كيف يكون قرض البنك العالمي لتونس دافعا لتكتل عربي لمواجهة كورونا وما بعدها؟

الدكتور محمد مراح

نشرت الوكالة التونسية  للأنباء {إفريقيا} الخبر الآتي الذكر :

تونس 11 افريل 2020 (وات)- وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، أمس الجمعة، على منح تونس قرضا للمساعدة الطارئة بقيمة تعادل 745 مليون دولار أمريكي، لدعم سياسات تونس الاستباقية في مواجهة جائحة كوفيد -19 في ظل توقعاته بانكماش للنمو لم تشهده البلاد منذ الاستقلال

وقد توقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد التونسي بنسبة 3ر4 بالمائة في سنة 2020 تحت وطأة فيروس كورونا المستجد

واعتبر الصندوق “انه أعمق ركود تشهده البلاد منذ استقلالها في عام 1956” مؤكدا أن تمويل الصندوق سيساعد السلطات على سد الاحتياجات الكبيرة للمالية العمومية وميزان المدفوعات، والتي تقدر على التوالي بنحو 6ر2 بالمائة و 7ر4 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي}. أ.ه

فسجلت فورا التعليق الآتي : { اه اه ياحسرتاه: لو كان حكامنا حكاما وأمتنا أمة حقا كما اراد لها دينها أن تكون لما تركنا إخواننا يرتهنون لمؤسسة مص عرق الشعوب؛ ستصفد تونس بهذا القرض ،وتعطل عن السير قدما في تطوير تجربتها الديمقراطية}.

  هذا التعليق الذي تتشارك في فحواه أكثر شعوبنا العربية والمسلمة، لا يغير منه سوى تغير البلد، والشعب . فنصير إزاء حالة عاطفية، وتقدير أخلاقي ، وتدبير سياسي واقتصادي على مستوى الأمة في هذا الظرف الانعطافي الخطير الذي توشك { الكَورَنَةُ} قدر الله تعالى العجيب الحكيم أن تُدفع به الإنسانية لتأمل مستقبلها الوجودي على أرض الله تعالى الذي يختبرها ماداموا عليها : مدى استئهالهم  نعمة هذا المقتطف من الكون الفسيح!

وهذا من المعاني التي تتضمنها آيات الاستخلاف في القرآن الكريم منها قوله تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا} فاطر

 (39) وقوله عزمن قائل {۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} سورة هود (61) .

الحالة التونسية نموذج مناسب للتفكير الإيجابي في المستقبل : وقبل هذا نورد بعض الملاحظات :

ــ  تونس على نحو ما تدفع ثمن تجربتها في التغيير، إذ هي ــ فيما صُك له مصطلح الربيع العربي ــ الحالة الثورية  الوحيدة  المستقلة عن صناعة القوى الدولية والإقليمية المقاولة لها في سلسلة الهزات التدميرية للمنطقة . كما ورد بأوضح الألفاظ الدور الفعلي للولايات المتحدة الأمريكية في إنجاز ما حدث ، في كتاب وزيرة الخارجية الأسبق ومستشارة الأمن القومي {كونداليزا رايس في كتابها الضخم أسمى آيات الشرف ، ص 841} .

وكان ممكنا أن تكون نموذجا  ملهما مشجعا ـــ بحسب حال محل التغيير ــ  لنمط تغيير مستقل عن القوى المتربصة. وكان ممكنا لكل دولة في المنطقة  مؤهلة للتغيير أن تُكيف النموذج التونسي بحسب المناسب لخصوصيتها الوطنية .

لكن استقراء الحالات { المُثوَرة } ونتائجها المأساوية تسمح للمرء بالقول إن ما فات تلك القوى من تأثيرات مناسبة لمصالحها ، يجب العمل على تداركه بمحاولات التدخل والتأثير في مسار الثورة والتغيير. وقد بدا هذا واضحا خلال السنوات الأخيرة . ومن الطبيعي ان تستعمل أوراق  شتى للتضييق الاقتصادي على تونس، وقد رأينا ذلك في محاولات عدة لضرب أهم مصدر دخل لتونس وهو النشاط السياحي المتأصل في البلد منذ عقود . بالأعمال الإرهابية المعروفة. ومن هذا الصنف من الأوراق التضيقية التي تتقنها القوى الكبرى استغلال الأزمات ، وأكبر أزمة وأنسبها الآن بلاء كورونا . فمتد يد المؤسسة المالية الكبرى   للنجدة,! بعد أن اضطرت الحكومة التونسية لذلك . في سياق ظروف سياسية عسيرة منذ ما بعد الانتخابات التشريعية { أزمة تشكيل الحكومة } .

وهنا علينا ألا نغفل متغير شديد الأهمية : هو مضاعفة الضغوط والتأثيرات القاسية الشرسة بعد نجاح الرئيس قيس سعيد على نحو طاش بكل الأوراق المألوفة في انتخابات المنطقة، وخلو الرجل من كل ظهير حزبي أو أيديولوجي سوى {أيدولوجية}أصالة وقيم وتاريخ ومزاج الشعب التونسي، و موقفه من الصهيونية والقضية الفلسطينية. أي أن الرئيس قيس سعيد ليس مدينا لأحد بمنة إلا الجسم الوطني التونسي :  بالمعنيين المادي والمعنوي .

وكذا اختياره الإعلان فورفوزه بموقفه الصارم البدهي من فلسطين، والتوجه العازم على الالتحام مع الجزائر .

فكان صدور قرارات التضييق والشروع في تنفيذها بأقصى وأقسى ما يمكن .

وبدهي القول أنهم يراهنون كثيرا على إكراهات كثيرة عسى أن يحققوا بعض مآربهم من خلال قيد القرض المالي الضخم .

الآن من الملوم في هذا الوضع إن صح طرح فرضية لوم؟ ليس لعاقل لوم الحكومة ولا الرئيس التونسي في هذا المسلك . إنما الملوم هي الأنظمة والمؤسسات العربية التي لم َيلُح في سمائها أي مؤشر على التفكير في مخطط تعاوني عربي لمواجهة هذا البلاء . ولو تحلى حكامنا بقدر من الحكمة في ظل انشغال العالم بمصابه، وانكفاء القوى الاستعمارية الكبرى : كل على مأساته الوطنية ونكبة كورونا فيها ، وأوعزوا  لخبراء وسياسيين وضع خطة استراتيجية لخطوات مشتركة لمواجهة الوباء مُفعلين قيمهم الدينية والأخلاقية الإسلامية على الخصوص، لتدشين بداية مسار تعاوني لا مفر لهم منه آجلا أو عاجلا، قبل أن تسحقهم التغييرات العالمية المخيفة بعد كورونا .

قد يكون من الإمعان في الغباء ولا نقول في دفن الرأس في الرمل ، تجاهل المبادرة لتعاون عربي ، في المحنة تساميا على الخلافات السياسية ، والنظر لهذه الخطوة على أنها أمن وطني وقومي،بل ووجودي،  يساهم في تحديد مصائر الأمة والدول العربية . إذ مؤشرات التوحش التي ظهرت من قوى كبرى حليفة فيما بينها يبعث رسائل مرعبة لمصير الشعوب الضعيفة ، والدول المشتته عن تلاحمها مع أشقائها ومجالها الحيوي الاستراتيجي والجغرافي والحضاري .

من يجرؤ الآن على المجازفة باستبعاد موجة استعمار جديدة إن نشبت الأزمات الاقتصادية الكبرى أظفارها في دول الكبرى ، ترى أمام أنظارها ثروات طائلة خام في دول حالها كحال دولنا العربية على الخصوص .

ومن النصائح العميقة الأهمية في هذه الحرب الوبائية : نصائح الباقعة {الداهية} هنري كيسنجر للدول الكبرى كي تجترح خططا محكمة لمواجهة الوباء وآثاره الاقتصادية الخطيرة ، كي تحافظ هذه القوى الكبرى على مكانتها في حكم العالم، وضمان مصالحها ، ومكاسبها . فمن يستبعد أن  تبدع هذه النصائح وأمثالها نهجا مبتكرا بعد زوال الجائحة حركة استعمارية جديدة للاستيلاء على ثروات البلدان الزاخرة بالخامات كبلداننا ؟

قبل الختام أود الإشارة لما يأتي :

ـــ ما زال الوقت مناسبا أن يُعمد لمخطط تعاوني استعجالي بين الجزائر وتونس والمغرب وليبا وموريطانيا للتعامل مع الأزمة ، حتى إن يكن هذا بالقدر الأدنى الممكن ، عساه يفك بعدئذ عقدة اتحاد المغرب العربي ، وقد يستفر سياق الأزمة العالمية عن محضن مغربي  للمساهمة في حل إقليمي للأزمة الليبية ؟

ــ على الجزائر أن تبادر بأداء واجب التعاون المادي مع الإخوة في تونس على نحو ما فعلت بعد ثورة تونس في عهد الرئيس السابق ، ثم قبل اندلاع الحالة الوبائية العالمية . وهنا وجب القول بكل وضوح : على السلطة الجزائرية ألا تُلقى بالا لبعض الأصوات التي ستنكر صنيعها لو فعلت . كما حدث مع الخطوة الأخيرة : وهذا لسبب وغاية هما : السبب : أن هذه الأصوات إنما هي الأصوات المقاولة لمصالح فرنسا تحديدا ، المستميتة في استخدام أوراق الضغط على الرئيس الجزائري والمسار الجديد الذي يتوقع السير فيه . وهي تصعّد من الضغط وهي في حالة هلع شديد من أثار كورونا الكارثي عليها، وتدرك جيدا أن الاستئثار الساحق بإمكانات و مقدّرات الجزائر مسألة حياة أو موت بالنسبة لها.

أما الغاية : فهي أن هذا المسلك سيكون رافعة أخلاقية قوية لمستقبل البلدين والمنطقة .

ولنا في خطوات ثلاث ـــ على الأقل ـــ برزت من الجزائر وتونس في هذه المحنة عبرة ومغزى : بادرة الرئيس قيس لمساندة الإخوة في فلسطين وخاصة في غزة ــ إرسال جمعية البركة الجزائرية أطنانا من المستلزمات الطبية المناسبة لإخوانهم في غزة { بالطبع قنواتنا العربية الكبرى أعينها كليلة عن هذه المبادرات المادية والمعنوية } ـــ اللفتة الإنسانية الرائعة المتمثلة في إرسال الرئيس قيس سعيد أطباء وممرضين لمساعدة الإيطاليين في محنتهم الكبرى .

أما المواطنون في بلداننا فنقول لهم : { إن هذه الخطوة التعاونية ستقع  ــ إن شاء الله ــ في يد الله تعالى قبل وقوعها في المشافي والمؤسسات الصحية في المنطقة، وتغمرها العناية الإلهية بالرضى والبركة، ورفع البلاء ، والمستقبل الواعد بالخير } . 

وأختم بقول العقاد رحمه الله : {ومتى استطاعت هذه المجموعة العالمية أي الإسلامية أن تسهم في أمانة الإنسانية ، وأن تعطيها من عندها ولا تعيش عالة عليها ، وأن تؤدى رسالتها للحضارة والسلام ، وأن تفرض وجودها على من يهملونها ، ولا يحسبون حسابها ، فذلك حق الإسلام منها، وحقها هي من الإسلام أمامها على الدوام { إيمان على هدى وبصيرة ” ولا خذلان لمن اقتدى بهذا الإمام }  الإسلام في القرن العشرين حاضره ومستقبله . ص142

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14303

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *