احتلت تطورات الأزمة الأوكرانية عناوين الأخبار وقلوب الكثيرين في مختلف أنحاء العالم خلال الأسابيع الماضية، وهو ما تزايد مع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شنّ عملية عسكرية ضد أوكرانيا في 24 فبراير 2022. وجدير بالذكر أن ذلك الصراع الآخذ في التفاقم، لن يُعطِّل مرور الغاز الروسي من الوصول إلى المستهلكين الأوروبيين فحسب، بل ستتسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، في تقييد صادرات الغاز والنفط الروسية إلى الأسواق العالمية بدرجة كبيرة. وإذا انسحبت روسيا من أسواق الطاقة العالمية المتضررة بالفعل، فقد يشهد العالم انهياراً اقتصاديّاً وأمنيّاً.

يشار إلى أن هناك مخاطر تحيط بأسواق السلع بجانب التهديدات التي تواجه أسواق الطاقة العالمية؛ حيث قد يتسبب الصراع بين روسيا وأوكرانيا في إلحاق ضرر كبير بالإمدادات الزراعية. ولكن يتجاهل العديد من المحللين مكانة أوكرانيا بوصفها أهم الدول المنتجة للحبوب في العالم؛ حيث تحتل الدولة المرتبة الثالثة في إنتاج القمح، والمرتبة الرابعة في إنتاج الذرة على مستوى العالم؛ ما يعني أن الصراع في أوكرانيا سيتبعه قيود كبيرة على الصادرات الأوكرانية. في الوقت نفسه، لا تزال أسواق السلع العالمية تحاول التعافي من الإمدادات الضئيلة خلال الموسم الماضي، التي تسببت في ارتفاع قياسي في أسعار الحبوب حول العالم. وبالفعل بدأت الأزمة الحاليَّة بين أوكرانيا وروسيا في رفع أسعار القمح من 5 إلى 6% في مجموعة “سي إم إي” الأمريكية المُشغِّلة للبورصات وبورصة يورونيكست؛ الأمر الذي يزيد المخاوف حول عدم التوصل إلى حل دائم بين واشنطن وكييف وموسكو.

تقييم الخيارات

تفرض التطورات في أوكرانيا والقلق المتزايد في أسواق السلع الأوروبية والأمريكية، على دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ إعادة تقييم خياراتها الحالية والمستقبلية؛ حيث سيكون للصراع في أوكرانيا تداعيات كبيرة على الأمن الغذائي للمستوردين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتعتمد أغلب دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على الواردات الخارجية، وأهمها القادمة من أوكرانيا. وتصدر أوكرانيا 40% من إنتاجها من القمح والذرة إلى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وفي هذا السياق، تعتبر مكانة أوكرانيا حساسة بالنظر إلى الولايات المتحدة التي لا تُصدِّر سوى 10% من إنتاجها السنوي من القمح أو الذرة إلى تلك الدول. وعلاوةً على ذلك، تعتبر أوكرانيا من أكبر مُصدِّري البذور الزيتية وبذور اللفت؛ ما يشكل تقريباً نصف صادرات العالم من زيت عباد الشمس.

ويتوقع الخبراء أن أوكرانيا ستشكل 12% من صادرات القمح العالمية، و16% من صادرات الذرة، و18% من صادرات الشعير، و19% من بذور اللفت في 2022. وتعتبر أوكرانيا شريكاً حيويّاً لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ حيث ارتفعت الصادرات الأوكرانية من الحبوب إلى تلك الدول بنسبة 28% منذ يوليو الفائت مقارنةً بالعام الأسبق، كما ارتفعت بنسبة 6% مقارنةً بالعامَين السابقَين، بعد حصاد تاريخي في 2021. وتصل معظم الشحنات إلى الذروة بين شهري أغسطس وسبتمبر؛ ما يعني أن أغلب الصادرات الأوكرانية من الذرة لا تزال تحتاج إلى الشحن.

وفي هذا السياق، يبرز حوض البحر الأسود بوصفه نقط اشتعال محتملة بنسبة كبيرة؛ حيث تضطلع روسيا، منذ تفكك الاتحاد السوفييتي، إلى السيطرة على حوض البحر الأسود، كما اتضح في حروبها القصيرة ضد جورجيا والقرم وعمليات بحر أزوف. ولا يهدد الحشد الروسي للقوات البحرية في البحر الأسود (تحت مسمى التدريبات العسكرية) الأمن الأوروبي فحسب، بل يهدد كذلك البحر الأبيض المتوسط وأمن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فضلاً عن التدفقات التجارية بشكل مباشر وغير مباشر. كما ستفرض العمليات البحرية في البحر الأسود ضغوطاً على الممرات البحرية، وإمكانية الوصول لدى الدول المطلة عليه، بالإضافة إلى تعطيل تدفقات السلع والطاقة الإقليمية والعالمية. وسيؤثر ذلك على بعض دول الشرق الأوسط. ويجب على دول المنطقة أن تأخذ في اعتبارها كيف سيؤثر الصراع العسكري في أوكرانيا على صادراتها الزراعية، وعلى تقويض الصادرات الروسية. ويمثل البحر الأسود المنفذ الرئيسي للسلع الزراعية الأوكرانية والروسية، خاصةً الحبوب؛ حيث تتدفق 12% من تجارة الحبوب العالمية خلال البحر الأسود.

وقد شكَّلت صادرات القمح لروسيا وأوكرانيا مجتمعتَيْن للسنة التسويقية 2021–2022 ما يُقدَّر بنحو 23٪ من الإجمالي العالمي (206.9 مليون طن متري). وبالنسبة إلى روسيا، بلغ إجمالي صادرات القمح 2.6 مليون طن متري بين 1 و20 يناير، بانخفاض من 3.2 مليون طن في الشهر السابق. وبوجه عام، انخفضت صادرات القمح الروسي بنسبة 21٪ على أساس سنوي عند 23 مليون طن متري، منذ أن بدأت سنة التسويق الحالية في 1 يوليو حتى 20 يناير. وتوقعت شركة إس آند بي جلوبال بلاتس، أن تصل صادرات روسيا من القمح في السنة التسويقية 2021–2022 إلى 36.5 مليون طن متري، وأن يصل محصول القمح إلى 77.6 مليون طن متري. فيما شحنت أوكرانيا 16.6 مليون طن متري من القمح في عام 2021–2022 اعتباراً من 24 يناير، بزيادة قدرها 29٪ على أساس سنوي. وصدَّرت أوكرانيا 1.2 مليون طن متري بين 1 و24 يناير، بانخفاض قدره 1.4 مليون طن مقارنةً بالشهر السابق. وتوقعت “إس آند بي جلوبال بلاتس” أن تنتج أوكرانيا 31.2 مليون طن متري من القمح وأن تُصدِّر 22.5 مليون طن متري، في الفترة بين 2021 و2022.

الأمن الإقليمي

تشير بيانات وزارة الزراعة الأمريكية إلى أن 95% من صادرات الحبوب الأوكرانية تخرج عبر موانئ البحر الأسود، وتنتقل المحاصيل المنتجة جنوب أوكرانيا مسافة قصيرة قبل أن تصل إلى تلك الموانئ عبر الحاويات. جدير بالذكر أن ما يزيد عن 90% من إجمالي شحنات الحبوب، تخرج من أربعة موانئ فقط؛ هي: مايكولايف بنسبة 34%، وتشورنومورسك بنسبة 25%، وبيفديني بنسبة 18%، وأوديسا بنسبة 15%. إذا احتل الروس شرق أوكرانيا، قد يسيطرون على مينائيّ ماريوبول وبيرديانسك اللذين يخرج من خلالهما تقريباً 6.1% من صادرات أوكرانيا الزراعية؛ لذا من المُرجَّح أن يقوم أسطول روسيا في البحر الأسود بفرض حصار بحري لوقف التجارة الخارجية لأوكرانيا، بما فيها الصادرات الزراعية.

وبالنظر إلى أن أوكرانيا صدَّرت 50% من إنتاجها للقمح إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في 2020، فمن الواضح أن تداعيات الأزمة ستكون بالغة على تلك المنطقة. ويعتمد لبنان وليبيا بدرجة كبيرة على القمح الأوكراني؛ حيث تستورد الأولى 50% من مخزون القمح لديها، بينما تستورد الأخيرة 43% من احتياجها من القمح، وقد يترتَّب على ذلك أزمة غذاء في هذه الأسواق الأساسية، وقد يظهر موردون جدد في 2022 لكن تكلفتهم ستكون باهظة، ولن يوجد مفر من ارتفاع الأسعار في دول المنطقة؛ علماً بأن الأسعار الحالية وصلت بالفعل إلى أعلى مستوياتها منذ 10 سنوات. ومن المتوقع أن تتسبب التطورات في أوكرانيا في تدفق الإمدادات الغذائية.

اضطرابات محتملة

ختاماً، قد تتسبَّب تهديدات الأمن الغذائي في مزيج قاتل للأسواق العالمية المضطربة، ومما لا شك فيه أن العالم غير مستعد لمواجهة ضربة جديدة من الصراع الروسي الأوكراني، ما قد يترتب عليه تدمير بنية النفط والغاز الضخمة في المنطقة. وفي المجمل، ينذر الوضع الحالي بقدوم عاصفة قوية لا يزال أطرافها الرئيسيون غير مدركين لتبعاتها، كما يعتبر الوضع الحالي “نداء يقظة” لدول العالم للتركيز على تنويع إمدادات السلع أو الاستثمار في المُصدِّرين الزراعيين غير التقليديين، مثل بعض دول القرن الإفريقي مثل كينيا وغيرها؛ لتأمين المزيد من الإمدادات في المستقبل.