د. أحمد إبراهيم خضر

أولاً: العلاقة بين النظرية والبحث العلمي علاقة تبادلية تفاعلية وظيفية، ولا يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر:

يرى الباحثون في قضايا علاقة النظرية بالبحث الميداني الآتي:

1- النظرية بدون البحث العلمي الذي يمدها بحقائق جديدة، ويمتحن صحتها باستمرار، تكون عديمة الجدوى؛ لأنها قد تبقى مجرد تجريد لا يعكس الواقع، والبحث العلمي بدون توجيه نظري مثله مثل البحار الذي لا يمتلك بوصلة، ولا يعرف يهتدي بالنجوم وغيرها.

2- تستدعي ممارسة البحث العلمي التقيد بقواعد وإجراءات تكون إطارًا معرفيًّا ومنهجيًّا يتحرك الباحث من خلاله في دراسته.

ثانيًا: النظرية هي دليل أو خريطة فكرية إرشادية، أو تصور ذهني، أو نسق فكري معرفي على درجة عالية من التجريد، أو بناء فرضي استنتاجي خصائصه على النحو التالي:

1- تشتمل النظرية على مجموعة من القضايا المنتجة وذات الفائدة، ينبغي أن تتوافر فيها عدة شروط أربعة: “أن تكون مستندة إلى أفكار محددة تمامًا،ومتسقة الواحدة مع الأخرى، ويمكن أن تستقرأ منها تعميمات، وتقود الباحثين إلى مجموعة من الملاحظات والتعميمات التي تؤدي إلى توسيع نطاق المعرفة”.

2- تعتبر النظرية ثمرةً لدراسات مستفيضة للوقائع والظواهر تقدم رؤية منهجية منظمة لواقع ما.

3 – تُصاغ النظرية في شكل مجموعة من المصطلحات والتعريفات والافتراضات المترابطة بعضها ببعض.

4- تترجم النظرية علاقة ثابتة بين متغيرات بعينها بهدف تحديدها والتنبــؤ بما يعتريها من تغيرات.

5- تسعى النظرية للقفز وراء المجهول بدافع التنبؤ والاستكشاف.

ثالثًا: الخطوات الإجرائية الاثنتا عشرة التي يربط بها الباحث بها بين النظرية والبحث الميداني:

1- أفضل أنواع البحوث والتي تعتبر إضافة جديدة لميدان التخصص هي هذه البحوث التي يختار منها الباحث موضوع دراسته من إحدى النظريات أو من بعض مناهج التخصص، أو من هذه المساحة التي تربط تخصصات معينة ببعضها البعض، للوقوف على الموضوعات التي تحتاج إلى دراسة متعمقة، والتي تعتبر أكثر فائدة من غيرها، وهي التي تساعد على تطوير النظريات ومناهج البحث، أما إذا اختار الباحث موضوعًا محددًا، ويريد أن يبحث في النظرية المناسبة له، فعليه أن يضع في اعتباره ألا تكون النظريات العامة أو الكبرى هي الاختيار الأول الذي يلجأ إليه.

2- على الباحث ألا يعمد بعد اختياره موضوع بحثه إلى إلباسه إحدى هذه النظريات بطريقة تعسفية، دون محاولة الوقوف على مدى صلاحية النظرية لموضوع دراسته.

3- إذا اختار الباحث موضوعًا ما للدراسة، فعليه – قبل أن يلجأ إلى النظريات العامة أو الكبرى – أن يبحث في الجهود التنظيرية التي تناولت موضوع بحثه بالذات، فإذا اختار موضوعًا عن الطلاق أو التفكك الأسري أو الوعي المهني، فلا ينتقي نظريته كمرحلة أولى من نظريات الصراع أو البنائية الوظيفية، أو التفاعلية الرمزية، أو الاتصال أو النسق المفتوح ليسير على هداها، وإنما عليه أن يبحث عن النظريات الخاصة بالطلاق، أو التفكك الأسري أو الوعي المهني، فهي النظريات الأكثر تحديدًا وارتباطًا بموضوع دراسته.

4- إذا لم يجد أن هناك نظرية ما ترتبط ارتباطًا مباشرًا بموضوع بحثه، فهناك خطوة أخرى يلزمه القيام بها قبل أن يلجأ إلى النظريات العامة التي أشرنا إليها، عليه أن يبحث عن الدراسات السابقة في موضوع بحثه ويدرسها جيدًا، ويقف على الأطر النظرية التي استندت إليها ثم يختار منها عدة حقائق جزئية تتمتع بالشمولية والتناسق، ويكون منها إطارًا نظريًّا يهتدي به، وقد يرى البعض أن النظرية بناء شمولي يتعارض مع المعرفة الجزئية، لكننا نرى أنه عند الضرورة يمكن للباحث أن يشكل من هذه الحقائق الجزئية بناءً شموليًّا إلى حد ما.

5- ادعاء الباحث بأنه لا تتوفر دراسات سابقة في موضوع دراسته يرفضه العلماء، ويرون أن هذا الأمر لا يكون إلا في حالتين الأولى: عدم توافرها في أماكن محددة؛ أي: في كلية أو جامعة، أو مركز بحث ما، أو في مكتبة كذا وكذا، الثانية هي عدم توافرها بلغة ما، فقد تكون موجودة بلغة أخرى، ويسري هذا الأمر على النظريات أيضًا.

6- بعد أن يضع الباحث يده على الإطار النظري الذي سيحدد له مسار بحثه عليه أن يستخرج من هذا الإطار المفاهيم والفروض والتساؤلات والمتغيرات التي ينطلق منها في دراسته، وهذه خطوة يغفل عنها الباحثون، فهم يختارون موضوع دراستهم، ويحددون أهداف وتساؤلات الدراسة، ثم يختارون الإطار النظري وهذا خطأ كبير.

7- على الباحث أن يعرف عبر النظرية أو الحقائق الجزئية المستقاة من الدراسات السابقة على أوجه القصور أو النقص في المعرفة والجوانب التي لم يتم التوصل إليها أو لم تستكمل بعد، وهذا يسمح له بطرح تساؤلات كثيرة وصياغة فروض جديدة.

8- على الباحث أن يحدد عبر هذا الإطار النظري البيانات التي يجب عليه جمعها في بحثه ويعزلها عن البيانات غير الضرورية.

9- أن يستعين الباحث بمسلَّمات وفروض النظرية في وصف وتحليل وتفسير الظاهرة التي يدرسها والوقوف على العلاقات بين متغيراتها.

10- أن يستفيد الباحث من ملاحظاته الميدانية في تنقيح القضايا النظرية التي انطلق منها، ويستفيد من النظرية في تنمية المهارة النقدية عنده.

11- أن يلجأ إلى النظرية في حل التناقضات بين النتائج التي توصل إليها.

12- أن يستفيد الباحث من النظرية في رؤية واستشراف مستقبل الظاهرة وفي إعداد وصوغ ورؤية الواقع رؤية عقلية تعتبرًا مصدرًا لمداخل نظرية جديدة؛ (انظر: سعيد صيني، قواعد أساسية في البحث العلمي، موقع الألوكة).

رابعًا: تكمن أهمية البحث العلمي للنظرية في الآتي:

1- يطور النظرية ويثريها، ويعدلها ويوسع نطاقها، بل يعيد صياغتها بإعادة تحديد محور اهتمامها حسب النتائج الجديدة التي توصل إليها البحث العلمي.

2- يبتكر البحث العلمي أساليب وإجراءات جديدة، يستعين بها في جمع الحقائق وتحليلها، فيوجِّــه اهتمام النظرية نحو موضوعات جديدة.

خامسًا: أمور يجب على الباحث الذي يتمتع بحس “عقدي” قوي أن يضعها في اعتباره وهو يبحث عن النظرية المنشودة:

1- النظريات ليست سياقًا عالميًّا يعبر حدود الزمان والمكان، وتعبر عن خبرة كل المجتمعات البشرية، وإنما تعتمد على خبرة المجتمعات الغربية وحدها، ولا تصلح في معظمها للتطبيق على مجتمعاتنا التي يختلف واقعها عن الواقع الغربي.

2- تختلف النظريات من حيث قدرتها على بسط وتبسيط الحقائق للباحثين، وبخاصة من حيث قدرتها على بيان ما يتعين الاهتمام به، وما يتعين أيضًا تركه أو إسقاطه من حيز الاهتمام بالحقيقة.

3- قيمة وجدوى النظرية مسألة نسبية تتوقف على مدى مواكبتها أو قدرتها على مواكبة التغيرات التي تفرض نفسها على ساحة البحث في المجال الذي تتناوله النظرية.

4- النظرية هي انعكاس شخصي لواقع المنظر وخلفيته العقدية ورؤيته للكون والإنسان والحياة، منذ أن كان طفلاً يتعلم اللغة لأول مرة حتى أصبح منظرًا، كما أن أهمية النظرية تتوقف على ما يتمتع به المنظر من دقة وخيال وإبداع في صياغتها، كما تتوقف أيضًا على توجهاته والأهداف التي يبتغيها، ويغفل الباحثون في بلادنا عن إدراك أن هذه النظريات وهؤلاء المنظرين لا مجال عندهم للاعتقاد في أن حركة الوجود كلها تجرى وفق إرادة ومشيئة الله تعالى، وأنه تعالى هو الذي حدد للبشر الطريق الذي يجب أن يتحركوا من خلاله، وترك لعقولهم مساحة تعمل في حدود ما أرشدهم إليه،لكن هؤلاء المنظرين ينطلقون من قاعدة أن الإنسان هو محور الكون وهو الذي يشرع لنفسه في مختلف مجالات الحياة.

5- أن هؤلاء المنظرين يرون أن أي باحث ينطلق في دراسته لمشكلة ما أو ظاهرة ما، من مفهوم عقدي، هو رجل لاهوت وليس رجل علم، وقد صاغوا ذلك في عبارة قاطعة الوضوح مؤداها: “أن كل تفكير متعال عن الواقع هو تفكير ميتافزيقي، أما النظرية فتقودها مبادئ عقلية منطقية”.

والدين عندهم متناقض مع العلم والعقل، وهم لا يؤمنون بالإسلام، ومن ثَمَّ لا يؤمنون بأن الدين والعقل في الإسلام متساندان، وأن هذا الدين لا يتعارض مع العلم أو العقل ولو في جزئية واحدة من جزئياته، كما يقع باحثونا في خطأ فادح حينما ينظرون إلى الدين على أنه مجرد وعظ، وأنه ليس بعلم مطلقًا؛ ولهذا ينساقون وراء هذه النظريات على اعتقاد منهم أنها علم ينتفع به.