لم تعد الحروب في العصر الرقمي تُخاض فقط بالصواريخ والأسلحة التقليدية، بل أصبحت تُدار أيضاً عبر الخوارزميات والمحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي. منذ 28 فبراير 2026، كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية عن نموذج متقدم لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى دعائي مُضلل، يهدف إلى التأثير على الرأي العام وتوجيه الإدراك الجماعي.
هذه الظاهرة ليست جديدة تماماً، بل تمثل امتداداً لما شهدناه في حروب مثل أوكرانيا وغزة، لكنها اليوم أكثر تطوراً وتأثيراً. ومع تدفق المعلومات بشكل لحظي، أصبح التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة، ما يهدد بنية البيئة المعلوماتية ويعيد تعريف مفهوم الحقيقة ذاته.
من الواقع إلى “الواقع المفرط”
تعكس الحروب الحديثة مفهوم “الواقع المفرط” (Hyperreality)، حيث تتلاشى الحدود بين الواقع وتمثيلاته. لم تعد الصور والفيديوهات مجرد انعكاس للأحداث، بل أصبحت قادرة على خلق واقع بديل مستقل.
بفضل الذكاء الاصطناعي، يمكن إنتاج محتوى يبدو أكثر واقعية من الواقع نفسه، ما يجعل الجمهور يعيش تجربة مُصطنعة لكنها شديدة الإقناع. وهنا تنفصل الرموز البصرية عن مرجعها الحقيقي، لتُعيد تشكيل الإدراك العام وفق سرديات مُصممة بعناية.
الذكاء الاصطناعي: إعادة إخراج الواقع
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتزييف المحتوى، بل أصبح وسيلة لإعادة بناء الحدث نفسه بشكل أكثر درامية وتأثيراً.
رغم وجود أحداث حقيقية موثقة، يتم اللجوء إلى المحتوى المُولَّد لأنه:
- أكثر وضوحاً وتأثيراً بصرياً
- يقدم رواية مكتملة وسهلة الفهم
- يعزز مشاعر الانتصار أو الهزيمة
بمعنى آخر، الهدف ليس استبدال الواقع، بل إعادة تقديمه بطريقة تُوجّه كيفية فهمه والشعور تجاهه.
أبرز تقنيات الدعاية المدعومة بالذكاء الاصطناعي
1. زوايا تصوير مثالية
تُظهر المقاطع المُولَّدة لحظات القصف والانفجارات بدقة سينمائية، مع تفاصيل واضحة وتأثيرات بصرية قوية، على عكس اللقطات الحقيقية التي تكون غالباً بعيدة أو غير واضحة.
كما يتم استخدام مؤثرات مثل:
- التصوير الليلي
- الأشعة الحرارية
- لقطات الأقمار الصناعية
لزيادة المصداقية والإثارة.
2. استهداف مواقع رمزية
يتم اختيار مواقع ذات دلالة قوية مثل المطارات أو القواعد العسكرية أو المعالم الشهيرة.
تدمير هذه المواقع بصرياً لا يعني فقط وقوع هجوم، بل يرمز إلى:
- تراجع الهيبة
- اختراق السيادة
- ضعف القدرة الدفاعية
3. صناعة التأثير العاطفي
يتجاوز المحتوى المُولَّد عرض الأحداث ليصنع استجابة عاطفية جماعية، عبر:
- منشورات مزيفة لمشاهير
- مشاهد لجنود في حالة انهيار نفسي
- صور تستثير التعاطف أو الغضب
الهدف هو توجيه شعور الجمهور، وليس فقط إبلاغه بالمعلومة.
4. إبراز التفوق العسكري
تعرض الفيديوهات المُولَّدة أسلحة متطورة ومنشآت محصنة بشكل مثالي، ما يعزز صورة القوة والجاهزية.
هذا النوع من المحتوى يخدم:
- الردع العسكري
- رفع المعنويات الداخلية
- إرسال رسائل استراتيجية للخارج
5. المزج بين الحقيقي والمزيف
من أخطر الأساليب استخدام محتوى هجين يجمع بين:
- لقطات حقيقية
- عناصر مُولَّدة
- مواد قديمة أو من سياقات مختلفة
مثل استخدام مشاهد من ألعاب فيديو أو كوارث طبيعية على أنها أحداث حربية، ما يصعّب كشف التزييف.
6. التأطير اللغوي
تلعب النصوص المرافقة دوراً كبيراً في توجيه التفسير، حيث لا تكتفي بوصف الحدث، بل تعيد صياغته عاطفياً بما يخدم السردية الدعائية.
مخاطر التضليل بالذكاء الاصطناعي
انهيار الثقة في الحقيقة
في أوقات الأزمات، تقل قدرة الجمهور على التحقق، ويزداد الاعتماد على الانطباعات السريعة. ومع انتشار المحتوى المُضلل، تتآكل الثقة في جميع مصادر المعلومات.
التلاعب بالزمن والسياق
يمكن للذكاء الاصطناعي إعادة ترتيب الأحداث داخل الفيديو، ما يخلق تسلسلاً زمنياً مضللاً يعزز سرديات معينة.
ملء الفراغ المعلوماتي
عندما تغيب المعلومات الدقيقة بسبب التكتم، ينتشر المحتوى المُولَّد كبديل “محتمل”، خاصة إذا كان يتوافق مع قناعات الجمهور.
التأثيرات الاستراتيجية
يمتد التأثير إلى:
- زعزعة الثقة بالمؤسسات
- نشر الشائعات داخلياً
- التأثير على الأسواق
- إرباك صناع القرار
تحولات في طبيعة الحرب الإعلامية
لم تعد الدعاية تهدف إلى إقناع الجمهور برواية واحدة، بل إلى إغراقه بعدة روايات متناقضة.
الهدف لم يعد الإقناع، بل:
- التشويش
- الإرباك
- تفكيك القدرة على التمييز
في هذا السياق، حتى المعلومات الصحيحة تصبح محل شك.
الأمن المعرفي: خط الدفاع الجديد
أمام هذه التحديات، يبرز مفهوم “الأمن المعرفي” كأولوية استراتيجية، ويعني قدرة المجتمع على:
- تقييم المعلومات
- التحقق من مصادرها
- اتخاذ قرارات مبنية على حقائق
ويتطلب ذلك:
- تعزيز التعليم والتفكير النقدي
- تطوير أدوات التحقق
- تعاون الحكومات والإعلام والمؤسسات الأكاديمية
خاتمة
أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف الدعاية في الحروب الحديثة، فلم يعد مجرد أداة لتزييف الواقع، بل أصبح وسيلة لإعادة تشكيله بالكامل.
ومع تزايد تعقيد المحتوى المُولَّد واندماجه في البيئة الرقمية، لن يكون التحدي في كشف الزيف فقط، بل في إعادة بناء الثقة بالحقيقة نفسها.
في هذا العصر، لم تعد رؤية الحدث دليلاً على حدوثه، بل قد تكون الصورة ذاتها أداة للتضليل. لذلك، يصبح تعزيز الوعي والأمن المعرفي ضرورة حتمية لمواجهة حروب تُخاض في العقول قبل الميادين.
