كيف ساعدت الحرب الأوكرانية بعض الأطراف المنبوذة دولياً؟

د. صدفة محمد محمود

أفرزت الحرب في أوكرانيا أوضاعاً دولية غير مسبوقة، وفرضت ضغوطاً كبيرة على بعض البلدان التي دعمت روسيا علانية في هذه الحرب كبيلاروسيا. مع ذلك، أوجدت الحرب “نافذة فرصة” لبعض الأطراف المعزولة دولياً كفنزويلا وإيران وكوريا الشمالية وحركة طالبان؛ إذ دفعت القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، للتقارب معها، برغم فرضها عقوبات قاسية عليها. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، حاولت الولايات المتحدة، دون نجاح يُذكر، الحد من طموحات إيران النووية وتقييد أنشطتها التوسعية في منطقة الشرق الأوسط، وذلك برغم تطبيق استراتيجية “الضغوط القصوى” لإدارة الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”، الذي انسحب من الاتفاق النووي مع إيران في عام 2018. في الوقت نفسه، فرضت واشنطن عقوبات نفطية على فنزويلا، ووجهت لوائح الاتهام الجنائية لبعض قادة النظام الحاكم، ودعمت الانقلابات السرية في حملتها للإطاحة بالرئيس “نيكولاس مادورو”.

مع ذلك، أجبرت الحرب الأوكرانية، الولايات المتحدة على إعادة التفكير في أولويات أمنها القومي؛ لذلك عملت على إحياء الاتفاق النووي مع إيران لعام 2015؛ وذلك بالرغم من الإشكاليات التي تعترض التوقيع على هذا الاتفاق. في غضون ذلك، قامت واشنطن بإيفاد وفد رسمي رفيع المستوى إلى العاصمة الفنزويلية “كاراكاس” في مارس الماضي؛ وذلك للمرة الأولى منذ عدة سنوات، لإجراء محادثات بشأن احتمال السماح للبلاد ببيع نفطها في السوق الدولية. وفي يونيو الماضي منحت تراخيص لشركة النفط الإيطالية “إيني” وشركة ريبسول الإسبانية لشحن النفط الفنزويلي إلى أوروبا.

فرص سانحة

ساهمت الحرب في أوكرانيا في تهيئة الظروف لبعض الأطراف المعزولة دولياً لتخفيف الضغوط المفروضة عليها، وذلك لأسباب عدة نفصلها على النحو التالي:

1- إلحاح أزمة الطاقة العالمية: ولدت أزمة الطاقة العالمية، مع تقييد روسيا إمدادات الغاز إلى أوروبا، حافزاً إضافياً للغرب على إيجاد بدائل لمصادر الطاقة الروسية. يأتي ذلك في ظل الزيادة غير المسبوقة في أسعار النفط والغاز، التي تسببت في ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا. وقد تُرجم هذا إلى معدلات شعبية منخفضة للرئيس بايدن تهدد بخسارة الأغلبية الديمقراطية الحالية في الكونجرس الأمريكي.

في ضوء ذلك، برزت إيران وفنزويلا باعتبارهما مستفيدين محتملين من الحرب، في ظل مساعي الرئيس “بايدن” إلى تخفيف العقوبات المفروضة عليهما، للسماح بتدفق إمداداتهما من الطاقة في الأسواق العالمية؛ إذ سيؤدي التوصل إلى اتفاق يقود إلى رفع العقوبات الأمريكية عن النفط الإيراني إلى تراجع الأسعار عالمياً؛ لأنه يمكن لطهران أن تضيف نحو برميل يومياً من الإنتاج في غضون ثلاثة أشهر من تخفيف العقوبات، ومن المحتمل أن تضخ ما يقرب من طاقتها الكاملة البالغة 3.7 مليون برميل يومياً في غضون ستة أشهر. بالمثل، قد يساعد تدفق النفط الفنزويلي في السوق العالمية في تخفيف ضغوط التضخم، على الأقل على المدى المتوسط، خاصة أن البلاد لديها أكبر احتياطي عالمي من النفط.

2- محاولة عزل موسكو عن حلفائها الدوليين: تأتي محاولة الإدارة الأمريكية الانفتاح على فنزويلا، في إطار جهودها لفصل روسيا عن حلفائها الدوليين المتبقين، خاصة في أمريكا اللاتينية؛ حيث تعتقد واشنطن أنهم قد يمثلون تهديداً جدياً لأمنها القومي إذا تعمقت المواجهة مع روسيا. وتسعى واشنطن إلى تعزيز أجندتها بين الأنظمة الاستبدادية في أمريكا اللاتينية، وهي تحاول تقديم حوافز مالية لكاراكاس من أجل الانفصال عن روسيا، التي لعبت شركاتها العاملة في مجال الطاقة والبنوك دوراً أساسياً في مواصلة فنزويلا تصدير نفطها الخام، الذي يمثل أكبر مصدر للعملات الأجنبية للبلاد.

3- الحاجة إلى حشد الدعم الدولي لتقويض الاقتصاد الروسي: تعززت الحاجة إلى رفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران وفنزويلا، في ظل سعي واشنطن إلى توحيد الجهود الدولية للحد من قدرة موسكو على الاستفادة من عائداتها النفطية. وقد أعلنت الهند مؤخراً عن استعدادها لدعم خطة مجموعة السبع الكبرى لفرض سقف لسعر النفط الخام الروسي عالمياً، لكن شريطة ضمان تدفق الإمدادات النفطية من فنزويلا وإيران. ودعت الإدارة الأمريكية الهند للانضمام إلى تحالف سقف أسعار النفط الروسي، مع ذلك فإن البلاد مترددة في الانضمام إليه، بدون توافر بدائل مضمونة، بالنظر إلى كونها تستورد أكثر من 85% من احتياجاتها النفطية. بلغت قيمة واردات الهند من النفط الروسي في أغسطس الماضي 737 ألفاً و24 برميلاً يومياً؛ حيث تشتري نيودلهي النفط بخصومات كبيرة من روسيا.

4- تحجيم التحركات الروسية في مناطق الأزمات: ولعل هذا ما اتضح في طريقة التعاطي مع حركة طالبان الأفغانية، فخلال الشهور الماضية عملت موسكو على تسريع تحركاتها تجاه حركة طالبان؛ فعلى سبيل المثال، استضافت موسكو، في شهر أغسطس الماضي، وفداً من الحركة عرض على موسكو شراء نحو مليون برميل من النفط في إطار صفقة مقايضة. هذا التقارب بين روسيا وطالبان يفتح للأخيرة هيكل فرص جديدة لتوسيع حضورها دولياً، وخصوصاً أن الدول الغربية باتت تدرك صعوبة الاستمرار في العزلة المفروضة على طالبان، وربما يفسر ذلك التقارير التي تحدثت، في 11 سبتمبر 2022، عن عمل واشنطن على خطة لإيداع 3.5 مليار دولار من الأصول الأفغانية المجمدة لدى بنك التسويات الدولية، وتوزيع الأموال على أفغانستان بمراقبة طرف ثالث.

وتجلى هذا النمط أيضاً في حالة كوريا الشمالية مؤخراً، وخصوصاً بعد اتهام الولايات المتحدة، يوم 6 سبتمبر الجاري، روسيا بشراء كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر من كوريا الشمالية لاستخدامها في أوكرانيا؛ فبالرغم من استمرار سياسات بيونج يانج التي تنظر إليها دول الجوار كتهديد مباشر لها، فإن هذا لم يَحُل دون إصدار إشارات بشأن إمكانية الانفتاح الدولي عليها؛ فعلى سبيل المثال، عرضت كوريا الجنوبية، يوم 8 سبتمبر الجاري، إجراء محادثات مع كوريا الشمالية لمناقشة لمِّ شمل العائلات التي فرَّقتها الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953. كما أشارت تقارير، يوم 14 سبتمبر الجاري، إلى أن بريطانيا ستدعو ممثلاً من كوريا الشمالية لحضور جنازة الملكة إليزابيث المقررة يوم 19 سبتمبر الجاري.

عقبات عديدة

في مقابل اتجاه الولايات المتحدة والغرب لتخفيف العقوبات على بعض الأطراف مثل إيران وفنزويلا وكذلك طالبان بدرجة ما؛ ما يحد عزلتها الدولية، فإنه لا تزال هناك عدة عقبات تحول دون تحقيق ذلك، منها:

1- ضغوط الكونجرس الأمريكي: تواجه إدارة الرئيس بايدن ضغوطًا قوية من قبل الجمهوريين والديمقراطيين على السواء للحيلولة دون الانفتاح على إيران وفنزويلا، بسبب سجل البلدين في مجال حقوق الإنسان ومزاعم ارتباطهما بالإرهاب الدولي. وبرزت هذه الضغوط بجلاء في معارضة أعضاء الكونجرس الأمريكي أي تخفيف للعقوبات المفروضة على البلدين؛ حيث قدم بعض المشرعين الجمهوريين مشروعات قوانين تستهدف حظر جميع الواردات الأمريكية من النفط الفنزويلي والإيراني. ووصف النائب “كريس ستيوارت” عضو لجنة المخابرات بمجلس النواب، محاولة بايدن الحصول على النفط من فنزويلا وإيران بأنها “نوع من الجنون” وحذر من أنها “ستقوي فنزويلا” و”تُثري إيران”.

2- تأثير علاقات التحالف الاستراتيجي مع روسيا: ساهمت الحرب في أوكرانيا في تقوية الشراكة الروسية مع إيران ولم تضعفها؛ إذ أيدت طهران موقف موسكو من الحرب، كما تلقت الأخيرة طائرات بدون طيار إيرانية لاستخدامها في الحرب الأوكرانية؛ ما سيعزز صناعة الأسلحة الإيرانية. ويشمل التعاون الروسي مع إيران أيضاً المساعدة على تخفيف العقوبات الاقتصادية أو التحايل عليها. أما فنزويلا فهي إحدى دول أمريكا اللاتينية القليلة التي تربطها علاقات قوية بروسيا، ورغم حرصها على تخفيف العقوبات المفروضة عليها، فإنها في الواقع غير مستعدة للتخلي عن روسيا، وتأكد ذلك مع مواصلة البلدين تبادل الزيارات وتوقيع الاتفاقات الثنائية، التي يبلغ عددها 20 اتفاقية.

3- تنامي الخلافات السياسية والصعوبات المالية: وهو ما يحول دون إحياء الاتفاق النووي الإيراني الذي يمهد للتخفيف من عقوباتها النفطية عدة عقبات منها الخلافات السياسية حول عقوبات الإرهاب، ومطالب إيران بضمانات بعدم تراجع واشنطن مرة أخرى عن الاتفاق، وعمليات التفتيش النووي. وفيما يتعلق بفنزويلا، تُظهر إحصائيات وكالة “رويترز” أن فنزويلا تنتج حالياً ما يصل إلى 760 ألف برميل يومياً، ومن ثم، فإن إمداداتها النفطية ليست سوى جزء يسير مما تنتجه روسيا، كما أنها تحتاج إلى استثمارات ضحمة تقدرها الحكومة الفنزويلية بنحو 58 مليار دولار لزيادة إنتاجها من النفط الخام إلى مستويات 1998، أي ما يعادل 3.4 مليون برميل يومياً.

4- التخوف من استمرار التهديدات الأمنية: لا يمكن إغفال أن التخوف من استمرار التهديدات الأمنية التي تمثلها بعض الأطراف المنبوذة قد تشكل قيداً على الانفتاح الغربي على هذه الأطراف، ويظهر ذلك مثلاً في حالة إيران؛ إذ يعتقد العديدون في الغرب أن إيران لا تزال مستمرة في سياساتها العدائية في منطقة الشرق الأوسط. ويتكرر هذا الأمر مع حركة طالبان وخاصة مع الاعتقاد السائد بأن الحركة لم تغير الكثير من أفكارها، كما أن علاقتها بتنظيم القاعدة لا تزال موضع شكوك كبيرة في الغرب.

وختاماً، يمكن القول إن الحرب الأوكرانية بقدر ما أضرت ببعض الدول، فإنها وفرت فرصة ثمينة لتلك التي تُعاني من العزلة الدولية للانخراط مرة الأخرى عن كثب في التفاعلات الدولية، مع ذلك فإن نجاح هذه البلدان في استثمار هذه الفرصة يظل مرهونًا بتطورات الحرب الأوكرانية وانعكاساتها على أسعار الطاقة عالمياً، وقدرتها على زيادة إنتاجها النفطي، إضافة إلى مدى نجاحها في إحداث توازن في علاقتها بروسيا والقوى الغربية.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14257

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *