كيف كانت بلاد العرب بين الحربين العالميتين؟
محمد عبدالرحمن عريف


لنحو قرن من الزمان ومشاريع الوحدة العربية تتعرض للإجهاض والانكفاء بل والمزيد من التفتيت والحروب الداخلية والتجزئة وتكريس القطرية، وتنتقل المشاريع الوحدوية بين الدول العربية من فشل إلى فشل حتى أصبح الفشل هو القاسم المشترك لجميع الأفكار الوحدوية، وصار هذا المصير معروفاً مسبقاً عند الحديث عن أي مشروع وحدوي عربي جديد.، لم يكن هذا وليد اليوم، وكان لنا أن نعود للخلف. فحديثاً صدر عن مركز طروس للنشر والتوزيع -الكويت كتاب بعنوان (البلاد العربية خلال الحربين العالميتين) لنخبة من المؤرخين والباحثين العرب، ذلك بتنسيق وتحرير بروفيسور ياقوت كلاخي وبروفيسور هند فخري سعيد وتقديم بروفيسور بوبايه عبدالقادر وإشراف الأستاذ محمد خليف الثنيان.
هذا العمل شارك الاسماء السابقة في اللجنة العلمية اساتذة كبار متخصصين بالتاريخ والسياسة (أ.د.مصطفى الستيتي، أ.د.عبد الودود قاسم مقشر، أ.د.جبران اسكندر الحديثي، د.فرج محمد قبيلي، أ.د.نعمان عاطف عمرو، أ.قنون حياة، أ.د.محمد بليل، د.العربي بلعزوز، د.آمال علوان، أ.د.محمد عثمان، أ.خليف بن صغير الشمري). خرج هذا العمل بجزئين وبحدود 45 بحثاً بعد أن رأت اللجنة في هذا العمل أن تطلق العنان للباحثين ليكتبوا بهذه الفترة حسب رؤاهم وما يمكن اضافته من جديد على هذه الفترة الزمنية البالغة الأهمية في تكوين البلاد العربية إبتداءً من الحرب العالمية الأولى 1914وما تلاها وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 بما شهدته من احداث سياسية متسارعة غيرت في البنية الاجتماعية والاقتصادية وخريطته الجغرافية وظهور اتجاهات فكرية وثقافية لترمي مجتمعة بثقلها لتنمية وتطوير الوعي السياسي العربي الذي خلق نخب سياسية حملت لواء النضال والمقاومة ضد المستعمر.
عو واقع ما مرّت به البلاد العربية خلال الحرب العالمية الأولى وما تلاها؛ وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية بأحداث سياسية متسارعة، كانت لها تأثيراتها البالغة الأهمية على الوطن العربي؛ حيث شهد تغيرًا في بنيته الاجتماعية والاقتصادية؛ وخريطته الجغرافية، وظهرت به اتجاهات فكرية وثقافية، وكان لجميع تلك التحولات تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على تطور ونمو الوعي السياسي، وظهور نخب سياسية حملت مشعل النضال ضد المحتل الأجنبي؛ الذي تمثل في الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، وقد خضعت بلاد المغرب مبكرًا للسيطرة والاحتلال، أما بلاد المشرق فأخّر من سقوطها بيد التواجد العثماني؛ غير أن ذلك لم يمنع بريطانيا من التآمر والتحالف مع قوى عربية، وانتهاز الفرص للظفر بالمنطقة والسيطرة عليها.
لقد كانت الحرب العالمية الأولى فرصتها في تأليب العرب على الدولة العثمانية؛ وإخراجها من المنطقة، ليحل محلها الاستعماران البريطاني والفرنسي، وذلك بموجب اتفاقية سايكس بيكو التي وقعت سنة 1916، كما أصدرت بريطانيا في السنة الموالية (1917) وعد بلفور الذي تعهدت من خلاله بتقديم فلسطين لليهود من أجل إقامة وطن قومي لهم، ومنذ ذلك الحين دخلت الحركة الصهيونية كطرف رئيس في سياسة المنطقة العربية؛ بعد أن تمّ دعمها من قبل الدول الغربية الكبرى، وقد جاء مؤتمر سان ريمو سنة 1920 لينفذ ما سبقه من مخططات استعمارية، وتقسيم ما تبقى من العالم العربي ليلحق بذلك المشرق العربي نظيره المغربي.
من هنا وخدمة للبحث التاريخي، ومُراعاة لاهتمام البعض بتاريخ منطقتهم العربية خلال الفترة المعاصرة؛ وبشخصياتها الفاعلة في مجرى الأحداث خلال الفترة الممتدة من سنة 1914 إلى 1945، ونظرًا لما شهدته المنطقة العربية من تحولات في مختلف المجالات، وبمبادرة من بروفيسور ياقوت كلاخي أستاذة محاضرة في التاريخ الحديث والمعاصر -جامعة ابن خلدون- تيارت، وباحثة في مختبر تاريخ الجزائر- جامعة وهران1 تمّ اقتراح فكرة إنجاز مشروع كتاب جماعي بعنوان: “البلاد العربية بين الحربين العالميتين (1914- 1945): دراسة تاريخية”.
جاءت أولى خطوات تنفيذ المشروع بعرض موضوعه في مجموعة “أهل التاريخ” التي أنشئت على الواتساب، وكان الباحثون العراقيون في مُقدّمة المُتحمِّسين للمشاركة؛ كما قام الدكتور أحمد حسين (العراق) بمراجعة الديباجة؛ وساعد في وضع محاور الكتاب، وتنقيح محتوى فصوله. وكان الغرض من طرح فكرة هذا المؤلف الجماعي تشجيع الباحثين العرب على دراسة القضايا التي تهم تاريخ الأمة برؤى جديدة؛ من خلال البحث في القضايا التاريخية التي تخصّ مرحلة تعتبر من أكثر المراحل تأثيرًا على العالم العربي؛ ألا وهي فترة ما بين الحربية العالميتين. وبعد استكمال وضع الإشكالية، تم نشرها على مختلف وسائل التواصل.
الواقع أنه جاءت مشاركة الباحثين والمؤرخين من مختلف البلاد العربية، وقد تناولت دراساتهم التاريخية مختلف الجوانب (الاقتصادية والثقافية والسياسية)، وتناسقت في الطرح لتعطينا في الأخير فكرة شاملة عن مدى تشابه أساليب طرح القضايا العربية خلال هذه الفترة؛ التي تعتبر من أكثر الفترات تأثيرًا على العالم العربي؛ الذي يتميّز بأهمية موقعه الجيواستراتيجي ومؤهلاته الطبيعية والبشرية، والتي جعلته محلّ أطماع الدول الغربية، وقد كانت الجزائر أولى الدول وقوعًا تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي في 5 تموز/ يوليو 1830؛ ليتوالى وقوع الدول العربية مشرقًا ومغربًا تحت سيطرة الاستعمار الأوروبي، وبينما تركّز اهتمام فرنسا باحتلال بلاد المغارب؛ توجّهت أطماع بريطانيا نحو منطقة المشرق العربي؛ مع استثناء سوريا ولبنان اللتين كانتا من نصيب فرنسا بموجب اتفاقية سايكس بيكو، والتي دخلت حيز التنفيذ مع نهاية الحرب العالمية الأولى، والتي كان من إفرازاتها الرئيسة المساهمة في إضعاف؛ ثم إسقاط الخلافة العثمانية، والقضاء نهائيا على التواجد العثماني بمنطقة المشرق العربي نتيجة تعاون العرب مع بريطانيا، وهو ما ساهم في فتح الباب على مصراعيه أمام الدول الغربية لتنفيذ مشاريعها الاستعمارية في بلاد المشرق العربي.
لقد أحدث التواجد الاستعماري تغييرًا كبيرًا على الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي للوطن العربي، ويمكن أن تستشف ذلك من خلال البحوث التي شارك بها الباحثون من مختلف البلاد العربية؛ وبلغ عددها واحدًا وأربعين بحثًا (41)؛ تناول واحد وعشرون (21) بحثًا منها أوضاع المشرق العربي خلال هذه الفترة الزمنية؛ بينما حظيت بلاد المغارب بعشرين (20) بحث سلط أصحابها الضوء على مختلف التطورات التي شهدها الوطن العربي فيما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
من بين الدراسات التي حضرت في المؤلف، دراسة الأستاذ الدكتور عبد القادر بوباية -أستاذ تاريخ المغرب الإسلامي ومدير مختبر تاريخ الجزائر قسم التاريخ وعلم الآثار- جامعة وهران1. وسمية سالم الشعالي ليبي، عن المهجرين الليبيين بسوريا ودورهم في دعم حركة النضال الوطني 1925-1942. وفهد عباس سليمان السبعاوي- العراق عن “التطورات السياسية في سوريا 1918-1927″، ودراسة تأريخية يوسف محمد بني يونس المملكة الأردني- الاردن بين الحربين العالميتين الاولى والثانية 1914-1945. ودراسة محمد عبد الرحمن عريف عن “الجيش العراقي في فلسطين 1936-1948”. وأمل محفوظ أحمد مصر- “الحرب العالمية الأولى وانعكاساتها على الاثار المعمارية في مصر للفترة 1914-1924”. ونايفة حماد ديبة فلسطين، عن “السياسة البريطانية تجاه اقتصاد الزيتون في فلسطين 1918-1948”. وعمار يوسف عبدالله- العراق. “العراق خلال الحرب العالمية الأولى 1914-1918” ولمى عبد العزيز مصطفى العراق، “الموصل خلال سنوات الحرب العالمية الأولى 1914-1918” وأحمد أمين مبارك- مصر “اثر الحرب العالمية الثانية على تجارة لبنان الخارجية غير المشروعة نادية مسعود شريف العراق نشوء الدولة العراقية الحديثة في المصادر الأجنبية (فيلب ويلارد إيرلاند) انموذجاً. وهند فخري سعيد العراق “اليمن في سنوات الحرب العالمية الأولى 1914-1918″. وعلي عفيفي علي غازي قطر قطر في الحرب العالمية الأولى 1914-1918”. وعماد عبد العزيز يوسف العراق “الحجاز خلال سنوات الحرب العالمية الأولى”. محمد خليفة صديق السودان ثورة اللواء الأبيض 1924 بالسودان/ في سوسيولوجيا وتحولات ما بعد الاحتلال. وكمال بن صحراوي الجزائر “بريطانيا والمشرق العربي خلال الحرب العالمية الأولى دور ألنبي ولورنس العرب أنموذجاً”. وخليصة داود الجزائر “علاقة العرب بحكومة الاتحاد والترقي قبيل الحرب العالمية الأولى 1908-1914”. وعلي عفيفي علي غازي قطر “مصر بين الحربين العالميتين 1918-1939” ونور المحمدي السعودية “نبذ التفرقة والدعوة للاتحاد والاجتماع 1914-1945” وعماد عبد العزيز يوسف- العراق “التطورات السياسية في لبنان ما بين الحربين 1919-1939” وهيام سامي الزعبي الأردن “أثر أزمة الكساد الكبير (1929) على اقتصاد الدول العربية. وباب ولد أحمد ولد الشيخ سيديا “موريتانيا الأزمة الاقتصادية 1929 تأثيراتها وتجلياتها في المجال الموريتانى 1929-1936” سكينة عصامي تونس “الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالبلاد التونسية خلال الحرب العالمية الثانية 1939-1945” وصبرينة الواعر الجزائر “التجنيد الإجباري وردود فعل الجزائريين، بلدية ندرومة المختلطة أنموذجًا 1891-1917”. وحورية جيلالي الجزائر “التمثيل النيابي للجزائيين في المجالس العامة والمفوضيات المالية في دائرة مستغانم بالغرب الجزائري 1919- 1925”. وبختاوي خديجة الجزائر (الجزائريون والحرب العالمية الأولى “عمالة وهران نموذجا”). ومحمد مزيان المغرب “الحضور الأمريكي بالبلدان المغاربية في فترة ما بين الحربين: بين التطلعات الاستراتيجية والمقتضيات الأمنية”. وتيرس سعاد الجزائر “الصحافة الإصلاحية ودورها في نمو الوعي الوطني في الجزائر -.جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نموذجًا (1931/ 1945)”. وعنان عامر الجزائر “المساهمة العسكرية للشعوب العربية المغاربية في الحرب العالمية الثانية 1939-1945”. وسعودي أحمد الجزائر “موقف الجزائريين ونخبتهم المحافظة من الحرب العالمية الأولى (1914-1918) وأطرافها المتصارعة، بين التأييد والتنديد”. وعلوان آمال الجزائر “النشاط الكشفي بالغرب الجزائري خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945)” وحياة أجعير المغرب “تداعيات انزال الحلفاء على الحركة الوطنية بالمغرب في الحرب العالمية الثانية” وياقوت كلاخي الجزائر “انعكاسات أحداث 8 ماي 1945 على نشاط حزب الشعب الجزائري بمنطقة تيارت”. وزايدي عز الدين الجزائر “بلدان شمال إفريقيا في مواجهة الصعوبات الاقتصادية للحرب العالمية الثانية 1939-1945”. وزين العابدين زريوح المغرب “تبلور الحركة الوطنية المغربية من الحرب الكونية الأولى إلى تحقيق الاستقلال 1956” ومحمد بليل الجزائر “نشاط الحركة الوطنية التونسية خلال الحرب العالمية الثانية والمواقف الفرنسية منها 1939 -1945”. والزرقاء سالم محمد حسين ليبيا “دور الليبيون في الحرب العالمية الثانية 1939-1943 رابحة محمد خضر عيسى الجبوري العراق “ليبيا في سنوات الحرب العالمية الأولى 1914- 1918”. وهشام مرزوق المغرب “مساهمة المغاربة في الدفاع عن التراب الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية” قنون حياة الجزائر “مطالب اسبانيا خلال الحرب العالمية الثانية”. ومحمد سريج الجزائر “نشاط الحزب الحر الدستوري التونسي وردود الفعل الفرنسية بين الحربين 1920 ـ 1945”. ونور الدين أحميان المغرب “وضعية شمال المغرب خلال فترة الحرب الأهلية الإسبانية 1936-1939”. وتاج محمد الجزائر “القضايا العربية وحضورها في كتابات الإبراهيمي”. وروابحي العياشي الجزائر “أثر الحرب العالمية الأولى على الحركة العمالية في الجزائر 1914-1939”. وعبد الرزاق خليفة رمضان اللهيبي العراق.
يبقى أنه في هذا المؤلف تلاقت الافكار وتمازجت (د. ياقوت ود. هند بتوجيه أ.د .بوبايه ) لتخرج بمشروع تبناه مركز دراسات الشرق الوسط طروس ممثلاً بمديره الاستاذ محمد الثنيان وليحمل المهم الأكبر باحثينا المميزين من شرق وغرب الوطن العربي، ونعود ونستلم الاعمال لتحكم وتنسق من قبلنا واساتذتنا الكبار في اللجنة العلمية. اكتمل العمل والكمال لله وحده لكنه جهد متواضع كتب باقلام عربية صادقة اضافة للمكتبات العربية والشرقية. نسأل الله ان نكون قد وفقنا فيما قدمنا.. هكذا قدم بروفيسور “بوبايه عبدالقادر” لهذا العمل.