ظلّت أفغانستان منذ غزاها الاتحاد السوفياتي {1979 – 1989} محور ارتكاز مواتية لصناعة ترتيبات وتغييرات عميقة وجذرية في النظام العالمي ؛ فقد تحوّل الغزو السوفياتي إلى أحد محاور استراتيجية الولايات المتحدة والمستعمر الرأسمالي الغربي في الإطاحة به ، وبالقطب الشرقي الاشتراكي بالتبعية . ومن ثمّة ضُبطت الاستراتيجية على ضوء المتغير الجديد  في الجوانب : السياسية والعسكرية والإعلامية والمالية والثقافية والفكرية. فنشأت مرحلة انتقالية يمكن وصفها بــ {الحرب الفاترة } ، فلا هي ساخنة مباشرة ، و لا هي باردة خالصة ؛ هي مزيج من الحربين الساخنة والباردة؛ فأرض المعركة الساخنة خارج أراضى المعسكرين أو الدول الكبرى في القطبين ، لكن السلاح الذي أُديرت به المعركة حتى نهايتها كان سلاح القوى الكبرى  من الكتلتين .

أمّا العنصر البشري فصنفان هما : صنف أصيل {الجنود السوفيات }، والمجاهدون الأفغان، وعنصر ثالث طارىء خارجي على أرض المعركة وشعبها . إنهم المجاهدون العرب والمسلمين الذين انضمّوا  للمجاهدين الأفغان لمواجهة غزو سوفياتي شرس ومتفوق عدة وعتاد ، تحت مظلّة إلحاد الأيديولوجيّة الماركسيّة الشيوعيّة .

فقد التحق آلاف المجاهدين العرب والمسلمين بإخوانهم المجاهدين الأفغان بدافع عقدي إسلامي، التزاما بحكم شرعي إسلامي هو نصرة المسلم لأخيه المسلم، إذا غزا أرضه عدوٌ كافرٌ .

 هنا أُسجّلُ ملاحظة أراها على قدر هامّ من الموضوعيّة، وإحقاق الحقّ في هذه الوقائع التاريخية ، فمن الوفاء للمجاهدين والشّهداء الصّادقين ممّن هبّوا لنصرة إخوانهم المسلمين المجاهدين  الأفغان  المستضعفين من ثاني قوة عسكرية في العالم ، وقدّموا أروع الأمثلة في البطولة والتنكيل بالعدوّ، وسالت دماؤهم زكيّة طاهرة على أرض نائية عنهم جغرافيا ، لكنّها حلّت في قلوبهم بمنزلة الوطن الأم ، بمقتضى قواعد الإيمان والشرع الإسلامي الحنيف . فالتّصوّر الإسلاميّ فيما يخصّ هذه المسألة يقضى بسواء دار الإسلام أنّى كانت لدى المسلم؛ فهي بلاده وأرضه ، يجب أن يهبّ للدفاع عنها متى غزاها العدوّ الكافر . كما هو الحال في فلسطين اليوم ، فقد شهدت تطوع المجاهدين العرب من أكثر البلاد العربية سواء جنودا نظاميين أم متطوّعين .

إذن الجهاد الأفغاني بمشاركة المجاهدين العرب والمسلمين كان جهادا مشروعا إسلاميا ، ووفق القوانين والعهود الدولية .

أما ما نلاحظه اليوم من إلقاء ردءا قاتم السّواد على جهاد اأفغان مساندين من إخوانهم المسلمين العرب لتحرير أرضهم من عدوّ ملحد جائر، فليس سوى رقص خليع في المعبد الصهيوني الرأسمالي المعولم .

لقد كان الجهاد الأفغاني ضدّ المستعمر السوفياتي جهادا مشروعا كما قلنا، تجاوب معه ملايين المسلمين في أصقاع العالم بمشاعر إسلامية صادقة حارّة، ودعوات صادقة بالنصر، وتحرّقت قلوب ملايين المسلمين في أصقاع الأرض لما يلاقيه إخوانهم الأفغان من بطش الغزاة السوفيات.

وقد وافق الحدث الجلل صحوة إسلامية عارمة مشبوبة العواطف الإيمانية ، طُلعة لتغيير الأمة وفق أصول دينها وشريعته، مع اجتهادات علماء مسلمين كبار علما ورؤية وأخلاقا وإيمانا وشجاعة وصدقا مع الله والأمّة؛ اجتهادات محترمة في قضايا العصر ونوازله، وتجديد الخطاب الإسلامي  والرؤى المتنوعة ، وتفاعل  طموح مع قضايا العصر ومتغيراته، فأثمر كلّ هذا أقوى تيّار إسلامي شعبي في أكثر البلاد العربية وكثير من البلاد الإسلامية. فكان من بمقتضى الشريعة وتمثيلا لإرادة الأمة أن أقبل العلماء على مؤازرة قوية للجهاد الأفغاني، والتوعية بحقائق مايجرى في أرض المعركة، والدعوات الصريحة الواثقة لمساندته بالمال والنفس والدعاء والمشاركة الشعورية والعاطفية .

 لكن القوى الغربية استغلّت  إنجازات الجهاد الجبّارة بما يخدم استراتيجيتها للإطاحة بالسوفيات والقطب الاشتراكي ، مستثمرة دراساتها للشخصية الأفغانية ، التي تشبه في وجوه : ماكان عليه الجيل الأول في قوة الإيمان والعقيدة، وصلابة الدين ، والشجاعة الخارقة، وبساطة العيش ، والزهد في مغريات الحضارة المادية، ياختصار  صورة تقريبية للمسلمين في  طور الفطرة الإيمانية والإسلامية الأولى .

وبالموازاة دُرس التّيّار الإسلامي الجارف السّاري في أوصال الأمة، كونه يمثل مظاهر عملية على صحوة أمة ، لا حزبا أو جماعة كما يزيف المزيفون ، راقصوا المعبد.

ومن جهة أخرى على المستوى السياسي ضغطت الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين على حلفائها العرب والمسلمين لتأطير وتوجيه جهود المساندة الماليّة، و حشد المقاتلين المحاهدين من محتلف البلاد العربية، وتكثيف التّوجيه الدّيني للهدف نفسه.

ونسجّل هنا أيضا ملاحظة أخرى هي : أنّ علماء المسلمين الذين أفتوا وحثوا على المشاركة والمساندة قد تصرّفوا وفق واجبهم الشرعي في الموضوع . وليس ذلك منهم بدعة؛فلها سوابق فقهية شرعية في تاريخ المسلمين . فالعدوّ محتلّ كافر ظالم، والمعتدى عليه بلاد إسلامية وشعب مسلم . ولهذا فلن ينال من الحقيقة الإسلامية حقا وأداء واجب ،استغلال عبيد المعبد الصهيوني الرأسمالي ، وأرامل وأيامى الشيوعية البائدة أداء العلماء المسلمين، وتجاوب التيّار الإسلامي الشعبي مع القضية في حيزها {الأفغاني – السوفياتي} .

لكن المكر الاستعماري { الصهيو – رأسمالي} أمكن له بالايهام والتحيّل والاندساس والتّحريف والتزييف استثمار النصر الأفغاني في رصيد العوامل التي أدّت لانهيار السوفيات وإنهاء الكتلة الشرقية .

وعلى المستوى الإسلامي استغلّت اختلالات الأوضاع الداخليةالعربية والإسلامية ، وتناقضاتها الكثيرة، ومشكلاتها العويصة، ونتائج زرع دولة الكيان الصهيويني في قلبها ؛ للدّفع نحو اضطراب وتصادم الأنظمة مع التّيّار الإسلامي  الأقوى والأنفذ  أثرا شعبيا، وبالموازاة تشجيع الخلافات الأفغانية الدّاخلية المفضية لصدامات مسلّحة ، وإثارة مسألة الأفغان العرب ، وضرورة إيجاد حلّ  لهم ، والضغط في اتجاه جلائهم عن بلاد الإفغان لبلدانهم .

وهكذا إلتقى وضعان : إضطرابات داخل بعض الدول العربية والإسلامية  أو نًذر اندلاعها ، وقوى شابّة منتعشة بروح الجهاد المشبوبة بنسائم الجنّة، وما تتوفّر عليه في أعماقها النفسيّة والشّعورية والإيمانية، طاقات قابلة للتوجيه والتأثير والاستقطاب والدفع والإنجذاب، مع انفصالها زمنا ما عن أعماقها الوطنية و متغيراتها الاجتماعية والسياسية  الذي ما فعل  فعله بطبيعة الاغتراب .  

بهذا تكون أفغانستان أو الأصحّ المأساة الأفغانية بمنهجيات الاستغلال الاستعماري المتطوّرة على الدوام  قد أدّت خدمة جليلة لقوّاه المتحفزة لتوسيع وتنويع هيمنتها بما يلبى استراتيجياتها الكبرى اقتصاديا وماليا وقيما خادمة لهما .

فانبعثت ظاهرة تنظيم القاعدة، بوصفها أول تنظيم عالمي أُريد له تقديم صورة نموذجية للغلوّ الدّيني الإسلامي منسجما مع المشهد العربي الإسلاميّ في ظلّ متغير الصحوة الإسلامية ، ويخدم التّحوّلات العالمية الظّاهرة والخفيّة .

إضافة إلى عوامل كبرى أخرى أهمّها : من قبلُ القضية العراقية ـــــ الكويتية ، و الحرب العالمية على العراق، وما نجم عنها من فرية السلاح المدمّر الشّامل ، وهو ما انتهى إلى احتلاله وتبعاته التي أودت بأقوى قوة عربية عرفها القرن العشرون، وطموح تحرير المنطقة العربية من رجس صهيون.

بكلّ هذه العوامل الظاهرة على أقل تقدير ، وباستغلالها  الماكر، أدّت القضية الأفغانية مهاما جليلة جديدة أهمّها :

  • استزاف الكويت ماليا *.
  • ومن الآثار العميقة لهذه الحدث الكبير في تاريخ العلاقات العربية ، بالنّسبة للعراق  سلسلة التّدمير المبرمج الذي انتهى بالعراق المهيب إلى ما  انتهى إليه مما يدمى قلب كل عربي وسلم يفقه المركز الحضاري للعراق في التاريخ البشرية والحضارة .أما بالنسبة لأثره العميق على الكويت ، فقد أصاب طموحه الحكيم في التقدّم والإزدهار بتمشي منهجي متوازن هادىء واعد بنموذج يُحتذى في منطقة الخليج بخصوصياته المجتمعية في المقام الأول؛  فلو قُدّر له الاستمرار في سياقه التاريخي، ومقدّراته، واستقراره، لكان له تأثير قويّ في منطقة الخليج قاطبة، على ضوء تطورات النظم السياسية العالمية .
  • كما أثّر في دولة الكويت من جهة نشاط إنساني بعيد التأثير في كينونة البشر، ونسج العلاقات بينهم  بروابط من نسيجهم النفسي والشعوري، وهو العمل الخيري ، الذي شيدته الكويت دولة ومؤسسات خيرية أهلية، فاضت على المسلمين في أصقاع الأرض بالخير والبركات، وكانت تتطلّع لتطويره إلى نموذج إسلامي عالمي للعمل الخيري الذي يمتاح قيمه، وتوجيهاتها، وطاقته الدافقة من الإسلام عقيدة وشريعة ، وأثر من عبق تاريخ الكرم والنجدة العربية العتيدة، الراسخة في جذور الزمن .

أما الإنجاز الأكبر للقضيّة الأفغانية بآليات الاستغلال {الصهيورأسمالي} بعد سقوط السّوفيات والكتلة الشرقية، هو أحداث الحادى عشر سبتمبر 2001 المشؤومة؛ إذ أعادت أفغانستان إلى وضعها الاستعماري البغيض، وأطلقت منظومة  عهد الإرهاب العالمي المنسوب للإسلام ، الذي أخذت مراكز الاستعمار الجديد  تستنسخ من خلايا جسمه الأم نماذج شبيهة بالأصل أو متحورة على هذا النحو أو ذاك بما يناسب الوظيفة والمتغييرات، وتدمج مثلا في ضرورات إعادة هيكلة نظام عالمي جديد . ومن وظائفها بطبيعة الحال، شلُّ قوى التحرّر والتقدّم، وقمع أجهزة مناعتها بإبقائها مستقرّة ـــ في أفضل الأحوال  في وضع شبيه بالموت الدماغي. ونشير هنا بصفة خاصّة إلى المهمّة التي أنجزتها القضيّة الأفغانية ولعنتها المصنوعة، ما صار بمثابة {المتلازمة السعودية}؛ فكلّما أصيب صقع بجائحة الإرهاب فيه عنصر مسلم، استدارت النظرات الشزرة نحو مكّة والمدينة ونجد. لقد فُتح دفتر أفغانستان ، وأُخرجت منه ملازم فتاوى الجهاد ، وجمع الأموال له، وإنشاء مركز جمع وتسفير المجاهدين، وتشجيع الحركات الإسلاميّة في العالمين العربي والإسلامي لتوفير المدد البشري اللاّزم.

فترتّب على كل هذا وضع المملكة تحت  الضغط العالي، بفضل الهجوم الإعلامي المحترف، والدهاء السياسي الغربي، فأفضى بصورة مباشرة على مستوى المملكة إلى نتائج أبرزها :

  • وضع مؤسساتها الدينية في واجهة المسؤولية على هذا المولود العالمي المارد
  • الهجوم الكاسح الشرس على منظومتها التعليمية ومناهجها، ودورها المزعوم في تخريج الوباء العالمي {الإرهاب الدولي} المنسوب للإسلام .
  • الهجوم الشرس على المؤسسات الخيرية، والاتهامات الصريحة المباشرة لبعضها في ظلوعها في تمويل القاعدة، ومنفذي أحداث سبتمبر .
  • أخذ مجتمع ودولة كاملين بجريرة منفذي الأحداث.

فتحولت هذه الحزمة المدروسة بعناية شديدة إلى أداوات ابتزاز وترهيب للملكة، أعاقتها عن توظيف وطلاقة  جميع طاقاتها المادّية والمعنويّة لرؤية تنموية، فأسفرت عن جملة من النتائج  نوجزها في حرمان المملكة العربية السعودية من إنجاز برنامج قيادي حكيم للعرب والمسلمين ، باستنبات وتوجيه وتطوير عناصر فعّالة في الجسم العربي ابتداء  ثم تشبيكي مع العالم الإسلامي .

والسؤال الجديد  بعد التطورات الجذرية في القضيّة الأفغانية، وعودتها لبؤرة الاهتمام العالمي ، من سيُستهدف بها  عربيا ، بحكم السوابق الكثيرة التي تحدثنا عنها ؟

أميل إلى القول : إنها دولة قطر ، كيف ؟ ولماذا ؟

إن دولة قطر قد صاغت من أزمة الحصار عناصر حيوية موجّهة لسياستها الخارجية ، أبرزها حسب الأحداث الأخيرة التي أدّت فيها أدوارا بارزة ؛ العدوان الصهيوني الأخير على غزة، والقضية الأفغانية { استضافتها المفاوضات الأفغانية ، ثم الإجلاء عنها بعد عودة طالبان للحكم } .

العنوان الأبرز لدورها في الملفّين يمكن وسمه بــ { الوساطة السّخيّة} .

أما في نموذج غزّة فوساطته ذات وجهين : الأول الوساطة في حال الهدوء تتولّى فيه {المنحة القطريّة} وساطة سخيّة واضحة، وتفسيرها على وجهين هما : وجه ذاتيّ يتمثّل في كون الوساطة تضامن أخوي مع أكثر المناطق استهدافا بالعدوان الصهيونيّ الحربيّ الشّرس ، والاستهداف بالتضّييق وتفاقم الأزمات الدّاخلية بالحصار وتقلّبات مواقف السلطة الفلسطنية .

ومن الإنصاف التّسليم بمتانة وقوّة وصدق هذا التوجّه التضامنيّ من قطر مع إخوانهم في غزة، وهو ما تؤيّده أدلّة كثيرة منها :

  • الرابطة الطبيعيّة من أخوّة الدّين والعروبة . 
  • التماهي الكبير بين العقيدة السياسية القطرية  وحكومة حماس، الذي يترجمه بوضوح احتضانها أكثر قيادات حماس البارزين بعد المأساة السورية .
  • المكانة المميّزة التي يحظى بها الفلسطنييون في قطر كما يعرف هذا كلّ من أقام في قطر . وهي حالة لها تفسيرها الاجتماعي؛ فالمجتمع القطري يدين بفضل كبير للفلسطنيين في تأسيس التّعليم في قطر، وأداء أدوار كبيرة  في مساره .
  • سخاء القطريين كسائر شعوب الخليج العربي في التبرّع في وجوه الخير، ومنه دعم الشعوب المستضعفة، خاصّة  العرب والمسلمين . ونستشهد هنا بالدعم السخي للثورة الجزائرية ماليا والمساندة السياسية *      {كتاب الدعم الدولي للثورة، ومذكرات توفيق المدني وغيرهما } .

أما الوجه الآخر فهو أثر هذه المساعدات وجهود الإعمار في غزّة :  يؤدّى استمرارها إلى قدر من تخفيف ضغوط العدو الصهيوني ، وغيره على القطاع ، وحكومته للاستفادة منه في أحوال الحرب والتفاوض للتهدئة ، التي برزت في عدوان الكيان الصهيوني المتكرّر ومنه العداون الأخير على غزة . وقد  تعزّزت جهود التّهدئة هذه بعودة العلاقات القطرية المصرية بعد إنهاء أزمة الحصار . وتبرز أهمية هذه الجهود المتضافرة في كونها من الناحية الواقعية مرحليا مخرج ناجع للوضع في غزة .

أما النموذج الثاني فوساطتها السخيّة في المفاوضات الأفغانيّة التي استضافتها الدّوحة وانطلقت في 12 سبتمبر/أيلول 2020،ثم عمليات الإجلاء عن أفغانستان  بعد استيلاء طالبان على السّلطة، والإنسحاب الأمريكي منها ، وما نجم عن الوضع الجديد من موجات هروب وجلاء واسعين ، فكان ـــــــ إذن ـــ  لقطر بأسطولها الجويّ التّجاريّ الكبير الباع الأطول فيما يشبه جسورا جويّة متلاحقة للإجلاء، والإيواء المرحليّ في مراكز ومجمّعات سكنيّة راقية تتوفّر على أفضل شروط السكن ورفاهيته، كما أبرزتها وسائل الإعلام .

الظاهر من كلّ هذا أن قطر توظّف مقدراتها المالية وإمكاناتها المتنوعة لتعزيز وتمتين روابط مع الحليف الاستراتيجي الأكبر لدول الخليج، لتأمين ظروف مناسبة لطموحات كثيرة منها : البروز المميّز على السّاحة الدّوليّة، بصفة دولة محورية في النزاعات  متى اتّجهت إلى مسارات التّفاوض ، فتكون بمثابة النّموذج النّرويجي، بخصوصيّة قطريّة متماهيّة مع قيمها، وإمكاناتها .

ومن طموحاتها المرجوّة -فيما يبدو – تجذّرها في مهّمة الوساطات الدّوليّة الكبرى ممّا تراهن على أنّه سيضمن لها ما يشبه الحصانة المعزّزة دوليا من أوضاع مشابهة للحصار الذي كاد في بعض أدواره أن يتطوّر إلى اجتياح عسكري، وتغيير نظام الحكم أو ربما الاستيلاء والضمّ .

وربما تتطلّع للأمن من تداول الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السّلطة في الولايات المتحدة، ومؤشرات على فرض تكرار الحالة الترامبية أو أشدّ؛ نظرا لاستفحال ظاهرة اليمين العنصري الأبيض في مفاصل السياسة الأمريكيّة، فربّما تحتاط قطر بوظيفة {الوساطة السخية}، للتّخفيف من حدّة محتملة لموقف أمريكي مساند أو مشجّع لخصومها التقليديين  في المنطقة . ونكتفى بالبعد السياسي لأنّه  مجال حديثنا هنا .

   فكيف تُستهدف قطر مع كلّ هذا من خلال رمزية القضية الأفغانية، في هذا التقدير لترتيبات معدّة

أو محتلمة أو مفاجئة تأتي بها الأحداث ؟

تتميّز قطر في المشهد العربيّ الحاليّ بالمواصفات الآتي ذكرها :

  • القوّة الماليّة المستقرّة رغم الأزمات الماليّة الكثيرة التي كادت تعصف بدول شبيهة اقتصاديا ــ
  • العناد والصّبر إزاء محاولات الإكراه على التخلّي عمّا تعدُّه من أركان هويتها السّياسيّة ، مع ضمان نجاح مسار تحقيق منزلة خاصّة على السّاحة الدوليّة {مخرجات الحصار نموذجا }ـ.
  • الحضن الدّافىء لقيّادة حماس، والنصير العملي المؤازر ماديّا وسياسيا واستراتيجيا لغزة التى صارت بمثابة كبسولة ضفط فيها الاستيطان الصهيوني كلّ أنماط ممارساته الوحشية ــــ ـ
  • أنّها ـ عرّاب الربيع العربي على تباين في المواقف من هذا الدور بين مدين، ومجرّم، ومقدّر .
  • حاضنة مؤسّسات صناعة الدّيمقراطية  في الوطن العربي في نسختها الأمريكية وفق مخطّطات مؤسّسات كبرى فعّالة { مركز الجزيرة للأبحاث ــــ ـــــ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات مثلا} .
  • النّصير  الأبرز  لتيارات إسلامية { الإخوان المسلمين } في المنطقة العربية .

ونشير هنا أيضا إلى أن الإعلام والتحليلات السياسية لا تحاول أو تتجاهل البعد التاريخي والاجتماعي لهذه النُّصرة والاحتضان والدّعم؛ فالمجتمع القطري يدين لحركة الإخوان المسلمين بفضل  إسهام فعّال في مسار التعليم في قطر ، ونشر وعي إسلامي معاصر متوازن ومعتدل . والتهيئة لبناء مجتمع ودولة إسلاميّة تحفظ الأصول والتّراث والمبادىء والقيّم مع انفتاح واعى وحكيم على العصر ومنجزاته الحضاريّة .

أخيرا يمكن وصف قطر أنها مبتكرة {أرجوحة الديمقراطية}  في العالم العربي ؛ فكلّ من أراد تغييرا ما

 و ديمقراطية ما ، أو  أريدتا  له، ركب أو  أُركب أرجوحة قناة الجزيرة  تعلو به أو تنخفض، بحسب تطوّر وتمشّي قضيّته .

مع كلّ ما تقدّم فقد تبدو  قطر حليفا سياسيا للدّيمقراطيين وللرئيس بايدن تحديدا أكثر منها حليفا للولايات المتحدة الأمريكية، كما تشى به مؤشرات كثيرة منها :

ــــــ موقف الرئيس ترامب من حصار  قطر ؛ إذ بدا في أكثر مراحله يتراوح بين المؤيد ضمنيّا حينا ، والمتفرّج المنتظر  حدثا ما ربّما يرغب فيه حينا آخر، و غير المكترث ثالثا ، وأخيرا مساندا لحلّ الأزمة .

ومن المؤثّرات القويّة على ما قد يفسّر أنّه تحالف مع الدّيمقراطيين الدّور  الّذي لعبته  ذراع قطر الإعلامية القوية ؛قناة الجزيرة الأصلية والإنجليزية؛ إذ بدت في تغطيتها للانتخابات الأمريكيّة الأخيرة بمثابة قناة أمريكيّة، كثيرا ما فضحت رسائلها الإعلاميّة اصطفافها في المعسكر الدّيمقراطي.

وفي كل ّالأحوال لا تخفى المساندة القطريّة للدّيمقراطيين {انتخابات : ترامب ـــ هيلاري كلنتون نموذجا} .

ونظرا للحيثيات الآتي ذكرها :

  • أن الجسم السياسيّ الأمريكي بدأ يتّجه إلى ما يشبه موت خلايا فيه غير قابلة للتّجدّد، وهو الذي بدا واضحا جليا في الانتخابات الأمريكيّة الأخيرة ، بتوسّع النّزعة اليمينية العنصريّة البيضاء ، وتجذّرها

في الجسم الأمريكي،ستكون له آثاره المباشرة  البالغة مستقبلا على انجازات يعدُّها الدّيمقراطيون كبيرة ، منها الانسحاب من أفغانستان، وضمن لعبة تصفيّة الحسابات، لن ينجو طرف رئيس أسهم  في إدارة الأزمة ولو بوساطة سخيّة لم يخسر  فيه الطرف الأصيل سنتا واحدا ، لن ينجو من شرر الحساب الذي تغذّيه نار العنصرية، ولوبيات الدّعم وفي مقدّمتها اللّوبي الصهيونيّ.

وعلى هذا الخطّ سيعود مجدّدا مسار استكمال الولايات المتحدة ترتيبات الهيمنة الإسرائلية النهائية على فلسطين حسب ما بذله ترامب ، وفق مخطط كوشنر  ينهى كل الحلول الدولية السابقة للقضية بما فيه حلّ الدولتين .

وهنا سيُفتح دفتر  ابتزاز  قطر  ووضعها في مرمى بطش {الضغط العالي}، ويُشرع في إخراج أضابير  و ملازم كثيرة لهذا الغرض من أهمها :

  • دور  قطر في المأساة السورية، والوضع اللّيبي، واحتضان قادة حماس، وإخراج المنحة القطرية عن أهدافها إلى الاتهام بدعم المقاومة { الإرهاب في المصطلح الأمريكي }،  الأمر الذي تثيره مشاغبات الكيان حينا وحينا حولها بهذه الحجّة . فتدخل قطر مجدّدا قفص الاتهام الذي برزت دعاواه خلال الحصار، ويضاف لها نار  انتقام لوبيات الضغط الكبرى في الولايات المتحدة بسبب ما تعدّه فقدا للثروات التي تكتنزها أفغانستان تبعا للانسحاب الأمريكي** .

وبهذا قد تصيب {لعنة أفغانستان} هدفا عربيا جديدا كان محلّ تربص به، فنخسر نموذجا لتجربة مثيرة للجدل  عربيا والسخط أحيانا ، إلا أنها  عكست طموحا وتطلّعا لإنجاز نموذج دولة تدخل العصر بمنطقه السياسي والعلمي وتنظيماته،بمعايير دولية دقيقة، وصارمة أحيانا كثيرة، مع رسوخ أقدامها في خصوصياتها العربية والإسلامية .

______________________

* فحسب أفضل الإحصاءات المتوافرة …  بالنسبة للغزو العراقي للكويت في آب (أغسطس) من عام 1990. وحسب تقارير منسوبة للكونجرس الأمريكي، بلغت تكلفة الحرب بالنسبة للولايات المتحدة نحو 61 مليار دولار. بيد أنه حصلت واشنطن على مساعدات مالية وعينية مثل النفط والأكل بقيمة 52 مليار دولار من دول مجلس التعاون بينها 36 مليار دولار من الكويت وحدها” ،  د.جاسم حسين “تكلفة الحروب في الخليج “؛ صحيفة الاقتصادية، 19/6/2009      

 **أنظر ،

تقرير إسباني: القوى العظمى تطمع في ثروات أفغانستان بعد ــ

https://www.aljazeera.net

ما حجم ثروات أفغانستان ولماذا تشبهها الولايات المتحدة بالسعودية؟

https://arabic.rt.com

ثروة أفغانستان بالأرقام.. كنزٌ يفوق التوقعات

https://akhbaralaan.shorthandstories.com ›