.

فمع هزيمة الإتحاد السوفياتي، لم تُواجه الولايات المتحدة أيّ مشروعٍ إيديولوجيٍ عالميٍ يُمكن أن يُنافسها (لحظة الأحادية القطبية)، فكانت بذلك الولايات المتحدة بمثابة البديل الوحيد للدول النامية والدول ما بعد الشيوعية الذّي يُوفّر لها الدعم الإقتصادي، العسكري والسياسي في هذه البيئة الجديدة، كما مكنّت هذه البيئة الدولية الناشطين والحركات العابرة للقوميات (أو ما سُمّي بالمجتمع المدني العالمي) من العمل على نحوٍ مريحٍ عبر العالم، التوغّل بمشاريع إقتصاديةٍ وثقافيةٍ في الدول، هندسة دساتيرها الجديدة ونشر القيم والمعايير الليبرالية، مُعزِّزةً بذلك من النظام الليبرالي العالمي.
أمّا اليوم، فنحن بصدد حدوث إنقلابٍ كلّي في هذا الوضع: لم تبق الساحة الدولية خاليةً للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين مع صعود قوى عظمى منافسة على رأسها الصين وروسيا، وبذلك صار للبُلدان المتوسّطة والصغيرة بدائل تلجأ إليها ورعاةٌ يؤَمنّون لهذه البلدان كافة أشكال الدعم السخيّ ومن دون شروطٍ مُسبقة، كما صارت الحركات العابرة للحدود والنشاط الليبراليَيْن محدودي الحركة والتأثير في البلدان النامية وما بعد الشيوعية مع صعود حركاتٍ قوميةٍ وشعبوية (وصل بعضها للسلطة) تُعلي من القيم المحليّة والسيادة الوطنية على حساب القيم الليبرالية الأجنبية الدخيلة. هذا ما يجعل الكاتبان يُحاججان بالإنحدار الدائم للهيمنة الأمريكية وتفكّك النظام الليبرالي العالمي الذّي رعته منذ سبعين سنة، معتبران فترة الأحادية القطبية الليبرالية مجرّد وهمٍ بالي.

يرجع الباحثيْن إلى مطلع القرن الحادي والعشرين حينما بدأ القادة الصينيين والروس في الدعوة إلى تعزيز التعدّدية القطبية وإقامة نظامٍ دوليٍ جديد، مُعبّرين عن ذلك في خطاباتهم وإعلانهم عن مشاريع مشتركة. إعتبر كثيرٌ من المحلّلين الغربيين حينها هذه الدعوات مجرّد أمنيات، محاججين بأنّ الصين تُعدُّ مستفيداً أولاًّ من النظام الحالي وبأنّ الروس لن يتمكّنو أبداً من حشد أتباعٍ وحلفاء بارزين لمجرّد إدانتهم لبعض السلوكات الأمريكية، كما شكّك هؤلاء في قدرة بيجين وموسكو على تجاوز عقودٍ من عدم الثقة والتنافس لأجل توحيد الجهود ضدّ الولايات المتحدة. اليوم صارت كلٌّ من الصين وروسيا تُقدّمان تصوّرات متنافسة للنظام العالمي عبر مشاريع إقتصاديةٍ وإستراتيجيةٍ تجذب إليها العديد من قادة الدول، ليَكسِرا بذلك الإحتكار الغربي للزعامة والرعاية العالميين.
علاوة على ذلك، تعمل كلٌّ من بيجين وموسكو على التحدّي المشترك للولايات المتحدة في المؤسّسات الدولية التّي أنشأها الغرب، على سبيل المثال صوّت كلاهما في الجمعية العامة للأمم المتحدة بالطريقة بنفسها بما نسبته 86% ما بين 2006-2018، وغالباً ما كان هذا التنسيق ضدّ إرادة الهيمنة الأمريكية. في الوقت نفسه يعمل كلاهما على بناء نظامٍ بديلٍ من خلال إنشاء مؤسّسات ومنتديات إقليمية ودولية جديدة يتمتّعان فيها بنفوذٍ أكبر، يستثنيان فيها الدول الغربية ولا يُلزمان فيها الدول المنخرطة بشروطٍ تتعلّق بحقوق الإنسان والحريات الليبرالية كما يفعل الغرب، الأمر الذّي مكّنهما من كسب أتباعٍ وحلفاءٍ كثر، على سبيل المثال ترعى الصين إنشاء البنك الآسيوي للإستثمار في البنية التحتية (AIIB)، بينما ترعى روسيا إنشاء الإتحاد الإقتصادي الأوراسي (EAEU)، وكلاهما يقودان منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) منذ 2001 التّي تزدهر عاماً بعد عام. النتيجة، هي ظهور هياكل موازية للحوكمة العالمية الليبرالية، تُهيمن عليها دولٌ إستبدادية. حتّى وإن إفتقرت هذه المؤسّسات إلى الفاعلية اللازمة أو القدرة على حلّ المشكلات الجماعية لأعضائها، فهي توّلد علاقاتٍ دبلوماسيةٍ أكثر كثافة، تُعزّز الثقة والقيم المشتركة بين أعضائها وتُسهّل عليهم بناء تحالفاتٍ عسكريةٍ وسياسية. الأكثر من ذلك، شرعت كلٌّ من الصين وروسيا اللعب في مناطق النفوذ التقليدية للولايات المتحدة والغرب، إذ تُوثّق الصين مثلاً علاقاتِ تعاونٍ مع دول وسط وشرق أوروبا عبر مجموعة 17+1، بل إنّها تخترق اليوم الحديقة الخلفية للولايات المتحدة ذاتها عبر منتدى مجتمع دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي (ChinaCELAC) مختبرةً بذلك تماسك الكتلة التقليدية الغربية، من دون أن ننسى مشروع القرن الصيني المعروف بمبادرة الحزام والطريق والذّي تُبدي روسيا تعاوناً معه رغم إختراقه لحديقتها الخلفية (آسيا الوسطى) بل وتعمل على إستيعابه ضمن مبادرة “أوراسيا الكبرى” وتجعله متوافقاً مع إستثماراتها هناك، ليقود كلاهما جهوداً ستُسفر في النهاية على غلق المنطقة أمام النفوذ الغربي.

لقد مكّن هذا الصعود القوي للصين وروسيا من تقديم نفسيْهما كرعاةٍ جدد وبدائل متاحةٍ أمام دول العالم لتعزيز التعاون الإقتصادي والتنموي وكذا الإستراتيجي من دون فرض “شروطٍ مُزعجةٍ” للخصوصيات المحليّة لهذه الدول، كما يفعل الغرب، على سبيل المثال، قدّمت الصين أكثر من 75 مليار دولار في شكل قروضٍ لمجموعةٍ من دول أمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى عقب الأزمة المالية لسنة 2008، وقد بلغ إجمالي حجم المساعدات الصينية الخارجية ما بين 2000 و2014 ما قيمته 354 مليار دولار (في مقابل 395 مليار دولار قدّمتها الولايات المتحدة) وهي اليوم تتجاوز الولايات المتحدة بكثير في هذه المسألة. يُشير الكاتبان إلى تزامن نهاية الإحتكار الغربي للرعاية العالمية مع صعود الحركات الشعبوية غير الليبرالية والقادة القوميين حتّى في البلدان التّي كانت راسخة بقوة في الفلك الغربي (المجر-أوربان، تركيا-إردوغان، الفلبين-دوتيرتي) الذّين جعلوا أنفسهم حماةً للسيادة المحلّية ضدّ التخريب الليبرالي، وإتّجهوا بذلك لتأكيد الأهميّة المتزايدة لعلاقاتهم الإقتصادية والأمنية مع الصين وروسيا، كما صارت لهذه الدول -إلى جانب الصين وروسيا- مهارةٌ عاليةٌ في إستخدام حركاتِ ومنظماتِ المجتمع المدني المحليّة والعابرة للحدود في تقويض وطرد نفوذ نظيرتها الليبرالية التّي يعرف نشاطها وتأثيرها تراجعاً غير مسبوقٍ في الدول والمجتمعات الليبرالية وغير الليبرالية على حدٍّ سواء، حيث يُقدّم الكاتبان أمثلة عديدةً في هذا الصدد.

بناءً على كلّ ما سبق، فقد صارت “خيارات الخروج” عن الهيمنة، الرعاية والمؤسّسات الأمريكية والغربية خيارات أكثر توسّعاً بالنسبة للدول، صار للحكومات قدرةٌ أكبر على المناورة واللجوء إلى نماذج سياسيةٍ بديلة، سرّعت جائحة كورونا في هذا المسار أكثر، كما صارت الصين وروسيا تقفان على خطّ الطعن الأمامي في الهيمنة الأمريكية، تدفعانها إلى التفكّك وتقودان جهوداً حثيثةً لبناء أنظمةٍ دوليةٍ بديلة. في الختام يُقدّم الكاتبان مجموعةً من التوصيات التّي قد تُساعد الولايات المتحدة في التخفيف من حدّة هذا الإنحدار وآثاره عليها والتخطيط لعالم ما بعد الهيمنة الأمريكية.

إعداد وترجمة: جلال خشِّيب، البوصلة الجيوبوليتكية، مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، المجلّد الأول، العدد الحادي والثلاثين، 03 يونيو 2020، إسطنبول-تركيا (حقوق النشر: مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية 2020، جميع الحقوق محفوظة)

نظرا لوجود مراجعة تقنية بموقع المركز، يمكنكم تحميل العدد الحادي الثلاثين لاحقا باللغات الثلاث العربية، الإنجليزية والتركية.
http://www.geopoliticalcompass.com/