حسام إبراهيم – المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

رغم تردد الرئيس “ترامب” خلال الشهور الأخيرة في اتخاذ موقف قوي وحاسم تجاه الممارسات والاستفزازات الإيرانية في المنطقة؛ إلا أنه اتخذ يوم الخميس 2 يناير 2020 قرارًا بتوجيه وزارة الدفاع الأمريكية للقيام بعملية عسكرية محدودة لاغتيال “قاسم سليماني”، قائد قوات فيلق القدس الإيراني. هذا القرار الذي ستكون له تداعيات كثيرة، سواء على المستوى الإقليمي أو على مستوى السياسة الأمريكية تجاه المنطقة؛ يُعتبر أكثر القرارات المهمة التي اتّخذها الرئيس “ترامب” خلال فترة رئاسته. واستندت حسابات الرئيس “ترامب” في اتخاذ هذا القرار على المحدِّدات المرتبطة بإدراكه وتصوره حول عددٍ من المتغيرات المرتبطة بتاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية، والتهديدات التي تواجه مصالح بلاده في المنطقة، وتأثيرات ضغوط الوضع الداخلي عليه.

توقيت القرار:

ارتبط توقيت قرار الرئيس “ترامب” بشكل رئيسي بتطورات الأحداث التي جرت داخل الأراضي العراقية خلال الأيام الستة في الفترة من ديسمبر 2019 إلى 2 يناير 2020 (توقيت تنفيذ العملية)، فخلال هذه الفترة كان العراق ساحة لتوتر أمريكي إيراني. وقد بدأ التوتر بين الطرفين بقيام ميليشيات “حزب الله” العراقي بتنفيذ هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية أمريكية “معسكر K1” تقع في كركوك شمال العراق يوم السبت 28 ديسمبر، أسفر عن مقتل متعاقد أمريكي، وإصابة أربعة عسكريين أمريكيين.

أعقب ذلك قيام الولايات المتحدة، يوم الأحد 29 ديسمبر، بتنفيذ ضربات جوية استهدفت خمس قواعد لحزب الله في غرب العراق وشرق سوريا، تضم منشآت قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة، وأدت تلك الضربات إلى مقتل خمسة عشر مقاتلًا من مقاتلي الحزب في العراق بينهم شخصية قيادية وآخرون من سوريا.

وبلغت ذروة الأحداث بين الجانبين بقيام متظاهرين تابعين لميليشيا “حزب الله” العراقي، يوم الاثنين 31 ديسمبر، باقتحام السفارة الأمريكية في بغداد، وقاموا بإحراق العلم الأمريكي، وتحطيم كاميرات المراقبة، وتكسير البوابات الأمنية في محيط السفارة، وَمَنَعَ تدخل قوات الأمن تطور اقتحام السفارة إلى احتلالها، فيما يشبه تكرارًا لسيناريو احتلال السفارة الأمريكية في طهران يوم 4 نوفمبر 1979 بعد الثورة الإيرانية.

مشاورات اتخاذ القرار : 

اتخذ الرئيس “ترامب” قراره باغتيال “قاسم سليماني” بعد لقاء عقده، يوم الخميس 2 يناير، بمقر إقامته الخاص في منتجع “مارالاغو” بولاية فلوريدا، مع فريق الأمن القومي ومسؤولين أمريكيين، والذين عرضوا عليه خططًا للتعامل مع الموقف بعد حادث اقتحام السفارة في بغداد. فقد أجرى “ترامب” مشاورات مع “روبرت أورين” مستشار الأمن القومي، و”مايك بومبيو” وزير الخارجية، و”مارك إسبر” وزير الدفاع، و”جينا هاسبل” مديرة وكالة الاستخبارات المركزية، و”ميك مولفاني” القائم بأعمال رئيس طاقم موظفي البيت الأبيض، و”إريك أولاند” مسؤول الاتصال التشريعي للرئيس.

وخلال المشاورات عُرِضَتْ على الرئيس “ترامب” معلومات استخباراتية بشأن عمليات خطط “قاسم سليماني” لتنفيذها ضد المصالح الأمريكية في المنطقة، وتحديدًا في سوريا ولبنان والعراق، يتم خلالها استهداف أهداف ومصالح ومدنيين أمريكيين، وقدمت له بدائل للتعامل مع الموقف من بينها الهجمات على السفن الإيرانية، أو بطاريات الصواريخ، أو الميليشيات الإيرانية في العراق. أحد البدائل التي طُرحت يتعلق بتنفيذ عملية عسكرية لاغتيال “قاسم سليماني”، وكانت هناك وجهتا نظر: 

1- وجهة النظر الأولى: تشكك في الأسس المنطقية للقيام بعملية لاغتيال “سليماني”، خاصةً وأن المعلومات الاستخباراتية كانت تشير إلى أن “سليماني” لم يحصل بعد على موافقة المرشد الإيراني على العمليات التي خطط لها ضد المصالح الأمريكية، فقد طلب المرشد حضور “سليماني” لطهران لإجراء المزيد من المناقشات حول الموضوع، وذلك قبل أسبوع من عملية الاغتيال.

2- وجهة النظر الثانية: تؤكد ضرورة القيام بالعملية، لأن عدم القيام برد فعل قوي في مواجهة التصعيد الإيراني قد يُفسَّر بأنه ضعف أمريكي، ودعم وجهة النظر تلك مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية، وفي ضوء ذلك خَلُص “ترامب” إلى تبني وجهة النظر الثانية، واتخاذ القرار بتنفيذ العملية.

محدِّدات القرار:

بشكل عام يمكن القول، إن المحددات التي دفعت الرئيس “ترامب” لاتخاذ قرار اغتيال “سليماني”، تتمثل في الجوانب التالية:

1- العوامل النفسية والسلوكية: يُعرَف عن الرئيس “ترامب” أنه قائد يتأثر بالمشاهد والصور التلفزيونية، ومن هذا المنطلق أدت الصور التي شاهدها للمتظاهرين من ميليشيات “حزب الله” العراقي وهم يقتحمون السفارة الأمريكية في بغداد، إلى ترسيخ قناعة شخصية لديه بأن سيناريو اقتحام السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 يمكن أن يتكرر مرة أخرى. فقد أدت العوامل النفسية ومدركات “ترامب” لتاريخ هذه الحادثة التي تعد لحظة مفصلية في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، لأن يتحرك لمنع تكرار هذا السيناريو، والقضاء على “سليماني” باعتباره الشخص الذي يقود الأحداث من وراء الستار داخل الأراضي العراقية.

2- تجاوز إيران خطوط “ترامب” الحمراء: رغم كافة الاستفزازات التي قام بها الحرس الثوري الإيراني بعد قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيفه منظمةً إرهابية في أبريل عام 2019، وتحديدًا قيامه بالاعتداء على ناقلات النفط والمنشآت النفطية في المنطقة؛ إلا أن الرئيس “ترامب” لم يتخذ قرارًا بموقف قوي أو حاسم للرد على الاستفزازات الإيرانية، بل إنه عطل في اللحظات الأخيرة أية خطط للقيام بعمل عسكري ضد أهداف إيرانية بعد الهجمات على منشآت النفط في بقيق وهجرة خريص بالسعودية يوم 18 سبتمبر.

ويعود عدم قيام “ترامب” بأي تحرك قوي، إلى أنه أعلن في السابق أنه لن يتحرك إلا إذا تعرضت حياة الأمريكيين للخطر، ومن ثم فإن الاعتداء على “معسكرK1 ” في كركوك ومقتل متعاقد أمريكي وإصابة جنود أمريكيين، مثّل بداية التحدي لـ”ترامب”، فالرئيس الذي أكد أنه سيتحرك إذا تم الهجوم على أهداف أو مواطنين أمريكيين، اعتبر أن ما حدث في كركوك وبغداد تطور لا يمكن التغاضي عنه.

3- تحرك استباقيّ لإحباط عمليات خطط لها “سليماني” ضد المصالح الأمريكية: بعد تنفيذ عملية اغتيال “قاسم سليماني”، تصاعدت الانتقادات داخل الدوائر الأمريكية ضد قرار الرئيس “ترامب”، سواء من مرشحي الرئاسة الديمقراطيين، أو الأعضاء البارزين في الكونجرس من الديمقراطيين أيضًا، أو من وسائل إعلام ومراكز فكر أمريكية مؤثرة. وركزت تلك الانتقادات على أن “قاسم سليماني” ربما هو المسؤول عن موت الآلاف من الأبرياء في المنطقة، وربما يستحق مصيره، لكن اغتياله قد يفتح الباب أمام تهديدات خطيرة للأمن القومي الأمريكي.

وردًّا على تلك الانتقادات، تبنت الإدارة موقفًا دفاعيًّا، وتحدث أعلى المسؤولين فيها (الرئيس “ترامب”، ووزير الخارجية، ومستشار الأمن القومي، ورئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة) في خطب رسمية وتصريحات لوسائل الإعلام، عن أن عملية قتل “سليماني” هي عملية دفاعية قامت بها الولايات المتحدة لإحباط وتعطيل عمليات إرهابية كان يخطط “سليماني” للقيام بها ضد المصالح الأمريكية في سوريا ولبنان والعراق.

ورغم عدم نشر وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية أية تفاصيل عن الخطط التي تحدث عنها المسؤولون الأمريكيون؛ إلا أن وكالة “رويترز” الإخبارية البريطانية نشرت يوم 4 يناير تقريرًا أشارت فيه -نقلًا عن مصادر خاصة- إلى أن “قاسم سليماني” عقد في شهر أكتوبر عام 2019 اجتماعًا مع قادة الميليشيات الشيعية المسلحة في العراق، وجههم فيه بتكثيف الهجمات على أهداف أمريكية داخل العراق باستخدام أسلحة متطورة جديدة قدمتها لهم إيران، منها صواريخ كاتيوشا، وصواريخ تُطلق من على الكتف يمكن أن تُسقط طائرات هليكوبتر، وذلك من خلال معبرين حدوديين.

4- تأكيد الردع الأمريكي: يرجع جزء من حسابات الرئيس “ترامب” في اتخاذ قرار اغتيال “سليماني”، إلى ضرورة قيام الولايات المتحدة برد قوي وعنيف على حادثي الهجوم على القاعدة العسكرية في كركوك وحادث اقتحام السفارة. فـ”ترامب” وتحت ضغط من تدفق المعلومات عليه، وضغوط المتشددين في فريق الأمن القومي، وتقديره الشخصي للموقف؛ خَلُص إلى ضرورة القيام بعمل قوي ضد إيران، وهذا العمل يتمثل في استهداف وقتل أقوى قيادات المؤسسة العسكرية الإيرانية، الرجل المسؤول عن هجوم كركوك واقتحام السفارة، وعن تمدد النفوذ الشيعي الإيراني في الشرق الأوسط بالعراق وسوريا ولبنان واليمن. كما خَلُص “ترامب” إلى أن هذه الضربة ستؤكد قدرةَ الولايات المتحدة الأمريكية على التصرف وبقوة حينما يجري تهديد للأمريكيين أو للمصالح الأمريكية. وقد أكد الرئيس “ترامب” في خطاب مساء يوم الجمعة 2 يناير، في نفس يوم تنفيذ العملية، أن بلاده مستعدة وجاهزة لاتخاذ أية خطوات يتطلبها الموقف إذا تعرض الأمريكيون أو المصالح الأمريكية لخطر. 

5- الموقف الداخلي: واجه الرئيس “ترامب” خلال الشهور الأخيرة انتقادات داخلية واسعة، سواء من الديمقراطيين أو حلفائه من الجمهوريين، أو من الدوائر الإعلامية والفكرية، وذلك بسبب السياسات الأمريكية المرتبكة في الشرق الأوسط. فمن ناحية، قام بتصعيد الموقف مع تركيا بعد إعلان نيتها شن عملية عسكرية داخل الأراضي السورية، وأعلن عن فرض عقوبات، وبعد العملية قام فعليًّا بالتوصل إلى اتفاق مع الأتراك وقام بتعليق العقوبات، وتخلى عن الأكراد في سوريا الذين دعموا الولايات المتحدة في حربها ضد “داعش”. وفي ملف آخر وبعد عدة جولات من المفاوضات مع طالبان، أعلن “ترامب” وقف المفاوضات معهم قبل لقاء كان محددًا سلفًا عقده في منتجع كامب ديفيد لإطلاق مفاوضات سلام بين طالبان والحكومة الأفغانية. يُضاف إلى ذلك تردده في اتخاذ موقف ضد إيران بسبب حوادث الاعتداء على ناقلات ومنشآت النفط في المنطقة. وكل ذلك أفضى إلى عدم الثقة في “ترامب” وسياساته الخارجية، الأمر الذي كان جزءًا من حساباته في اتخاذ قرار اغتيال “سليماني”، وهو أن يظهر بصورة القائد القوي غير المرتبك.

يُضاف إلى ما سبق، أن “ترامب” يواجه أيضًا موقفًا ضاغطًا في الداخل، سواء بسبب الإجراءات القانونية لعزله، والتي تمت الموافقة عليها في مجلس النواب، وستنتقل إلى مجلس الشيوخ خلال الأسابيع القادمة، أو بسبب ضغوط الحملة الانتخابية والاستعدادات لانتخابات الرئاسة في نوفمبر 2020. ورغم أنّ هذا المحدِّد الداخلي (إجراءات العزل، والانتخابات الرئاسية) جزء من حسابات “ترامب”، لكن لا يمكن التعويل عليه بشكل رئيسي في تقييم دوافعه لاتخاذ قرار الاغتيال.

الخلاصة، يمكن القول إن قرار الرئيس “ترامب” المفاجئ بإصدار توجيهات لوزارة الدفاع بتنفيذ عملية عسكرية محدودة لاغتيال “سليماني”، جاء في إطار محدِّدات ارتبطت بإدراكه وتصوراته كصانع قرار، والمعلومات المتاحة أمامه بعد تعرض السفارة الأمريكية في بغداد للاقتحام، فدروس التاريخ والتأثيرات النفسية لحادث اقتحام السفارة الأمريكية في طهران بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وغيرها من المحدِّدات، هي التي حكمت هذا القرار الذي سيفتح الباب أمام مشهد أكثر تعقيدًا ولا يمكن التنبؤ بمساراته، بدءًا مع مطلع عام 2020، ومن المحتمل أن يستمر طويلًا.

Print Friendly, PDF & Email