يفرض تموضع الصين بوصفها قوة عالمية في النظام الدولي الحالي، ضرورة فهم سياساتها، سواء داخلياً أو خارجياً، بالأخص في وقت يتزامن مع حدث شديد الأهمية في منتصف أكتوبر 2022؛ إذ من المُقرَّر أن يعقد الحزب الشيوعي الحاكم الدورة العشرين لمؤتمره الذي يُعقَد كُل خمس سنوات، وهو الحدث الأكثر أهميةً في جمهورية الصين الشعبية، خاصةً أنه يضع معالم السياسات الداخلية والخارجية للبلاد في السنوات القليلة المقبلة.

كما من المُرجَّح أن يشهد المؤتمر تكريساً لنفوذ الرئيس الصيني شي جين بينج الذي يطمح إلى ولاية ثالثة، في حدث غير مسبوق في تاريخ الصين، وكذلك يُتوقع ترقية بعض أعضاء اللجنة المركزية للحزب الحاكم، وإمكانية دخول وجوه جديدة في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب، التي تُعَد الكيان الأقوى سياسياً.

ومن هذا المنطلق، يُقدِّم “إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية” هذا الملف؛ إذ يركز أولاً على القضايا الداخلية، سواء عبر الإجابة على التساؤل المتعلق بكيفية فهم سياسات الرئيس الصيني لتعزيز حكمه، أو توضيح مكانة “شي” في النظام الصيني الحالي، كما يتطرَّق الملف إلى مستقبل القيادات العسكرية العليا في الجيش الصيني، والتحديات التي تحول دون حدوث تحوُّل في جيل قيادات مراكز صنع القرار بالبلاد، دون إغفال البُعد الاقتصادي، في ظل تصاعد التحديات التي تواجه النموذج الصيني.

ومن جانب آخر، يُركِّز الملف على تصاعد ضغوط الحكومة الصينية على شركات التكنولوجيا الوطنية، وتوضيح الأسباب التي تقف خلف ذلك، علاوةً على ملامح سياسات بكين لتحجيم الخصوم، لا سيما الولايات المتحدة، مع التركيز على الصدام الاقتصادي والتكنولوجي بين الطرفَين، وقضية تايوان جنباً إلى جنب مع تفاعلات الصين في ملفات أخرى، مثل علاقاتها بحركة طالبان، والنفوذ الصيني في القارتين الأفريقية والآسيوية.

كيف يمكن فهم سياسات الرئيس الصيني لتعزيز حكمه؟

عرض: د. إيمان عبد الحليم

في الوقت الذي ينتظر فيه تنظيم “الحزب الشيوعي الصيني” مؤتمره الذي يُعقَد كل خمسة أعوام، في 16 أكتوبر 2022، الذي يُتوقَّع أن يؤسس لمرحلة جديدة في المشهد السياسي الصيني، وخصوصاً أن ثمة اتجاهاً نحو المصادقة على تولي الرئيس الصيني “شي جين بينج” فترة رئاسية ثالثة غير مسبوقة؛ اهتمت مجلة “الإيكونوميست” بتقديم قراءة حول مدركات الرئيس الصيني في الحكم، ونشرت في إطار ذلك تقريرين بعنوان: “تحقيق حول العوامل المُشكِّلة لتفكير شي جين بينج”، في 28 سبتمبر 2022، و”كيفية فهم شي جين بينج حاكم الصين المُبهَم”، في 29 سبتمبر 2022.

دعم السيطرة

يفترض التقريران أن الرئيس الصيني سيعمل على تعزيز نفوذه وسلطته خلال الفترة القادمة، وهو الأمر الذي يرتبط بالأبعاد التالية:

1– الغموض المُحيط بشخص الرئيس “شي جين بينج”: لفترة طويلة قبل وصوله إلى السلطة، اعتُبر الرئيس “شي جين بينج” شخصاً يكتنفه الغموض؛ فلم يكن سياسياً معروفاً على نطاق واسع، ولم تكن له تصريحات أو أفعال لافتة للنظر، بل على غير العادة بالنسبة إلى قائد مستقبلي، أمضى 17 عاماً في مقاطعة واحدة؛ هي مقاطعة “فوجيان” على الساحل الجنوبي الشرقي للصين؛ حيث لم يكن يتوقع أن يصبح زعيماً وطنياً؛ وذلك قبل أن يحصل على أول وظيفة له رئيسَ حزب إقليمي في عام 2002 بمقاطعة “تشجيانج” المجاورة.

واستمرَّ الغموض حول شخص الرئيس حتى فيما بعد توليه الحكم؛ فلم يُجْرِ مقابلات وجهاً لوجه مع الصحفيين الغربيين، ولم يَعقِد أي مؤتمرات صحفية باستثناء المؤتمرات القصيرة التي كان فيها بجانب القادة الأجانب خلال زياراتهم إلى الصين. وهذا الغموض يجعل من الصعب توقع تحركات الرئيس الصيني، وهو أمر ربما ساعده على تعزيز حضوره السياسي.

2– قدرة الرئيس الصيني على تعظيم نفوذه في الحكم:على عكس التوقعات بتبنيه نهجاً إصلاحياً إثر توليه الحكم في عام 2012، والعمل على التوافق مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، فإن الرئيس الصيني أظهر قوة وقسوة في الحكم مقارنةً بأي زعيم آخر منذ حكم “ماو تسي تونج” الذي توفي في عام 1976؛ حيث أجرى “بينج” عمليات تطهير كاسحة في داخل “الحزب الشيوعي الصيني” وبين صفوف قوات الأمن، هادفاً إلى إزالة الفاسدين وإزاحة الأعداء السياسيين المحتملين، مع عمله على سحق المعارضة، والقضاء على معظم أنشطة المجتمع المدني.

3– دعم النخبة عامل مساعد في توسع نفوذ الرئيس: رغم عدم بروزه زعيماً وطنياً محتملاً قبل توليه الحكم بفترة طويلة، كانت هناك عدد من العوامل دعمت نجاح الرئيس في توسيع سطوته ونفوذه فيما بعد توليه الحكم. ويمكن الإشارة هنا إلى عامل رئيسي متمثل في الدعم الذي تمتع به داخل النخبة، وخصوصاً بعد نجاة الصين خلال فترة حكمه من عاصفة الأزمة المالية العالمية في الفترة من 2007 إلى 2009 خلال فترة وجيزة، وحديث الرئيس “بينج” عن “الحلم الصيني” و”التجديد العظيم” للبلاد، الذي لامس وتراً حساساً لدى الكثيرين في الصين.

4– جذور عائلة الرئيس الصيني:العامل الآخر الذي دعم سطوة الرئيس يرتبط بجذور عائلته؛ حيث يُعرف “بينج” في الصين بأنه “تايزي” (taizi)، أو “أمير”، وهي الكلمة التي يشيع استخدامها في الصين للدلالة على نسل القادة من أبناء مؤسسي الصين الشيوعية، الذين يتمتعون بمزايا سياسية في الدولة؛ حيث كان والده من الرواد الثوريين في الصين، غير أن دعمه اللاحق للانفتاح الاقتصادي والإصلاح كان سبباً للقبض عليه وتعرضه للتعذيب من جانب نظام “تونج”، وانتحرت أخته غير الشقيقة بسبب الخلافات أيضاً مع السلطة.

ومع ذلك نشأ “بينج” باعتباره من سلالة أمراء الصين، ليسلك طريقاً مختلفاً في الحكم عن والده، من منطلق إحساسه الحقيقي بـ”الاستحقاق”، بحسب ما جاء في إحدى تسريبات “ويكيليكس”؛ حيث يعتقد “بينج” أن أفراد جيله هم “الورثة الشرعيون للإنجازات الثورية لعائلاتهم”، ومن ثم “يستحقون حكم الصين”.

5– اعتماد “بينج” الواسع على قوة الحزب الشيوعي الصيني:اعتمد “بينج” كذلك على تقوية الحزب الشيوعي باعتبار ذلك أداة لتقوية حكمه؛ فهو على عكس “تونج”، أراد محاربة رواد الأعمال من القطاع الخاص لكن ليس القضاء عليهم؛ ذلك لأن مساهمتهم في الاقتصاد قيمة للغاية بحيث لا يمكن الاستغناء عنها. وأيضاً على عكس “تونج” الذي عمل على تدمير الهياكل الحزبية سعياً وراء أهداف طوباوية، فإن الرئيس “بينج” عمل على تقوية الإطار السياسي والاقتصادي للبلاد، من خلال الإبقاء على السيطرة القوية للحزب الذي حوَّله إلى آلة منتشرة في كل مكان بعد أن كان قد اختفى من حياة العديد من المواطنين العاديين.

فكان من الواضح أن الرئيس الصيني يعتقد أن الحفاظ على الخطاب الأيديولوجي التقليدي للحزب – بغض النظر عن مدى ابتعاده عن العديد من جوانب الرأسمالية التي تقودها الدولة اليوم – أمر حيوي لإبقاء أعضائه البالغ عددهم 97 مليوناً في حالة تماسك، مع إبقاء نفسه في السلطة، فضلاً عن استخدام الحزب سلاحاً لتدعيم نفوذ الرئيس ومواجهة المعارضين. وعلى حد تعبيره هو نفسه، فإن “الحكومة والجيش والمجتمع والمدارس (الشرق والغرب والجنوب والشمال والوسط) يقودهم الحزب جميعاً”.

6– التوقعات باحتفاظ الرئيس بسلطاته فيما بعد مؤتمر الحزب:من المنتظر أن يعقد “الحزب الشيوعي الصيني” مؤتمره الذي يُعقَد كل خمسة أعوام في 16 أكتوبر المقبل، والذي سيستمر قرابة أسبوع، وسيؤدي إلى إعادة تشكيل قطاع عريض من النخبة الحاكمة التي ستجتمع بعد ذلك لاختيار القيادة الأساسية لنصف العقد المقبل. ويكاد يكون من المؤكد أن الرئيس “بينج” سيُعَاد تعيينه زعيماً للحزب وقائداً للجيش، مع إعادة تعيينه رئيساً للدولة في أوائل العام المقبل، في حدث غير مسبوق خلال حقبة ما بعد “تونج”؛ إذ كان الحد الأقصى لهذه الوظائف هو فترتين مدة كل منهما خمس سنوات.

تحديات رئيسية

بالرغم من التوقعات باستمرار سلطة ونفوذ الرئيس الصيني، فإن حكمه قد يواجه تحديات رئيسية متمثلة فيما يأتي:

1– المخاوف التي تُثيرها طموحات الرئيس الخارجية: خلال فترة حكم الرئيس “بينج” عمل على تحويل الضفاف الرملية في بحر الصين الجنوبي إلى حصون، وهدد تايوان بمناورات عسكرية بالقرب من ساحل الجزيرة، وزاد من نشر الأسلحة النووية لإبقاء أمريكا في مأزق، ساعياً خلال ذلك إلى تعزيز قوة الصين العالمية، مستخدماً ثقلها الاقتصادي في تدعيم نفوذها السياسي في مواجهة الغرب الذي يسخر منه باعتباره فوضوياً وفي حالة انحطاط.

وفي هذا الإطار، تثير احتمالات استمراره في الحكم مخاوف وتساؤلات حول انعكاس شخصيته على السياسة الخارجية لبلاده إذا نجح في تدعيم سلطته ونفوذه على الساحة الداخلية، وإن كان سيقدم نموذجاً شبيهاً لـ”فلاديمير بوتين” في حال استعداده لتحمُّل مخاطر هائلة لتأمين طموحاته الإقليمية؟ والمدى الذي يمكن أن يذهب إليه في تحدي الغرب تحقيقاً لهذه الطموحات والأهداف؛ فحتى إن لم يُظهِر “بينج” إشارات إلى كونه متهوراً ومجازفاً مثل بوتين، فإن الاستيلاء على تايوان يظل هدفاً معلناً للحزب الشيوعي الصيني الذي يواصل بناء قدراته تحقيقاً لهذا الهدف.

2– احتمالية مواجهة معارضة داخلية:رغم مصادر القوة المتعددة السابقة الإشارةُ إليها، فإن الرئيس لا يزال يتحسَّب من أعداء الداخل؛ ما يُفسِّر شنه حرباً ضد “فصيل سياسي” في الشرطة خلال العامين الماضيين، يقول المسؤولون إنه كان يشكل “تهديداً خطيراً على الأمن السياسي” بالدولة، وخلال ذلك حُكِم في الأيام القليلة الماضية على نائب وزير الأمن العام السابق “سون ليجون” بالإعدام مع وقف التنفيذ، وهو الحكم الذي يمكن تخفيفه إلى السجن المؤبد دون الإفراج المشروط، وحكم على آخرين بالسجن لمدد طويلة.

3– الانعكاسات الممتدة للتباطؤ الاقتصادي: ففي حال تباطؤ الاقتصاد، قد ينحسر الدعم الشعبي للرئيس، الذي سيكون أكثر ميلاً إلى تضييق الخناق على المعارضة، وخصوصاً مع إصراره على مواصلة استراتيجية الصين “الخالية من الوباء”، بالرغم من العبء الثقيل على الاقتصاد، وتذمُّر المواطنين المتضررين من عمليات الإغلاق القاسية، في مقابل رفض الرئيس استخدام اللقاحات الأجنبية التي من شأنها أن تُمكِّن الصين من الخروج من الوباء على نحوٍ أسرع.

خلاصة القول: يبدو أن الرئيس الصيني “شي جين بينج” سيتمكَّن خلال الفترة القادمة من تعزيز سلطته ونفوذه؛ وذلك اعتماداً على الحزب الشيوعي الصيني؛ فخلال المؤتمر القادم للحزب في شهر أكتوبر الجاري، ستُتَّخذ قرارات من شأنها التمديد للرئيس الصيني لفترة جديدة، ومع ذلك فإنه لا يمكن توقُّع أن سلطة الرئيس الصيني ستكون بلا تحديات؛ فهناك العديد من الملفات الداخلية، وفي مقدمتها الملف الاقتصادي الذي قد يُنتِج ضغوطاً عديدةً على الرئيس، كما يمكن أن يواجه الرئيس الصيني تياراً معارضاً من النخب السياسية المستاءة، بطريقة أو بأخرى، من توسُّع سلطة “بينج”.

المصادر:

  • An investigation into what has shaped Xi Jinping’s thinking, The Economist, September 28, 2022.

https://www.economist.com/briefing/2022/09/28/an-investigation-into-what-has-shaped-xi-jinpings-thinking

  • How to make sense of Xi Jinping, China’s enigmatic ruler, The Economist, September 29, 2022.

https://www.economist.com/leaders/2022/09/29/how-to-make-sense-of-xi-jinping-chinas-enigmatic-ruler

كيف تدعم تعديلات دستور الحزب الشيوعي سلطة الرئيس الصيني؟


منذ تأسيس الحزب الشيوعي الصيني في عام 1921، تم النص على انعقاد مؤتمر سنوي للحزب كل خمسة أعوام، لكن لمؤتمر الحزب هذا العام، المقرر انعقاده في 16 أكتوبر القادم، سمة خاصة جداً؛ ليس فقط لأنه يُعقد في فترة حاسمة في تاريخ البلاد نحو الهدف المئوي الثاني لبناء دولة اشتراكية حديثة، بل أيضاً لأنه من المقرر إدخال تعديلات على دستور الحزب الشيوعي الصيني، فضلاً عن انتخاب الرئيس شي جين بينج لولاية جديدة على رأس الدولة للمرة الثالثة؛ وهذا بعد أن تم إدخال تعديل خلال المؤتمر السابق في عام 2017 على الدستور لحذف شرط الولايتين الرئاسيتين كمدة قصوى، وأصبح بإمكان أي رئيس حكم الصين مدى الحياة نظرياً.

وبالفعل فإنه في 9 سبتمبر الجاري عَقد المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني المكون من 25 عضواً – وهو لجنة صنع السياسة الرئيسية للحزب – اجتماعاً للتداول بشأن الوثائق التي ستُقدَّم للمناقشة في المؤتمر السنوي الـ20 للحزب الشيوعي الصيني. وتضمَّنت هذه الوثائق مشروع تقرير قدمته اللجنة المركزية الـ19 للحزب الشيوعي الصيني إلى المؤتمر الوطني الـ20 للحزب، ومشروعاً لتعديل دستوره، ومسودة تقرير عمل للجنة المركزية الـ19 لفحص الانضباط للحزب الشيوعي الصيني.

التعديلات المقترحة

يلعب دستور الحزب الشيوعي الصيني الحالي دوراً مرشداً في أعمال الحزب وحُكمه؛ لذلك تعدل اللجنة المركزية للحزب دستوره، ويمكن لكل عضو في الحزب أن يقدم اقتراحاته ومساهمته في صياغة مسودة للدستور المُعدَّل الجديد الذي يمثل رغبات أبناء الشعب الصيني من مختلف القوميات، ويتناسب مع متطلبات الوضع الجديد. ويشارك في المؤتمر العام 2300 مندوب. وسنَّت جمهورية الصين الشعبية أول دستور لها في عام 1954، واعتُمد الدستور الحالي في عام 1982، ثم جرى تعديله في أعوام 1988 و1993 و1999 و2004 وأخيراً في 2017؛ حيث إنه منذ تسعينيات القرن الماضي، ركزت التغييرات في دستور الحزب في المقام الأول على إضافة الفلسفات السياسية للقيادة الجديدة إلى قائمة متزايدة الاتساع من المذاهب السياسية للحزب، مع تأكيد أهميتها التاريخية.

لذلك من المقرر أن يجري خلال المؤتمر الوطني الـ20 للحزب الشيوعي الصيني، مراجعة وتمرير الدستور المعدل الجديد. وعلى الرغم من عدم تحديد التغييرات بصراحة، فإنه يمكن تسليط الضوء على أبرز ما أشار إليه بيان المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بهذا الشأن؛ وذلك على النحو التالي:

1-تقنين الماركسية: ذكر بيان صدر عقب اجتماع المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، أن تعديل الدستور يجب أن يمثل بالكامل أحدث تقنين للماركسية، ومفاهيم جديدة للحكم، وفكر واستراتيجيات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني منذ المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، وتجربة جديدة في التمسك بقيادة الحزب وتعزيزها، وفي الحوكمة الصارمة للحزب. إذ سيُكتَب الاقتراح النظري الرئيسي والأفكار الاستراتيجية التي تم التحقق من صحتها في التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني في دستور الحزب المعدل؛ بحيث تتجسد الإنجازات الأخيرة لتكييف الماركسية مع السياق الصيني والظروف الجديدة بالكامل وكذلك الأفكار الجديدة.

2- تكريس “المؤسستين”: إذ يقول المراقبون السياسيون إن أحد التعديلات المحتملة هو تعديل يختصر الأيديولوجية إلى “فكر شي جين بينج”، ورفع مكانتها إلى مرتبة “فكر ماو تسي تونج” مؤسس جمهورية الصين الشعبية. ويمكن أن يُنظر إليه أيضاً على أنه رفع لسلطة “شي” كتكريس للمؤسستين، وهي عبارة مستحدثة تعني أن الحزب يتعامل مع “شي” باعتباره جوهر الحزب، كما أن أفكاره تعد مبادئ توجيهية له؛ حيث ستنضم إليه السياسات والمبادئ المهمة، وأحدث ثمار الابتكار النظري، إضافة إلى خبرة الحزب الجديدة في الحكم والإدارة.

3- توضيح المتطلبات الجديدة لدعم قيادة الحزب: من المتوقع أن يوضح دستور الحزب المعدل أيضاً هذه المتطلبات الجديدة لدفع الحكم الذاتي الكامل والصارم للحزب في ظل الظروف الجديدة؛ من أجل التنقل بشكل أفضل في الثورة الاجتماعية الكبرى من خلال الإصلاح الذاتي النشط. كما أشار اجتماع المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني إلى أن من الضروري التمسك بقوة بسلطة اللجنة المركزية وقيادتها المركزية والموحدة. ومن الأهمية بمكان أيضاً ممارسة الحكم الذاتي الكامل والصارم للحزب، ودفع المشروع الجديد لبناء الحزب في العصر الجديد، وتحسين سلوكه، ودعم النزاهة، ومحاربة الفساد.

4- تغييرات هيكلية في تركيبة الحزب: اقترح بعض النقاد أن التعديل الدستوري المرتقب يمكن أن يعيد المنصب الأعلى لرئيس الحزب الذي أُلغِي في عام 1982، كما يتوقع، بحسب بعض التقارير الإخبارية، أن يحدث تغيير واسع على تركيبة اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، والتي تضم سبعة أعضاء يمتلكون السلطة الحقيقية في الصين. والجدير بالذكر أيضاً أنه من المتوقع مغادرة بعض الأعضاء الحاليين بسبب بلوغهم سن التقاعد.

دلالات متعددة

لا شك أن إجراء تعديلات على دستور الحزب بما يتماشى مع الظروف والمهام الجديدة سيساعد الحزب بأكمله على دراسة هذه الوثيقة الأساسية والالتزام بها وتنفيذها وصونها على نحو أفضل. ويروج أنصار هذه التعديلات إلى أن الدستور المعدل الجديد سيلعب دوراً إيجابياً في تنمية الصين في كافة المجالات مستقبلاً؛ وذلك على النحو التالي:

1- تعزيز سلطة الرئيس: إذ إن خطوة إدخال بعض التعديلات الدستورية من أهم أهدافها تعزيز سلطة الرئيس “شي جين بينج” ومكانته داخل الحزب، كما أن من المتوقع على نطاق واسع أن يُؤمِّن شي فترة قيادة ثالثة مدتها خمس سنوات؛ ما يعزز مكانته بوصفه أقوى زعيم للصين؛ إذ يُنظر إلى استمراره على أنه تحول رئيسي في السياسة في هيكل القيادة؛ حيث تقاعد جميع أسلاف “شي”، باستثناء المؤسس “ماو”، بعد فترتين امتدت كل منهما إلى خمس سنوات.

2- تعزيز تنمية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية: إذ قال المشاركون في اجتماع المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، في 9 سبتمبر الجاري، إن تعديل دستور الحزب يساعد الحزب بأكمله في دفع وتعزيز المشروع الكبير الجديد لبنائه، كما أكدوا أهمية إدراج نظريات الحزب المهمة والأفكار الاستراتيجية الرئيسية التي يجب أن يعترف بها المؤتمر الوطني العشرون للحزب الشيوعي الصيني في دستوره؛ لتمكينه من التجسيد الكامل لأحدث إنجازات الماركسية المُطبَّقة في السياق الصيني، وإظهار فلسفة الحكم الجديدة بالكامل.

3-دعم الاستراتيجيات المستحدثة للحوكمة الوطنية: إذ ستساعد التعديلات المناسبة على دستور الحزب الشيوعي الصيني، في ظل الوضع الجديد والمهام الجديدة، الحزب بأكمله على دراسة الدستور ومراقبته وتنفيذه وحمايته على نحو أفضل، كما ستعكس بالكامل الأفكار والاستراتيجيات الجديدة بشأن الحوكمة الوطنية التي طرحتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني منذ المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني.

وفي هذا الإطار، أطلقت “إدارة الفضاء الإلكتروني في الصين” حملة مدتها 3 أشهر، وتستهدف “الشائعات عبر الإنترنت والمعلومات المزيفة بشأن الاجتماعات الكبرى والأحداث والسياسات المهمة” في الصين، لافتةً إلى أن التعامل مع المخالفين سيكون بـ”حزم وسرعة وصرامة”، كما حضَّت المنصات الإلكترونية على إدراج حسابات تنشر مثل هذا المحتوى، في لائحة سوداء، لافتةً إلى توجيه الأجهزة الحكومية للرد بسرعة على هذا الأمر؛ وذلك في محاولة لإحكام السيطرة على مُجريات الأمور قبل انعقاد المؤتمر السنوي للحزب.

4- التعامل مع القضايا الخارجية: لا تنفصل التعديلات الدستورية المرتقبة عن القضايا الخارجية التي تشغل اهتمام صانع القرار الصيني؛ حيث تشهد العلاقات الصينية–الأمريكية توتراً متصاعداً في معظم القضايا. وتحاول بكين إجهاد وإشغال الولايات المتحدة في عدد من الملفات الدولية المتزامنة، سواء كان ملف تايوان، أو تزايد التقارب الصيني–الروسي، خاصةً في مجال الطاقة في ظل العقوبات الغربية على موسكو على خلفية التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا؛ حيث صرَّح مسؤول الشؤون الخارجية في الحزب الشيوعي الصيني يانج جيشي، بأن “الصين مستعدة للعمل مع روسيا من أجل تطبيق مستمر لروح التعاون الاستراتيجي الرفيع المستوى بين البلدين، وحماية المصالح المشتركة، وتعزيز تطوير النظام الدولي في اتجاه أكثر عدلاً وعقلانية”. وعليه، يمكن القول إن التكريس لسلطة ونفوذ الرئيس الصيني عبر التعديلات المرتقبة لدستور الحزب الشيوعي تستهدف إعطاءه المزيد من الدعم في التعاطي مع القضايا الخارجية.

تأمين الحكم

وإجمالاً لما سبق، ترى وجهة نظر أعضاء الحزب الشيوعي الصيني، أن إدخال التعديلات المناسبة على دستور الحزب في ظل الوضع الجديد والمهام الجديدة ستساعد الحزب على دفع قضية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، بجانب المشروع الجديد لبناء الحزب بشكل أفضل، فضلاً عن مناداة أعضاء الحزب بضرورة تضمين دستور الحزب وجهات النظر الرئيسية والأفكار الاستراتيجية التي ستُوضَع في تقرير المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني.

لكن على الرغم من استعداد “شي جين بينج” لأهم حدث سياسي في البلاد، فإن هذا يتزامن مع مواجهته عدداً من التحديات على الصعيدين المحلي والدولي؛ فداخلياً تواجه بكين خطر الانتشار النسبي لفيروس لانجيا، وتزايد حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد، وتجسَّد ذلك خلال إغلاق مدينة شنجهاي لشهرين هذا العام من أجل كبح كورونا، كذلك سخط الرأي العام الصيني من التدابير الصارمة التي اتخذتها السلطات الصينية في هذا الشأن؛ هذا بجانب انخفاض توقعات النمو الاقتصادي في الصين. وعلى الصعيد الدولي، تواجه الصين توتراً متصاعداً مع الولايات المتحدة على خلفية الوجود الأمريكي المكثف في منطقة الهندو–باسيفيك، والخلافات حول ملف تايوان، وكذلك الحديث المتنامي عن دفع الصين وروسيا لإحداث تغييرات راديكالية في بنية النظام الدولي الراهن.

وبناءً عليه، يحاول “شي” تأمين حُكمه على الصعيدين المحلي والدولي بكل ما أوتي من قوة، آملاً قدرته على مواجهة هذه التحديات؛ حيث يستغل “شي” حضور الصين القوي على الساحة الدولية لزيادة شعبيته في الداخل الصيني حتى يتمكن من مواجهة التحديات الداخلية وتوحيد الصف الصيني، حتى يكون هذا الصف ظهيراً له أيضاً في مواجهة الخصوم الخارجيين، خاصةً الولايات المتحدة.

ما مستقبل القيادات العسكرية العليا في الجيش الصيني؟

بقلم جويل ووثنو

لم يكن هناك سوى عدد قليل من الدراسات حول قيادة جيش التحرير الشعبي الصيني على مدار العشرين عاماً الماضية. وقد غطت هذه الأدبيات عادةً قطاعات معينة فقط من القيادة، كما تم الانتهاء من معظمها قبل الإصلاح الهيكلي لجيش التحرير الشعبي، الذي بدأ في نهاية عام 2015. في هذا السياق، نشر “معهد الدراسات الاستراتيجية الوطنية”ـ في سبتمبر 2022، تقريراً للكاتب “جويل ووثنو” – وهو باحث أول في “جامعة الدفاع الوطني” الأمريكية – بعنوان “التنين الرمادي: تقييم القيادة العسكرية العليا في الصين”، قدم فيه تقييماً شاملاً للقيادة العليا الكاملة لقادة جيش التحرير الشعبي الصيني في عام 2021؛ إذ يحلل أكثر من 300 سيرة ذاتية لكبار ضباط الجيش الصينيين من 2015 إلى 2021؛ لتقييم الهيكل والتركيبة الديموغرافية والأنماط المهنية لقيادة جيش التحرير الشعبي، وكذلك مؤهلاتهم السياسية ومحددات الترقية، ويُقيِّم في النهاية الفاعلية العسكرية للصين، ومستقبل القيادة داخل الجيش.

هيكل الجيش

يُركز التقرير على هيكل القيادة العليا في جيش التحرير، ويحلل أبرز التغييرات التي طرأت عليها في ظل الإصلاحات الهيكلية للرئيس الصيني عام 2015؛ وذلك كالتالي:

1– وجود نخبة من الضباط في القيادة العليا: وفقاً للتقرير، تتكون القيادة العليا لجيش التحرير الشعبي من أكبر 100 إلى 200 ضابط بالجيش، وهم الذين يجلسون على قمة فيلق الضباط الذي يتكون من مئات الآلاف. وقد بلغ عدد القيادة العليا عام 2021 نحو 155 ضابطاً تحديداً. وهي متشابهة في الأهمية مع ضباط فئة ثلاث وأربع نجوم في الولايات المتحدة، وفقاً لما ورد في التقرير.

2– تقسيم واضح للتخصصات بالقيادة العليا: يشير التقرير إلى أنه قبل أن يصل هؤلاء الضباط إلى القيادة العليا، يتقدمون بأسلوب منهجي عبر الرتب الدنيا. وعند التكليف، يتم تصنيفهم إلى خمسة تخصصات، هي: الشؤون العسكرية، والشؤون السياسية، واللوجستيات، والمعدات، والمتخصصون التقنيون.

3– تنفيذ إصلاحات هيكلية دورية في الجيش: بحسب التقرير، لم تكن القيادة العليا مُحصَّنة ضد الإصلاحات الهيكلية التي قام بها الرئيس “شي” داخل الجيش؛ ففي عام 2015، كان عدد كبار القادة 182 ضابطاً، ثم في عام 2021 انخفض الرقم إلى 155. ويتوافق الانخفاض بنسبة 13% مع الانخفاض الإجمالي في القوى العاملة بالجيش الذي حدث خلال الوقت ذاته من 2.3 مليون إلى مليوني فرد. وقد شملت التخفيضات في القيادة أيضاً اللجنة العسكرية المركزية نفسها؛ فعندما أصبح “شي” رئيساً للجنة في عام 2012 كانت تضم 10 ضباط، لكن بعد مؤتمر الحزب التاسع عشر في أكتوبر 2017، انخفض هذا العدد إلى ستة ضباط.

وطبقاً للتقرير، كان حجر الزاوية في إصلاحات جيش التحرير في عهد شي، هو تطوير هيكل قيادة مشترك يتمتع فيه قادة المسارح بسلطة وقت السلم على القوات البرية والبحرية والجوية. وقد كان هذا النموذج منسجماً على نحو أفضل مع تركيز الجيش على التحضير لعمليات مشتركة عالية الكثافة مقارنةً بالنظام السابق للإصلاح؛ حيث كان قادة المناطق العسكرية يفتقرون إلى السيطرة العملياتية في وقت السلم على الوحدات غير العسكرية، كما وسَّع الجيش الصيني نطاق التدريب المشترك في السنوات الأخيرة؛ ما يسمح للضباط بصقل مهاراتهم في التخطيط والقيادة في بيئة “قتالية واقعية”.

4– هيمنة القوات الجوية والبحرية على المناصب: يؤكد التقرير أن نصيب ضباط القوات البرية في المناصب العليا تراجع بأكثر من 20% في ظل الإصلاحات الهيكلية الأخيرة، بعدما كانت تهيمن على معظم المناصب الرئيسية في الإدارات العامة والمناطق العسكرية؛ وذلك لصالح تطوير العمليات المستقبلية للجيش الصيني في المجالين البحري والجوي. وكان الفائز الأكبر من الإصلاحات – وفقاً للتقرير – “قوة الصواريخ”، التي شهدت تضاعُف حصتها (من 4% إلى 8%). كما أصبح ضباط القوات البحرية والجوية قادة مسارح عسكرية لأول مرة في عام 2017.

5– زيادة عدد القيادات في مقر الخدمة العسكرية: وفقاً للتقرير، تضاعفت حصة الضباط المعينين في مقر الخدمة، من 16% إلى 32%. ويعكس هذا إنشاء مقرات جديد للجيش، مثل مقر قيادة قوة الدعم الاستراتيجي الجديدة (SSF)، وقوة الدعم اللوجستي المشتركة (JLSF). وبموجب النظام الجديد، يكون الضباط المعينون في مقرات الجيش والبحرية والقوات الجوية مسؤولين بشكل أساسي عن بناء القوات، من حيث تدريبها وتجهيزها. فيما يرى التقرير أن وجود نسبة أكبر من كبار الضباط في مقر الخدمة، قد يكون له آثار على التنافس بين الدوائر العليا في المستقبل.

سمات القيادات

وفقاً للتقرير، تتمتع مجموعة كبار قادة الجيش في 2021 بخبرات تكوينية ومهنية مختلفة عن أسلافهم، لكنها متشابهة ديموغرافياً؛ وذلك على النحو التالي:

1– امتلاك القيادات خبرات مهنية متقاربة: يشير التقرير إلى أن القيادات الحالية كانت أول من انضم إلى جيش التحرير الشعبي خلال حقبة “الإصلاح والانفتاح” (1979 إلى الوقت الحاضر)، وقد تشكلت حياتهم المهنية من خلال تغيير الاستراتيجية العسكرية للصين قبل وبعد نهاية الحرب الباردة؛ إذ بدأ معظمهم حياته المهنية من خلال الاستعداد لصراع واسع النطاق ضد الاتحاد السوفييتي، الذي كان خصم الصين الرئيسي في أواخر الحرب الباردة، كما كان هؤلاء الضباط في الخدمة في الثمانينيات، عندما انخرط الجيش الصيني في تعاون عسكري كبير مع الولايات المتحدة، لكنهم شهدوا أيضاً توتر العلاقات الصينية الأمريكية بعد تظاهرات ساحة تيانانمن عام 1989.

2– تقارب أعمار القيادات العليا: انضم 18 فقط من بين 155 من كبار الضباط في عام 2021 إلى الجيش في مرحلة ما خلال حقبة الرئيس ماو (1949–1976)، وهم الآن في منتصف الستينيات إلى أوائل السبعينيات، وسيتقاعدون قريباً. أما معظم كبار الضباط فقد انضموا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وانضم أصغرهم في منتصف الثمانينيات. وبحسب التقرير، يقوم الضباط في الجيش الصيني بالتناوب كل سنتين أو ثلاث سنوات، ويتعرضون، إلى حد ما، لمسؤوليات مختلفة ولكن أقل من نظام الولايات المتحدة؛ حيث يُغيِّر الضباط فئة أربع نجوم مناصبهم كل 18 شهراً تقريباً.

3– تشابه التكوين الجنسي والعرقي: بحسب التقرير، يهيمن الذكور من عرقية الهان على القيادة العليا لجيش التحرير؛ إذ لم تكن هناك امرأة من بين كبار الضباط في الجيش في عام 2015 أو 2021. وينتهج الجيش أيضاً سياسات تفضيلية ضد الأقليات العرقية، إلا أنه قام أحياناً – طبقاً للتقرير – بتعيين ضباط من الأويجور والتبت على مستويات عليا في منطقتَي شينجيانج والتبت العسكريتَين.

4– امتلاك خبرات دولية محدودة: بحسب التقرير، غالباً ما يتنقَّل كبار القادة العسكريين الصينيين في جميع أنحاء البلاد إلا أن لديهم خبرة دولية قليلة بخلاف ما قد اكتسبوه عن طريق الدبلوماسية العسكرية في جولات قصيرة المدة في وقت سابق من حياتهم المهنية، كما يرجح التقرير أن يكون هناك وعي محدود بالمهارات الوظيفية الأخرى؛ فعلى سبيل المثال، لا يميل القادة العملياتيون إلى امتلاك خلفية في اللوجستيات أو الاستحواذ.

محددات الترقّي

يجب أن يكون جميع ضباط جيش التحرير أعضاء ذوي وضع جيد في الحزب الشيوعي الصيني، لكن المرشحين للترقية إلى أعلى الدرجات يخضعون لمزيد من التدقيق؛ بسبب حساسية مناصبهم. وفيما يلي أهم المؤهلات والمحددات للحصول على ترقية في الجيش الصيني على النحو التالي:

1– الولاء للرئيس الصيني: يحتاج كبار القادة إلى امتلاك مهارات الذكاء السياسي؛ إذ لا يحتاجون رأس مال اجتماعياً فحسب، بل يحتاجون أيضاً إلى اجتياز صراعات النخبة الداخلية بنجاح. وقد تم عزل بعضهم بالفعل في عمليات التطهير ضد الفساد التي استخدمها شي لطرد المعارضين السياسيين بعد توليه السلطة. ويؤكد التقرير أن من نجوا من عمليات التطهير هم الذين تجنبوا الارتباط بخصوم شي، وكانوا حريصين أيضاً على إظهار الطاعة له من خلال دعم أجندته من أجل الإصلاح العسكري.

2– الكفاءة وتنوع الخبرات: هناك تصور خاطئ بأن كبار ضباط جيش التحرير الشعبي يتم اختيارهم بشكل غير متناسب من منطقة نانجينج العسكرية، وهو المجال الذي خدم فيه “شي جين بينج” من عام 1985 إلى عام 2007، ويعتبر أيضاً “مهد الجنرالات”، نظراً إلى أهميته في التحضير لنزاع تايوان المرتقب. لكن نحو ثلث كبار القادة فقط في عام 2015 – وفقاً للتقرير– خدموا في منطقة نانجينج العسكرية خلال العقد الماضي، وبدلاً من تفضيل الضباط ذوي الخلفية الجغرافية المحددة، فإن شي يركز على أصحاب الأداء العالي، وضمان اشتمال القيادة على مجموعة متنوعة من الخبرات.

وختاماً، قد تؤدي الصرامة في مهام جيش التحرير، والمركزية الشديدة في اتخاذ القرارات – بحسب التقرير – إلى تقليل فاعلية الصين في النزاعات المستقبلية، خاصةً تلك التي تتطلب مستوى عالياً من التعاون والقدرة على التكيف، مثل الحرب التي شنتها روسيا ضد أوكرانيا في عام 2022، خاصةً إذا كان القادة العسكريون الصينيون يفتقرون إلى التفكير بطرق جديدة تتجاوز خدمتهم وتخصصهم.

لذلك هناك بوادر للتغيير في القيادة العليا، من أبرزها تزويد القادة الصاعدين بخبرات أكبر، وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة للمشاركة في القيادة العليا، وهذا من شأنه إيجاد جيل مستقبلي يتسم بالسرعة في الإلمام بالعمليات والتكنولوجيا الحديثة، كما يرى التقرير أن إنتاج نوع مختلف تماماً من كبار ضباط جيش التحرير الشعبي يتطلب نوعاً من التغييرات في تقاليد الخدمة والثقافة التنظيمية، وهو ما ثبت أنه أمر صعب حتى بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بعد أكثر من ثلاثة عقود منقانون إعادة تنظيم الدفاع الصادر في 4 أكتوبر 1986.

المصدر:

Joel Wuthnow, Gray Dragons: Assessing China’s Senior Military Leadership, TheInstitute for National Strategic Studies, September 2022, accessible at: https://ndupress.ndu.edu/Media/News/News–Article–View/Article/3156126/gray–dragons–assessing–chinas–senior–military–leadership/

ما التحديات أمام حدوث تحول جيلي في مراكز صنع القرار بالصين؟

نشر موقع “الإيكونوميست” تقريراً بعنوان “القادة الجدد يتولَّون قريباً أعلى هيئات صنع القرار في الصين”، في 15 سبتمبر 2022. وأشار التقرير إلى أنه على الرغم من هيمنة الرئيس الصيني “شي جين بينج” المستمرة على السلطة، فإنه يجب أخذ التحول الجيلي في البلاد في الاعتبار؛ إذ إن من الطبيعي أن تتولى شخصيات جديدة رئاسة الوزارات والمحافظات والمجموعات الحزبية الكبيرة. وبحسب التقرير، يثير التحول الجيلي عدة تساؤلات؛ منها: كيف سيؤثر القادة الجدد القادمون على عملية صنع القرار، خاصةً فيما يتعلق بالاقتصاد والتعامل مع جائحة كورونا؟ وهل سيلتزم كبار القادة بقاعدة التقاعد بمجرد بلوغهم 68 عاماً أم لا؟ وهل سيحل أحد شخصيات الجيل السادس محل الرئيس في النهاية أم أنه سيختار خليفة من الجيل السابع؟

خصائص مميزة

أوضح التقرير أن الخصائص والصفات المميزة للجيل السادس تختلف عن نظيرتها في الجيل الخامس الحاكم حالياً في الصين، ويتضح ذلك عبر ما يلي:

1– النشأة في بيئة مزدهرة وصديقة لدول الغرب: نوه التقرير بأنه من السمات المميزة للجيل السادس، الذي وُلد في الغالب بعد عام 1960، هو النشأة في ظل الازدهار الاقتصادي والاستقرار النسبي والعلاقات الدافئة مع الغرب التي أعقبت وفاة الزعيم المؤسس لجمهورية الصين الشعبية “ماو تسي تونج” في عام 1976؛ وذلك على النقيض من معظم الجيل الخامس. ودلل التقرير على ذلك، على سبيل المثال، باضطرار الرئيس “شي” إلى ترك المدرسة في الستينيات بعد نفيه إلى الريف للعمل هناك.

2– استكمال الغالبية الدراسات العليا في الخارج: أضاف التقرير أن “شي” عاد إلى الجامعة بعد سبع سنوات من نفيه، ودرس فيها بصفته “جندياً عاملاً”. ووفقاً للتقرير، وعلى النقيض من ذلك، دخل أفراد الجيل السادس الجامعة بعد نزع التطرف عن التدريس، كما أكمل معظمهم الدراسات العليا في الخارج، مدللاً على ذلك، على سبيل المثال، بحصول “تشن جينينج” البالغ من العمر 58 عاماً – وهو عمدة بكين وعضو المكتب السياسي للحزب – على درجة الدكتوراه من “إمبريال كوليدج” في لندن.

3– انتساب معظم التكنوقراط إلى الجيل السادس: بحسب التقرير، فإن من خصائص الجيل السادس الأخرى هيمنة التكنوقراط؛ إذ إن معظمهم من المهندسين والعلماء الذين قاد العديد منهم شركات مملوكة للدولة. ويمكن لسبعة أو ثمانية من هذه الشخصيات الانضمام إلى المكتب السياسي للحزب الشيوعي؛ وذلك وفقاً للباحث “تشنج لي” من معهد بروكينجز. كما توجد مجموعة قوية – طبقاً للتقرير – تُطلق على نفسها اسم “نادي كوزموس”، لديها خلفية في مجال الطيران؛ ما يعكس تركيز “شي” على الدفاع والتكنولوجيا.

عوامل معرقلة

أكد التقرير أن هناك مجموعة من العوامل التي قد تعوق حدوث التحول الجيلي وتمكين الجيل السادس من مراكز صنع القرار في الصين، ومن ذلك ما يلي:

1– مخالفة الرئيس “شي” معايير التقاعد المعهودة: لفت التقرير إلى أن “هو تشون هوا” يعد من كبار الشخصيات في الحزب الشيوعي، مشيراً إلى أنه وُلد في أحد الأحياء الفقيرة بريف الصين، وكان أول من التحق بجامعة بكين المرموقة في مقاطعته. وأضاف التقرير أنه عند تخرج “هوا” عام 1983، التحق بالحزب وتطوع للعمل في التبت. وتدرج في المناصب حتى أصبح أصغر حاكم إقليمي وعضواً في اللجنة المركزية للحزب. وشدد التقرير على أن الكثير في داخل الصين كانوا ينظرون إلى “هوا” على أنه أحد المرشحين ليصبح زعيم الصين في عام 2022.

وأوضح التقرير أن فرص حدوث ذلك باتت ضئيلة للغاية في الوقت الحالي، مضيفاً أن التوقعات تصب على نطاق واسع لصالح حصول الرئيس الصيني “شي جين بينج” البالغ من العمر 69 عاماً، على ولاية ثالثة مدتها خمس سنوات في مؤتمر الحزب في أكتوبر المقبل، وهو ما يخالف معايير التقاعد الأخيرة، على حد ما ذكر التقرير. لكن وفقاً للتقرير، قد ينضم “هوا” البالغ من العمر 59 عاماً، إلى اللجنة الدائمة للمكتب السياسي الجديد، وهي أعلى هيئة قيادية، وتضم الآن سبعة أعضاء.

2– هيمنة الرئيس “شي” على عملية صنع القرار: وفقاً للتقرير، سيتحدد الأعضاء الجدد للجنة الدائمة للحزب الشيوعي، جزئياً، بناءً على إذا ما كان الأعضاء الحاليون البالغون من العمر 68 عاماً أو أكثر باستثناء الرئيس “شي” سيتقاعدون أم لا، موضحاً أن نفوذ الرئيس “شي” قد يؤثر سلباً على فرص حدوث التحول الجيلي، وإن كان قد توقع إجبار الرئيس “شي” بعض أعضاء اللجنة الدائمة للحزب على التنحي؛ ما سيفسح المجال لضخ مزيد من الدماء الجديدة في الحزب.

كما قد تكون هناك مفاجآت أيضاً – بحسب التقرير – مثلما حدث سابقاً؛ حين أقيل “سون تشنجكاي” عضو المكتب السياسي ووريث “شي” المحتمل؛ وذلك قبل المؤتمر الأخير في عام 2017، وأُدين لاحقاً بالرشوة. وطبقاً للتقرير، يمكن أن تعكس التشكيلة الجديدة أيضاً إلى أي مدى سيقدم الرئيس “شي” تنازلات للتعاطي مع الانتكاسات الأخيرة، وتتمثل أحد المؤشرات على ذلك فيما سيحدث لـ “لي كه تشيانج” البالغ من العمر 67 عاماً، الذي من المتوقع أن يتنحى عن منصب رئيس الوزراء.

3– تجاهل تعيين خليفة للرئيس “شي” في منصبه: أكد التقرير أن من غير المحتمل اعتبار أي شخص من الجيل السادس خليفةً لـ”شي” في الوقت الحالي؛ إذ يتوقع التقرير أن يكون معظم المرشحين للمنصب من الجيل القديم، بحيث لا يمكن لأي منهم أن يحل محله إذا بقي لمدة عقد آخر. وشدد التقرير على أنه ربما يكون الأمر الأكثر واقعيةً هو ظهور الشخصيات الأصغر سناً ورثةً محتملين بعد انضمامهم إلى اللجنة الدائمة للحزب في عام 2027؛ لذلك رجح التقرير أن تنافس الشخصيات الرفيعة في الوقت الحالي على اكتساب ود “شي”، وهو ما سيقلل من احتمالية التوحد ضده، لكنه يزيد من احتمالية حدوث سوء إدارة، على حد ما ذكر التقرير.

4– هامش الحرية المحدود أمام الجيل السادس: أوضح التقرير أن الجيل السادس يفتقر إلى الحرية وإلى توفير مساحة كبيرة في كيفية تنفيذ التوجيهات المركزية، مضيفاً أن لديهم مساحة قليلة للابتكار. وفي هذا السياق، نقل التقرير عن “بو تشييو” الخبير بالسياسة الصينية المقيم في نيوزيلندا قوله: “إنهم يعرفون أن شي ليس بارعاً في السياسة، لكن لا شيء يمكنهم فعله؛ لأن ذلك قد يُعرِّضهم للخطر”، مضيفاً أن “التكنوقراط الصاعدين يقابلهم مجموعة من الذين لديهم علاقات شخصية بالرئيس شي”، وفق ما ذكر التقرير.

النموذج الماوي

وختاماً، أكد التقرير أن مراقبين مثل “فيكتور شيه” من جامعة كاليفورنيا، يرون أوجه تشابه بين “شي” و “ماو تسي تونج” الذي عمل على تقريب الشخصيات الضعيفة الموالية له للحفاظ على سلطته، لكن التقرير رأى أن “شي” لم يصل إلى هذه النقطة كلياً؛ إذ يرقي مساعدين أكفاء ذوي سلطات محدودة، وإن كان قد رأى أن هذا الأمر قد يتغير مع تقدمه في السن وضعفه. وتوقع التقرير اضطرار “شي” إلى التكيف مع النموذج الماوي، بسبب الخوف من أن يقوم شخص ما بانقلاب عليه في وقت متأخر من حياته.

المصدر:

New leaders will soon inhabit China’s top decision– making bodies, The Economist, September 15, 2022, Accessible at: https://www.economist.com/china/2022/09/15/new–leaders–will–soon–inhabit–chinas–top–decision–making–bodies

لماذا تصاعدت مشكلات الاقتصاد الصيني؟

بعد أن أثار الاقتصاد الصيني ذهول العالم على مدى العقدين السابقين من الزمن – حيث تطورت الصورة الاقتصادية للصين، بطريقة تاريخية سريعة، من دولة فقيرة بطيئة النمو إلى قوة اقتصادية عالمية سريعة الصعود، وتوسَّع بأكثر من 10% سنوياً؛ إذ أظهرت بيانات البنك الدولي أن اقتصاد الصين نما بما يقارب 10% سنوياً من 2003 إلى 2010 – تباطأ النمو السنوي تدريجياً بعد ذلك حتى عام 2019 قبل أن ينخفض ​​إلى 2.2% في أول عام لجائحة كورونا (2020) ثم انتعش إلى 8.1% خلال عام 2022. وربما يكون الوضع الاقتصادي الآن في الصين هو الأكثر صعوبة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. ويرجع ذلك إلى اثنين من أكبر الرياح المعاكسة التي يواجهها الاقتصاد الصيني حالياً، وهما إصرار الحكومة على تطبيق سياسة “صفر كوفيد”، وانهيار القطاع العقاري؛ حيث إن كلاً منهما على حدة صدمة كبيرة بما تكفي لإحداث ركود للاقتصاد الصيني.

مؤشرات متعددة

في حين أن الصين لا تزال قوة اقتصادية عظمى، تواجه مجموعة كبيرة من التحديات الاقتصادية في الوقت الحالي مع وجود العديد من الإشارات التحذيرية على جبهات متعددة؛ من عمليات الإغلاق المرتبطة بفيروس كورونا إلى تراجع أسعار العقارات، ومن زيادة عدم المساواة في الدخل إلى تراجع الوظائف لخريجي الجامعات، بالإضافة إلى أنه من شبه المؤكد أن الحكومة ستفقد هدفها البالغ 5.5% من إجمالي الناتج المحلي لعام 2022.  وتتمثل أهم مؤشرات التحديات الاقتصادية التي تواجه فيما يلي:

1– التأثيرات الاقتصادية الممتدة لجائحة كورونا: شهدت الصين العام الماضي تعافياً من تداعيات جائحة كورونا في عام 2020 عندما تراجع النمو الاقتصادي ليسجل 2.2%. وبالرغم من الجائحة، كانت الصين من أوائل الدول التي استطاعت التعافي من تداعياتها؛ حيث كانت الصين هي القوة الاقتصادية الرئيسة الوحيدة التي قد حققت نمواً خلال عام 2020، ليستمر التعافي أيضاً في عام 2021 ليصل إلى 8.8% في ظل تعافيها المستمر من الجائحة. ولكن على مدار الأشهر الماضية شهدت الصين مرة أخرى إعادة لفرض عمليات الإغلاق، وخضعت العاصمة الاقتصادية شنجهاي لإغلاق استمر شهرين اعتباراً من نهاية مارس 2022 وحتى مطلع يونيو 2022؛ بسبب ارتفاع أعداد الإصابات إلى مستوى قياسي منذ عام بدء الجائحة في عام 2020.  وسجل الاقتصاد الصيني أسوأ أداء فصلي له منذ أكثر من عامين، بعد شهور من الإغلاق القاسي لجائحة كورونا الذي أحدث الفوضى في جميع أنحاء البلاد؛ إذ نما الناتج المحلي الإجمالي في ثاني أكبر اقتصاد في العالم بنسبة 0.4% فقط في الربع الثاني من العام الجاري مقارنةً بالفترة المناظرة من العام الماضي، وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي للصين متوقعاً تسجيل نمو اقتصادي يبلغ 3.3% خلال العام الجاري.

فقد كان لعودة الجائحة دور في عرقلة مسار التعافي الاقتصادي للصين؛ حيث إن لإجراءات الصين في مكافحة فيروس كورونا تأثيراً كبيراً في الروح المعنوية للمستهلكين؛ فمع تطبيق مثل تلك الإجراءات أصبح هناك آلاف لن يتسوقوا ولن يسافروا ولن ينفقوا لتجنب مصير العزلة نتيجة الإصابة؛ لذا كانت ثقة المستهلك في الربع الثاني من العام الجاري هي الأدنى على الإطلاق، وارتفعت مبيعات التجزئة في يوليو بنسبة 2.7% فقط عما كانت عليه قبل عام. وشهدت الفنادق والمطاعم – وهي إحدى الصناعات الأكثر تضرراً – انخفاض إنتاجها بنسبة 5.3% في الربع الثاني من عام 2022؛ مما يجعلها ثاني أسوأ القطاعات أداءً؛ وذلك بالمقارنة بانخفاض بنسبة 0.3% في فترة الأشهر الثلاثة السابقة. وأدَّت عمليات الإغلاق نتيجة تفشي الجائحة وتعليق خدمات تناول الطعام في العديد من المدن الكبرى إلى توجيه ضربة قوية، في حين أن المخاوف من الإصابة بالعدوى تُثبِّط عزيمة المستهلكين أيضاً.

2– استمرار أزمة القطاع العقاري: قادت سوق الإسكان الصينية النمو خلال العقدين الماضيين؛ حيث تمثل الآن أكبر فئة أصول في العالم، بقيمة اسمية تتراوح بين 55 تريليون دولار و60 تريليون دولار. والآن يتعرض المطورون للإفلاس بعد حرمانهم من الائتمان السهل، وتراجع أسعار العقارات، ويرفض أصحاب المنازل دفع قروض الرهن العقاري على المنازل غير المكتملة.

وفي الوقت الذي تعاني فيه دول العالم من ركود محتمل خلال العام الجاري والمقبل، تواجه الصين أيضاً ركوداً يرجع الجزء الأكبر منه إلى استمرار تدهور قطاع العقارات، الذي يمثل 29% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي للصين، والانعدام التام للثقة بين الناس العاديين بسوق الإسكان. وفي يونيو 2022، تراجعت مبيعات المنازل بنسبة 23.4% عن العام الماضي، وانخفض الاستثمار العقاري بنسبة 9.4%. وبدأ القطاع العقاري الصيني يواجه أزمة جديدة في أواخر يونيو الماضي، تحت عنوان مقاطعة سداد أقساط الرهن العقاري، وهي الأزمة التي بدأت من مستثمرين في مشروع تابع لشركة “إيفرجراند” ثاني أكبر مطور عقاري في البلاد، لتمتد سريعاً إلى نحو 301 من المشاريع في نحو 91 مقاطعة بحلول منتصف يوليو الحالي.

3– مواصلة تراجع نشاط التصنيع: امتد تراجع المصانع في الصين إلى أغسطس 2022 ليبلغ 49.5 نقطة دون المستوى المحايد مع تسجيل إصابات جديدة بـجائحة كورونا، والتعرض لأسوأ موجة حر منذ عقود علاوة على أزمة قطاع العقارات المحاصر التي أثرت على الإنتاج؛ ما يشير إلى أن الاقتصاد سيكافح للحفاظ على الزخم. وقد تراجع أداء المصانع منذ بداية العام الجاري، ليتراجع بوتيرة أكثر حدة في أبريل؛ إذ أدت الإغلاقات المفروضة على نطاق واسع في شنجهاي (العاصمة الاقتصادية للصين) لمكافحة كوفيد–19 إلى وقف الإنتاج الصناعي وتعطُّل سلاسل التوريد. وقد أظهرت مؤشرات مديري المشتريات الرسمية مزيداً من الخسارة في الزخم الاقتصادي مع تضاؤل فرصة إعادة الافتتاح وتعميق الانكماش العقاري؛ إذ لا يزال على الاقتصاد أن يكافح لتحقيق تقدم كبير خلال الأشهر المقبلة.

4– إشكاليات التوسع في سياسات الإقراض الخارجية: بعد أن أوضحت بيانات صندوق النقد الدولي أن نحو 60% من البلدان ذات الدخل المنخفض، و30%من بلدان الأسواق الناشئة ذات الأوضاع الأفضل قليلاً، تعاني من ضائقة الديون أو على وشك الوقوع فيها، وعلى وشك التخلف عن سدادها؛ فإن الصين متضررة بلا شك من تعثُّر الدول في السداد، خاصةً أن البعض يُروِّج أن الصين ورَّطت الدول في قروض لا تستطيع سدادها؛ وذلك لكي تتمكن من الاستحواذ على منشآتها ومرافقها الحيوية كالمطارات والموانئ وغيرها. والواقع أن فائدة الصين من تسديد هذه الدول قروضها، أكبر من الاستحواذ على أصول قد تكلف الكثير لإدارتها بشكل فعال.

5– تخوفات من تراجع عدد السكان: أظهرت البيانات الحديثة أن عدد السكان في الصين قد بدأ في الانكماش؛ حيث كانت الصين تتبع سياسة الطفل الواحد لعقود من الزمن، ثم في السنوات الأخيرة، تحولت الحكومة إلى تشجيع الناس على إنجاب المزيد من الأطفال، وهي السياسة التي تحولت أولاً إلى طفلين، ثم إلى ثلاثة أطفال مؤخراً. وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن من المتوقع أن ينخفض ​​عدد سكان الصين بسرعة كبيرة؛ فبحلول نهاية القرن يمكن أن ينخفض ​​بنسبة 50%، نظراً إلى أن الناس يُنجبون عدداً أقل من الأطفال؛ فقد أصبح الهيكل السكاني غير متوازن بصورة كبيرة. وفي الواقع فإنه في عام 2012 بدأت القوة العاملة تتقلص في الصين. ونظراً إلى أن القوة العاملة جزء من النمو الاقتصادي، فإن استمرارها في الانكماش مشكلة تواجه القادة عندما يفكرون في كيفية الحفاظ على نمو الاقتصاد.

6– تدهور الأوضاع المناخية: تعرضت الصين لأسوأ موجات الحر والفيضانات والجفاف هذا الصيف منذ عقود، وحذر العلماء من أن هذه الظواهر الجوية المتطرفة قد تزداد تواتراً بسبب تغير المناخ. وتسببت أزمة الطاقة الناجمة عن موجة حر قياسية وما صاحبها من جفاف في إحداث فوضى في أنحاء مقاطعة سيتشوان. وجاء النقص الحاد في الطاقة بمنزلة صدمة للسكان الذين اعتادوا في العقود الأخيرة تحسين الظروف المعيشية والبنية التحتية. وأفاد الخبراء بـأن موجة الحرارة القياسية وأزمة الطاقة في سيتشوان، تبرز الحاجة إلى إصلاح نظام الطاقة؛ لأنه بدون ذلك سيكون هذا حدثاً يمكن أن يتكرر كل خمس أو عشر سنوات، وسيكون بذلك معوقاً للاقتصاد الصيني، وتسببت الحرارة الشديدة والجفاف في قيام بعض المناطق، مثل مقاطعة سيتشوان الجنوبية الغربية، ومنطقة تشونجتشينج المجاورة، بتعليق الإنتاج الصناعي لضمان إمدادات الطاقة السكنية؛ ما أدى إلى تعطيل عمليات الشركات المصنعة المعروفة.

تداعيات سلبية

بعد ظهور عدد من التحديات التي تعرقل مسيرة النمو الاقتصادي الهائل للصين، ظهرت عدد من التحديات؛ منها ارتفاع معدلات البطالة، وازدياد الاستياء الشعبي؛ لذا تحاول الحكومة الصينية معالجة هذا التراجع الاقتصادي عبر مجموعة من الإجراءات؛ وذلك لتحفيز الاقتصاد الصيني، كما أن هناك اتجاهاً نحو إنفاق مبالغ هائلة على تنمية وتحديث البنية التحتية في الصين. وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها الصين ستكون لها تداعيات سلبية على الصين تتمثل فيما يلي:

1– تفاقم معدلات البطالة وعدم المساواة: سجَّلت الصين، التي تعاني عدة مشكلات اقتصادية، معدل بطالة نسبته 6.1% تقريباً في أبريل 2022، مقارنةً بما يقرب من 5% في نهاية عام 2021، كما بلغت نسبة البطالة 5.4% يوليو2022، وقد تضرر العمال الأصغر سناً والشركات الصغيرة بوجه خاص؛ ما جعل المستهلكين الصينيين ينفقون الآن أقل من المعتاد؛ لأنهم لا يستطيعون الخروج من المنزل أثناء الإغلاق الإلزامي، أو لأنهم يخشون تخفيض الدخل وفقدان الوظائف في نهاية المطاف. ونمت مبيعات التجزئة عند مستوى منخفض بلغ 3% في يونيو 2022، حتى مع تخفيف الإغلاق. ويرجع ذلك إلى المعنويات السلبية للغاية، بالإضافة إلى نمو بطيء في الدخل المتاح. ومن الواضح جداً أن معنويات الأسر لا تزال سلبية للغاية، ربما بسبب عدم اليقين بشأن عمليات الإغلاق المستقبلية.

ويزيد الأمورَ سوءاً على الصعيد الاجتماعي، البياناتُ التي أظهرت أنه منذ بداية الجائحة، كان هناك زيادة في عدم المساواة، بعد فترة من عدم المساواة المستقرة ولكن المرتفعة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وخلال الجائحة، استمر الأثرياء في الازدياد ثراءً، وتضاعفت ثروة المليارديرات، وأصبح الفقراء – ولا سيما المهاجرون في الصين – يعانون حقاً من صعوبة في العيش. وبسبب عمليات الإغلاق هذه، لم يتمكن المهاجرون الذين ينتقلون من المناطق الريفية إلى المدن من العثور على عمل بسهولة.

2– تنامي عدم اليقين تجاه الاقتصاد الصيني: على الرغم من أن تطبيق الحكومة الصينية استراتيجية “صفر كوفيد” ساعدت الصين على التعافي سريعاً من تداعيات الجائحة والعودة بسرعة إلى النمو في عام 2020؛ لتسجل نمواً اقتصادياً إيجابياً بلغ 2.2%؛ فإن تطبيق تلك الاستراتيجية خلال المرحلة الحالية، وإصرار الحكومة على تطبيقها، من أهم أسباب عدم اليقين الرئيسية للاقتصاد الصيني الذي يواجه أيضاً أزمة عقارات، وارتفاعاً قياسياً في معدل بطالة الشباب، كما واجه في الفترة الأخيرة جفافاً شديداً؛ لذا أصبح العديد من الشركات تعتقد أنه لا يمكن التنبؤ بالأوضاع الاقتصادية داخل الصين على نحو ميسر.

كما تؤثر سياسات الصين في مواجهة الجائحة على الدول الأخرى؛ ليعلن اتحاد الشركات الأجنبية في الاتحاد الأوروبي الاعتراض على سياسة “صفر كوفيد” التي تتبعها الصين؛ لأنها تؤثر على المراكز المالية لتلك الشركات. وفي مايو2022 صرَّحت وزيرة الخزانة الأمريكية بأن “عمليات إغلاق الصين بسبب جائحة كورونا قد تعوق تدفُّق السلع وقد تعوق سلسلة التوريد العالمية”، وحذرت من أن التباطؤ في الاقتصاد الصيني قد يؤثر على دول أخرى.

3– تحول اهتمام المستثمرين إلى دول جنوب شرق آسيا: بدأ اهتمام العديد من المستثمرين يتحوَّل إلى دول في جنوب شرق آسيا خلال الفترة الأخيرة؛ حيث ارتفعت صادرات الصين بنسبة 3.9% في أبريل 2022 مقارنةً بالعام السابق، بينما أظهرت البيانات أن الصادرات في فيتنام في المقابل شهدت قفزة بنسبة 30.4% في أبريل مقارنةً بالعام الماضي. وتجدر الإشارة إلى أن تحويل العمليات خارج الصين أمر صعب، لكن ما تشير إليه استطلاعات الرأي للمصنعين والشركات هو أنه سيكون هناك استثمار أقل في الصين والمزيد من الاستثمار في جنوب شرق آسيا؛ فمن الأسهل بكثير الآن، وفقاً لتلك الاستطلاعات، نقل المديرين التنفيذيين إلى سنغافورا أو دول أخرى في المنطقة بدلاً من الصين؛ فقد كشف  ما يقرب من ربع المشاركين في استطلاع أجرته غرفة التجارة الأوروبية في الصين في أواخر أبريل 2022 – وعددهم 372 مشاركاً – أنهم يفكرون في تحويل الاستثمارات الحالية أو المخطط لها إلى أسواق أخرى.

4– تصاعد الخلافات الداخلية حول ملف الديون الخارجية: لا يمكن إغفال أن الأزمات الاقتصادية التي تواجهها الكثير من الدول المدينة للصين تفرض ضغوطاً على قدرة هذه الدول على سداد الديون، وهو أمر يثير بعض الإشكاليات، وخصوصاً أن هناك اختلافات داخلية حول آليات التعامل مع الدول المتعثرة. وبالرغم من تماشي الموقف الصيني بشأن ضرورة تخفيف عبء الديون بقدر معقول مع السياسات التي أقرتها مجموعة العشرين، والتي تحتوي على وقف مدفوعات خدمة الديون للدول ذات الدخل المنخفض، والموافقة على إعادة هيكلة ديونها، كما يدعم بنك الشعب الصيني تدابير تخفيف أعباء الديون؛ فإن ثمة محاولات من قبل بنوك غير حكومية – كبنك التنمية الصيني وبنك التصدير والاستيراد الصيني الذي تدعي بكين أنه بنك تجاري لا يُحسَب من الدائنين الحكوميين – لعدم شطب ديون الدول المتعثرة، على اعتبار أن من شأن ذلك أن يلحق الضرر بقوائمها المالية.

وبالرغم من هذه الإشكاليات، سعت بكين مؤخراً إلى تعزيز صورتها الخارجية وتجنب الانتقادات المتعلقة بسياسات الإقراض؛ فعلى سبيل المثال، أعلنت الحكومة الصينية مؤخراً إلغاء بعض مستحقاتها من الديون على 17 دولة أفريقية؛ وذلك خلال منتدى التعاون الصيني الأفريقي الذي عُقد عن بُعد حول تخصيص احتياطات لدى الصين في صندوق النقد الدولي لصالح دول القارة، وتم إلغاء نحو 23 قرضاً من دون فائدة على 17 دولة أفريقية تأخَّر أجل تسديدها عام 2021.

5– احتمالية نشوء حالة من عدم الاستقرار الداخلي: صحيح أن الصين تعتبر من الدول المستقرة التي يمارس فيها النظام الحاكم قدرة واسعة على السيطرة ومنع أي اضطرابات أو احتجاجات داخلية، بيد أن استمرار الأزمات الاقتصادية الراهنة قد يؤدي إلى تخفيف قبضة النظام الحاكم، ويسمح بتزايد الانتقادات للحزب الشيوعي الحاكم. وفي هذا الإطار، تشير بعض التقارير إلى أن الصين تسعى إلى إخفاء الأبعاد الكاملة لمشكلاتها البيئية؛ لتجنب تصاعد الاستياء الشعبي والتشكيك في قدرات الحزب الشيوعي الحاكم.

تحركات بكين

حاولت الحكومة الصينية مواجهة الأزمات الاقتصادية الراهنة، وظهر ذلك من خلال تخفيض أسعار الفائدة؛ إذ فوجئ المستثمرون بقيام بنك الصين الشعبي بتخفيضات في أسعار الفائدة الرسمية في أغسطس 2022 على الرغم من أن حجم التعديل كان هزيلاً بالمعايير العالمية؛ حيث خفَّض بنك الصين الشعبي سعر الفائدة الأساسي للقرض لأجل خمس سنوات بمقدار 15 نقطة أساس إلى 4.30% من 4.45%، وخفَّض معدل القرض الأساسي لمدة عام بمقدار 5 نقاط أساس إلى 3.65%؛ وذلك للحفاظ على سيولة كافية في النظام المصرفي بقدر معقول، في محاولة لإنعاش استهلاك الأفراد والضغط على الشركات الحكومية لتقديم المزيد من الائتمان، مع تقديم 29.3 مليار دولار في شكل قروض خاصة لضمان تسليم المشاريع العقارية للمشترين. وتخطط الحكومة لدعم تمويل الشركات عن طريق خفض نسبة الاحتياطي النقدي للبنوك، كما أشارت الحكومة إلى نيتها لخفض أسعار الفائدة بدرجة أكبر إذا استمر التباطؤ الاقتصادي.

ومن جهة ثانية، تحاول الحكومة الصينية تنشيط الاقتصاد من خلال ضخ حزمة ضخمة من الإجراءات كشفت عنها بكين في أغسطس 2022، بما في ذلك 300 مليار يوان في الإنفاق على البنية التحتية الجديدة، وتمديد الاقتراض للحكومات المحلية بقيمة 500 مليار يوان؛ إذ أوضح بعض الخبراء أن التحفيز كان متوقعاً وقد لا يكون له تأثير كبير في اقتصاد غارق بالفعل في التمويل الاستثماري، ويقولون إن المطلوب هو أن يكون لدى الأسر الصينية المزيد من السيولة في أيديهم لإعادة التوازن إلى الاقتصاد بعيداً عن نموذج الاستثمار القديم. ومع ذلك، فإن مثل هذه السياسات صعبة من الناحية السياسية؛ لأنها تهدد النظام الراسخ لكوادر الحزب القوية والشركات المركزية المملوكة للدولة.

وختاماً، على الرغم من العديد من التحديات التي تواجه الاقتصاد الصيني، فإن البيانات الاقتصادية للنصف الأول من هذا العام أظهرت أن الاقتصاد الصيني قد تغلب على عدد من الصعوبات؛ ما يدل على وجود اتجاه للاستقرار والانتعاش. وفي وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي الحالي تحديات مثل التضخم المرتفع ومخاطر الركود المتزايدة، ليس من السهل على الاقتصاد الصيني تحقيق النتائج الحالية في بيئة تنمية استثنائية للغاية.


الهيمنة السيبرانية: لماذا تصاعدت ضغوط الحكومة الصينية على شركات التكنولوجيا الوطنية؟

بقلم أسماء الصفتي

ساهمت الجائحة في تعزيز نجاح قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، وعملت العديد من الشركات على التأقلم مع متطلبات عصر ما بعد كورونا، من خلال تقديم جميع خدماتهم عبر الإنترنت. وقد كان للشركات الصينية الريادة في هذا المجال؛ حيث ظهرت العديد من التطبيقات والمواقع الإلكترونية المتخصصة في قطاعات التعليم والتحويلات المالية، وصولاً إلى خدمات التوصيل والتجارة الإلكترونية. وخلافاً لسياسة الحماية القصوى التي اتّبعتها الحكومة الصينية في الدفاع عن شركات القطاع الخاص الصينية العاملة في الخارج، وعلى رأسها “هواوي”؛ تعرض قطاع التكنولوجيا المتقدمة لعدد من الهجمات الداخلية، إلى الحد الذي دفع البعض للقول بأن الحزب الشيوعي الصيني يعمل على تسهيل مهمة شركات التكنولوجيا المتقدمة الغربية المنافسة للشركات الصينية. كما بدأ بعض المستثمرين الأجانب في التعبير عن تخوفهم من ضخ أموالهم والاستثمار في هذه الشركات، خاصة شركة “علي بابا”، تجنباً لمقصلة الحكومة الصينية.

دوافع تقييد قطاع التكنولوجيا

1- مكافحة الاحتكار وضمان المنافسة: بررت الحكومة الصينية فرض قيود على بعض شركات التعليم الإلكتروني، مثل شركة “Edtech”، بارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها، مما يضغط على ميزانيات أسر الطبقة المتوسطة. يُضاف إلى ذلك، أن ارتفاع تكاليف التعليم يُقوّض سياسة الحكومة الدافعة إلى تشجيع الأسر لإنجاب المزيد من الأطفال. وبدورها، ذكرت إدارة الفضاء الإلكتروني في الصين، وهي الهيئة المعهود لها بمراقبة الأنشطة التي تتم عبر شبكة الإنترنت، أن التحقيق مع شركة “”DiDi، للنقل والمواصلات، التي تُعد أكبر منافس عالمي محتمل لشركة “أوبر”، يعود لاعتبارات مرتبطة بأمن وخصوصية معلومات مستخدمي التطبيق. كما تم توجيه اتهامات لتطبيق “Meituan” لخدمات توصيل الطعام، باستغلال العمال وعدم دفع أجور مناسبة لهم. ناهيك عن اتهامات واسعة بالفساد، وعمل بعض أعضاء الحزب الشيوعي لصالح هذه الشركات بصورة غير مشروعة يجرمها القانون الصيني.

2- السيطرة على البيانات الضخمة: أُدخل عددٌ من التغييرات المهمة على الطريقة التي تدير بها الصين اقتصادها تحت قيادة الرئيس “شي جين بينغ”. ويدور الهدف الرئيسي للرئيس “شي” في الوقت الحالي حول اللحاق بالولايات المتحدة وتجاوزها في جميع المجالات، واستغلال الفرص الجديدة التي أتاحتها جائحة كورونا للاقتصاد الصيني. ولذا فإن الهجوم على قطاع التكنولوجيا الخاص، هو محاولة لانتزاع السيطرة على البيانات الضخمة التي يمتلكها هذا القطاع، والتي تعد رصيداً استراتيجياً مهماً في مواجهة الصين مع الولايات المتحدة.

3- تعزيز الهيمنة على الشركات السيبرانية: يسعى الحزب الشيوعي الصيني من خلال هذه الرقابة المشددة، إلى التأكيد لرجال الأعمال القائمين على إدارة هذه الشركات العملاقة بأن الكلمة الفصل -في النهاية- ما تزال في يد الحزب، وأنّ نموذج “مارك زوكربيرج” و”إيلون ماسك” وقدرتهما على فرض قيود على رأس الدولة باستخدام نفوذ شركاتهما الضخمة، أو بالضغط على المستخدمين وإيقاعهم في فخ الديون المتراكمة؛ هي حالة أمريكية خالصة لا يمكن أن تتكرر في أعماق بكين.

أنماط القيود الحكومية

فرضت الحكومة الصينية عدة قيود تشريعية واقتصادية على شركات التكنولوجيا العملاقة في الصين، وتضمنت هذه القيود ما يلي:

1- قانون حماية البيانات الشخصية: أصدرت الصين مؤخراً قانوناً لحماية المعلومات الشخصية للمستخدمين. ويُلزم القانون الذي سيدخل حيز التنفيذ في الأول من نوفمبر، جميع التطبيقات والشركات التكنولوجية بالحصول على موافقة أو رفض المستخدمين للمعلومات التي سيتم جمعها حولهم. ولا يقتصر الأمر على الموافقة من عدمها، فيجب أن تقدم الشركات شرحاً واضحاً للمجالات التي ستُستخدم فيها هذه المعلومات. على سبيل المثال، توضيح ما إذا كانت ستُستغل في الدعاية الموجهة بناءً على تفضيلات الشخص وسماته الشخصية أم لا. كما أن القانون يضع قيوداً على معالجي البيانات، حيث يُلزمهم بالحصول على موافقة الأفراد لجمع وتحليل بعض المعلومات ذات الطبيعة الخاصة والحساسة، مثل: القياسات الحيوية، والتاريخ المرضي للأفراد، والمعلومات المالية. ويَتعرّض المخالفون للقانون لقائمة طويلة من العقوبات، التي يمكن أن تصل في النهاية إلى حد إنهاء عمل الشركة بشكل كامل.

ومن الجدير بالذكر أن هذا القانون لا يُطبق على المؤسسات الشرطية والحكومية الصينية، التي تمتلك الحق الكامل في جمع مختلف المعلومات والبيانات عن المواطنين، لحفظ السلم والأمن العام.

2- إعادة الهيكلة وفرض الغرامات: خلال أواخر شهر يوليو، أمرت الصين أكثر من اثنتي عشرة شركة عاملة بالقطاع التكنولوجي بإجراء عمليات تفتيش داخلية ومعالجة مسائل مثل: أمن البيانات، والممارسات الاحتكارية. وقد أرغمت “مجموعة Ant”، على تحويل نفسها إلى شركة قابضة مالية، تخضع لمتطلبات رأس المال التي تطبق على البنوك والمؤسسات الحكومية. كما فرضت السلطات الصينية غرامة قياسية قدرها 2.8 مليار دولار على شركة “علي بابا”، بدعوى ممارستها عدداً من الأنشطة التجارية الاحتكارية.

واضطرت شركة DiDi بدورها إلى إزالة تطبيقها الرئيسي من متاجر بعض الهواتف الذكية، وهو ما عطل خططها للتوسع في عدد من الأسواق الأجنبية، وعلى رأسها المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد أُمرت شركة “”Tencent، المشغلة لتطبيق “WeChat”، بالتخلي عن حقوق تشغيل الموسيقى الحصرية، في حين شهد قطاع التعليم الإلكتروني عدداً من التغيرات الهيكلية، التي حظرت الشركات العاملة في هذه الصناعة من جني الأرباح. ناهيك عن وضع العديد من القيود والاشتراطات الصارمة للسماح لشركات التكنولوجيا الصينية بالتوسع في الخارج، وهو ما يؤكد الأقاويل التي تداولها عدد من الخبراء، والتي تؤكد عدم رغبة الصين في إطلاع المستثمرين والحكومات الأجنبية على البيانات والمعلومات الهامة التي تمتلكها هذه الشركات.

3- الاختفاء والمنع من الظهور العام: كانت مجموعة “Ant” على استعداد لإطلاق أكبر طرح في البورصة العالمية خلال الرابع والعشرين من أكتوبر لعام 2020، وتمهيداً لهذه الخطوة سعى رجل الأعمال والمدير التنفيذي لموقع “علي بابا”؛ “جاك ما”، للترويج لهذه الخطوة، عبر المشاركة في عدد من الفاعليات والمؤتمرات. وقد أثار خطاب ألقاه في هذا السياق، على مجموعة من الشخصيات البارزة الصينية، نوعاً من الجدل، بسبب انتقاده النظامَ المالي الصيني.

وقد اختفى “جاك ما” عن الظهور العلني عقب ذلك الخطاب، وهو ما دفع سيلاً من الشائعات للانتشار في كل حدب وصوب حول المصير المجهول لرجل الأعمال الصيني الأبرز، إلى حد الاعتقاد بأنه قد فارق الحياة. واستمر اختفاؤه حتى أواخر شهر يناير، وبالرغم من ظهوره على الساحة، وانتفاء شائعة وفاته؛ إلا أن “جاك ما” ما يزال بعيداً عن الأضواء، ولم يشارك في أي فعاليات اقتصادية خلافاً لعادته.

وأشارت تقارير أخرى أيضاً إلى مطالبة السلطات الصينية الرئيس التنفيذي لشركة “Meituan”؛ “وانج زينج”، بالابتعاد عن الأضواء، عقب نشره قصيدةً عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي الصينية، والتي تم تفسيرها بأنها انتقاد صريح للحكومة.

4- تعزيز صلاحيات المؤسسات الرقابية: حادثة “جاك ما” كانت بمثابة جرس إنذار لـ “بوني ما هواتنج”؛ الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة التكنولوجيا والترفيه “”Tencent، الذي سارع في مارس للانخراط في محادثات طوعية مع المؤسسات الحكومية المسؤولة عن مكافحة الاحتكار. كما تعهد بالالتزام بكافة الأحكام والتوجيهات التي تُصدرها السلطات المختصة، وذلك في أعقاب اتهام شركته في دعوى مدنية بأن تطبيقها للمراسلات السريعة “”WeChat ينتهك قوانين حماية القصّر. وأشارت تقارير أخرى أيضاً إلى مطالبة السلطات الصينية الرئيس التنفيذي لشركة “Meituan”؛ “وانج زينج”، بالابتعاد عن الأضواء، عقب نشره قصيدةً عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي الصينية، والتي تم تفسيرها بأنها انتقاد صريح للحكومة.

تداعيات سياسة الهيمنة

ترتب على سياسات التضييق على شركات التكنولوجيا الصينية عدة تداعيات يتمثل أبرزها فيما يلي:

1- تزايد الخسائر الاقتصادية: ساهمت سياسات التضييق والملاحقة القانونية التي اتّبعتها الحكومة الصينية مؤخراً في خسارة شركة “”Tencent القابضة حوالي 45% من أعلى قيمة وصلت إليها خلال يناير من هذا العام. وبدورها، فقدت مجموعة “علي بابا” ما يقرب من نصف قيمتها، مقارنة بذروتها في أكتوبر من العام الماضي. كما فقدت شركة خدمات التوصيل العملاقة “Meituan” أكثر من نصف قيمتها. وبصورة عامة، خسرت شركات التكنولوجيا المتقدمة الصينية في البورصات العالمية ما يصل مجموعه إلى حوالي 1.5 تريليون دولار، وهي خسارة غير مسبوقة، لم يشهدها هذا القطاع من قبل. وقد دفعت هذه التطورات الأخيرة عدداً من رجال الأعمال الأجانب إلى تأجيل بعض المشاريع التي كان من المقرر أن يدشنوها خلال هذا العام بالشراكة مع شركات التكنولوجيا الصينية، وفي مقدمة هؤلاء رجل الأعمال الياباني؛ “ماسايوشي سون”، المؤسس والمدير التنفيذي لمجموعة “SofBank”.

2- تصاعد اضطرابات المنافسة: على الرغم من التوقعات والتحليلات السياسية والاقتصادية التي تؤكد اعتزام الحكومة الصينية تطبيق المزيد من القواعد والقوانين الخانقة على قطاع التكنولوجيا المتقدمة مستقبلاً، فإن البعض يرى أن مثل هذه الإجراءات شديدة الأهمية لكي يستمر نموّ هذا القطاع الاقتصادي الأهم في استراتيجية الصين لتحقيق الهيمنة الاقتصادية العالمية. فاحتكار بعض كُبرى شركات التكنولوجيا للسوق، وتحقيقها أرباحاً هائلة، وضمها جميع شركات ريادة الأعمال والشركات الناشئة، وتوفير ملايين القروض للمستهلكين؛ يُضعف أي مجال للمنافسة الحرة في السوق الصينية، ويعمل على طمس الشركات الصغيرة، ويضعف موقف الحكومة الصينية في مجابهة هذه الشركات ذات رؤوس الأموال التي تُضاهي ميزانيات الدول. وتَدخّل الدولة لحماية المنافسة، وفقاً لعدد من الخبراء الاقتصاديين، هو في صميم النظام الرأسمالي، الذي لا يمكن أن يتقدم أو ينمو في ظل هيمنة الممارسات الاحتكارية.

3- تحذيرات من تباطؤ قطاع التكنولوجيا: أكد رجل الأعمال الأمريكي؛ “بيتر ثيل”، والخبير التكنولوجي؛ “بين توميسن”، خلال مقابلة أجراها موقع “فوربيس”؛ أن الصين تسعى لتجنب إعادة إنتاج نموذج قطاع التكنولوجيا الأمريكي. فقد تباطأ التقدم التكنولوجي في الولايات المتحدة، ولم يشهد أي نوع من النمو على مدى الخمسين عاماً الماضية. ويعود ذلك إلى أن معظم العقول التكنولوجية الساطعة لم تعد تأخذ على عاتقها مشاريع صعبة في مجالات الطاقة والنقل والرعاية الصحية، وبدلاً من ذلك تم تفضيل تطوير الألعاب وإطلاق مواقع على الإنترنت للتجارة الإلكترونية، لأن هذه المشاريع يمكن إنجازها في وقت قياسي، كما أنها تُحقق أرباحاً ضخمة.

ويضاف إلى ما سبق، سعي هذه الشركات للتوسع الخارجي والداخلي، دون دراسة وتدقيق مسبق، وهو الأمر الذي أوصل قيادة الولايات المتحدة الأمريكية في النهاية للهلع، والعمل على إنفاق الكثير من الأموال لإنقاذ صناعة الشرائح الإلكترونية، التي تُعد أحد أهم جوانب التنافس مع الصين. وفيما يبدو فإن الصين قد تعلمت من الدرس الأمريكي، وستعيد توجيه نمط الاستثمارات والتوسعات في هذه الصناعة، التي سمتها الخطة الخمسية الصينية الثالثة عشرة بأساس الابتكار، والتحسن في القدرة التنافسية الدولية لبكين.

وفي الختام؛ يتوقع أن تمضي الحكومة الصينية قدماً في فرض المزيد من القوانين والقواعد التي ستكون بمثابة معوقات أمام شركات التكنولوجيا المتقدمة الصينية لتحقيق المزيد من الأرباح، ولتحقيق الانتشار العالمي الذي تسعى إليه بكل قوة، وهو ما سيُعرّضها للمزيد من الخسائر، وسيُضعف من قيمتها السوقية. وبالرغم من ذلك، فإنه على المدى الطويل ستساهم هذه السياسات في الحفاظ على المنافسة والتطور والتقدم في هذه الصناعة شديدة الأهمية، وستحقق الصين أهدافها الساعية إلى اقتناص الريادة العالمية، وبالتالي على الولايات المتحدة الانتباه لمثل هذه السياسات، والعمل على إنفاذ استراتيجية مضادة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

كيف تتحرك الصين للتأثير في سياسات الخصوم؟

عرض: صباح عبدالصبور

في ظل التصعيد القائم بين الصين وبين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، تبرز أدوات كل طرف في محاولة اختراق الآخر عبر توظيف العديد من الأدوات؛ إذ تُواجه الصينَ اتهاماتٌ تتعلق بمحاولات تدخُّلها في الشأن السياسي الغربي؛ من أجل تشكيل بيئة سياسية تراعي المصالح الصينية. وفي ضوء هذا، نشر موقع “إيكونوميست” تقريراً بعنوان “التدخُّل السياسي الصيني يُثير قلق الغرب”؛ إذ يدَّعي التقرير وجود أنشطة تجسسية للصين عبر وكلائها في بريطانيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا، وإشراف الحزب الشيوعي الصيني على تجنيد العملاء في الخارج بدفع الأموال للسياسيين الغربيين. ويمكن استعراض أبرز ما جاء فيه على النحو الآتي:

أنشطة بكين

تناول التقرير أبرز أنشطة التدخُّل والتجسُّس الصينية المزعومة في الدول الغربية؛ وذلك على النحو الآتي:

1- أنشطة تجسُّسية صينية في بريطانيا: حسب التقرير، كان لدى المحامية البريطانية المولودة في هونج كونج “كريستين لي” علاقات وطيدة بأعضاء النخبة البريطانية؛ إذ قامت “لي” بزيارة البرلمان البريطاني بوتيرة متكرر؛ حيث دعم المشرعون عملها لمساعدة الصينيين على الانخراط بقدر أكبر في السياسة، حتى إنها حصلت على جائزة لجهودها من تيريزا ماي التي كانت آنذاك رئيسة للوزراء، وتم تصوير “ماي” و”لي” في داونينج ستريت في عام 2019. ووفقاً للتقرير، أُلغيت هذه الجائزة في يناير؛ لأنه وفقاً لـ”MI5″ وكالة الاستخبارات الأمنية المعنية بالأمن القومي في المملكة المتحدة، كانت “لي” تعمل سرّاً لصالح الصين. وفي إشعار أمني صدر إلى البرلمانيين في ذلك الشهر، حذَّرتهم الوكالة من أنشطة “لي”.

2- محاولات بكين تشكيل البيئة السياسية الأمريكية: وفقاً للتقرير، ليست بريطانيا الدولة الغربية الوحيدة التي تشعر بالتدخُّل الصيني؛ إذ يُحذِّر المسؤولون الأمريكيون أيضاً من المحاولات السرية التي تقوم بها الصين للتأثير على السياسيين المحليين؛ فقد تصاعدت الأصوات المُحذِّرة خلال رئاسة دونالد ترامب؛ حيث أشار ويليام إيفانينا مدير المركز الوطني لمكافحة التجسُّس والأمن في ذلك الحين، إلى أن “الصين تُوسِّع جهودها لتشكيل البيئة السياسية في الولايات المتحدة، والضغط على الشخصيات السياسية التي تعتبرها مُعارِضةً لمصالح الصين والتي تنتقد سياساتها”.

3- حديث عن استهداف الصين الانتخابات الكندية: في تقرير صدر العام الماضي، قال جهاز الاستخبارات الأمنية الكندي (CSIS) إنه لاحظ “تهديداً مستمرّاً ومتطوراً ترعاه دول يستهدف الانتخابات لسنوات عديدة حتى الآن” مع “زيادة في تواترها وتعقيدها”. ولم يذكر اسم البلدان المعنية، لكن في وقت سابق من العام، قال ديفيد فيجنولت مدير جهاز الاستخبارات الكندية، إن وكالته كانت مهتمة للغاية بأفعال “دول مثل روسيا والصين”. وفي يناير، قالت صحيفة “جلوب أند ميل”، إن جواسيس كندا كانوا يُطلعون برلمانيين مختارين على عمليات التأثير التي تقوم بها الصين ودول أخرى.

4- تجسُّس صيني مزعوم يُثير القلق في أستراليا: أكد مايك بيرجس رئيس منظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية (Asio)، في تصريح له في فبراير؛ أن التجسُّس والتدخُّل الأجنبي حل محل الإرهاب، باعتباره مصدر القلق الأمني الرئيسي في أستراليا. وقال إن وكالته أحبطت مؤخراً محاولة شخص يُلقَّب بـ”محرك الدمى”، يعمل نيابةً عن حكومة أجنبية، للتدخُّل في الانتخابات الأسترالية؛ وذلك باستخدام حساب خارجي. وقد خطَّط “مُحرِّك الدمى” لدعم المرشحين الذين إما يدعمون مصالح الحكومة الأجنبية، أو الذين تم اعتبارهم عرضة للإغراءات. ولم يحدد رئيس الاستخبارات الحكومة الأجنبية، فيما قالت إحدى عضوات مجلس الشيوخ الأسترالي (تُوفِّيَت الشهر الماضي بنوبة قلبية مُشتبَه بها) إنها “أُبلغت على نحو موثوق” بهوية الشخص؛ حيث سمَّت رجل أعمال أستراليّاً بارزاً من أصل صيني، وقد نفى هذا الشخص هذه المزاعم، لكن الدولة المُشَار إليها كانت الصين.

أدوات التدخل

ادَّعى التقرير وجود آليات وصور مختلفة للتدخُّل الصيني في السياسة الغربية؛ وذلك على النحو الآتي:

1- تورُّط أحد أفرع الحزب الشيوعي في تجنيد العملاء بالخارج: يرى التقرير أن العامل المشترك في مزاعم التجسُّس الصيني، هو فرع من الحزب الشيوعي الصيني يُسمَّى إدارة عمل الجبهة المتحدة The United Front Work Department (UFWD)؛ إذ تذكر وكالة الاستخبارات البريطانية MI5 بشأن “لي” أن هذه الإدارة “تحدد الأفراد وتغرسهم” بهدف الترويج لأجندة الحزب، و”لتحدي من لا يلتزمون بسياساته”. كما أن اتصالات “لي” بإدارة عمل الجبهة المتحدة (UFWD) لم تكن سرية، وقد اعترفت بعملها “مستشارةً قانونيةً” لمكتب الشؤون الخارجية للصين The Overseas Chinese Affairs Office، وهو قسم من أقسام تلك الإدارة. كما عملت “لي” مديرةً لجمعية الصداقة الصينية العالمية، وهي هيئة خاضعة لسيطرة “الجبهة المتحدة”.

2- تقديم الأموال للمعارضين السياسيين في الغرب: حسب التقرير، كان معروفاً أن “لي” كانت تُقدِّم أموالاً إلى أحد السياسيين المُعارِضين البارزين في بريطانيا، وهو باري جاردينر من حزب العمال؛ حيث قدَّمت ما مجموعه أكثر من 500 ألف جنيه إسترليني (650 ألف دولار) على مدى عدة سنوات، فيما يقول جاردينر إن هذا التمويل انتهى في عام 2020، وإن “لي” لم يكن لها دور في تعيين أعضاء فريقه أو إدارتهم، وإنه لم يربح شخصيّاً منها، وإن نجل “لي” الذي كان يعمل معه استقال بعد إصدار وكالة MI5 تحذيرها. ويعتقد التقرير أن وكالة MI5 تبدو أكثر ثقةً بأن “لي” حصلت على أموال من الصين لتوزيعها على مجموعة واسعة من المستفيدين، بدايةً من الأحزاب السياسية والمشرعين وصولاً إلى السياسيين الطموحين.

ويشير التقرير إلى أن هناك القليل من الأدلة المعلنة التي تُظهر أن الصين قد استفادت كثيراً من عمليات التأثير في الخارج، إلا حالة واحدة فقط حتى الآن تم الإبلاغ عنها لسياسي غربي كبير تلقَّى أموالاً من مصدر مرتبط بالحملة الصينية، ثم انحاز إلى الصين بطريقة تتعارض بوضوح مع الرأي السائد، وهو سام داستياري المشرِّع المعارض في أستراليا، الذي حث في عام 2017 حكومته على “احترام” مطالب الصين الإقليمية في بحر الصين الجنوبي.

3- ترهيب مُعارِضي سياسات بكين في الخارج: ادَّعى التقرير أن وكلاء الصين في الخارج يعملون على ترهيب الخصوم السياسيين، مثل المنفيين من شينجيانج والمعارضين الآخرين. وهناك قضية حديثة تتعلق بـ”يان شيونج” الذي كان زعيماً طلابيّاً أثناء احتجاجات ميدان تيانانمين عام 1989، والذي أصبح مواطناً أمريكيّاً وعمل قسيساً في الجيش الأمريكي. ويتقدَّم “شيونج” الآن بعرض للحصول على إمكانية أن يكون مرشحاً ديمقراطيّاً للكونجرس في نيويورك. ومن المقرر إجراء الانتخابات التمهيدية في يونيو. ووفقاً لخبرته السابقة في قضية تيانانمين، فإن الصين لا ترغب بالتأكيد في ترشيحه من قبل الحزب الديمقراطي.

وفي مارس، زعم مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أن أحد عملاء جهاز التجسُّس الصيني، قد طلب من محقق خاص في أمريكا محاولة إحباط حملة “شيونج”، من خلال تشويه مصداقيته، مثل ادعاء وجود انتهاك ضريبي أو غيره. ونقل مكتب التحقيقات الفيدرالي عن الجاسوس قوله في رسالة صوتية، إنه في حالة عدم حدوث ذلك فإن “العنف سيكون خياراً جيداً أيضاً”، بما في ذلك “حادث سيارة”. وعلى الرغم من أن مكتب التحقيقات الفيدرالي لم يذكر اسم “شيونج”، فإن المُرشَّح أكد أنه كان الهدف.

4- إنشاء روابط مع النخب لتعزيز النفوذ الصيني بالخارج: تُشير المصادر إلى أن الجبهة المتحدة (UFWD) تريد غالباً من السياسيين مساعدة الصين من خلال التزام الصمت فقط، وتجنُّب انتقاد السياسة الصينية، والامتناع عن دعم الإجراءات مثل العقوبات. ويشير التقرير إلى أن الجبهة المتحدة ليست وكالة تجسُّس، لكن أهدافها تكون أحياناً ذات أهمية لأجهزة التجسُّس الصينية أيضاً؛ فهي تُسهل عملها؛ إذ يتم توجيه الكثير من أنشطة الإدارة إلى الأشخاص داخل الصين، مثل المواطنين المؤثِّرين ورجال الأعمال والأكاديميين والقادة الدينيين والأقليات العرقية وبعض الأشخاص من هونج كونج وتايوان.

أما في الخارج، فيركز عمل الجبهة في الأساس على كسب دعم العرق الصيني، من خلال إنشاء روابط بين الحزب والنخب الغربية، بما في ذلك السياسيون؛ إذ يعتقد الرئيس الصيني “شي جين بينج” أن النفوذ السياسي الخارجي من أساسيات الحزب الشيوعي. وفي عام 2015، أنشأ الرئيس الصيني “مجموعة صغيرة رائدة” للإشراف على ذلك النشاط؛ ما جعل مثل هذه العمليات أقرب إلى قلب عملية صنع القرار في الحزب.

5- توظيف الصينيين في الغرب للعمل لصالح بكين: سلَّطت وسائل الإعلام الصينية الضوء على عمل “لي” قائدةً للمشروع الصيني البريطاني. وكان الهدف من هذا المشروع هو تشجيع العرقية الصينية على لعب دور أكبر في السياسة البريطانية، كما اصطحبت “لي” مرشحين من أصل صيني في رحلات إلى الصين؛ حيث كان أعضاء فريق الجبهة المتحدة يتحدَّثون إليهم عن مزايا النظام السياسي في الصين.

ختاماً، يشير التقرير إلى أنه لا دليل على نجاح مثل هذه التكتيكات، لكن يمكن القول إن سمعة الصين في الغرب تراجعت لأسباب عدة؛ منها “فظائع” الصين في شينجيانج، وسلب الحريات في هونج كونج، ومؤخراً دعم الرئيس الصيني ضمنيّاً لروسيا في “غزو” أوكرانيا. ويأتي هذا – في السنوات الأخيرة – بعد تراجع الاستثمار الصيني في البنية التحتية الحيوية للغرب بسبب المخاوف الأمنية.

المصدر:

– Chinese political interference has Western spooks worried, The Economist, April 21, 2022, Accessible on:https://www.economist.com/china/2022/04/21/chinese-political-interference-has-western-spooks-worried

لماذا أصدرت بكين الورقة البيضاء بشأن تايوان؟

أصدرت الصين، في يوم 10 أغسطس الجاري، بالاشتراك بين مكتب شؤون تايوان والمكتب الإعلامي – وكلاهما يقع تحت إشراف مجلس الدولة الصيني – ورقة بيضاء تتناول الوضع في تايوان. وقد جاءت الورقة المعنونة بـ”مسألة تايوان وإعادة توحيد الصين في العصر الجديد”، عقب زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكية المثيرة للجدل إلى الجزيرة، وبعد نهاية أسبوع كامل من التدريبات العسكرية الصينية البحرية والجوية التي أُجرِيت على مقربة من العمق الاستراتيجي التايواني. وعلى الرغم من عدم تقديم الورقة أي جديد فيما يتعلق بالموقف الصيني تجاه جزيرة تايوان، فإنها حملت العديد من الرسائل الداخلية، وهو المنطلق لجميع تحركات صانع القرار الصيني داخلياً وخارجياً على مدار سنوات الحكم الطويلة للحزب الشيوعي الصيني.

ملامح الورقة

أكدت الورقة البيضاء الصينية عدداً من النقاط سبق طرحها في ورقتين سابقتين خُصِّصتا لتايوان، إلا أنها في الوقت ذاته أزالت التزام الحكومة في بكين ببعض الالتزامات والتعهدات السابقة، وتركت البعض الآخر محلاً للنقاش والتخمين، وهو ما يمكن تناوله على النحو الآتي: 

1– تأكيد أن تايوان جزء من الوجدان الصيني: استخدمت الورقة البيضاء العبارات الرنانة والمثيرة للمشاعر الوطنية الجياشة؛ فقد أكدت في أكثر من نقطة أن الصين وتايوان شعب واحد، وأن التاريخ والقانون الدولي يؤكدان هذه الحقيقة، في تجاهل كبير لاستطلاعات الرأي التايوانية الأخيرة، التي تؤكد أن ما لا يزيد عن 10% من التايوانيين يُعرِّفون أنفسهم بأنهم صينيون ويرغبون في أن تُضَم بلدهم إلى حكم التنين الأحمر، كما وعدت بكين تايبيه بالحصول على الكثير من المكاسب والمنافع الاقتصادية في حالة قبولها العودة إلى الصين.

2– أهمية الحوار عبر المنصات الصينية الخالصة: أشارت الوثيقة إلى أهمية الحوار للوصول إلى تسوية سلمية بين تايبيه وبكين؛ وذلك عبر المنصات الدولية التي خلقتها الصين، لتكون بديلة للمؤسسات والمنصات الدولية التي تقودها بكين؛ وذلك على غرار منتدى المضائق السنوي. ومن المتوقع أن يجتمع خلال هذا المنتدى ممثلون من الجانبين لمناقشة التكامل الثقافي والاقتصادي.

3– الإبقاء على خيار القوة العسكرية: حددت الورقة بوضوح موقف الصين من أي محاولات لفصل الجزيرة عن الصين، قائلةً بأنها لن تسمح أبداً بأي محاولة لفصل تايوان، لكنها ستبذل قصارى جهدها لتحقيق التوحيد بالوسائل السلمية. وعلى الرغم من ذلك، فإنها لم تَنْفِ إمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية، في حالة استمرار محاولة الانفصالين – في إشارةٍ إلى الحزب التقدمي الديمقراطي الحاكم في تايوان – في سياستهم الرامية إلى عزل الجزيرة عن وطنها الأم. وقد قالت الورقة صراحةً: “سنُضطر إلى اتخاذ إجراءات صارمة للرد على استفزاز العناصر الانفصالية أو القوى الخارجية إذا تجاوزت خطوطنا الحمراء”.

4– طرح فكرة “دولة واحدة ونظامان” في حالة الضم: أكدت الصين من جديد أن جزيرة تايوان ستصبح منطقة إدارية خاصة في الصين، وهو ما ورد ذكره في الورقة البيضاء الصادرة في عام ١٩٩٣. وأشارت الورقة – التي وضعت خططًا لنموذج الحكم المقترح من بكين للجزيرة – إلى أنه سيُسمح للدول الأخرى بمواصلة تطوير العلاقات الثقافية والاقتصادية مع الجزيرة. بموافقة الحكومة المركزية؛ أي أنه يجوز لتلك الدول إنشاء قنصليات أو وكالات رسمية وشبه رسمية أخرى في تايوان؛ هذا بجانب السماح للمنظمات الدولية بإنشاء مكاتب ممثلة لها في الجزيرة. وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الالتزام بمنح الجزيرة الحق في الإبقاء على تمثيل دبلوماسي وقنصلي شبه منفصل عن الصين في حالة الضم. وقالت الورقة إن تطبيق “دولة واحدة ونظامان” في هونج كونج وماكاو كان له “تأثير بنَّاء” على المنطقتَين، وإن النظام ذاته بجوانبه الإيجابية سيُطبَّق في تايوان.

5– عدم حسم طبيعة التمثيل الصيني الدفاعي والإداري في الجزيرة: على الرغم من إقرار الورقة بتمتُّع تايوان بنظام حكم منفصل عن الحكومة الشيوعية الصينية المركزية في الصين، فإنها لم تحسم حجم وطبيعة التمثيل الذي سيُبقيه الحزب الشيوعي الصيني في الجزيرة، في تغافل واضح لالتزام سابق قدمته الصين أكدت فيه أن الحزب وقواعده لن يكون ممثلاً في تايوان في حالة الضم، كما أن الورقة قد تركت الترتيبات الدفاعية مفتوحة؛ ما يعني أنه من غير المعروف إذا ما كانت الصين (البر الرئيسي) ستنشر قوات في تايوان، أو سترسل مسؤولين للقيام على مختلف جوانب الحياة في البلاد بعد التوحيد أم لا.

رسائل خفية

أكد المحللون والمتابعون للشأن الصيني–التايواني، أن الورقة البيضاء الصينية تحمل العديد من الرسائل غير المُباشِرة، التي تشير إلى طبيعة التحديات الداخلية التي تواجهها الأجندة السياسية للحزب الشيوعي الصيني خلال المرحلة القادمة، والتي يتمثل أبرزها في الآتي:

1– التغلب على آخر آثار الاحتلال الياباني: في يوليو 1894، شنت اليابان حرباً عدوانية شاملة ضد الصين، ومع تحقيق طوكيو العديد من الانتصارات في هذه الحرب، اضطرت حكومة “تشينج” المهزومة في أبريل من عام 1895، إلى التنازل عن تايوان وجزر بينجو لليابان. وعلى الرغم من انتهاء الاحتلال الياباني للصين، ودخول بكين مرحلة سياسية جديدة يسيطر فيها الحزب الشيوعي الصيني على الحكم، فإن الصين لا تزال تنظر إلى تايوان باعتبارها جزءاً من تركة الاحتلال الياباني والهزيمة المخزية التي تعرضت لها الصين على يد طوكيو؛ ولذا فإن الرئيس الصيني “شي جين بينج” – الذي لا يزال يلتزم بقدر كبير من مبادئ الأيديولوجية اللنينية، ومساهمات ” ماو تسي تونج” في هذا السياق – يؤمن بأن الثورة والصراع ضد الإمبريالية العالمية، سيظل قائماً ومستمراً، في ظل استمرار الوضع الحالي لتايوان، وعدم خضوعها للصين.

2– تكثيف الحملات الدعائية المؤيدة للحزب الحاكم: نشرت الحكومة الصينية ورقتَيْن بيضاوَيْن سابقتَيْن عن تايوان، وقد جاءت الورقة الأولى تحت عنوان “مسألة تايوان وإعادة توحيد الصين” في أغسطس 1993، ثم تناولت الأخرى “مبدأ الصين الواحدة وقضية تايوان” في فبراير 2000. وقدمت هاتان الورقتان تفصيلاً شاملاً ومنهجياً للمبادئ والسياسات الأساسية المتعلقة بحل مسألة تايوان. وعلى الرغم من أن الورقة الجديدة لم تُقدِّم جديداً، فيما يتعلق بتأكيد التبعية التاريخية للجزيرة للصين، وتأكيد جميع المعاهدات الدولية – والقانون الدولي بالتعبية – لهذه الحقيقة، فإن الورقة تعد بمنزلة إعلان ودعاية داخلية بصورة أساسية لإظهار تصميم الحزب الشيوعي الصيني على إعادة توحيد البلاد، وتأكيد أن موقف وسياسات الحزب الشيوعي الصيني والحكومة الصينية لن تتغير تجاه تايوان، مهما كانت التحديات والأزمات التي تواجه بكين في نظام دولي يعجُّ بالأزمات.

3– تعزيز شرعية “شي” تمهيداً لمؤتمر الحزب الشيوعي القادم: يَعقِد الحزب الشيوعي الصيني مؤتمراً وطنياً كل خمس سنوات، يجري خلاله الإعلان عن تغييرات رئيسية على مستوى قيادات الحزب والحكومة الصينية. ومن المُتوقَّع أن يشهد مؤتمر الحزب العشرين – الذي سيعقد في بكين في النصف الثاني من عام 2022، بالتحديد خلال شهر أكتوبر القادم – ترقية وجوه جديدة إلى مناصب عليا في الحكومة وقيادة الحزب. إلا أن التحول الأبرز في تاريخ الصين، الذي يُتوقَّع أن يَنتُج عن هذا المؤتمر، هو الإعلان عن استمرار الرئيس “شي” في قيادة البلاد للدورة الثالثة على التوالي، في خطوةٍ غير معتادة. ويُتوقَّع أن تكون هذه الدورة الأخيرة التي يقود فيها “شي” البلاد، وهو ما يعني أن حقبة الرئيس الصيني الأبرز في تاريخها المعاصر، على وشك الوصول إلى قمتها ونهايتها في الوقت ذاته. ومن المُتوقَّع أن يتبع الرئيس الصيني – الذي تخلَّى عن نهج الصعود السري للقوة الصينية الذي تبنَّاه سابقوه – سياسات أكثر حسماً وجرأةً لتنفيذ العديد من أهدافه الاستراتيجية ورؤيته الخاصة للصين داخلياً وخارجياً، وبالطبع تتمثل أبرز وأهم نقاط هذه الاستراتيجية في تحقيق الوحدة الكاملة للصين.

4– الرد على السياسات الأمريكية تجاه تايوان: لا يمكن إغفال أن توقيت إصدار الورقة البيضاء الصينية عن تايوان – وخاصةً بعد الزيارة الاستفزازية التي أجرتها رئيسة مجلس النواب الأمريكي “نانسي بيلوسي” إلى تايوان – يشير إلى محاولة بكين إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية مفادها أن الصين لن تسمح بانفصال تايوان عنها، وتأكيد استمرارية الرؤية الصينية لتايوان بأنها جزء من الأراضي الصينية. وهذه الرؤية تتضمن استخدام كافة الأدوات الممكنة، بما فيها الأداة العسكرية، لمنع انفصال تايوان.

خطورة الضم العسكري

على الرغم من وجود الكثير من الدوافع والمحفزات التي لا تَدَع مجالاً للشك بأن بكين لن تتنازل عن حلمها الكبير باستعادة جزيرة تايوان وجعلها جزءاً من أراضيها، فإن اللجوء إلى الخيار العسكري لا يزال أمراً مُستبعَداً، وقد يهدد استقرار النظام القائم وبقاءه على رأس السلطة؛ فمن ناحية، يمكن أن يتبع الغزوَ العسكري للجزيرة، معاناةُ الداخل الصيني من حالة من الركود الاقتصادي غير المسبوق، ناهيك عن تشابك اقتصاد جنوب الصين مع المُورِّدين ورؤوس الأموال التايوانية.

كما أن التعداد السكاني والتاريخ الصيني – الذي يتضمَّن العديد من التحوُّلات السياسية بانتهاء عصر أسر حاكمة، ووصول أسر أخرى إلى سُدَّة الحكم بفعل المجاعات، وعدم قيام الحكام والملوك على تلبية الاحتياجات الأساسية للمحكومين – يُعَدُّ هاجساً آخَر، وتخوُّفاً مُؤكَّداً لدى صانعي القرار في الصين. وأخيراً، يمكن للاحتجاجات الجماهيرية والغضب العام أن يطغى على قدرة الحكومة على السيطرة، كما أن الإذلال الذي قد يأتي مع غزو فاشل لتايوان، قد لا تُحمَد عواقبه.

ما الذي يمكن أن يدفع الصين إلى غزو تايوان؟

في خضم التصعيد الدائر بين الصين من جانب والولايات المتحدة وتايوان من جانب آخر، فإن ثمة اتجاهات مختلفة تؤكد اقتراب قيام الصين بغزو تايوان، خاصةً في ظل وجود العديد من المُعطَيات التي تُحفِّز القيادة الصينية على ذلك، بيد أن هناك معوقات وقيوداً تَحُول دون تحقُّق ذلك في المدى المنظور، وفي ضوء هذا نشر موقع “ستراتفور” تقريراً بعنوان “ما الذي يمكن أن يدفع الصين إلى غزو تايوان؟”، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

قيود حاكمة

يشير التقرير إلى أن هناك عدداً من القيود التي تجعل غزو تايوان أمراً غير مُحتمَل في المدى القريب، ومن أبرزها ما يلي:

1– اعتماد الاقتصاد الصيني على الأسواق الغربية: ارتفعت القوة العسكرية للصين في السنوات الأخيرة بعد ارتفاع النفقات العسكرية والتقدم التكنولوجي، في حين أن الجيش الأمريكي – بحسب التقرير – مُثقَل برأس المال البشري وتكاليف الصيانة مقارنةً بالبحث التكنولوجي. ومع ذلك، قد يؤدي الغزو خلال السنوات القليلة المقبلة إلى فرض الغرب عقوبات تجارية ومالية شديدة على الصين من شأنها أن تقوض اقتصاد الصين؛ نظراً إلى عمق اعتمادها على الأسواق الغربية.

2– ارتفاع التكلفة الناجمة عن غزو الصين لتايوان: يُرجِّح التقرير أن الجيش الصيني ليس جاهزاً بعدُ للغزو؛ نظراً إلى المهمة الشاقَّة المتمثلة في مثل هذا الغزو البرمائي الكبير، واحتمال التدخل العسكري الأمريكي والياباني والأسترالي، ناهيك عن احتمال مشاركة الناتو، كما قد تكون الخسارة المدمرة لأعداد كبيرة من الأصول العسكرية وحدها التي تراكمت على مدى عقود من التحديث العسكري، كافيةً – وفقاً للتقرير – لثني الصين عن الغزو على، الأقل حتى أواخر عشرينيات القرن الحالي حتى تتمتع الصين بقدرات أفضل، فتتحسن فرصتها لتحقيق الأمر الواقع على تايوان.

3– الخوف من ردود الأفعال المحلية حال الفشل: قد تَثني السياسات المحلية بكين عن الغزو؛ لأن الفشل في الاستيلاء على تايوان عسكرياً قد يؤدي إلى سقوط الحزب الشيوعي الصيني، أو على الأقل زعيمه الحالي الرئيس “شي جين بينج”. وفي مثل هذه الحالة، سيتعرَّض “شي” للمحاسبة؛ لفشله في تحقيق ما تسمى إعادة توحيد الصين، وهي إحدى المهام العظيمة للحزب منذ تأسيسه في عام 1949.

4– اعتماد الصين على أشباه الموصلات التايوانية: تعتمد الصين على الصادرات التايوانية من أشباه الموصلات المتطورة، وقد يؤدي الغزو التدميري (ناهيك عن خطط تايوان المحتملة لإفشال المصانع بدلاً من تسليمها إلى بكين)، إلى إعادة التطور التكنولوجي للصين عقوداً إلى الوراء.

تسريع الغزو

على الرغم من هذه القيود، يرى التقرير أن عدداً من الدوافع الاستراتيجية الطويلة المدى قد تجعل العمل العسكري ضد الجزيرة يبدو خياراً جذاباً لبكين. ويمكن لمزيج من هذه الدوافع أن يدفع الصين إلى تسريع جدولها الزمني لغزو تايوان في وقت مبكر بكثير من عام 2049، وهو العام الذي وعد فيه “شي” بتحقيق “التجديد العظيم للصين”. ويمكن تناول الدوافع فيما يلي:

1– تحوُّل تايوان إلى فرصة لاختبار قوة الجيش الصيني: بحسب التقرير، لم يقاتل معظم الجنرالات الصينيين في أي حرب بتاتًا، بينما قاتل قلة منهم خلال آخر صراع كبير في الصين، وهو الحرب الصينية الفيتنامية عام 1979، التي كانت قبل التحديث العسكري للصين. ومن ثم، فإن أنظمة ساحة المعركة في الصين، وخاصةً أنظمة العمليات المشتركة القائمة على التنسيق الوطني للمسارح العسكرية، لا تخضع لاختبارات جيدة للقتال، وجنودها وجنرالاتها غير مدركين لقدراتهم الحقيقية خارج التدريبات من وجهة نظر التقرير. ونتيجة لذلك، قد يكون لدى القادة العسكريين الصينيين فهم ضعيف لمدى قدراتهم القتالية، في حين أن النزعة القومية قد تزيد من تصميمهم على القتال، ومن ثم قد تُعَد تايوان فرصةً من أجل اختبار قوة الجيش الصيني.

2– تدعيم الرئيس الصيني صورته كشخصية تاريخية: يرى الرئيس “شي” نفسه شخصية محورية في تاريخ الصين؛ فبعد أن كُرِّس “فكرُ شي جين بينج” في دستور الحزب (جنباً إلى جنب مع “فكر ماو تسي تونج”)، اعتبر نفسه قائد عودة الصين إلى القوة العظمى الرائدة في العالم. لذلك فإن ادعاءه بأن التجديد الوطني للصين يتوقف على إعادة التوحيد مع تايوان قد يدفعه إلى محاولة إحراز تقدم كبير في “قضية تايوان” لتدعيم إرثه.

3– تسارع وتيرة تسليح الجيش التايواني بدرجة مقلقة: كلما طال انتظار بكين لمهاجمة تايوان، ستتمكن تايبيه – وفقاً للتقرير – من حشد المزيد من الأسلحة من خلال الاتفاقيات الأمنية، مثل صفقة الأسلحة الأمريكية البالغة 1.1 مليار دولار المُوقَّعة في 6 سبتمبر للصواريخ ودعم المراقبة، كما يمكن للولايات المتحدة أن تُصعِّد مبيعاتها من الأسلحة إلى تايوان بما يكفي لتغيير ميزان القوة عبر المضيق أو تهديد الأمن الساحلي للصين، على غرار بيع صواريخ تفوق سرعة الصوت. وللتحايل على ذلك، قد تختار بكين شن عمل عسكري عاجل في تايوان.

4– تنامي المشاعر المعارضة للصين في الداخل التايواني: بحسب التقرير، يزداد الشعب التايواني مع كل جيل معارضةً للعيش تحت الحكم الصيني. وفي الوقت نفسه، فإن حزب الكومينتانج المُعارِض في تايوان – وهو صديق تقليدي لبكين – يفقد قوته في الانتخابات ويتكيَّف مع هذا التحوُّل المُؤيِّد للسيادة التايوانية. ومن ثم، قد تكون بكين متحمسة للغزو في وقت أقرب، قبل أن يصبح السكان أكثر معارضةً للصين فتصعب السيطرة عليهم.

5– تواتر الأحداث الاستفزازية القصيرة المدى: يرى التقرير أنه يمكن للأحداث التكتيكية والاستفزازية القصيرة المدى أيضاً أن تُحفِّز الصين على تصعيد العمل العسكري ضد تايوان وتغيير الوضع الراهن؛ وذلك كما يتضح من زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايبيه في أغسطس 2022، التي دفعت بكين إلى إطلاق تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية في مناطق أقرب إلى ساحل تايوان.

ويعتقد التقرير أنه قد تدفع أحداث مماثلة الصين إلى تصعيد استخدامها الإكراه الاقتصادي والعسكري ضد تايوان، وقد يدفعها في النهاية إلى أعلى سلم التصعيد نحو الغزو؛ فعلى غرار قانون “سياسة تايوان” المطروح حالياً في مجلس الشيوخ الأمريكي، الذي من شأنه أن يُعيِّن تايوان حليفاً رئيسياً من خارج الناتو، يمكن للهيئات التشريعية الأخرى تمرير مشاريع قوانين من شأنها أن تقلب الاستقرار المضطرب عبر مضيق تايوان.

6– تصاعد ضغوط القوميين في الداخل الصيني: نظراً إلى أن بكين تعتمد بشكل أكبر على الدعاية المؤيدة للصين والرسائل المعادية للغرب للتشويش على النقد الداخلي بشأن إخفاقات بعض السياسات، والنقد الخارجي لقضايا حقوق الإنسان؛ يمكن للقوميين الصينيين المتحمسين الضغط على بكين من خلال شن احتجاجات تدعو الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عدوانية تجاه تايوان. وقد يؤدي هذا إلى قيود تجارية صينية جديدة أو أنشطة عسكرية في جميع أنحاء الجزيرة.

7– تزايد احتمالية وقوع تصادمات عرَضية بين الطرفين: يؤكد التقرير أن تسارع وتيرة التحليق الجوي العسكري الصيني المتزايد في منطقة تحديد الدفاع الجوي التايوانية (ADIZ)، بالإضافة إلى الرحلات الجوية والملاحة البحرية التي تتجاوز الخط الوسطي لمضيق تايوان، يُحفِّز ردود الفعل العسكرية التايوانية. وتُخاطِر هذه المواجهات بوقوع تصادمات عرَضية، لا سيما بالنظر إلى التكتيكات الأخيرة للطيارين المقاتلين الصينيين، التي يمكن أن تُثِير أزمة سياسية، مثل حادثة طائرة التجسس EP–3 في عام 2001، خاصةً إذا وقعت خسائر في الأرواح.

ختاماً، يشير التقرير إلى أن لدى بكين عدداً من “الخطوط الحمراء”، وهي التي إذا تم تجاوزها يمكن أن تزيد من تصورها لتهديد تايوان، وتُبرِّر التصعيد الذي قد يصل إلى الغزو. ويشمل ذلك اتفاقية الدفاع الرسمية الأمريكية مع تايوان، وتمركُز القوات الأمريكية في تايوان (على غرار القواعد في أوكيناوا)، وتخلي واشنطن عن الغموض الاستراتيجي لصالح موقف واضح بشأن الإجراءات الصينية التي ستدفع إلى التدخل العسكري الأمريكي نيابةً عن تايوان، وإعلان تايوان الاستقلال الدستوري، والاعتراف العالمي بتايوان دولةَ ذات سيادة.

المصدر:

What Could Push China to Invade Taiwan, Stratfor, September 20, 2022, accessible at: https://worldview.stratfor.com/article/what–could–push–china–invade–taiwan

إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية