محمد عبدالرحمن عريف

   هل ترك المشير عبد الحكيم عامر مذكرات وأوراق مكتوبة بخط يده عن حرب 1967 وطبيعة العلاقة بينه وبين صديق عمره الرئيس جمال عبد الناصر؟. مازال الكثير من الباحثين والمهتمين بتاريخ مصر المعاصر يتساءلون عن صحة ذلك؟. وأين اختفت تلك المذكرات لو كانت موجودة من الأساس؟.

   ولد المشير محمد عبد الحكيم علي عامر في أسطال بالمنيا في 11 ديسمبر عام 1919. تخرج في الكلية الحربية في 15 إبريل عام 1939، وقد تخرج فيها وزيران للحربية، أحدهما عامر نفسه، والآخر الفريق أول محمد صادق. والثالثة في سبتمبر، وقد تخرج فيها كمال الدين حسين، ووزير ثالث للحربية هو المشير محمد عبد الغني الجمسي.

   كان علي عامر والد عبد الحكيم من أثرياء محافظة المنيا، وكان ذا مكانة كبيرة في قريته الصغيرة. ولما أتم عبد الحكيم عامر دراسته الابتدائية التحق بالمدرسة الثانوية. وقد روى عن نفسه أنه كان مشغوفًا بالكيمياء، وكان يحلم بدخول كلية العلوم ولكنه مرض في الشهادة التوجيهية مرضًا شديدًا قبل الامتحان فلم يحصل على الدرجات التي تؤهله للالتحاق بكلية العلوم، وبسبب انخفاض المجموع الذي حصل عليه عن الحد الأدنى للقبول بكلية العلوم فإنه التحق بكلية الزارعة، ولكنه رسب في السنة الأولى له فيها.

    لم يكن عبد الحكيم عامر زميلًا في الدفعة لعبد الناصر في الكلية الحربية، ولكنه كان زميلًا له في الدراسة في كلية أركان الحرب، على الرغم من أنه كان تاليًا له في التخرج في الكلية الحربية، وكان صلاح سالم كذلك.. ومن الطريف أن صلاح سالم كان أول هذه الدفعة وأن عبد الحكيم عامر كان الثاني على هذه الدفعة، ولم يكن لعبد الناصر ترتيب مذكور فيها.

تمنى كلية العلوم وانتقل من كلية الزراعة للحربية

    روى عبد الحكيم عامر أنه في يوم من الأيام كان موجودًا في معمل كلية الزراعة وكان له صديق متغيب عن الدراسة لفترة اسمه «عبد القادر خيري»، فسأله لماذا كل هذا الغياب كنت مشغولًا عليك.. «فقال لي عبد القادر خيري كنت أقدم في الكلية الحربية، فقلت له لماذا لم تقل لي كنت قدمت فيها معك، فقال عبد القادر: على العموم الفرصة لم تفت غدًا آخر يوم في تقديم طلبات الالتحاق بالكلية الحربية إن كنت جادًا اذهب وقدم»، ويقول عبد الحكيم إنه نجح في اختبارات التقديم عن طريق الصدفة البحتة!!.

بطولات عامر في حرب فلسطين

    شارك المشير عبد الحكيم عامر في حرب فلسطين (1948) وأصيب في هذه الحرب، وسجلت له بطولة مجيدة ونال بسببها ترقية استثنائية. ولو أن عبد الحكيم عامر كان قد استمر في قمة مجده لترددت حكايات كثيرة عن بطولته في حرب سنة 1948 التي خاضها الجيش المصري ضد إسرائيل، فقد قام عبد الحكيم عامر ومعه صلاح سالم، ومحمد أبو نار، بمهاجمة مستعمرة «دير سنيد» وأدوا مهمتهم بنجاح، وأثناء العودة، اكتشف عبد الحكيم ـ بعد أن عبروا الأسلاك الشائكة ـ غياب جندي من الجنود الذين كانوا معهم. فلم يتردد وعاد عبر الأسلاك الشائكة غير مبال بتحذير الزملاء، ووجد الجندي مصابًا، فاختبأ هو والجندي حتى هدأت الدوريات الإسرائيلية، ثم حمله وعاد، وقد فعل عبد الحكيم هذا رغم إصابته في ذراعه. كذلك أثبت عبد الحكيم مهارته في معركة «نينساتيم»، وهي واحدة من أشرس المعارك التي خاضها الجيش المصري في حرب فلسطين، وكانت هذه المستعمرة، تعطل تقدم قواتنا، وتقديرًا لكفاءته وشجاعته عين في منصب أركان حرب اللواء العاشر الذي كان يرأسه اللواء محمد نجيب نفسه.

دوره في تأسيس تنظيم الضباط الأحرار

    شارك عامر بجهد وافر في تأسيس تنظيم الضباط الأحرار ومناقشاته وترتيباته لحركة 23 يوليو.. وكان بشخصه وطباعه محبوبًا من ضباط الجيش حتى منذ ما قبل الثورة، ومن ثم فإنه يرجع إليه (في كل الروايات تقريبًا) الفضل في تجنيد أكبر عدد من الضباط الأحرار.. وقد عُرف في هذه الفترة المبكرة على أنه شعلة متوقدة في النشاط والحركة، ومع أنه لم ينتم إلى احزاب سياسية، فقد كان وعيه السياسي ناضجًا إلى حد ما.

قرابته للفريق محمد حيدر

    كانت لعامر صلة قرابة باللواء حيدر باشا قائد الجيش ووزير الحربية قبل الثورة، وتذهب بعض الكتابات من باب التقريب المعروف عن المصريين في ذكر علاقات القربى إلى القول بأن حيدر كان خاله، على حين يذهب البعض الآخر إلى التحديد بأنه كان ابن خالة والدته، وربما كان هذا هو السبب في تقريب حيدر له، وربما كان السبب غير ذلك، فقد كانت لحيدر علاقات سرية مع بعض الضباط المنضمين إلى تنظيمات سرية بعلم الملك فاروق (أو بغير علمه). وقد أفادت الثورة من هذه العلاقة، بينما لم يفد حيدر باشا شيئًا بالطبع من قرابته للقائد العام الجديد، وإن كان قد لقي معاملة حسنة من الثورة والنظام الجديد.

حرص والده على دعمه بعد الثورة

     روى جمال القاضي أن والد عبد الحكيم عامر كان يمتلك حوالي خمسمائة فدان، وبعد أن قامت الثورة فوجئ عبد الحكيم بوالده يأتي للقاهرة ويعطي له ثلثي إيراد أرضه ويقول له: لازم يا ابني تظهر بمظهر كويس!. ولم يعترض إخوته على هذا التقسيم المتحيز للإيراد؛ حيث إن والدهم أقنعهم بأنه لا بد أن يظهر بمظهر محترم أمام زملائه. وكان الحاج بكري عم عبد الحكيم عامر يأتي مرة كل أول شهر حاملًا معه كيس قماش فيه النقود التي يعطيها لابن أخيه عبد الحكيم عامر، وكان كل أعضاء مجلس قيادة الثورة يقترضون ما يحتاجون من عبد الحكيم عامر!.

تاريخه مع المناصب الوزارية

    لم يصبح المشير عبد الحكيم عامر نفسه وزير الحربية إلا في أغسطس 1954 حين دخل هو والرئيس السادات مجلس الوزراء، وكانا بعيدين عنه قبل ذلك، وهكذا فإن عبد الحكيم عامر تولى القيادة العامة للقوات المسلحة في 18 يونيو 1953، ولم يتول منصب وزير الحربية إلا في 31 أغسطس 1954، وهكذا فقد كان هناك وزير للحربية ليس هو المشير عامر فيما بين يونيو 1953 وأغسطس 1954. وقد شغل هذا المنصب زميلان له من أعضاء مجلس القيادة هما عبد اللطيف البغدادي من يونيو 1953 وحتى إبريل 1954، ثم حسين الشافعي من إبريل وحتى أغسطس. وتكرر هذا الوضع في أعقاب الانفصال عن سوريا حين خرج أعضاء مجلس قيادة الثورة من مجلس الوزراء الذي تشكل باسم المجلس التنفيذي في سبتمبر 1962، ومن ثم أصبح هناك وزير للحربية ليس هو المشير.. وقد تولى هذا المنصب كل من المهندس محمد عبد الوهاب البشري (من سبتمبر 1962 وحتى سبتمبر 1966)، ثم شمس بدران (منذ 10 سبتمبر 1966 وحتى وقعت الهزيمة في 1967)، وقد خلفه المهندس البشري لأكثر من شهر، ثم أمين هويدي، على حين كان القائد العام هو الفريق أول محمد فوزي، ولم يتوحد المنصبان (الوزير والقائد العام) إلا في يناير 1968.

    أما فيما يتعلق برتبة المشير عامر فإنه انتقل من رتبة الصاغ إلى رتبة اللواء مرة واحدة في يونيو 1953 مع تعيينه قائدًا عامًا ثم ترقى إلى رتبة فريق، وفي 20 فبراير 1958 ترقي إلى رتبة المشير.

كبار القادة المعاصرين له في عهد الثورة

   حين اندلعت حرب ١٩٦٧ كان المشير عامر هو القائد العام لكنه لم يكن وزير الحربية فقد كان قد ترك هذا المنصب لصفيه شمس بدران، وكان الفريق أول محمد فوزي رئيسًا للأركان، على حين كان الفريق أول مرتجي في نفس الوقت قائدًا للقوات البرية، بعدما آثر عبد الناصر أن يعين محمد فوزي رئيسًا للأركان على غير إرادة عبد الحكيم عامر الذي كان يرشح مرتجي. ومن العجيب أن نفس الموقف قد تكرر بعد الحرب والهزيمة، فآثر عبد الناصر أن يعين الفريق فوزي قائدًا عامًا بديلًا عن مرتجي، على نحو ما ترويه مذكرات كثيرة، منها الجزء الثالث من مذكرات صلاح نصر والخاصة بعام 1967 والمعنون بـ«العام الحزين»، هذا بالإضافة بالطبع إلى روايات خمس أوردها مرتجي نفسه في مذكراته. ومن الطريف أن كلا الرجلين قد وصل إلى رتبة الفريق أول، وانتهت حياته العسكرية وهو في هذه الرتبة. ومن الطريف أكثر أن المشير أحمد إسماعيل (وهو ثاني مشير في الجيش المصري الحديث بعد المشير عامر) كان رئيسًا للأركان مع كل من الرجلين، فكان رئيسًا للأركان في الجبهة في 1967 مع قائد القوات البرية الفريق أول عبد المحسن مرتجي، ثم رئيسًا لأركان القوات المسلحة (كلها) مع الفريق أول محمد فوزي عقب استشهاد عبد المنعم رياض. وقد كان لهذين الرجلين الفضل الأوفى على التاريخ المعاصر بصفة عامة، وحرب 1967 بصفة خاصة، بما ذكراه في كتابيهما عن حرب 1967 من تفصيلات كثيرة وروايات متعددة ووجهات نظر وشهادات شخصية، حتى إذا اختلف معظم الناس مع كثير مما كتبوه، ومن الطريف أن أحدهما كان محببًا إلى المشير عامر، وهو الفريق أول مرتجي، وأن ثانيهما، وهو الفريق أول محمد فوزي، كان محببًا إلى الرئيس عبد الناصر، وذلك من باب الموازنة مع سطوة المشير عامر. أما الفريق أنور القاضي فقد كان في سلسلة القيادة العامة قبل حرب 1967 تاليًا مباشرة للفريق أول محمد فوزي، حيث كان رئيسًا للعمليات، وفيما قبل ذلك كان الفريق القاضي قد قاد القوات المصرية في اليمن خلفًا للفريق مرتجي، ومن الطريف أنه هو والفريق مرتجي تركا الخدمة في يوم واحد عقب هزيمة 1967.

أخلاقه القيادية

   ليس من شك في أن المشير عبد الحكيم عامر كان رجلًا مقدامًا يتمتع بنسب معقولة وربما فائقة من خصال كثيرة كالشهامة والنبل والرجولة والجود والسخاء والطيبة والرحمة والحسم والحزم والعزم والذكاء والوفاء وحفظ العهد والشجاعة والشجاعة الأدبية. ولكن كل هذا وغير هذا من أخلاقه ضاع فيما بعد وفاته (وربما في حياته) في ثنايا الحديث عن بعض المثالب الشخصية، أو في ظلال الحديث الخبيث عن غرامه الملتبس بالمجد، ضاع الحديث عن مزايا عبد الحكيم عامر الخلقية والإنسانية أو تلاشى أو اختفى أو تم طمسه، تحت وطأة سلسلة من المثالب الشخصية نسبت إليه بطريقة رسمية أو ناصرية، وبفضل جهود أجهزة حكومية وعميقة مسؤولة وغير مسؤولة بالطبع، وبفضل ظروف أخرى شارك هو نفسه في صنعها. وهكذا أصبح المشير عبد الحكيم عامر أسوأ قادة الثورة حظًا، على الرغم من المجد والبريق اللذين تمتع بهما لمدة طويلة مع رفيقه ناصر.

    كان عامر شخصية طموحة نشطة مندفعة جدًّا، غير ميال إلى الترتيب ولا إلى التخطيط والتأمر، سريع الانفعال، سريع الغضب، تستفزه الصغيرة والكبيرة على السواء. وفي حديث صحفي نادر لعامر، كتبته الأستاذة «إيزيس نظمي»، ونشرته مجلة آخر ساعة في 12 مايو 1954، بعنوان «مواقف من ليلة 23 يوليو». روى عامر أن والده كان صارمًا معه لدرجة الضرب، فقد ضربه ضربًا مبرحًا في يوم شم النسيم عندما كان عمرة 13 عام، لأنه عبر النيل عومًا إلى الضفة الغربية مع أخيه وابن عمه وأخذوا يلعبون في شعاب الجبل، بينما كان الأهل في غاية القلق عليهم، باذلين كل جهدهم في البحث عنهم.

كيف كانت الصحافة الناصرية تتعامل مع شعبيته

   كانت صحافة الصوت الواحد حريصة تمامًا (أو مأمورة) على أن تصور المشير عبد الحكيم عامر متمتعًا بشعبية كبيرة، لكنها تالية لشعبية الرئيس جمال عبد الناصر، مع أن شعبيته كانت تفوق شعبية ناصر في أوساط كثيرة مثل القوات المسلحة وغيرها من الأجهزة السيادية. وبعد الهزيمة الساحقة في 1967 ووفاة المشير عبد الحكيم عامر. ظل الباعة الجائلون يبيعون ضمن ما يبيعون في الأعياد وأمام المدارس والتجمعات المختلفة صورًا للاعبي الكرة والفنانين المحبوبين، وقبل هؤلاء بالطبع صور الرئيس والمشير، والرئيس في حلته المدنية، والمشير في حلته العسكرية. فبعد وفاة المشير عزَّ على هؤلاء فيما يبدو تمزيق الصور الخاصة بالمشير أو سحبها من المعروضات، فقد كانت هذه الصور تمثل جزءًا من رأس مالهم البسيط أو المتناهي في الصغر، وتوصلوا إلى حل وسط (ربما مع أجهزة مسؤولة) أن تباع صورة المشير وهي مقطعة إلى جزئين، من منتصفها بالضبط، بآلة حادة وليس باليد. وهذا بالضبط هو ما حدث لتاريخ المشير عبد الحكيم عامر في التاريخ المصري المعاصر (أو على الأقل فيما كتب حتى الآن).

“عبدالحكيم عامر” في مذكرات «السادات»

    بداية فإنه لم تكن العلاقة بين أنور السادات وعبدالحكيم عامر -على ما يبدو- علاقة طيبة، فالصفات التي شاعت عن عامر وشكل علاقته بجمال عبدالناصر، توحي بأنه كان لا يعتد سوى بذاته، وهو ما ألمح له السادات كثيرًا في سيرته الذاتية.. «طالما بقي جمال عبدالناصر رئيسًا للبلاد، لابد وأن أكون قائدًا للجيش»، هكذا نقل عن السادات عقب نكسة 67، وكثيرًا ما تساءل عن السر في تعامل قائد الجيش مع رئيس الجمهورية، وصبر الأخير عليه: «عبدالناصر كان يراقب ما يفعله عامر وهو مليء بالمرارة، عاجز لا يستطيع أن يفعل شيئًا -بينما عامر يزيد كل يوم من رقعة سلطته».

   هو السادات الذي أسهب على مدار أجزاء من سيرته الذاتية «البحث عن الذات» في تناول مواقف عبدالحكيم عامر، وأخطائه التي تسببت في النكسة والانفصال عن سوريا وحرب اليمن، لم يتوقف كثيرًا في «كراسة خواطره» أمام نهاية عامر المأساوية، بينما كان الرثاء خاتمة الحديث عن زميله «المنتحر» في كتابه سالف الذكر.. تحدث السادات عن آخر لقاء جمعه وعامر في منزله بالجيزة، وتحدث عن صديقه الأسمر المسجي أمامه جثة هامدة، مسترجعًا ذكريات شرخ الشباب.. بينما كانت سعادته بنهاية حقبة عامر هي الأبرز في تدويناته الخاصة.

رثاء عامر في النور.. والشماتة في السر

      لم أشاهد في وجهه صفرة الموت.. رأيت أمامي عبدالحكيم الأسمر الهادئ اللطيف.. ومات فحل جميع المشاكل يقول السادات عن عامر في مذكراته بعد أيام من النكسة: «دعوته إلى العشاء عندي في البيت، ورحبت به واستقبلته أسرتي أحسن استقبال كما كنا نستقبله دائمًا عندما يأتي لزيارتنا.. ولكني لاحظت أنه قد تغير تغيرًا كاملًا.. كان قد فقد الثقة في نفسه، وفقد معها استقباله للحياة، وأصبح شخصية مهتزة وأبنائي يداعبونه كعادتهم، وقال: «أنتم بتكرموني قوي يا جماعة.. لسه لغاية دلوقت بتكرموني؟» فقلت له: دلوقت يعني إيه يا عبدالحكيم؟ علشان إنت ما بقتش قائد عام؟ هو أنا كنت صاحبك عشان إنت كنت قائد عام؟ ده برضه كلام حد يقوله..؟».

    حسبما ورد في تاريخ تلك المرحلة، كان لجمال عبدالناصر جلسة مواجهة مع عبدالحكيم عامر في حضور عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة -بينهم السادات- في منزله بمنشية البكري، وفي مدونات السادات عن تلك الجلسة، كتب في يوم الجمعة 25 أغسطس من العام 67، سطورًا قليلة جدًا، التي جاءت في شكل نقاط مبهمة: ـ-الاتصالات وخاصة بالجيش والطيران. -المنشورات.  -الضباط الموجودون بالمنزل والسلاح. -جلسة طويلة من حوالي الساعة التاسعة إلا ثلث إلى السابعة من صباح السبت، تخللها «حكاية الانتحار»… ويسرد السادات تفاصيل تلك الجلسة في موضع آخر من سيرته الذاتية: «وجدت نفسي وجها لوجه مع عامر، الذي قال لي إنه ذاهب إلى دورة المياه، فصاحبته، ثم عدنا إلى الحجرة، فإذا به يفاجئني بقوله إنه تناول (سم) سيانور لينتحر.. لكن الموقف عصيب للغاية، فقد آلمني أن أرى عامر على هذه الحال، وآلمني أكثر إحساسي بأنه يحاول أن يفلت من المأزق الذي شعر أنه سعى إليه بنفسه».

    قد تكون مشاعر الصداقة الجارفة نحو عامر يسجلها السادات في سطور يصف خلالها مشهد مناظرته جثمان عامر عقب «انتحاره»: «تأملت وجه عامر قبل أن أغادر المكان.. فلم أشاهد عليه صفرة الموت ــ بالعكس، كان وجهه يبدو طبيعيًا وكأنه مستغرق في نوم عميق، فلا انفعال ولا تقلصات ولا أى شيء من هذا القبيل ــ بالعكس عادت السماحة إلى وجهه، فرأيت أمامي عبدالحكيم عامر الأسمر اللون، العادي الهادئ اللطيف، الذي رأيته أول ما رأيته في رفح، وهو فى مقتبل عمره منذ سنوات وسنوات».

    بعد أن مرت الحادثة بأيام، جلس السادات إلى كراسته الخاصة ليسجل خواطره بشأن الحادثة، فيكتب في 28 سبتمبر: انتحر عبدالحكيم يوم الخميس 14/9/1967 ودفن في اسطال في اليوم التالي بدون احتفال. في رأيي أن هذا هو أشجع وأنجح قرار اتخذه عبدالحكيم مدى حياته كلها، فقد حل بهذا القرار عدة مشاكل: مشكلته مع البلد والأمة العربية. تحديد مسئولية النكسة. وأخيرًا الوضع الشاذ مع جمال ومعنا جميعًا. وعلى المدى البعيد، فسيتضح أنه حل مشاكل كثيرة لأولاده، وسيتضح أيضًا أن هذا القرار كان في مصلحة البلد من جميع الجوانب، ولو أنني أشك أنه اتخذه على هذا الضوء ولكنني أريد أن يكون كذلك.

المحاولات المتأخرة لإنصاف عبد الحكيم عامر

   تحفل أدبياتنا التاريخية والاجتماعية أيضًا بكثير من تحليلات وتوصيفات متعددة حول شخصية عبد الحكيم عامر. ونبدأ بأن ننقل للقارئ تصويرًا لشخصية عبد الحكيم عامر بقلم ثلاثة من الذين حاولوا إنصافه بعد رحيله بفترة طويلة، وهم (من باب الاختيار المبرمج) ثلاثة من الذين أتاح لهم القدر حظوظًا نفسية متسامية وكفيلة بأن تنجيهم من الحقد على عبد الحكيم عامر.

محمد حافظ إسماعيل مدير مكتب عبد الحكيم عامر

   محمد حافظ إسماعيل في مذكراته «أمن مصر القومي» يشيد بالرجل الذي لم يكن من المحتمل أن يشيد به، ولا شك أن شهادة كشهادة محمد حافظ إسماعيل مما يشرف عبد الحكيم عامر إلى أقصى درجة، فقد كان محمد حافظ إسماعيل الأول على إحدى دفعات الكلية الحربية السابقة على دفعة عبد الحكيم عامر. ومع أن محمد حافظ إسماعيل لم يكن من الضباط الأحرار، أو ربما لأنه لم يكن منهم، فقد آثر بعد الثورة وآثرت الثورة له أن يتولى المسائل الفنية في القوات المسلحة من خلال هذا «المنصب المهم» كمدير لمكتب القائد العام. ومن الجدير بالذكر أن محمد حافظ إسماعيل قد عمل مديرًا لمكتب عبد الحكيم عامر كقائد عام للقوات المسلحة لأكثر من سبعة أعوام. وحتى بعد أن انتابت عبد الحكيم عامر مظاهر العظمة ومظهرياتها، وأصبح لمكتبه شأنه في إدارة شؤون البلاد فقد ظل محمد حافظ إسماعيل من خلال المكتب القديم يتولى الأمور العسكرية.

    يحدثنا حافظ إسماعيل في حب ملموس عن رأيه في عبد الحكيم عامر في الفصول الأولى من كتابه «أمن مصر القومي» ويقول في إحدى الفقرات: «… وخلال سبعة أعوام ونصف.. عملت مع عبد الحكيم عامر مديرًا لمكتبه. ومع أن عامر لم يكن «عبقريًا» إلا أن ذكاءه وحسمه كانا محل إعجابي به. كما كان عامر «إنسانًا» قبل كل شيء، عاطفيًا إلى حد بعيد، كان دائمًا على سجيته، لا يشعر الإنسان معه بفارق سن أو بفارق رتبة، لا يصعب اللقاء به أو الحديث إليه. وكان أكثر ما يذكرني بقامته الفارعة ووجنتيه البارزتين، والأنف الطويل، والشفاه الغليظة بصور الفراعنة على جدران المعابد في الأقصر. «ولقد أبقى عامر على تنظيم مكتبه تحت إشرافي، بينما نظم مكتبًا آخر (للشئون العامة) يعالج من خلاله ما يتصل بمسائل الأمن والضباط. وكانت مسئوليتي مراجعة ما تتقدم به هيئات أركان الحرب الثلاث -فيما يتصل بالعمليات والتنظيم والإمداد والتدريب- والتنسيق فيما بينها. ورغم دقة عملنا هذا فقد كسبنا ثقة واحترام عامر ورؤساء أركان الحرب». «وعلى امتداد عملنا معا لم نختلف في أمر من أمورنا، وكان ذلك دافعًا له لكي يستبقيني إلى جواره.. ولم أكن لأتردد في قبول ذلك برضاء تام».

ثروت عكاشة يحاول إنصافه مع الخوف من ظل الرئيس عبد الناصر

   أما الشهادة الثانية فهي للدكتور ثروت عكاشة زميل دفعته، الذي ظل صديقًا له لفترة طويلة وهو يترحم عليه في معرض حديثه عن نهايته بقوله: «كان رحمه الله بطلًا شريفًا من أبطال مصر، يعطي ولا يمن، ينطقُ سلوكه دائمًا بالرجولة والشهامة وإنكار الذات. كان في تواضعه أشبه بالظلال حول الصورة تضفي عليها جلالًا وجلاء بينما هي لا تبدو».

محمد مراد غالب في شهادة توجز خصال عبد الحكيم عامر

    أما الشهادة الثالثة فهي للدكتور محمد مراد غالب الذي وصف خصال عبد الحكيم عامر وعلاقته به، بتركيز شديد فقال: «…. وأعترف بأنني أحببت هذا الرجل لما يتمتع به من حسن المعشر، والبساطة المتناهية، والتواضع الشديد، وروح الدعابة».

حواره مع عبد الناصر في جنازة صلاح سالم

   كان عبد الحكيم عامر ثاني من فارق الحياة الدنيا وانتقل إلى العالم الآخر من أعضاء مجلس قيادة الثورة؛ إذ لم يسبقه إلى الرحيل إلا صلاح سالم.. وقد تلاهما جمال سالم في 1968، ثم جمال عبد الناصر نفسه في 1970.

   وهذا نص طريف جدًّا للأستاذ مصطفى بهجت بدوي في كتابه «ذكريات سبتمبر 1942» ضمن حكايات ثلاث يحكيها عن صلاح سالم، وحين نطالع نص مصطفى بدوي، نعجب حين نجد أن الصديق الذي سأل قد شيع في جنازة تاريخية لم يستطع المشاركون فيها أن يواصلوها، وأن الصديق الذي وجُه إليه السؤال دُفن سرًا بغير جنازة تقريبًا.. فهل يا ترى كان الرجلان اللذان تحاورا يتوقعان مثل هذا وهما يتحادثان في تلقائية في 1962.. يروي مصطفى بهجت بدوي فيقول: «… الحكاية جرت وقائعها (أو تأملاتها وهواجسها) في جنازة المرحوم صلاح سالم الذي توفي في ريعان شبابه يوم 18 فبراير سنة 1962 وهو بعد في الأربعين من عمره، وكان أول الراحلين من مجلس قيادة الثورة، كما كانت الثورة في أوج زهوها. ومن هنا فقد تجمع خلق كثيرون بعشرات الآلاف يودعون صلاح سالم». «وكانت واحدة من أضخم الجنازات الرسمية والشعبية حتى ذلك التاريخ. واصطفت الجماهير ألوفًا ألوفا على جانبي الطريق من جامع عمر مكرم حتى جامع جركس». «وكان يتقدم الصفوف بطبيعة الحال أعضاء مجلس قيادة الثورة يتوسطهم الرئيس جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر جنبًا إلى جنب. ونحن بشر». «ومن هنا فقد «بهرت» هذه الحشود الضخمة (التي لم تكن متوقعة بهذا القدر) كلا من الرئيس جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر». «وسأل الرئيس جمال عبد الناصر صديقه المشير عبد الحكيم عامر بصوت متهدج ولكنه مسموع: «يا ترى يا حكيم لما نموت حيمشي في جنازتنا هذا العدد الكبير؟!».

حقيقة ومأزق صداقته لعبد الناصر

   ظل عبد الحكيم عامر حتى بدء الخلافات بينه وبين عبد الناصر، أقرب الناس إلى قلب عبد الناصر، وأكثر الناس معرفة بأدق أسراره. ومن مفارقات التاريخ أنه على الرغم من دور عبد الحكيم البارز والجوهري في حياة عبد الناصر ومماته فإن الكتابة عن عبد الحكيم عامر أصبحت لا تستقيم أبدًا بدون الكتابة عن طباع وأخطاء ومناورات عبد الناصر. ومن العجيب، من ناحية أخرى، أنه يمكن في المقابل الكتابة عن عبد الناصر مع تخطي الحديث عن عبد الحكيم عامر تمامًا، بل إن صانع الفيلم التسجيلي عن حياة عبد الناصر قادر على أن يسجل حياته كلها دون تعمق لدور عبد الحكيم عامر فيها، مكتفيًا بظهوره دون تعليقات في بعض اللقطات أو بعدم ظهوره، فما بالك بعمل روائي.. والسبب في هذا واضح، وهو أن كل الأخطاء التي عُلقت على عاتق عبد الحكيم يمكن تفسيرها بأخطاء وسمات عبد الناصر نفسه، وهكذا لا نحتاج في دراستها إلى تفسير أو تبرير لأخطاء قائد عسكري اختاره أو قبله عبد الناصر.

    أما الكتابة عن عبد الحكيم فلا يمكن أن تتم دون الحديث عن مسؤولية ناصر في الدراما الخاصة به.  وربما كان أفضل تصوير لعلاقة الرجلين هو ذلك التصوير الذي يبدأ رؤيته من نهاية عبد الحكيم عامر، حين تخلص أحدهما من الآخر بالقتل أو التجميد أو النحر أو التحييد، وهو بمنطق الافتراضات العلمية افتراض كان قابلًا للحدوث مع تبديل الأدوار بين هذا وذاك أي بين عبد الحكيم عامر وعبد الناصر، فقد كان من الوارد أن يكون حزب عبد الحكيم هو المنتصر، بما يعني نهاية درامية لعبد الناصر بعد تلك النهاية الحقيقية في يونيو 1967.

رؤية المثقفين لتاريخ الصراع بين ناصر وعامر

   من الطبيعي أن موقف المثقفين من الصراع بين ناصر وعامر لم يكن ليقدم أو ليؤخر في ظل حضور وطغيان عناصر القوة الحاكمة في مثل هذا الصراع، ومع هذا فقد حضرت رواية مهمة رواها سامي جوهر عن موقف الدكتور رشوان فهمي نقيب الأطباء الأشهر، وكان صديقًا لشمس بدران، ولكنه كان مع هذه الصداقة يجد الشجاعة لأن يصارحه بأنه غير كفء لمنصب وزير الحربية. وقد نقل سامي جوهر في كتابه «الصامتون يتكلمون» عن الدكتور نور الدين طراف وحسن ابراهيم ما روياه عن واقعة اتصال لشمس بدران برشوان فهمي في أثناء الأزمة بين عبد الناصر وعبد الحكيم، حيث نجد الدكتور رشوان كالعهد به يقف موقفًا صلبًا من هذا الخلاف، على الرغم مما قد أصابه من عبد الناصر.

قدرته على الإنجاز المرتجل

   على المستويين الإداري والتنفيذي كان عبد الحكيم نموذجًا حيًا للقدرة على الإنجاز وتقنين الفوضى.. ومن الطريف أن هذين الخلقين تواكبا في مصر المعاصرة على الدوام. فقد تولى عبد الحكيم عامر على سبيل المثال الإشراف على المؤسسات العامة، وعلى السد العالي، وعلى مجلس الطرق الصوفية، وعلى اتحاد كرة القدم، وعلى النقل العام بالقاهرة… إلخ. وإذا جاز لنا أن نفهم هذا المعنى الذي وصفنا به نهر عبد الحكيم عامر، فإننا نقارنه بعبد الناصر، الذي كان قادرًا على إحلال نظام الفوضى محل النظام، وبالسادات كان قادرًا على إشاعة الفوضى، وبزكريا محيي الدين الذي كان قادرًا على الإيحاء بالنظام من ركام الفوضى.. وهي صفات تلخص المعنى الواسع للفوضى الذي آثرت حركة 23 يوليو تشجيعه واستثماره في الإيحاء بجهدها الإيجابي ذي السلبيات، الذي هو في حقيقته، كما وصفه نجيب محفوظ: «إيجابيات وإيجابيات سلبية».ومن أمتع التحليلات المفتعلة التي تصور علاقة الرئيس عبد الناصر بالمشير عامر تلك الرؤية (الاستطرادية) التي عرضها الدكتور لويس عوض في كتابه «أقنعة الناصرية السبعة»، حين تحدث عن مقومات عبد الناصر الغائبة في مشروعاته، كما في الوحدة العربية أو التوسع خارج الحدود. وسنجد لويس عوض في هذا النقد الممتاز والمتميز لا يجد أي حرج في انتقاد تبريرات حليفه محمد حسنين هيكل وبُعدها عن المنطق وعن روح المسئولية، وهو يبدأ الحديث في هذه الجزئية بأن يقول مباشرة: «.. وأبدأ القول بأن أقول إنك إذا أردت أن تجرب تجربة محمد علي فلا بد أن يكون لديك إبراهيم باشا والكولونيل سيف (سليمان باشا الفرنساوي) أما أن تجرب تجربة محمد علي ومعك الصاغ عبد الحكيم عامر، الذي كان كلما خسر حربًا انتقل إلى رتبة أعلى، فهذا أقصر طريق إلى الكوارث القومية». «وفي حكم هيكل أيضًا أن عبد الحكيم عامر توقف عسكريًا عند رتبة الصاغ. ولكن هيكل يقولها دون انزعاج ولا يطرح على نفسه السؤال المنطقي: وكيف ائتمنه عبد الناصر على قيادة الجيوش وهو لا يستطيع أن يقود الكتيبة؟». «وبعد أن خسر عبد الحكيم عامر معركة الوحدة مع سوريا، كان ينبغي على عبد الناصر أن يقيله ويجرده من رتبته العسكرية، لا حرصًا على الوحدة، ولكن حرصًا على هيبة مصر التي أضاعها بغفلته». ويصل لويس عوض إلى نقطة تتطلب منه تأليف الذروة المسرحية في الأحداث، فيقدمها على أفضل ما تصور مثل هذه الذرى المسرحية: «وبعد أن خسر عبد الحكيم عامر حرب اليمن كان ينبغي أن يفعل فيه عبد الناصر أشياء كثيرة، ولكنه لم يفعل شيئًا من هذه الأشياء حتى خسر عبد الحكيم عامر حرب 1967 عندئذ فقط تحرك عبد الناصر وطلب إليه أن يستقيل (بدلًا من أن يحيله إلى المحاكمة العسكرية)، لأن مسئولية الهزيمة اقتربت من عبد الناصر شخصيًا، وكان لا بد من تقديم قربان للشعب الغاضب». «وقد كان عبد الحكيم عامر رجلًا شجاعًا على المستوى الشخصي، فرفض الاستقالة وأصر على أن يجر معه عبد الناصر إلى الهاوية: إن كانت هناك مسئولية فكلانا مسؤول، وكلانا ينبغي أن ينصرف.. هذا كان منطقه».

توجهاته الفكرية المبكرة

    مع كل ما نذكره أو نورده مما نجده في أدبيات السياسة والتاريخ المعاصرين عن ندرة التوجهات الفكرية لعبد الحكيم في ميدان السياسة والثورة والعمل السري والحكم، فإنه كان مؤثرا وفعالا جدًّا في حركة عبد الناصر ورفاقه وتنظيم الضباط الأحرار ولجنتها القيادية ثم مجلس قيادتها منذ أول الثورة ومنذ ما قبل قيامها. ولعل هذا يدفعنا إلى معاودة التأمل الجاد في أدواره المبكرة التي أتاحت له هذه الفرصة الواسعة من التأثير والقدرة على اتخاذ القرارات في الاتجاه الذي يراه. وأقصد بالتأمل الجاد دراسة وجهات نظره بعيدًا عما استسهل الكُتاب من الإشارة إليه من صداقته الحميمية بعبد الناصر.

وإذا جاز لنا هنا أن نلجأ إلى نموذج كاشف عن تأثير عبد الحكيم عامر فإننا نستطيع أن نلجأ بسهولة إلى المقارنة بين ما أعلنه من توجهاته، وما أعلنه أنور السادات -وهو أكثر المجموعة خبرة بالسياسة- عن توجهاته.. فعلى حين أنهى السادات المحاولة بإعلان أن صوته مع عبد الناصر على الدوام، فإن عبد الحكيم لم يفعل هذا أبدًا. ومعنى هذا بوضوح أن عبد الحكيم كان يجادل عبد الناصر مجادلات فردية وجماعية أيضًا، وهذا معناه أن عبد الحكيم كان لا يزال يعيش الحيوية الفكرية بصوابها وخطأها دون أن يضع لنفسه خطوطًا حمراء. ومن الإنصاف أن نذكر أن عبد الحكيم عامر ظل كذلك حتى وفاته في 1967.

    حين نستعيد شريط الثورة منذ بدأت تصرفات قادتها تظهر أمام الناس فإننا نستطيع أن نتعرف على دور عبد الحكيم الفكري والحركي على وجه أكثر تحديدًا ودقة. ومما لا شك فيه -على سبيل المثال- أن عبد الحكيم عامر كان صاحب الطلقة الأولى الحاسمة في اقتحام مبنى قيادة الجيش ليلة الثورة.. وهي رواية حظيت فيما بعد بالتكتيم المقصود (وهو وصف أدق من وصف التعتيم)، حتى لا يتضخم مجد عبد الحكيم عامر في مواجهة مجد عبد الناصر الذي صور على أنه صاحب المجد الأول، كما أن الرواية كفيلة بأن ثبتت على الثورة أنها استخدمت السلاح وإسالة الدماء، بينما كانت الثورة تستلذ أو تستريح إلى وصف نفسها بأنها ثورة بيضاء بلا قتلى ولا ضحايا، مع كثرة ضحاياها فيما بعد.

    على كل حال فإننا نقدم بعض ما روي عن هذه الواقعة على نحو ما أوردها صلاح نصر في مذكراته حيث يقول: «وأمر عبد الحكيم عامر جندي الحراسة أن يفتح البوابة الحديدية للمبنى ولكنه رفض.. وأخرج عبد الحكيم عامر طبنجته وهدد الجندي بقتله إذا لم يستجب للأمر، ولكن الجندي أصر على الرفض، وكاد يصرخ مستنجدًا بالقوة المرابطة داخل المبنى. «أصبح الموقف حرجًا، فأطلق عبد الحكيم النار على الجندي وأرداه قتيلًا واقتحمت القوات المبنى.. ولم تلق أي مقاومة».

ذكاؤه في اختيار الرئيس محمد نجيب قائدًا للحركة

   إن أكثر ما بلور نجاح عبد الحكيم الفكري هو اختياره الذكي لمحمد نجيب ليكون رجل الثورة الأول، الذي يتحرك أصحابها تحت مظلته، أو في اكتشافه لشخصية عظيمة بهذا القدر. ومن حسن الحظ أن أحدًا ذا قيمة لم ينف أن عبد الحكيم عامر كان صاحب الفضل في اكتشاف محمد نجيب، كقائد محتمل للحركة التي ينوي الضباط الأحرار القيام بها، وكيف أنه هو الذي أشار على عبد الناصر به وأنه هو الذي دبر لقاء الرجلين: عبد الناصر ونجيب.

    روي حلمي سلام في مذكراته «أنا وثوار يوليو» ما يعرفه عن هذه الجزئية وقدم تفصيلات مهمة ودقيقة تلقي الضوء على دينامية المناصب ما بين ثلاثة من كبار القادة هم: أحمد علي المواوي، ومحمد نجيب، وأحمد فؤاد صادق، الذي عُرف في تاريخ الثورة على أنه رفض قبول قيادتها، ونحن نفهم من مثل هذه النصوص المتاحة أن عبد الحكيم نفسه تعلم الشجاعة والإقدام والبطولة وحسن التصرف من محمد نجيب، وأنه لولا عمله معه ما صعد نجمه وهو شاب. «في ذلك الوقت.. كان عبد الحكيم عامر يعمل كواحد من «أركان حرب» الأميرالاي «العميد» محمد نجيب الذي كان، بدوره، يعمل كقائد ثان لجبهة القتال.. ويتولى، في ذات الوقت، قيادة اللواء العاشر الضارب». «وكانت لمحمد نجيب، في الميدان، سمعة عالية ومواقف مجيدة. فقد جرح هناك ثلاث مرات، ومنح وسام «نجمة فؤاد العسكرية» ـ وهو أرفع وسام عسكري ـ وتصدى للقيادة الفاشلة للجبهة ممثلة في قائدها اللواء أحمد علي المواوي».. «وكعقاب له على هذا التصدي، أٌبعد عن الجبهة إلى القاهرة.. فلما حل اللواء أحمد فؤاد صادق محل اللواء المواوي، بعد أن تأكد فشله في إدارة المعركة، كان أول شيء فعله القائد الجديد هو المطالبة بعودة محمد نجيب فورًا إلى ميدان القتال». «ومع عودة محمد نجيب إلى الميدان مرة ثانية.. ازدادت العلاقات بينه وبين أركان حربه عبد الحكيم عامر توطدًا. ولأن أمر اختيار «الرجل» الذي سوف يقود «ثورة الجيش» عند تفجرها، كان همًا قائمًا بذاته بالنسبة لعبد الحكيم عامر، مثلما كان هما قائما بذاته بالنسبة لعبد الناصر، فقد عمل عبد الحكيم، من ناحيته، على الاقتراب أكثر وأكثر من محمد نجيب الذي كانت سمعته الشخصية.. وسمعته العسكرية.. قد حققتا له في صفوف الضباط والجنود، شعبية هائلة». «وسرعان ما تبين لعبد الحكيم عامر أن محمد نجيب، بما كان يدور في رأسه من أفكار.. ومن آمال وأحلام، ليس بعيدًا مطلقًا عن «الضباط الأحرار» ولا عن أفكارهم، ولا عن آمالهم وأحلامهم». «لم يتردد عبد الحكيم في الذهاب إلى عبد الناصر حيث كان يقاتل في عراق المنشية، ليقول له: «لقد اكتشفت لك كنزًا». وانطلق عبد الحكيم يحدث عبد الناصر عن محمد نجيب: عن شجاعته ووطنيته.. وعن أفكاره، وأحلامه».

انحيازه ضد الأغلبية في ١٩٥٤

    لما بدأت الصراعات العسكرية بين ضباط الثورة كان من الواضح أن عبد الحكيم يمثل مع عبد الناصر محورًا قويًا في مواجهة الضباط البارزين الآخرين الراغبين في تصدر الصورة بعد نجاح تنظيم الضباط الأحرار في تحقيق ما حقق من نجاح كان التنظيم يعتبره ملكًا له. وهكذا كان عبد الحكيم بحكم الحفاظ على الملكية الفكرية لما تحقق من نجاح، حريصًا على التصدي للغير أو للآخر بأكثر من حرصه على الفكرة أو على معاداة الفكرة الأخرى.

   في الأزمة التي عُرفت باسم «أزمة المدفعية» في مطلع 1953، فإن عبد الحكيم عامر لم يكن أقل حماسًا من زملائه للقضاء على أي تمرد، صحيح أن زكريا محيي الدين هو الذي تولى التحقيق مع هؤلاء، وصحيح أن جمال سالم كان أقوى المجاهرين بضرورة إعدامهم، وصحيح أن عبد الناصر هو الذي أدار المؤامرة الناقضة والمدمرة لبنية تنظيمهم أو شبكته، ولكن عبد الحكيم عامر كان مواجهًا لهم أيضًا بوضوح وحسم وشدة. والشاهد أن عبد الحكيم عامر أبدى في أزمة سلاح الفرسان (مارس 1954) من ضروب القدرة على المخاطرة، والقدرة على القمع السريع قدرًا لم يحدث بعد ذلك في تاريخ الثورة.

   من الثابت أنه هو (أو على الأقل فريقه المتعاون معه مثل صلاح نصر)، الذي أمر الطيران بالتحليق فوق سلاح الفرسان، وأنه صرح بعد ذلك بأنه أمر بدك السلاح دكا، على الرغم من عدم موافقة زملائه في مجلس الثورة على ذلك، ومن الثابت أيضًا أنه كان صاحب فضل كبير في انتصار مجموعة عبد الناصر ومجلس القيادة بهذا الإرهاب والتهديد أو بهذه الجسارة والحسم. بل إن عبد الحكيم عامر في أزمة 1954 ذهب إلى أبعد من ذلك حين أخرج بعض ضباط المدفعية من السجون ليقضوا على تمرد سلاح الفرسان.. وهي واقعة صحيحة ومذهلة، لا يقوم بها إلا ميكافيللي مُجيد للميكافيلية، ولكنها تدلنا على أن عبد الحكيم كان صاحب قدرة ما -بل قدرة عالية الجرأة- على التصرف في اللحظات الحرجة في السنوات الأولى من عمر الثورة، وهو ما يبدو أنه فقده بعد فترة!!. ومن الجدير بالذكر أنه تتوافر في الأدبيات المتاحة أكثر من رواية عن هذه المواقف التي أجهضت أكبر محاولتين للانقلاب على 1952 في 1953 و1954، ومهدت لانقلاب عبد الناصر وعبد الحكيم وزملائهما في 1954.

تطور وعيه السياسي في الستينيات

    لم يقف عبد الحكيم عامر بدوره عند حدود التعامل مع معسكر المعترضين على إدارته هو وعبد الناصر لمجريات الأمور، لكنه بدأ يؤدي دور المراقب الذكي للسياسة، وهو ما جعله يشكل مواقفه المنطلقة من حالة الوعي (صادقًا أم كاذبًا، صائبًا أم مخطئًا)، ولهذا فإني أسرع لتأمل فقرات نادرة تتحدث بوضوح كاف عن مفردات وعيه في أوائل الستينيات.

    اعتمد في هذا الذي أذهب إليه على ما أورده الدكتور مراد غالب في رؤيته لجوانب الصراع بين الرئيس عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر، ونحن نعرف أن الدكتور محمد مراد غالب لم تكن له علاقة بالمشير عامر في بداية علاقته برجال الدولة بعد الثورة، بل ربما كان العكس هو الصحيح.

   يروي الدكتور محمد مراد غالب –بصراحة- كيف أنه استطاع النجاح في الحصول على ثقة المشير عبد الحكيم عامر، وكيف مكنته هذه الثقة من أن يحظى ببعض البوح الذي قدمه له المشير، والذي كان ملخصه أنه لا أمل في مستقبل لمصر ما دام عبد الناصر معنيا برؤية صوره في الصحافة كل يوم. ونحن نفهم من هذه الرواية الواضحة أن عبد الحكيم عامر كان قادرًا على أن يدرك حقيقة الموقف، وأنه كان قد بدأ مرحلة من النقد الذاتي لما شارك في صناعته في بداية الثورة، وليس معنى هذا أن نغلب هذه الرؤية على إسهاماته، لكن المعنى الأهم هو أن نفهم أنه بدأ مرحلة المراجعة مبكرًا، ومن ثم فإنه لم يحرص على إثبات أدواره المتعددة في بداية الثورة، والتي كانت أكثر بكثير من جهده في تثبيت الحكم.

    ولنقرأ هذه الفقرة الحافلة بالمعاني: «… في عام 1962 جاء عبد الحكيم عامر إلى موسكو في زيارة رسمية للاتحاد السوفيتي، وكان في بداية الزيارة لا يزال متشككا في أنني سأرسل للرئيس جمال عبد الناصر تقريرا عن زيارته، وكنت حريصا على أن أدون بخط يدي ما يدور في جلسة المحادثات مع القادة السوفييت كلمة كلمة». «وبعد الجلسة قدمت له ما دونته وقلت: يا سيادة المشير تفضل هذا هو محضر الجلسة، نظر نحوي متسائلا: ألا تريده معك؟ قلت: لا فإنني أحتفظ في عقلي بكل التفاصيل، وهذا المحضر يخصك أنت، ولك أن تتصرف فيه كما تشاء.. ولست أنا». «شعرت بأنه هدأ إلى حد كبير، ولا أقول إنه غير رأيه في اعتقاده بولائي التام لعبد الناصر، وأنني جاسوس لعبد الناصر، لكني أعتقد أن ما حدث جعله يعيد التفكير فيما يتصوره عني. واستمرت زيارته ثلاثة أيام، توطدت خلالها علاقتي به». «وكنت قد اقترحت عليه أن نخرج معا للتنزه في غابات موسكو، وذهبنا فعلا، ودارت بيننا أحاديث تطرقنا خلالها إلى قضية الديمقراطية، وأنها قضية مهمة بالنسبة لنا، ووجدته يقول لي: ما الذي نستطيع أن نفعله وهناك في القاهرة رجل لا يرتاح إلا إذا رأى صوره يوميا في جميع الصحف!!».

    هكذا كان عبد الحكيم عامر بحكم ثقافته التي تكونت من الواقع بالمقارنة بين حكم الملكية (الذي عاشه) وحكم الجمهورية الدكتاتورية (الذي شارك هو في تثبيت دعائمة بقوة)، في 1954 قد بدأ يدرك حجم الخطأ الذي ترتب على وجود عبد الناصر في هذا الموقع بهذه القوة، وبهذا الطغيان والحضور، وهو المعنى الذي عبر عن نفسه بوضوح فيما يرويه مراد غالب عن حوارهما معًا.

    وننتقل إلى قراءة ما يلخص انطباع الدكتور محمد مراد غالب تجاه هذا التصريح الخطير الذي فاجأه به المشير عامر عن إيمانه باستحالة وجود الديمقراطية في وجود عبد الناصر، وهو يقول: «والحقيقة أنني ذهلت من كلام المشير عامر، وأحسست بأن مصارحته لي بهذا الكلام، وعلى هذا النحو، تعني أن الخلاف أصبح عميقا جدًّا بين عبد الناصر وبينه». «وتخفيفا للموقف رويت له عن كاريكاتير منشور في مجلة «روزاليوسف» يصور الأسد داخل قفصه، وقد كتب تحته «الأسد ملك الغابة» وشطبت كلمة ملك ليقرأ الكاريكاتير «الأسد رئيس جمهورية الغابة». أطربه معنى الكاريكاتير وانطلق يضحك، وقال لي: هو كذلك، الملك صار رئيسًا للجمهورية».

    لا يقف محمد مراد غالب عند هذا الحد في تصوير إدراكه لوصول عبد الحكيم عامر إلى درجة متقدمة من المراجعة لدوره في بدايات الثورة أو في تصوير إحساسه بالتدهور المبكر في العلاقات بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، لكنه يدلنا علي ما توحي به واقعة يرويها ويراها في منتهى الخطورة حدثت قرب نهاية 1966، وفيها اتضحت لمراد غالب، وبصورة قاطعة، معالم التحزب الواضح من مجموعة عبد الحكيم عامر ضد الرئيس عبد الناصر، حتى أن صلاح نصر في حديثه العابر انتهى إلى تقرير فقدان الأمل في الإصلاح ما دام الرئيس عبد الناصر في السلطة، ولنقرأ هذه القصة المثيرة والموحية في آن واحد: «… كان المشير عامر يتردد كثيرًا وبانتظام على الاتحاد السوفيتي، تقريبًا كل عام، وحدث في نوفمبر 1966 أن كان في رفقته السيد صلاح نصر مدير المخابرات العامة، وثلاثة من قادة القوات المسلحة، منهم الفريق سليمان عزت، والفريق صدقي محمود، وكانوا يجلسون معا يتحدثون، ودخلت عليهم دون أن يشعروا بي، فسمعت صلاح نصر يقول: لا فائدة لهذا البلد طالما هذا الرجل قاعد لنا هناك، ولهذا لن نستطيع أن نقوم بأي إصلاح. سمعت الجملة بوضوح على لسان صلاح نصر، فقلت في الحال: الله.. الله.. ما هذا الكلام الذي تقوله؟ وعلي الفور رد صلاح نصر قائلًا لي: إذا لم تسكت فسنخرج ملفك». «قلت له: أي ملف؟ إنني أعرف جيدًا ما في هذا الملف، إلا إذا كانت هناك إضافات من جماعتك، الذين يفبركون ما يريدون إضافته، لكن ملفي ليس مهمًا، فالمهم هو ملفك أنت الآن. ووجدت نفسي أحتد عليه، وتدخل المشير عامر لتهدئة الموقف وقال له: يا صلاح، الدكتور محمد مراد غالب هذا راجل، وكان يقصد أنني ليس من طبعي أن أنقل مثل هذه الأحاديث».

تحليل محمد جلال كشك لعلاقة الرجلين

    نجح جلال كشك أن يعلق بطريقته الصحفية الممتزجة بالتأمل والسخرية على مكانة عبد الحكيم عامر ووضعه القلق الغريب، وذلك حيث يقول: «ولم يكن ناصر وأعضاء مجلس الثورة هم وحدهم الذين يعرفون سر اختيار عبد الحكيم عامر، بل عامر أيضًا كان يعرف وهذا هو مفتاح اللعبة». «فإذا كان المطلوب منه هو تأمين الجيش للسلطة أو لعبد الناصر بالذات بصرف النظر عن كفايته القتالية ضد العدو الأجنبي، فهو بدوره بحاجة إلى تأمين مركزه في الجيش بضباط مرتبطين به أوفياء له بصرف النظر عن كفايتهم القتالية.. إلخ». «وهو الذي ساهم وضمن تصفية محمد نجيب، ويوسف صديق، وخالد محيي الدين، وجمال وصلاح سالم، والبغدادي، وكمال الدين حسين.. يعرف أن هؤلاء جميعًا تمت تصفيتهم لأنهم فقدوا وزنهم العسكري في الجيش، ومن ثم لا يمكن أن يقبل عزله عن الجيش، لا بترفيعه إلى منصب أعلي يرفع قدميه عن الأرض كما في الأسطورة اليونانية، ولا بتغيير أركان حربه بعناصر أقل ولاء أو ارتباطًا به».

    يستأنف جلال كشك مرافعته هذه قائلًا: «إذا كنا نريد أن نحاسب عبد الحكيم عامر على أنه رفض أن ينتحر قبل 11 سنة فهذه قضية أخرى، وعلي أي حال فقد فعل لما فقد الجيش».

    هل كان الحديث عن نواحي ضعفه مطلوبًا لتوكيد زعامة عبد الناصر؟ وللإنسان منا أن يتأمل طبيعة ما حدث من أول الثورة وعلى مدى سنواتها من تنامي سلطة عبد الحكيم عامر مع نمو الضعف في روح المسئولية عنده، وهو ضعف وصف لنا على أنه مرتبط بشخصيته هو، لكنه فيما يبدو من التدقيق من مواقفه وفلتات لسانه كان ضعفًا مطلوبًا وملازمًا لطغيان جمال عبد الناصر، وكان بمثابة حل أفضل من التنازع أو التناحر، الذي انتهى بما سمي انتحارًا، بينما هو شيء غير ذلك.

   نأستطيع أن نضع أمام القارئ عدة تفسيرات لهذا الموقف ولكننا نفضل قبل أن نفعل هذا أن نلجأ إلى بث الإضاءة حول هذه النقطة بآراء بعض مَنْ كتبوا عنها. فهذا على سبيل المثال هو محمد عبد الرحيم عنبر المحامي في كتابه ينقل عن صادق جلال العظم في كتابه «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، وعن حامد عمار في كتابه «الشخصية» طارحًا آراءه في مسئولية عبد الناصر الأولى والأخيرة عن الهزيمة حيث يلقي باللوم كله على عبد الناصر لا على عبد الحكيم، ويصطنع عنبر توصيف الشخصية الفهلوية نموذجًا لتبرئة ساحة مَنْ علقت برقابهم المسئولية.

علاقتهما بالميكافيلية

     ربما أن الحديث عن العلاقة بين شخصيتين قياديتين لا يستقيم من دون رسم ملامح موقف كل منهما من الأخلاق العامة والفردية على وجه الخصوص، وهو جانب مهم لم يتناوله أحد بتحليل دقيق يبتعد عن الجو الذي تريد الروايات أن توحي به عن ظلم أو عذر أو إهمال أو مجاملة. ولهذا فإني أعتقد أن من واجب الدراسات التالية أن تبحث بدقة وبتدليل على حقيقة موقف الرجلين عبد الحكيم وناصر من الأخلاق قبل أن تسارع بالحكم على طبيعة الصراع ونتائجه.

    تصور أدبياتنا السياسية أن كلا من الرجلين (عبد الناصر وعبد الحكيم) متمسكًا بالأخلاق، ويرى بعض الناس أن عبد الناصر أكثر تمسكًا بالأخلاق العامة، وأن عبد الحكيم أكثر تمسكًا بالأخلاق الخاصة. وهذا مثل ورد عرضًا في رواية لصلاح نصر عن خلاف صلاح سالم مع أعضاء مجلس قيادة الثورة، ويوحي لنا صلاح نصر من خلال هذا المثل أن عبد الناصر كان ميكافيليًا في مقابلة نبل عبد الحكيم عامر، وغني عن التكرار أن صلاح نصر يحب عامر بأكثر مما يحب عبد الناصر، ولكن لا بد لنا أن نقرأ روايته حيث يقول: «وكان عبد الناصر قد أوفد عبد الحكيم عامر إلى صلاح سالم لتهدئته، وصحبه في هذه الزيارة القائمقام أحمد أنور من الضباط الأحرار، والذي كان له دلال خاص لدى عبد الناصر. وأبلغ عبد الحكيم عامر صلاح سالم بأن المجلس لم يتخذ أي قرارات ضده لا من ناحية الاستقالة ولا من ناحية تنحيته عن مسألة السودان أو حتى منحه اجازة إجبارية». «ونجح عبد الحكيم في تهدئة صلاح سالم الذي كان ثائرا وأخذ يسخر من أعضاء مجلس الثورة، ويطلق على كل منهم اسما ساخرا.. وقد استطاع عبد الناصر أن يستغل هذه الحادثة في إثارة حفيظة زملائه من أعضاء مجلس الثورة.. حاول عبد الحكيم عامر أن يلطف من الجو الكئيب الذي غشي المجلس، فأخذ يشرح وجهة نظر صلاح سالم في يسر، ولم ينقل ما قاله صلاح سالم عن زملائه». «ولكن عبد الناصر لم يشأ أن يترك العاصفة تمر بسلام ففي اجتماع الثامن والعشرين من أغسطس الذي جلس فيه عبد الحكيم عامر يلطف من نفوس الأعضاء الثائرين الغاضبين على صلاح سالم، تدخل عبد الناصر في الحديث وقال: لازم الإخوان يعرفوا ما قاله صلاح سالم عنهم».

ما بين السياسة والعسكرية

     لا يمكن الحديث عن عبد الحكيم عامر قائدًا عامًا للقوات المسلحة بدون الحديث عن دوره ومكانته السياسية المصرية، فقد كانت طبيعة دوره في القوات المسلحة مرآة لدوره في السياسة المصرية ومكانته فيها. ومن الطريف أنه لا يمكن الحديث عن دور عبد الحكيم عامر في السياسة المصرية قبل أن نعود إلى دوره الأصلي في القوات المسلحة لنتأمل مستوى الأداء الذي أدى به هذا الدور الحيوي والخطير، وكيف تمكن أو كيف لم يتمكن من تحقيق ما وُصف على أنه أحد أهداف الثورة الستة، وهو إقامة جيش وطني قوي، وكيف تمكن أو لم يتمكن من القيام بالمهام العسكرية المتعاقبة التي كانت السياسة المصرية تدفع الجيش إليها!.

     مما يؤسف له أن دور عبد الحكيم عامر في القوات المسلحة قد فرض على نفسه أولوية حماية نظام 1952 (عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ومن معهما بعد التخلص من محمد نجيب في 1954)، من الانقلابات العسكرية، وهي المهمة التي يعبر عنها باختصار بكلمة «التأمين». وفي هذه الكلمة يكمن سر فشل عبد الحكيم عامر من ناحية وسر نجاحه من ناحية أخرى. وبعيدًا عن فكرة التأمين ومهمة التأمين أو بالإضافة إليها أو من أجلها فلعل أخطر ما فعله عبد الحكيم عامر في القوات المسلحة هو أنه ساعد بكل ما أوتي من وقت ونفوذ على أن يخلق منها طبقة متميزة في المزايا والاستثناءات لا في السلوك والاخلاق الطبقية.

   نحن نعرف أن مثل هذا السلوك يؤذي هذه الفئة بأكثر مما يفيدها. وأبناء مصر الذين يناظرونني في السن أو يكبرونني يتذكرون تمامًا أن الانتماء إلى القوات المسلحة كان يرفع من قدر المنتمي، سواء كان ضابطًا أو مهنيًا جمع إلى مهنته شرف الجندية كالأطباء الضباط والمهندسين الضباط.. وغيرهم.. وكانت هذه الطبقية تتضح في مظاهر كثيرة، فقد كان دخل هؤلاء يقارب ضعف دخول نظرائهم في الحياة المدنية أيًّا كان مجالهم.

   لعل هذا يتضح لنا اليوم ونحن نستعيد المثل الذي أشرت إليه في موضع آخر وهو الذي حكى عنه القيسوني لعبد الناصر، وهو يقارن نفسه وهو نائب رئيس الوزراء بابنه الضابط الشاب، هذا من الناحية المادية البحتة، وقد كانت هناك معنويات كثيرة بالإضافة إلى هذه المادة، كذلك فقد كانت فرص هؤلاء في الزواج -على سبيل المثال- أرفع بكثير من مستوى نظرائهم، وكانت العائلات على اختلاف مستوياتها ترحب بهذه الطبقة الجديدة وبالارتباط بالحكومة القوية ومن ينتمي إليها.

صورة قيادته في الوجدان الشعبي

    لا يحتفظ الوجدان المصري بصورة عبد الحكيم عامر إلا مقترنة بصورة المكانة والمنح والمزايا والهبات التي كان يتمتع بها الجيش في عهده، ومع أن الجيش في عهده لم يلق إلا الهزائم فإنه استمتع بكل المزايا التي لم يستطع الاستمتاع بها وهو منتصر. وعلى سبيل المثال فقد حرصت الأدبيات التاريخية جميعًا على أن تبرئ نفسها من صورة الانخداع في قيمة القوات المسلحة المصرية في عهد عبد الحكيم عامر، مع إقرارها في الوقت ذاته بمكانة القوات المسلحة في عهد عامر، وكأنها تريد أن تقول أنها كانت مهابة بلا قيمة حقيقية تستدعيها.

    أشار أحمد حمروش إلى مزايا الجيش في عهد المشير.. فقال: «ارتفع مرتب الجندي المتطوع من 69 قرشًا إلى 250 قرشًا. وزاد مرتب الضابط الملازم ثاني من 12 إلى 20 جنيهًا.. ومرتب اللواء من 90 جنيهًا إلى 110 جنيهًا.. ولأول مرة يحصل الضباط على بدلات تمثيل.. وارتفع بدل السكن للضباط والإقامة في المناطق النائية… وبدل الجبهة… وبدل الحرب.. وأصبحت هناك علاوات لتعليم الأبناء وللسكن وغيرها». «فتح المشير الحياة المدنية للضباط من أوسع أبوابها.. يكفي كشفا يحوي مجموعة من أسماء الضباط يخرج من مكتب شمس بدران لأي جهة مدنية ليتم تعيينهم فورًا بالمرتب الذي يختاره». «وفرض الحظر على أي هيئة أو شركة قطاع عام في أن تعين أحدا في الوظائف الشاغرة بها إلا بعد العرض على مكتب المشير لاستكمالها بأفراد القوات المسلحة.. ثم تعيين ما يفيض من أصحاب الخبرة والمؤهلات المطلوبة لهذه الوظائف». «وزحف العسكريون على مناصب الإدارة المحلية، وأصبح كل رؤساء المدن… رؤساء القرى.. والمحافظين من العسكريين، الجيش، رؤساء مجالس إدارات الشركات… كانوا من الضباط.. وتحول عبد الحكيم إلى قوة غاشمة ترهب عبد الناصر، ويفرض عليه قوته حتى مناصب الكتاب والصحافة والثقافة (المسرح والسينما) سيطر عليها الضباط».

    لقد كانت نتيجة هذا بالطبع أن حدث رد فعل عنيف عقب نكسة 1967، ووصلت الأمور إلى الحد الذي لا أستطيع أن أصفه، مكتفيًا بالإشارة إلى توسل الرئيس جمال عبد الناصر نفسه  -وهو مَن هو- إلى الشعب أن يكفوا عن ترديد النكت والسخرية من أبناء القوات المسلحة إنهم (أبناؤنا على كل حال).

رأي الفريق فوزي في أداء المشير عامر

    هذه شهادة في غاية الأهمية، مهما كان من أمر التوتر بين صاحبها وبين المشير، وهي شهادة يمكن وصفها بأنها شهادة عسكرية وربما تكون أهم وأدق، وهي شهادة الفريق أول محمد فوزي الذي كان رئيس أركان حرب القوات المسلحة قبل حرب 1967 والقائد العام للقوات المسلحة عقب حرب 1967، أي أنه كان بمثابة الرجل الثالث في سلسلة القيادة العسكرية بعد المشير عامر وشمس بدران.

    في شهادته أمام لجنة التاريخ -وبعد هزيمة يونيو 1967- ذكر الفريق فوزي الكثير من الحقائق التي أدت من وجهة نظره إلى الهزيمة، وسيهمنا من شهادته هذه الفقرات التي يتحدث فيها عن موقفه كقائد مسئول كان بعيدًا عن الأمور الاستراتيجية. وقد أرجع الفريق محمد فوزي السبب إلى سلوك عبد الحكيم عامر وعلاقته بعبد الناصر ثم انفصاله بالقوات المسلحة وسيطرته من خلالها على مقدرات الأمور في الدولة. وقد قال ضمن ما قال: «أقرر أن قادة القوات المسلحة -وأنا منهم كرئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة- كانوا بعيدين كل البعد عن الأمور السياسية التي لها علاقة بتحديد الاستراتيجية العسكرية للقوات المسلحة. وسبب هذا البعد الكامل هو «قمة الحكم السياسي والعسكري» وهذا أدى إلى وجود ابتعاد فكري بين القيادتين السياسية والعسكرية وبين القوات المسلحة كجهاز من أجهزة الدولة». «بعد الانفصال عن سوريا في سبتمبر 1961.. نشأ صراع كبير. لقد حمَّل الرئيس جمال عبد الناصر مسئولية الانفصال الأدبية والعسكرية للمشير عبد الحكيم عامر، وحصل لوم أدبي، ولم يظهر هذا الموضوع على السطح، ولم يكن معروفًا». «ومن هنا نشأت عقدة بين الرئيس عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر».

   نمضي مع الفريق أول محمد فوزي فيما يرويه من تقييمه لحقبة المشير عبد الحكيم عامر، وذلك حيث يقول في شهادته: «قرارات مجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس الجمهورية كانت حبرًا على ورق، مع أنه الجهاز الوحيد المسئول دستوريًا عن إصدار قرارات شئون الدفاع عن الدولة». «الجهاز التالي لمجلس الدفاع الوطني وهو وزارة الحربية على قمته المشير عبد الحكيم عامر وزير الحربية… لم ينشئ عبد الحكيم عامر جهازًا يعمل معه لكي يتابع وينفذ القرارات الصادرة عن مجلس الدفاع الوطني، ولم تصدر أي وثيقة تقرر أي شكل تنظيمي للقيادة العامة للقوات المسلحة. أصبح العمل كله عمل فرد واحد». «انفصل المشير عامر بالقوات المسلحة، وأخذ كل سلطاتها، دون أن يكون لديه على قمة الدولة جهاز مسئول عن التخطيط والمتابعة لشئون الدفاع عن الدولة، ولذلك لم توضع استراتيجية عليا أو سياسية للدولة». «دخول القوات المسلحة في الإصلاح الزراعي والإسكان والنقل الداخلي وأعمال مباحث أمن الدولة والسد العالي وأشياء أخرى كثيرة، وكان للقوات المسلحة مندوبون في هذه الجهات يمثلون القمة أي يمثلون المشير وشمس». «ويهمني في هذه النقطة من الناحية التاريخية القول إن انتشار سلطة القوات المسلحة في مختلف نشاطات الدولة أخرج القوات المسلحة أو قلل اهتمامها بمسئوليتها الأساسية وهي إعداد القوات المسلحة للقتال».

أدوار المشير عامر في الحياة العامة

    من المهم أن نذكّر القراء بأن المشير عامر بمشاركة عبد الناصر وربما بمباركته كانا لا يقفان عند أي حد من الحدود في شغل القوات المسلحة بمسائل خارج نطاق اختصاصاتها واهتماماتها.. من ذلك ما يرويه عبد الرحمن فهمي في كتابه «الكورة والسياسة» حيث يقول: «في يوم 20 أكتوبر 1965 بالذات، قبيل بدء الموسم الكروي، وأثناء الاحتفال بيوم القوات البرية قال المشير «عبد الحكيم عامر» للفريق مرتجي: أنت ستصبح رئيسًا للنادي الأهلي ابتداء من اليوم! سأل مرتجي: كيف.. يافندم؟! رد المشير: الرئيس جمال قرر كده!!».

    يذكر أحمد حمروش في كتابه «قصة ثورة 23 يوليو الجزء الثاني: مجتمع عبد الناصر» واقعة أخري تؤكد هذا النمط من تكليف القوات المسلحة بكل شيء بعيدًا أو قريبًا من مجال تخصصاتها فيقول: «ووصل الأمر إلى تولي عبد الحكيم عامر تنظيم الطرق الصوفية مع إلغاء القيود التي كانت مفروضة على تسيير هذه المواكب، كما نشرت الأهرام يوم 18 مارس 1955».

    لم يقف الأمر عند حدود المادة والمعنويات والحياة الاجتماعية، بل إنه قد امتد ليشمل إضفاء مظلة على كل التصرفات الشخصية التي يكون المنتمون إلى هذه الطبقة قد قاربوها أو اقتربوا منها، ولا يعجبن أحدًا مما أقول، فإن قانونا صدر بهذا المعنى، وهو القانون رقم 25، ولن أعلق عليه بكثير أو بقليل، وإنما سأكتفي بأن أنقل تعليق أحد العسكريين السابقين على هذا القانون، وهو أحمد حمروش حيث يقول: «والغريب أيضًا هو صدور القانون رقم 25 لسنة 1966 الذي قضى بجعل الاختصاص للنيابة والقضاء العسكري في كافة الجرائم التي ترتكب من العسكريين بسبب تأدية وظيفتهم أو حتى في الجرائم الخارجة عن نطاق اعمال وظائفهم إذا انفردوا بالاتهام فيها دون أشخاص مدنيين. وكان ذلك يعني وضع الجيش في وضع خاص فوق الطبقات الأخرى وحصر دائرة الاتهام في يد القيادة». «كان المستهدف من ذلك على حد قول أحد المسئولين في القضاء العسكري عدم نشر الغسيل الوسخ امام الناس. أما الحقيقة فكانت إعطاء حقوق شكلية مع سيطرة فعلية من أعلى، ولكن هذا التسبب والانحلال كان محاطا بجدار من الصمت والعزلة ولم يؤثر على سمعة المشير أو نفوذه في القوات المسلحة».

هل كان المشير يؤمن بأنه هو الأصلح لتولي قيادة الجيش

    نأتي بعد كل هذا إلى سؤال مهم كان ينبغي لنا أن نضعه قبل كل هذه الإضاءات، لكن فن الكتابة لا يسمح إلا بتأخيره: هل كان عبد الحكيم عامر في قرارة نفسه يؤمن بأنه هو الأصلح لتولي قيادة الجيش، من الإنصاف للرجل أن نقول إنه كان يعرف الحقيقة بل وجاهر بها، ولكن طبول السلطة أعمته عنها بعد حين، وهذه هي المأساة الحقيقية في هذا الوطن حين يضطر الإنسان نفسه إلى أن يتولى مسئولية ثبت فشله فيها لسبب أو لآخر، على نحو ما حدث مع عبد الحكيم عامر في 1956 وما بعدها من الانفصال.

   هذا هو ما يرويه البغدادي نفسه في حديثه لمجلة نصف الدنيا (1996) حيث يقول: «عندما حدث الانفصال قال عبد الحكيم عامر: شوفوا واحد غيري يمسك الجيش فأنا لا استطيع مواجهة الضباط والجنود بعد ما حدث، وكنا قد فكرنا بعد حرب 1956 أن يترك عبد الحكيم الجيش ثم تراجع عبد الناصر عن هذه الفكرة، وبعد الانفصال واقتراح عبد الحكيم أن يترك الجيش، عرض عبد الناصر عليّ أن أشرف على سلاح الطيران ويتولى قيادة الجيش كمال الدين حسين، وكان لعبد الحكيم ضباط في الجيش موالون له فقلنا لعبد الناصر: لا بد أن نتخلص منهم أولا ثم تتولى أنت منصب القائد العام وأتولى أنا الطيران وكمال حسين يتولى الجيش، ونقوم بعملية تطهير للجيش ولكنه رفض ولم ينفذ الفكرة». «فكما قال زكريا محيي الدين لو توليت أنت وكمال حسين هذين المنصبين فستصبحان أخطر على عبد الناصر من عامر الذي أولاه عبد الناصر قيادة الجيش لأنه صديقه الصدوق، رغم أنه لم يكن الشخص المناسب ولكنه اختاره ليؤمن له نظامه ويؤمنه هو شخصيًا».

هل كان هو مؤسس الجيش القوي؟

    على الرغم مما تقدم فإن الذين كتبوا مذكرات برلنتي عبد الحميد لم يجدوا حرجًا في أن تذكر المذكرات في مقدمتها -على سبيل المثال- أن عبد الحكيم عامر هو مؤسس جيش مصر القوي فتقول: «… كان صاحب الفضل في تكوين جيش مصري قوي، هو المشير عبد الحكيم عامر، بوصفه مسئولا عن تحقيق أحد مبادئ الثورة، وهو «إنشاء جيش وطني قوي». ولقد استطاع المشير أن يقوم بالمهمة الجليلة، فأنشأ جيشًا قويًا من حيث الكم والكيف، فبينما كان الجيش قبل الثورة لا يزيد على عشرين كتيبة، أصبح تحت قيادة المشير عبد الحكيم عامر جيشًا مؤلفًا من مائتي كتيبة، أما من حيث الكيف فقد أنشأ الكلية الفنية العسكرية، وهي من أرقى الكليات العسكرية في العالم ومهمتها تخريج علماء عسكريين، وأنشأ الصاعقة، والمصانع الحربية». «وفي عهده بدءوا في إنتاج طائرات وإجراء تجارب لغواصات وقاموا فعلًا بتجربة غواصة جديدة». «إن إنشاء جيش وطني قوي كان أحد المبادئ الستة للثورة، وفي وصف الجيش بأنه «وطني قوي» كان مكمن الخطر، الذي أودى بحياة المشير، وأوقع الهزيمة في 5 يونيو بالجيش المصري عن طريق التآمر لا عن طريق الحرب!!».

شهادة الفريق أول كمال حسن على

   يجدر بنا ما دمنا نستعرض الآراء حول دور عبد الحكيم عامر في تأسيس الجيش المصري الحديث أن نقرأ رأي الفريق أول كمال حسن علي وهو أحد الضباط الذين عملوا تحت رياسة المشير عبد الحكيم عامر، ثم كان من القلائل منهم الذين خلفوا المشير عامر كوزراء للدفاع، دون أن يكون عبد الحكيم نفسه يعرف أن هؤلاء ومنهم كمال حسن علي -على سبيل المثال- سيكونون خلفاءه، وهو يتناول هذه الجزئية بالمناقشة مقرًا بشيء من الفضل لعبد الحكيم ومسرعًا بالاستدراك على هذا الإقرار، كما سنرى وهو يقول: «وإذا كان للرجل (أي عبد الحكيم عامر) أفضال أو حسنات في بناء القوات المسلحة، أو تطويرها من البلي الذي كانت عليه إلى قوات حديثة معاصرة، فقد فاته أن قدر العسكريين إنما تكفيه عادة غلطة واحدة للقضاء عليه، شأنهم في ذلك شأن الطبيب الذي مهما شفي آلاف المرضي فإنه يفقد اسمه وسمعته إذا قتل بنوع الخطأ مريضًا واحدًا». «والتشبيه هنا يجاوز الحقيقة تمامًا لأن الطبيب إذا أخطأ مرة فإنه يقتل مريضًا واحدًا، أما القائد العسكري عندما يخطئ مرة فإنه يقتل أمة!».

هل كان يؤمن بأن التنمية أهم من الحرب

   يبدو للمتأمل في التاريخ المصري المعاصر بوضوح شديد أن عبد الحكيم عامر في بداية الثورة وفي بداية توليه لقيادة القوات المسلحة كان ينظر إلى إقامة الجيش الوطني القوي كهدف تال لما هو أهم منه وهو تنمية مصر والارتفاع بمستوى الحياة فيها وبشعبها إلى المستويات التي يطمح كل وطني في الوصول إليها. ومن حسن الحظ أن هناك أدلة كثيرة على صحة هذا الافتراض، ليس أقلها أن عبد الحكيم نفسه كان في موضع تال لمن تولى رئاسة الوزارة ثم رئاسة الدولة، وهو جمال عبد الناصر؛ أي أنه قبل بقيادته للجيش أن يكون في المحل الثاني، وذلك على عكس ما كان موجودًا حين رأس اللواء نجيب الجيش والحكومة معًا في سبتمبر 1952، وهو وضع كان من الممكن أن يستمر مع تغيير محمد نجيب.

   لقد وجدنا نصًا معبرًا بوضوح عن هذا المعنى هو ما ذكره أحمد حمروش في كتابه «قصة ثورة 23 يوليو الجزء الثاني: مجتمع عبد الناصر»، حيث يقول عبد الحكيم عامر بوضوح إن حاجة مصر إلى الجرارات (الزراعية) أهم وأكثر من حاجتها إلى الدبابات: «يقول جان لاكوتير إنه يوم توقيع الاتفاقية كان وجه جمال عبد الناصر يشوبه العبوس وعندما سأله قائلًا: والآن؟ رد جمال عبد الناصر قائلا: والآن يبقى علينا إعادة بناء بلدنا. وقال عبد الحكيم عامر عندما سئل عن توقعاته لتعزيز الجيش… لن نشتري دبابات، بل سنشتري جرارات فهي أكثر فائدة لنا».

لم يكن في قيادته يخلو من صفات جيدة

   من المهم هنا أن أكرر ما ذكرته كثيرا من أني لا أنكر أن عبد الحكيم عامر كان حاسمًا وشجاعًا في قراراته، ولكن يبدو من المؤكد أن فوائد مثل هذا الخلق كانت تضيع في خضم الفوضى (العميقة لا الظاهرة) الضاربة بأطنابها في منظومة القوات المسلحة كلها. ولست أنكر كذلك أن عبد الحكيم كان يجيد الاستماع إلى خطط القادة الكبار والقادة المتوسطين، ولكن كان هذا كان بمثابة الاستثناء وسط القاعدة الفوضوية المنتشرة. ونجد في كثير من الكتابات التي تحدثت عن هذه الفترة فقرات مهمة تتحدث عن سمات عبد الحكيم بالإيجابيات والسلبيات.. ولنأخذ تجربة كمال حسن علي كمثال، وهو من جيل تالٍ من القادة لجيل عبد الحكيم عامر ومحمد فوزي، رغم فارق السن الضئيل.. «كان عبد الحكيم من دفعة 1939، وكان كمال حسن علي من دفعة 1942، أما محمد فوزي فمن دفعة 1936».

   حيث يروي كمال حسن علي ذكرياته عن لقاء مع عبد الحكيم في أثناء حرب اليمن فيطلعنا من حيث لا ندري على كثير من الحقائق في إحدى القصص التي رواها، وهي تبدو في ظاهرها وكأنها تثني على عبد الحكيم عامر وسرعة فهمه واستيعابه، ونجدها تنبئنا بما لا شك فيه بمدى التفكك في النظم التابعة له.

   أما كتاب مذكرات خالد محيي الدين «والآن أتكلم»، فانه هو الآخر يبدي في عبد الحكيم رأيًا شبيها، ويأتي هذا الرأي بعد وفاة عبد الحكيم نفسه بما يقرب من ثلاثين عامًا، كانت تكفي لأن يعدّل خالد محيي الدين رأيه المتجني، أو يكوّن رأيًا منصفًا: «لقد ظلموه عندما عينوه قائدا للجيش، فهو شخص جماهيري، ولو أنه كان قد عين نائبًا لرئيس الجمهورية وتفرغ مثلًا «لهيئة التحرير» لكان قد حقق نجاحات مبهرة، فهو شخص مرح وطيب وقادر على إقامة علاقات شخصية حميمة. وآخر ما كان يصلح له هو أن يتولي مسئولية الضبط والربط، وأن يتابع عمليات قيادة القوات المسلحة البالغة التعقيد والحساسية، وأن يتابع منها التسليح وتطور الأسلحة والتدريب وما إلى ذلك». «ولعله لم يهتم بهذا كثيرًا، بل غلبت عليه روحه الطيبة وشخصية العمدة فكان سخيا على الضباط، وكسب حبهم إلى درجة كبيرة، ولكن النتائج النهائية لم تكن مفيدة لأحد، لا لمصر، ولا للجيش، ولا له هو شخصيا».

تحيز كتب خالد محيي الدين وغيره ضده

   لا نريد أن نخذ ما ورد في مذكرات خالد محيي الدين على إطلاقه، إذ أنه يقدم تبريرًا للحكم عليه بالفشل، فهو يصف عبد الحكيم منذ البداية بأنه لم يكن يصلح ثم يدلل على صحة هذا الحكم، ذلك أني أعتقد أن الظروف التي خلقها الثوار أنفسهم (بمجموعهم لا بعبد الناصر وعبد الحكيم وحدهما) هي التي جعلت عبد الحكيم لا يصلح.

   لو أن الثورة لم تقم بمشاركة عبد الحكيم لعبد الناصر، ووصل عبد الحكيم إلى منصب القائد العام بعد عشرين عامًا مثلًا بحكم أقدميته، لكان وضعه في هذا المنصب أفضل بكثير جدًّا من الوضع الذي ترتب له بحكم مشاركته في الثورة، ونحن نعرف أن زميل دفعته الفريق صادق وصل إلى منصب القائد العام في مايو 1971، بينما وصل هو إلى هذا الموقع في 1953، كذلك فإن المشير الجمسي الذي وصل إلى موقع القائد العام في 1974، كان قد تخرج بعد عبد الحكيم عامر نفسه بشهور.

   بالطبع فإننا نرى آراء شبيهة برأي مذكرات خالد محيي الدين، فيما كتبه أحمد حمروش، وعبد العظيم رمضان، وحسين مؤنس، وجمال بدوي، ووجيه أبو ذكري، وإسماعيل النقيب، وموسى صبري، ولويس عوض، ومحمد جلال كشك، وجمال حماد، بل إننا نرى تأييدًا لهذا الفهم من زملاء عبد الحكيم أنفسهم، حتى من أولئك الذين لم يشاركوا في توليته بطريقة مباشرة.

   على سبيل المثال فإننا نجد أن عبد المنعم عبد الرؤوف حريص على أن يثبت في نصوص مذكراته جوهر رأيه في عبد الحكيم عامر على نحو ما أبداه لجمال عبد الناصر قبل قيام الثورة. ولم يكن عبد المنعم عبد الرؤوف وحده صاحب مثل هذا الرأي في عبد الحكيم، فآراء عبد اللطيف البغدادي في عبد الحكيم واضحة ومعلنة لزملائه منذ مرحلة مبكرة، وهو ما يدركه القارئ لمذكراته وفي كل ما نسب إليه من أحاديث.

انتقاد زميله جمال حماد لاختياره قائدًا عامًا

   هذا هو جمال حماد (أقرب زملاء عبد الحكيم إليه بحكم الدفعة والتدرج ومكان العمل) يأخذ موقف الانتقاد لجمال عبد الناصر في اختياره عبد الحكيم عامر قائدًا عامًا ويقول: «وعلى الرغم من إدراك عبد الناصر أنه كان بالخدمة في القوات المسلحة وقتئذ قادة أكفاء كانت مدة خدمة بعضهم في الجيش تتجاوز عمر عبد الحكيم، الذي كان في ذلك الوقت في بداية الثلاثينات من عمره إلا إنه كان مصرًا على تعيين عبد الحكيم عامر، لا بحكم كفايته العسكرية أو حرصًا منه على الصالح العام ولكن لاعتبار واحد فقط، وهو أن عبد الحكيم كان أخلص الأصدقاء وأقرب الزملاء إلى قلبه في مجلس قيادة الثورة». «وكان هذا يعني ولاء القوات المسلحة لعبد الناصر وتدعيمها لمركزه، مما يتيح له الفرصة للسيطرة التامة على الشئون السياسية في مصر دون زملائه من أعضاء مجلس قيادة الثورة، تمهيدًا لتنفيذ المخطط الذي رسمه في دقة ومهارة منذ بداية الثورة، وهو التخلص من زملائه جميعًا والانفراد وحده بالنفوذ والقوة والسلطان».

رؤية البغدادي المتأخرة

    هذا هو ما يذكره عبد اللطيف البغدادي في حديثه لمجلة نصف الدنيا (1996)، بعد قرابة عشرين عامًا من رحيل عبد الحكيم عامر، حيث يقول: «رأيت أنه من الأفضل أن يتولى الأمر ضباط محترفون ليتفرغوا للجيش ويبتعدوا به عن السياسة، ولكن عبد الناصر اعترض وقال: منقدرش نمسك رقابينا لواحد مش مننا، وقد تحمسوا كلهم لهذا الاتجاه فوافقوا بالإجماع ما عداي أنا، وعين عامر قائدا للجيش». «وبمرور الوقت أصبح الجيش أداة قوية في يد عبد الناصر وعامر وانعزلنا نحن نهائيا، ونتج عن هذا فساد الجيش، وقد تأكد صحة رأيي عندما وصف عبد الناصر تصرفات عامر بأنه كالطفل المدلل حتى إنه كان يقدم استقالته كل 45 يومًا!».

شهادة نجل عبدالحكيم عامر

    بيقين يقول إنه مدعم بالمستندات وبإرادة يعتبرها قضية حياة، تحدث جمال نجل المشير عبدالحكيم عامر عن قضية وفاة والده التي مر عليها حينها 43 عاماً، ليؤكد مجدداً، كما فعلت أسرة المشير طوال السنوات الماضية، أن المشير قتل ولم ينتحر، وهذه المرة الطرح مختلف، فالقضية وجدت طريقها إلى النائب العام، رغم معارضة الرئيس السابق مبارك، مدعومة -حسب جمال- بمستندات ووثائق مهمة، على رأسها تقرير طبي حديث لأحد الأساتذة الكبار في مجال الطب الشرعي والسموم، يفند فيه تقرير الطب الشرعي عن الوفاة، وينتهي إلى أن المشير لم ينتحر، بجانب شهادة مهمة لأحد الضباط الأطباء في مستشفى المعادي العسكري، القضية كانت ومازالت تثير الأسئلة.

     يقول جمال عامر، قبل الحديث لابد أن نعود إلى الوراء، عمي حسن عامر بلغ بالوفاة بعدها بفترة، لأنهم في ذلك الوقت كانوا قد اعتقلوا جميع أعمامي ورجال المشير، وعارض عمي حسن تقرير الطب الشرعي عن مقتل المشير، ووقتها طلبوا شهادتنا واعترضت على أن أعطي شهادتي لأني أعلم جيدًا أن الموضوع سيتم تلفيقه، وقتها جاء النائب العام لأخذ أقوال إخوتي، وما حدث أن عمي حين ذهب للنائب العام وأخبره أنه لا يعترف بتقرير الطب الشرعي الذي وضعه «عبدالغني البشري» بأنه انتحار، رفضنا ذلك تماماً لأننا نعلم الملابسات كلها ونعرف أن المشير شخص لا يهرب من مواجهة الأمور، وقالها أكثر من مرة إنه مستعد للمحاكمة، وكلها شواهد تؤدي إلى نتيجة واحدة إنه لا ينتحر ومن ثم سيقتل، وعندما تم نقله إلى مستشفى المعادي علمنا أنه لن يعود مرة أخرى، وبعدها ذهب عمي بالتقرير إلى النائب العام المحمدي الخولي، وقال: أخي لم ينتحر ونريد أن نعرضه على هيئة طبية محايدة ونعيد شهادة الشهود.. الجميع الضباط والأطباء والسفرجي والممرض، قسمنا العملية إلى 3 مراحل: البيت في الجيزة والمستشفى واستراحة المريوطية للبحث عن الشهود بأسمائهم وتليفوناتهم، وقام النائب العام وقتها بتكليف الدكتور محمد علي دياب، خبير السموم، وقام بإعداد تقرير وتوصل إلى أن هناك جناية قتل مع سبق الإصرار باستخدام السم، وأعطاه للنائب العام، بعدها تم عزل النائب وأُغلق الملف، ثم قام عمي حسن بحملة صحفية في مجلة «آخر ساعة» مع جمال حماد وطلب فتح التحقيق مرة أخرى من قبل النائب العام لكن بالطبع استمر إغلاق الموضوع.

    يواصل –جمال عامر- خلال تلك السنوات جمعنا معلومات من القيادات السابقة، خاصة أن الضباط ممنوعون من الكلام حتى بعد خروجهم من الخدمة، ومن ثم عدنا إلى ذلك الوقت لنعرف ماذا حدث في هذا الوقت من تقرير اللجنة العسكرية التي شكلها أنور السادات وكان حسني مبارك رئيساً لها، ورئيس اللجنة نفسه نشر مقالاً عن المشير قال إن الوحيد الذى أعطى إنذاراً بالخطر هو عبدالحكيم عامر، ونفى ما تردد بشأن أن «ديجول» أبلغ عبدالناصر، وقال إن الوحيد الذي أنذر بذلك هو المشير، واللجنة انتهت إلى ذلك.

المشير وحده هو من أنذر بالخطر وشهادة اللجنة في ذلك

    يواصل نجل المشير، نحن نقول مثل الفريق يوسف عفيفي إن أسباب الهزيمة عدم تقدير عبدالناصر للموقف، وهذا موقف سياسي اتخذه عبدالناصر بعدم الحرب، وهيكل كتب بعد اجتماع يونيو في «الأهرام»: «مفيش حرب واليهود لن يوجهوا ضربة»، فخرج المشير ورفض عودة الطائرات من الوضع الدفاعي، وقال لهم «متخافوش يا ولاد هتحاربوا». “لقد جمعنا مستندات جديدة وعدنا إلى طلب فتح الدعوى من جديد من خلال محامينا أمام النقض، والذي أوجد الأسباب لفتح التحقيق، وأخذت موعداً من النائب العام وذهبنا إليه بالمذكرة ولم يكن لديه علم بالموضوع. اندهش النائب العام، لأن الأمر قديم ومر عليه أكثر من 40 سنة، قلت له إحنا ساكتين مش بخاطرنا لأن هناك ضغوطاً ولكن الآن لدينا ما نقوله، ووقتها كان نظام مبارك موجوداً. وقدمنا المذكرة وقام المستشار عبدالمجيد محمود، النائب العام حينها، بالتأشير عليها للمستشار عادل السعيد، رئيس المكتب الفني، لفتح التحقيق، وأدلينا بأقوالنا، وفي ذلك الوقت جاءتني على التليفون اتصالات كثيرة من أرقام غير معروفة فاتصلت بأحدها فوجدت أنه مكتب الدكتور زكريا عزمي، وأوصلني إليه مدير مكتبه، وقال لي بعد الترحاب: «يا جمال موضوع التحقيق ده بلاش منه لأنه هيقلب الدنيا علينا وعليكم»، فرددت: «بالنسبة لنا لن يحدث لنا شيء، إننا مستعدون لمواجهة أي شيء»، فقال لي: «لقد عرضت الموضوع على الرئيس وقال لي بلاش الموضوع ده يتفتح»، وتحدث بشكل ودي ولم يوجه تهديداً، فقلت له والله هذا الحديث لن يتم في التليفون، فرد قائلاً: «تشاور مع إخوتك في تلك النقطة وأنا في انتظارك»، وأخبرت إخوتي وثاروا كلهم وعلى رأسهم طارق، فقلنا بعقل شديد إذا كان الرئيس لا يريد الموضوع ده فسوف يقول للنائب العام «سُك عليه».

هل قال لك نصاً إن الرئيس مبارك لا يريد فتح الموضوع؟

   بالضبط، قال: «لقد سألت الريس وهو قال مش عايزين نفتح الموضوع ده»، وبعدها طلبت مكتب زكريا عزمي لأحدد موعداً، ومن وقتها لم يتم اللقاء، فأكملنا القضية، وفكرنا في إجراء تحديث للتقرير الطبي الخاص بالوفاة باستغلال التطور التكنولوجي في هذا المجال، كما قدمنا شهادة مهمة للمقدم الطبيب شريف عبدالفتاح، نوبتجى قسم الباطنة في مستشفى المعادي العسكري، والفريق فوزي اتصل في اليوم نفسه الساعة السادسة أى قبل الوفاة بعشر دقائق أو تلت ساعة، وتحدث مع الدكتور مرتجي قائد المستشفى قائلاً: «أنا عايز دكتور باطني فوراً سنرسل سيارة تأخذه للكشف على المشير»، علمًا بأن موقع المشير كان سرياً، فجاءت سيارة وأخذت الطبيب عبدالفتاح إلى استراحة المريوطية، وهذه الشهادة للضابط هي الرؤية الوحيدة لشخص خارج مسرح الجريمة بعيداً عن الطاقم المخصص للمشير، الذي كان من رئاسة الجمهورية، وعندما دخل قابل الدكتور إبراهيم بطاطا، وهو المتهم رقم واحد في القضية بالنسبة لنا، وعند دخول شريف عبدالفتاح لغرفة المشير، وجد الاستراحة مقطوعة عنها المياه ولا توجد رائحة قىء كما ادعى الطبيب «إبراهيم بطاطا»، وكل ذلك مدون في دفتر أحوال الاستراحة، ووجد عبدالفتاح في الغرفة كتبًا بجوار السرير، وهو ما طلبه والدى قبلها بيوم بجانب أدويته وأدوات الحلاقة، فهل سينتحر شخص ويطلب قبل يوم من انتحاره كتبًا ليقرأها، ودخل الحمام وكانت به سجادة وليس بها أي رائحة قيء أو بلل، والغرفة منظمة، وأجرى الكشف على المشير فوجد أن الوفاة تمت، لم يتم تحريز أي شيء وقتها، لا يوجد سوى ملاية السرير وبها نقط دم، ودخل الفريق فوزي وطلب منه كتابة تقرير فرفض عبدالفتاح، وقال: «دوري قبل الوفاة أما بعدها فهو دور الطب الشرعي»، فتم القبض على هذا الضابط، وحكى أن اللواء الليثي ناصف، قائد الحرس الجمهوري، شاهد ذلك، وقال لفوزي: أريد أن يذهب الدكتور عبدالفتاح لأن المرضى في انتظاره بمستشفى المعادي، وقال فوزي لعبدالفتاح: «هتمشي بس لو فتحت فمك سترى ما لا يرضيك»، وظل هذا الضابط مطارداً ونقلوه إلى سوهاج ثم قنا ثم إلى الواحات وفي النهاية تقاعد وأغلق عيادته وسافر إلى السعودية.. لم يتحدث في تلك الأمور إلا بعد عودته من هناك وشهادته في النيابة في التحقيق الأصلي، بجانب أن صلاح نصر شهد بأنه لم يعط للمشير سماً، وقال أنا كنت عارف إن حرب يونيو ستحدث وكل ذلك كان كلامًا غير صحيح، وهناك تفاصيل كثيرة خاصة بقسم السموم في جهاز المخابرات، عندما جاء أمين هويدي بعد صلاح نصر كمسؤول عن الجهاز، وقالوا وقتها إن صلاح نصر جاب السم من الجهاز وأعطاه للمشير، وتلك الرواية تم هدمها من الأساس.

ماذا عن الوثائق التى كتبها المشير؟

   هناك وثيقة كتبها المشير يوم 10 سبتمبر ضمن مذكراته بخط يده قال فيها «إذا أتانى الموت فسيكون الذي دبر قتلي هو جمال عبدالناصر الذي لا يتورع الآن عن أى شيء.. الإمضاء عبدالحكيم عامر».

   قول نجل عامر، وأعدت كتابة الوصية أيضاً على الآلة الكاتبة لتكون واضحة، بجانب مذكراته، وما حدث في اليمن مع عبدالناصر وغيره، وتم نشرها في مجلة «لايف» بأمريكا، وبالنسبة للتقرير الطبي للوفاة الذي أعد عام 1969، سلمه الطبيب لعمي حسن وقال: احتفظ بهذا التقرير ستحتاجه في يوم من الأيام، والأستاذ المتخصص في الطب الشرعي والسموم الذي استعنا به لإعداد تقرير حديث عن الوفاة درس هذا التقرير ووصل لنتائج كثيرة تفند قصة رواية الشريط اللاصق وغيره وتؤكد وفاة المشير مقتولاً. والمذكرة عند النائب العام قبل الثورة ولكن بعد الثورة أفصحنا عن ذلك لنبرئ المشير ونبحث أيضًا عمن قتل أبانا، هل سأدخل على النائب العام وأقول أنا باتهم عبدالناصر بقتل والدي، وبعض رجاله، النهاردة متهمين مبارك بقتل السادات والسادات بقتل عبدالناصر وعبدالناصر بقتل المشير، لذا وجدنا أن من حقنا أن نتحدث اليوم، بنت السادات طالعة تقول كلام مرسل كل فترة، ولكن نحن لدينا قضية.

   لقد ذهب المحامي وطلب منه وكيل النيابة الانتظار لصعوبة الأمور فهناك الكثير من القضايا المنظورة أمام النيابة، وقلنا وماله نصبر شوية ولكننا انتظرنا ثلاثة أشهر من بعد الثورة وجاء الوقت لنقول كفانا انتظارًا، لا نستطيع الصبر على قضيتنا، فقد انتظرنا أكثر من 43 عاماً، وإذا كانوا يحاكمون المتظاهرين، فمن حقنا محاكمة من قتلوا رجلاً على قمة هرم الدولة ونريد حقه. بقد طلبنا أن النيابة تبدأ إجراءات تؤكد بها أن المشير قتل ولم ينتحر، طبقا للأدلة التي قدمناها، ووفق المذكرة فإن من الثابت أنه بإجراء الكشف الطبي بمستشفى المعادي على المشير، وتحديداً في منطقة البطن، والذي يدلل على رواية الشريط اللاصق التي تم هدمها، فإن أي طبيب سيكشف على هذه المنطقة من الأحرى أن يجد الشريط اللاصق وهو ما لم يحدث. فالنائب العام قال إن عبدالناصر كلف محمد حسنين هيكل بتولي قضية المشير من الناحية الإعلامية رغم أن محمد فائق كان وزيراً للإعلام، فرفض عبدالناصر، وقال للنائب العام إن هيكل يعبر عما أريده، وطلب هيكل من النائب العام استبعاد شهادة أبناء المشير من القضية، وفي اليوم التالي كتب بـ«الأهرام» انتحار المشير بسم «السيانيد»، وبعدها قيل إنه ليس السيانيد بل نوع آخر، عبدالمنعم رياض قال إن المشير أخذ سماً، فسألوه ورد قائلاً: «قلت ذلك حتى تتخلى ابنته عنه وتتركه يتحرك معنا»، وهي رواية نفاها اللواء رياض، المشير تحرك من المنزل وهو سليم لم يأخذ سماً أو غيره، النائب العام قال إنه كان يتحرك وهو في كامل صحته، أي أن التدهور الفجائي الذي تحدثوا عنه نتيجة شيء ما حدث في آخر لحظة. وبعدها قالوا إن جميع الأدوية التى كان يأخذها خطأ، حضر الطبيب المناوب إبراهيم بطاطا وتسلم الوردية وعلى الرغم من مرور 17 ساعة ظل يعاني المشير من قيء وامتناع عن الطعام والشراب وعلاج خاطئ وعدم استشارة خبرة أعلى وعدم تركيب محاليل بالوريد بجانب عدم الاحتفاظ بالقيء وإرساله للتحليل، كل ذلك لم يذكره تقرير الطب الشرعي الأصلي، ولكن التقرير الصحيح ذكر أن المشير توفي بهبوط شديد في القلب ناتج عن انسداد في البطين لمادة من أشباه القلويات بالحقن الوريدي وهو ما يبين لنا البعد عن شبهة الانتحار.

هل طلبت استدعاء الشهود من الأساس؟

   الناس أغلبهم ماتوا، السفرجي اتقتل، وفي شهادة شريف عبدالفتاح لما رجع مصر بعد 10 سنين تقابل مع رجل كان ذاهبًا لمحاضرة في جامعة الإسكندرية، وهم في الطريق تعارفا، قال أنا ضابط وكنت الدكتور الخاص بالمشير، وسأله عن القصة فقال سر مقتل المشير مع بطاطا، وبطاطا يعلم من قتل المشير وأقسم بذلك، الشهادة تلك على الـ«سي دي» وقدمناها، كلها شهادات مهمة. نحن لا نشكك، تقرير الطب الشرعي موجود فيه الأحراز، الاستاذ في الطب الشرعي الذي استعنا به راجع ذلك وأعطينا له نسخة وسأل أين الأدوية التي كان يأخذها، لماذا لم يتحفظ عليها ولا العصير ولا أي شيء تعاطاه، حتى القيء المستمر الذي تحدثوا عنه لم يحصلوا منه على عينة، مع العلم بأن المستشفى حلله وقت دخوله المستشفى، فلماذا لم يهتموا به؟!.

اتهام نجل عامر لهيكل

   نعم، هناك تواطؤ، لأن هيكل كان وقتها «يمسك بالعصا من النص»، كثيراً ما زار المشير مرة واثنتين وثلاثاً، والموقف لم يحسم، والمشير والرئيس ممكن يتصالحوا في ثانية، ولكن الآخرين كانوا يفكرون في ذلك ليكسبوا الجميع، كان هيكل يأتي للمشير ويفهمه أنه معه وحمامة السلام ويأخذ كلاماً من المشير ويخبر به الرئاسة.

   تبقى المحكمة الجنائية الدولية، والطبيب الشرعي الذي ينتهي في تقريره إلى أن المشير قُتل ولم ينتحر، قال لنا إننا سنحصل على حكم من الجنائية الدولية، فإذا لم يتم التحرك من قبل النائب العام، سنأخذ القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية.