يسعى الديمقراطيون والجمهوريون، في غمار سباقهما، إلى الفوز بمقاعد حكام الولايات، ومجلسي الشيوخ والنواب، والمدعين العامين في انتخابات نوفمبر المقبل لاجتذاب بعض القواعد الانتخابية التي تمكنهما من قلب المقاعد، وجعلها إما جمهورية أو ديمقراطية؛ وذلك على غرار الناخبين الأمريكيين من أصول إفريقية أو لاتينية، فضلاً عن الناخبات، والحاصلين على شهادات جامعية، ومن يعيشون في الولايات المتأرجحة التي تذهب تارة للديمقراطيين وتارة للجمهوريين، مثل ولاية فرجينيا التي صوتت لصالح بايدن في الانتخابات الرئاسية لعام 2020، لكنها صوتت لصالح المرشح الجمهوري جلين يونجكين الذي فاز بمنصب حاكم الولاية في عام 2021. وهو ما يعني أن هناك فرصة لقلب المقاعد داخل مختلف الولايات، وخاصة المتأرجحة أو التي يتقاعد شاغل المنصب بها سواء كان جمهورياً أو ديمقراطياً، ولا يوجد بديل له من الحزب نفسه. ومن ثم فإن ثمة فرصة لتغيير تركيبة الكونجرس خلال انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

رسائل الديمقراطيين

يستغل الديمقراطيون أي مدخل يمكن من خلاله انتقاد الجمهوريين لحث الناخبين على عدم التصويت لهم في الانتخابات المقبلة، ولتوسيع قاعدة الحزب الديمقراطي الشعبية التي تضررت بسبب ارتفاع مستويات التضخم داخل الولايات المتحدة لدرجة غير مسبوقة منذ أربعة عقود. وفيما يأتي يمكن إيضاح أهم رسائل الحملات الانتخابية للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس:

1– الترويج لـ”تطرف” المنافسين الجمهوريين: يذهب الرئيس جو بايدن إلى وصف الجمهوريين بـ”المتطرفين”، ويتبعه في ذلك الديمقراطيون الذين يعملون خلال حملاتهم الانتخابية لتصوير منافسيهم الجمهوريين على أنهم “متطرفون”، مؤكدين أنهم سيسعون في حال تمكنهم من الفوز بأغلبية مقاعد الكونجرس من تقييد الحقوق الفيدرالية، بما سيضر الديمقراطية الأمريكية.

ومن المحتمل تكرار سيناريو الانتخابات الرئاسية السابقة، والزعم بأنها سُرقت في انتخابات الرئاسية لعام 2024، لا سيَّما أن هناك العديد من الجمهوريين الذين يرفضون فكرة الاقتراع باستخدام البطاقات البريدية، بجانب مناهضتهم حقوق الإجهاض، وهو ما يظهر في دعمهم حكم المحكمة العليا – التي عيَّن الرئيس السابق دونالد ترامب أغلبية القضاة بها – بإلغاء قرار حكم قضية “رو ضد وايد” الذي كان يحفظ حق النساء في إجراء عمليات الإجهاض.

2- الإشارة إلى تهديد الجمهوريين المؤسسات الأمريكية: يستخدم الديمقراطيون مسألة تهديد المؤسسات الأمريكية لجذب المزيد من الناخبين، خاصة بعد أن أفادت تقارير استخباراتية بوجود تهديدات ضد مسؤولين بوزارة العدل، ومكاتب التحقيقات الفيدرالية من جانب أنصار الرئيس السابق ترامب، الذين يرفعون شعار حملته الانتخابي ماجا MAGA، الذي يعني “اجعل أمريكا عظيمة مجدداً”، التي زادت بدرجة أكبر بعد تفتيش عقار الرئيس ترامب بولاية فلوريدا بحثاً عن مستندات سرية أخذها عند خروجه من البيت الأبيض بشكل غير قانوني. وفي هذا السياق، يشير الديمقراطيون إلى حجم التهديدات التي سيمثلها الجمهوريون على مؤسسات الدولة الأمريكية في حال وصولهم إلى الحكم، لا سيَّما أنهم لا يهتمون بأي شيء سوى مصالحهم الخاصة، وحماية سلطتهم.

3– تبني تشريعات تتعارض مع توجهات المحافظين: يروج الديمقراطيون لمشاريع القوانين المختلفة التي يسعون إلى تمريرها في الكونجرس الأمريكي التي ستجبر الجمهوريين على تبني مواقف مضادة لها، على غرار قانون زواج المثليين، والحق في تحديد النسل، وتقديم الرعاية الطبية، وهي تشريعات تتعارض مع توجهات الجمهوريين المحافظين الذين يرفضون زواج المثليين، ويعارضون تحديد النسل باعتبار أنه يتعارض مع مبادئهم في الدفاع عن الحياة. فضلاً عن وجهة نظرهم بشأن توفير الرعاية الطبية للمواطنين، التي تضيف المزيد من الأعباء على الميزانية الفيدرالية الأمريكية. ومن شأن تلك التوجهات أن تجذب فئات مختلفة من المجتمع الأمريكي للتصويت لصالح الديمقراطيين الذين يعملون على الدفاع عن حقوقهم.

4– استغلال دفاع الجمهوريين عن العنف المسلح: استغل الديمقراطيون الأحداث الدامية الأخيرة التي شهدتها مختلف الولايات الأمريكية بسبب السلاح، مشيرين إلى دفاع الجمهوريين عن الحق في حمل السلاح، مقابل رغبة الديمقراطيين في تقييد فرص حمل الأشخاص الأصغر سناً السلاح، ومنع تداول البنادق الشبح التي تحتوي على خزانات كبيرة للرصاص وتكون قادرة على إحداث دمار كبير، فضلاً عن دفاعهم عن تمرير قوانين التحقق من الخلفية قبل بيع الأسلحة. وهي تعد قضية من القضايا ذات الأولوية للمجتمع الأمريكي، خاصة في الفترة الأخيرة مع تزايد معدلات العنف المسلح داخل المدارس الأمريكية.

5- إخفاقات الجمهوريين مع جائحة كوفيد-19يقارن الديمقراطيون خلال حملتهم الانتخابية بين أوضاع الجائحة قبل وصولهم إلى البيت الأبيض، وأوضاعها الراهنة بعد توليهم السلطة؛ حيث زيادة توزيع الاختبارات المجانية على المواطنين، وزيادة المخصصات المالية لمكافحة الفيروس، والارتفاع في معدلات تطعيم الأمريكيين بفضل حملات التوعية المكثفة مقارنة بالترويج للشائعات والأكاذيب خلال فترة وجود ترامب الذي لم يكن يحترم رأي العلماء، ويقلل من شأن الفيروس حتى أصيب هو شخصياً به.

6- محاولة تقديم بديل عقلاني موثوق به: يحاول الديمقراطيون العمل على جذب الناخبين الجمهوريين الذين فقدوا شغفهم تجاه الحزب الجمهوري بسبب السياسات التي يتبعها في الفترة الأخيرة، والتصريحات “المتطرفة” التي يدلون بها على غرار التقليل من شأن أحداث شغب 6 يناير، أو بسبب تعارضهم مع الرئيس ترامب خلال وجوده في الحكم، مروجين لأنفسهم على أنهم “بديل عقلاني” للجمهوريين يمكن الوثوق به، خاصة داخل الولايات المتأرجحة التي يمكنها قلب مقاعدها لصالحهم.

7- العمل على ترهيب الناخبين من عودة ترامب: يعمل الديمقراطيون على ترهيب الناخبين بشأن إمكانية عودة ترامب إلى الحكم من جديد أو ظهور شخصيات جمهورية جديدة مماثلة له، ووصولها إلى البيت الأبيض إذا صوتوا لصالح الجمهوريين في الانتخابات القادمة، مؤكدين أن التصويت للديمقراطيين أفضل قرار لهم للحفاظ على ديمقراطية المؤسسات الأمريكية وتماسكها.

حملات جمهورية

يستخدم الجمهوريون رسائل مضادة للرد على مرشحي الحزب الديمقراطي لمختلف المناصب، سواء في مجلس الشيوخ أو النواب، أو في منصب حكام الولايات، وأي منصب آخر يتطلب إجراء انتخابات. ويمكن الإشارة إلى تلك الرسائل فيما يأتي:

1– استغلال الإخفاقات الاقتصادية لإدارة بايدن: يستغل الجمهوريون مسألة إخفاق الديمقراطيين في خفض نسب التضخم، والسيطرة على ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة للترويج لفكرة فشل الديمقراطيين في تحقيق نجاح بارز في ملف الاقتصاد الذي يأتي على رأس أولويات الناخبين الأمريكيين خلال الفترة الراهنة، منددين بمختلف التشريعات التي مررها الكونجرس الأمريكي بدعم من الديمقراطيين على غرار قانون “خفض التضخم”، ومشيرين إلى أن تلك القوانين هي السبب الرئيسي في ارتفاع مستويات التضخم في الولايات المتحدة.

وتعد تلك الرسالة من أقوى الرسائل التي يمكن أن تؤثر على الديمقراطيين في الانتخابات القادمة، لا سيَّما أن مختلف استطلاعات الرأي التي يتم إجراؤها حالياً تشير إلى أن الاقتصاد والتضخم يمثلان مصدر قلق كبير للناخبين الأمريكيين؛ لذلك يستغل الجمهوريون الإجراءات الوبائية التي تبناها الديمقراطيون خلال فترة الجائحة، التي أفضت إلى إغلاق في مختلف الأنشطة الاقتصادية لوقف تفشي الفيروس، ويشيرون إلى احتمالية تكرار تلك السياسات وانعكاس ذلك سلباً على أوضاع المواطنين الاقتصادية.

2– فشل الديمقراطيين في معالجة قضية الهجرة: يشير الجمهوريون إلى وعود الديمقراطيين المتكررة خلال حملاتهم الانتخابية بمعالجة ملف الهجرة، وسن العديد من التشريعات التي من شأنها تنظيم أوضاع المهاجرين غير النظاميين في البلاد، ووقف تدفق المزيد منهم على الحدود الجنوبية للبلاد، مشيرين إلى إخفاق إدارة بايدن في حل تلك القضية بالنظر إلى أعداد المهاجرين غير النظاميين الذين يعبرون أو يتم إلقاء القبض عليهم على الحدود الأمريكية. ويحاول الجمهوريون استغلال تلك القضية للترويج لفكرة مفادها إمكانية تأثير هؤلاء الأفراد على المجتمع الأمريكي من حيث ارتفاع معدلات الجريمة، ومستويات الإتجار بالمخدرات.

3– انتقاد “ضعف شخصية” الرئيس بايدن: ينتقد الجمهوريون شخصية بايدن، موضحين أنه ذو شخصية ضعيفة تؤثر على مكانة واشنطن العالمية، ويتحدثون عن كبر سنه وإخفاقه المتكرر في تذكر العديد من الأمور خلال اللقاءات المباشرة التي تتم معه، مشيرين إلى أن الحزب الديمقراطي غير كفء لإدارة البلاد في تلك الفترة، كما يستغلون تدني نسب الرضا عن أداء الرئيس بايدن في مختلف استطلاعات الرأي لتأكيد آرائهم بشأنه وبشأن الديمقراطيين.

4– الترويج لنجاحات جمهورية سابقة: يروج الجمهوريون لنجاحاتهم السابقة خلال وجودهم في البيت الأبيض على غرار ارتفاع معدلات النمو الأمريكية إلى مستويات كبيرة، وانخفاض معدلات البطالة، فضلاً عن الضغط على الصين وتشجيع عدد من الدول العربية على تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

كما يستغل بعضهم ممن يؤمنون بأفكار الرئيس السابق ترامب ويحوزون دعمه، شخص الرئيس السابق الذي يحظى بشعبية ليست بالبسيطة للاستفادة من قاعدته الشعبية بالولايات المتحدة، مرددين أفكاره ونظرياته بشأن نتائج انتخابات الرئاسة في عام 2020 التي زعم ترامب وجود تزوير بها؛ وذلك في محاولة منهم لجذب هؤلاء الناخبين لصالحهم.

5– اجتذاب شرائح مختلفة من الناخبين المحافظين: يسعى الجمهوريون من خلال آرائهم المحافظة بشأن مختلف القضايا – على غرار رفضهم لزواج المثليين أو رفضهم عمليات الإجهاض دون وجود استثناءات لديهم مثل سفاح القربى أو الاغتصاب – في جذب قاعدة واسعة من الناخبين الأمريكيين المحافظين الذين يرفضون توجهات الحزب الديمقراطي الليبرالية التي تتنافى مع توجهاتهم وعقائدهم الدينية؛ وذلك على غرار المسيحيين الكاثوليك.

منافسة محتدمة

وختاماً، يمكن القول إن الرسائل المختلفة المستخدمة من جانب الديمقراطيين والجمهوريين سيكون لها تأثيرها على مختلف فئات الشعب، لكن ستظل قضية الاقتصاد والتضخم هي القضية الأبرز قبيل الانتخابات التي يشعر بها المواطن اليومي، والتي قد تلعب دوراً بارزاً في تحديد توجهات الناخبين خلال الانتخابات القادمة؛ ما يعني أن تلك القضية إذا تم استغلالها بدرجة مكثفة قد تصب في صالح الجمهوريين. لكن عند النظر إلى مختلف المتغيرات الأخرى المؤثرة على العملية الانتخابية مثل الحق في الإجهاض، وعنف السلاح، فإن الكفة قد تميل لصالح الديمقراطيين. ومع ذلك فإنه بالرغم من نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة التي يميل الكثير منها لصالح المرشحين الديمقراطيين، فلا يمكن ترجيح فوز طرف على حساب الآخر.

المصدر:  إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية