بعد سنوات طويلة من الانتظار، صدر عن منشورات “الشهاب” كتاب “لخضر بن طوبال..مذكرات الداخل”، للمؤرخ دحو جربال. يستند الكتاب لسلسة من اللقاءات التي أجراها الأستاذ جربال، مع المجاهد الراحل بن طوبال بين 1980 و1985، بحضور المجاهد والباحث الأنتروبولوجي محفوظ بنون، وذلك ضمن مساعي الشروع في كتابة تاريخ حرب التحرير من منظور وطني بعيدا عن أطروحات المدرسة الفرنسية.

كان من المفروض أن يصدر الكتاب، وهو الجزء الأول من شهادة لخضر بن طوبال، سنة الانتهاء من الحوار، إلا أنه تأخر لعدة سنوات، مثلما ورد في المقدمة. ولم تنشر منه سوى بعض المقاطع مع مطلع التسعينات بمجلة “نقد” التي يشرف عليها دحو جربال.

يكتسي الكتاب أهمية قصوى من حيث أنّه يعتمد على مذكرات أحد الفاعلين الرئيسيين في الحركة الوطنية وحرب التحرير، حيث لعب بن طوبال دورا فعالا في الإعداد للثورة منذ نضاله في صفوف حزب الشعب – حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وانخراطه في المنظمة الخاصة (لوس)، ثم انضمامه لمجموعة الـ 22 التاريخية، وتكفله بالعمليات الأولى بنواحي جيجل والميلية بالمنطقة الثانية، ليتحول بعدها إلى قائد للولاية الثانية بعد استشهاد زيغود يوسف، ليصبح وزيرا للداخلية في الحكومة المؤقتة إلى غاية الاستقلال، فهو جزء من النواة الراديكالية لحركة انتصار الحريات الديمقراطية التي اختارت العمل المسلح للتخلص من الهيمنة الاستعمارية. وتندرج مكانته في حرب التحرير ضمن ما أطلق عليه المؤرخون بأحد “الباءات الثلاثة”.

كتاب بضمير المُتكلم

تناول الكتاب في جزء الأول، وبضمير المُتكلم، حديث بن طوبال عن الظروف الاجتماعية التي رافقت مرحلة طفولته. وقد تم تناول ذلك، والكتاب برمته، بتحليل عميق، بالتركيز على تفاصيل الحياة في مدينة ميلة التي ولد بها بن طوبال، ليأخذ الكتاب صبغة التحليل الاجتماعي والثقافي الذي نتعرف من خلاله على قسوة الوضعية الاستعمارية التي نتج عنها تكوين الوعي الوطني، الذي بدأ يتبلور لدى بن طوبال بداية من سنة 1937 ، حين بدأ يتعرف على أفكار حزب الشعب بالمدينة القديمة في ميلة، مركزا على ما احتفظت به الذاكرة الشعبية من مقاومات ضد الاستعمار، وكيف أصبح مسؤول خلية تتكون من خمسة وعشرين مناضلا، عقب أحداث 8 ماي 1945، فخصص قسما مهما من الكتاب لهذه المرحلة بعنوان “كيف تكون مناضلا في حزب الشعب”، وإبراز كيفية اختيار المناضلين في ظل العمل السري وملاحقات الشرطة الاستعمارية، وكيف ساهمت أحاديث التاريخ، خلال الاجتماعات السرية في لعب دور مهم في إذكاء الروح الوطنية.

كما يخصص الكتاب جزءا لانخراط بن طوبال في النضال الوطني في صفوف أحباب البيان والحرية التي شكلت حسبه غطاء سياسيًا مهما بالنسبة لمناضلي حزب الشعب المحظور آنذاك، وكتب بخصوص هذه المسألة أنّ الجزائريين في الأرياف اكتسبوا أفكارا أكثر راديكالية، فكانوا يقصدون مناضلي حزب الشعب، بحكم أن تصوراتهم كانت تعكس رغبتهم في سلك دروب أكثر راديكالية للتخلص من الاستعمار. وهو ما أدى حسب بن طوبال إلى تسهيل تكون أولى الخلايا الراديكالية، فكتب ما يلي:”في الحقيقة، استطاع حزب الشعب تشكيل خلاياه الريفية، خلال مرحلة أحباب البيان والحرية”. وأضاف :”من الخطأ اعتبار حزب الشعب كحزب حضري بالأساس”. وتابع:”لقد تمكننا في أحلك الظروف من تجنيد مناضلي المنظمة الخاصة، بمنطقة “قرام”.

ويخصص الكتاب صفحات طويلة لتحليل العلاقة بين مناضلي حزب الشعب، وهم يعملون ضمن حركة أحباب البيان، وبين أنصار جمعية العلماء المسلمين، ثم يصل لوقع أحداث 8 ماي 1945 على مساره النضالي، بعد أن ذاع صيته في المدينة كمناضل في صفوف حزب الشعب المحظور، فيخبرنا كيف تمكن من النجاة من متابعات الشرطة الاستعمارية التي كانت تجهل بأن كل مناضلي ميلة، كانوا يعملون تحت أوامره. وتمثل التحول الذي حصل حسبه على مستوى النضال السياسي، وتأثيراته على حزب الشعب، في بروز فكرة الاستعداد للموت وتحمل التعذيب من أجل الاستقلال. كما أدت المجزرة التي ارتكبها المعمرين الفرنسيين خلال ذلك اليوم، إلى حدوث “كسر على مستوى أحباب البيان”، بعد سجن مناضليه، كما تكون حسبه وعي سياسي و نضالي في صفوف مناضلي حزب الشعب، انطلاقا من اعتقاد أن النضال ضد الاستعمار، يجب أن يتحقق بعيدا عن النخب وأحزابها التي رفضت مسايرة فكرة النضال الراديكالي من أجل التخلص من الاستعمار، وهذا ما حمل مناضلي الحزب، وفق التعليمات، لمقاطعة انتخابات 1946.

تنامي التيار الراديكالي

كما يخصص الكتاب صفحات طويلة لظروف إنشاء حركة انتصار الحريات الديمقراطية، والتحولات التي عرفها التيار الراديكالي على مستوى الفئات الاجتماعية التي انخرطت في النضال الوطني، بحيث عرف انخراط بعض المثقفين الذين سمح لهم الحزب بالانخراط في الحزب (حركة انتصار الحريات الديمقراطية”، وهذا ما وصفه بن طوبال بـ “الخطأ”، ليس لأنهم انخرطوا في الحزب، فذلك كان سيحدث في يوم ما على حد تعبيره، لكن الظرف السياسي الذي حدث فيه انخراط هؤلاء، والمتمثل في الانتخابات. وكتب ما يلي :”أعتقد أن أكبر خطأ تمثل في تمكين هؤلاء المثقفين من الوصول لمناصب المسؤولية تم دون مرورهم على مناصب مسؤولية عبر القاعدة”.

ويركز بن طوبال، في أحاديثه مع دحو جربال بخصوص هذه المرحلة، على الأوضاع السياسية والنضالية التي رافقت بروز حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وفكرة المشاركة في الانتخابات سنة 1947 ، وكيف اتخذت القيادة قرار اختياره على رأس قائمة الحزب، وهنا أورد بن طوبال فكرة كيف بدأ “يعيد النظر في الحزب”، ويكشف في المقابل أنه بقي عنصرا فاعلا في حزب الشعب السري، وأن كل المناضلين ظلوا يعملون تحت إمرته، ليصل بعد ذلك لظروف تأسيس المنظمة الخاصة (لوس) وتكوين أول خلية مسلحة بقيادة عبد الرحمن غراس على المستوى المحلي، وديدوش مراد (سي عبد القادر) على المستوى الوطني، مع وجود اتصال بالعربي بن مهيدي (سي لخضر).

بعد تناوله نشأة المنظمة الخاصة، والتوقف عند اكتشاف أمرها سنة 1950،  يخصص الكتاب صفحات لظروف انتقال بن طوبال للأوراس وظروف التنقل السري، ليحلل بعدها أزمة حركة انتصار الحريات الديمقراطية، والانقسامات بين المصاليين والمركزيين، وظروف انعقاد اجتماع الـ 22 التاريخي. وورد في الكتاب بخصوص هذه المسألة:”بشأن هذا الصراع، لم تكن لدينا أي فكرة”. ليكشف أن التنظيم على مستوى السمندو والخروب تم بدون الرجوع للحزب، موضحا أنّ أصداء الصراع والأزمة لم تصلهم إلا خلال سنة 1953. وأضاف :”لقد عرفنا أزمة 1949، بين لمين دباغين، والبربريست، والقيادة، وكنا نعتقد أننا أمام نفس المشكلة. كنا نعتقد أن الحزب سوف يصل إلى إيجاد الحل، ويفرض سيطرته على الفصائل”. ويوضح بأن ديدوش مراد تنقل إلى الشرق مع نهاية ماي 1954، لإعلام المناضلين بما كان يجري من شقاق. وأضاف :”شرح لنا أصل الأزمة، وأسبابها العميقة وسياسة الحزب”. خلال هذه الفترة ، يوضح بن طوبال، تم التفكير في ربط الاتصال مجددا بخلايا المنظمة الخاصة. وبالفعل، تم جمع قدماء “لوس” من جديد، رغم الصعوبات، وذكر بن طوبال ما يلي :”عند بدابة عام 1954، شرعنا في الاتصال مجددا بالمناضلين، لأننا كنا نرغب، زيغوت وأنا، في إعادة تشكيل “لوس”. ونقرأ في الكتاب كيف جرى اللقاء بين بن طوبال وزيغوت ببن عودة الذي كان متواجدا في بلاد القبائل، فكتب :”مع اللقاء الأول، كنا، زيغوت، بن عودة وأنا، ضد المركزيين. لم نتكلم عن مصالي. لكنه كان يحدث وأن نطرح الأسئلة بشأن موقفه. فعبر المناشير والمقالات التي كانت تصلنا، كان يقول بأنه من أنصار العمل المسلح. ونحن كذلك كنا من أنصار العمل المسلح. لكننا لم نكن مقتنعين بصدق نواياه”.

محمد بوضياف يرأس اجتماع الـ 22

وفي ظل الإعداد للعمل المسلح، يتوقف بن طوبال عند الأجواء النضالية في مدينة ميلة، وتأثير المصالية على بعض مناضليها، ويسرد تفاصيل لقائه الثاني بالجزائر العاصمة، مع ديدوش مراد، وظروف الإعداد للعمل المسلح، وانعقاد اجتماع الـ 22 الذي حضره بن طوبال رفقة زيغوت يوسف وبن عودة، برئاسة محمد بوضياف، الذي تحدث بإسهاب عن ظروف انقاد الاجتماع، وكيف انتهى عند حدود الساعة الثالثة صباحا، والنقاشات التي دارت بين المناضلين بشأن “العمل المسلح”، واقتراح إسناد قيادة الحركة الثورية للدكتور لمين دباغين كقائد وطني، باعتباره من أنصار العمل المسلح منذ نهاية الأربعينيات.

وركز بن طوبال كذلك، على ظروف اندلاع الثورة في المنطقة الثانية، والتحضيرات التي شرع فيها على مستوى الخروب، بالتركيز على كيفية جمع الأسلحة، وموقف ما أصبح يسمى بـ “جماعة قسنطينة”، وعلاقة المناضلين بمصالي الحاج، ليصل إلى الإعلان عن قيام العمل المسلح والدور الذي لعبه ديدوش مراد والاجتماع الشهير إلي عقده مع قادة المنطقة خمسة أيام قبيل اندلاع الثورة بناحية سمندو. وهنا يدخل بن طوبال في سرد تفاصيل دقيقة، عن ظروف بداية العمل المسلح، أو ما يسمى بالثورة في عامها الأول، إلى غاية استشهاد ديدوش مراد، في معركة بدأت على الساعة السابعة صباحا ضد أربعمائة جندي فرنسي بقيادة العقيد “بول دوكورنو”، مقابل ستة وعشرين مجاهدا فقط.

وتحت عنوان “الخروج من المأزق”، يتوقف بن طوبال في الكتاب عند الحدث التاريخي الأبرز على مستوى الولاية الثانية، وهو هجمات الشمال القسنطيني يوم 20 أوت 1955، ليقدم شهادة عن الحدث من داخل مركز القيادة على مستوى المنطقة الثانية، ويكشف الظروف التي وقع فيها الهجوم، ويركز على الانقسامات بين قادة الثورة (رسالة محساس الشهيرة التي وقعت بين أيادي العدو الفرنسي عقب انتهاء معركة “الجرف”)، ومحاولات جاك سوستيل خلق قوة ثالثة بغية كسر الثورة وجبهة وجيش التحرير الوطني. ويسرد تفاصيل كثيرة عن النقاش المطول الذي دار بينه وبين زيغوت بشأن الهجوم الذي تقرر يوم 20 أوت 1955 على الساعة منتصف النهار.

وفي فصل بعنوان “تنظيم الشعب”، يتوقف مطولا عند الاتصالات التي كانت تجري بين قادة المناطق لعقد مؤتمر كبير، للفصل في قيادة موحدة للثورة، دون الخروج عن الإطار المرسوم في بيان أول نوفمبر، على حد تعبيره، والاتصالات التي جرت بين عبان وزيغوت بشأن المؤتمر (عبر مزهودي، عمارة رشيد ومحفوظ بنون)، ثم تناول ظروف انتقاله رفقة زيغوت إلى ايفري لحضور مؤتمر الصومام. والكتاب فيها سرد مستفيض لظروف انعقاد المؤتمر، ومختلف النقاشات التي دارت أثناء أشغاله، لينتهي عند النقاط التي اختلف فيه ثنائي الولاية الثانية مع بعض قرارات المؤتمر، ضمن فصل جاء بعنوان “منعرج الصومام”. ويتضح أن الخلافات تمحورت حول التحاق التشكيلات السياسية القديمة (العلماء، أنصار فرحات عباس، المركزيين والشيوعيين) بجبهة التحرير الوطني، وتأكيد بن طوبال على فكرة أن القرار النهائي داخل الثورة يجب أن يكون بين “النواة الراديكالية”. كما يقدم شرح مطول لظروف اتخاذ قرار معركة الجزائر، كقرار اتخذته لجنة التنسيق والتنفيذ.

وينتهي الجزء الأول من الكتاب (المذكرات) عند ظروف مغادرة بن طوبال الداخل متوجها نحو “غارديماو” ( تونس)، بعد أن تكفل بقيادة الولاية الثانية عقب استشهاد زيغوت يوسف.