في ظل التطورات المتسارعة للحرب الأوكرانية، وردود الأفعال الدولية المختلفة، فإن ثمة دلائل متعددة على تبني لندن نهجاً تصعيدياً لافتاً ضد موسكو في الأزمة الحالية؛ الأمر الذي لم يُعد يقتصر على مجرد المواقف الدبلوماسية والاقتصادية، بل بدا واضحاً سعي لندن إلى حشد وقيادة القوى الغربية في معاقبة موسكو؛ الأمر الذي وصل إلى حد التلويح بطرد روسيا من مجلس الأمن الدولي. ولا ينفصل الأمر، بحال من الأحوال، عن الارتباط الوثيق بين توجهات السياسة الخارجية لكل من لندن وواشنطن، والخشية من تغيير موازين القوى الدولية، بالإضافة إلى تطلُّع الحكومة البريطانية إلى ملء فراغ القيادة في أوروبا، والسعي إلى تعزيز لحمة وقوة الناتو، لا سيما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما يرتبط النهج التصعيدي للحكومة البريطانية بمحاولة التغطية على المشاكل والأزمات الداخلية، والسعي إلى تغيير “الصورة الذهنية” التي ربما لحقت ببريطانيا في الفترة الأخيرة، عن طريق الترويج لدعم الديمقراطيات والشعوب المضطهدة.

نهج تصعيدي

يُمكن تناول أبرز مؤشرات التصعيد البريطاني اللافت ضد روسيا في الأزمة الحالية؛ وذلك على النحو التالي:

1– قيادة وتحفيز أوروبا على التصعيد ضد موسكو: ثمة ملاحظة أساسية على سلوك بريطانيا في الأزمة الحالية؛ حيث لم تكتفِ بريطانيا بفرض أقصى العقوبات على الجانب الروسي، بل بدا أنها تسعى إلى قيادة وتحفيز أوروبا على المضي قدماً في هذا الطريق بلا هوادة! وهو ما تجلَّى في تأكيد رئيس الوزراء البريطاني من بولندا في الأول من مارس الجاري؛ أن “الغرب سيُواصِل الضغط على نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أجلٍ غير مُسمَّى”. يُذكر أن لندن قد شرعت، في وقت مبكر، في فرض حُزم مختلفة من العقوبات ضد روسيا، استهدفت الشركات الروسية وصادرات التكنولوجيا ورجال الأعمال، كما تم الإعلان عن عزل البنوك الروسية بالكامل عن النظام المالي البريطاني.

2– التلويح بطرد روسيا من مجلس الأمن الدولي: بعد إخفاق الغرب في إدانة موسكو بمجلس الأمن الدولي، أشار الناطق باسم رئيس الوزراء بوريس جونسون، يوم الثلاثاء 1 مارس الجاري؛ إلى أن لندن منفتحة لمناقشة فكرة إبعاد روسيا من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، بعد غزو أوكرانيا، لافتاً إلى أن كل الخيارات مفتوحة لعزل روسيا دبلوماسيّاً. يأتي هذا بعد يومين من تأكيد رئيس الوزراء البريطاني الحاجة إلى “عزل تام لروسيا دبلوماسيّاً وماليّاً”. ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة تصريحات مشابهة من قادة غربيين، بضرورة العمل على استبعاد روسيا من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

3– أسبقية لندن في إعلان الحظر الجوي والبحري على موسكو: في تطور لافت للعقوبات البريطانية على روسيا؛ أعلن وزير النقل البريطاني “جرانت شابس”، يوم  1 مارس الجاري؛ أن بريطانيا “أصبحت للتو أول دولة اعتمدت قانوناً يحظر حظراً تامّاً دخول جميع السفن المتصلة بروسيا إلى الموانئ البريطانية”. جدير بالذكر أن الوزير البريطاني سبق أن أعلن أن حظر السفن البريطانية سوف يشمل جميع السفن التي يمتلكها أو يشرف عليها أو يستأجرها أو يقودها شخص على صلة بموسكو أو شخصيات خاضعة للعقوبات، وترفع العلم الروسي ومُسجَّلة في روسيا. يُذكر أن بريطانيا وكندا كانتا في طليعة الدول التي أعلنت حظر استخدام روسيا مجالَها الجوي؛ حيث تبعهما الاتحاد الأوروبي في إعلان فرض حظر على الرحلات الجوية التابعة للشركات الروسية. ومن ثم يُتوقع أن تخطو دول الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الغربية الأخرى خطى لندن فيما يتعلق بالحظر بالبحري؛ ما يُضاعف تأثير الحرب الاقتصادية التي يشنها الغرب على موسكو.

4– إعلان لندن عن تقديم أسلحة “فتاكة” لكييف: في تصعيد واضح للموقف البريطاني من الحرب الأوكرانية؛ أعلن رئيس الوزراء بوريس جونسون، في 1 مارس الجاري، أن بلاده “مستعدة لإرسال المزيد من الأسلحة الفتاكة إلى أوكرانيا”. يُذكر أن بريطانيا قامت خلال الفترة الماضية بالإعلان عن إرسال آلاف الصواريخ الخفيفة المضادة للدبابات إلى أوكرانيا. ويشمل ذلك صواريخ “لاو إم 72” المضادة للدبابات، وكذلك الجيل الثاني من صواريخ “إن إل إيه دبليو” المضادة للدبابات، بالإضافة إلى منظومات صاروخية أمريكية الصنع من طراز “إف جي إم–148 جافلن”. يأتي هذا بالتوازي مع إعلان العديد من الدول الغربية تقديم دعم عسكري كبير لكييف لمواجهة “الغزو” الروسي.

5– تقليل أهمية الحلول الدبلوماسية مع موسكو: بالرغم من إعلان الكثير من الدول دعمها الحوار بين روسيا وأوكرانيا، واستعدادها لتنظيم محادثات سلام بين الطرفين، فإن لندن لا يبدو أنها تشجع هذا النهج كثيراً، بل ربما تسعى إلى عرقلته. وفي هذا الصدد، وردّاً على سؤال حول إمكانية التوصل إلى تسوية بين أوكرانيا وروسيا لحل الصراع؛ أجاب رئيس الوزراء البريطاني بأن الرئيس الروسي لا يُمكن اعتباره محاوراً مقبولاً بعد الآن. جدير بالذكر أن لندن –بعد ساعات قليلة من الحرب الأوكرانية– قد استدعت السفير الروسي “أندريه كيلين” إلى الخارجية البريطانية؛ حيث تمَّ طرده من لندن بطريقة وُصفت بـ”المُهينة”، بعد نقاش حاد استغرق عشر دقائق فقط مع وزيرة الخارجية البريطانية “ليز تروس”.

6– التشكيك في قدرة الجيش الروسي على حسم المعركة: من المُلاحظ أنه قبل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، فإن لندن وبالاشتراك مع الولايات المتحدة تعمَّدتا تهويل مخاطر التحركات الروسية والحشد العسكري على الحدود الأوكرانية. بيد أنه منذ بدء العمليات الروسية رسميًّا، شككت لندن – باستمرار – في قدرة الجيش الروسي على حسم المعركة بسرعة؛ ففي مطلع مارس الجري، نقلت وكالة رويترز عن الاستخبارات العسكرية البريطانية قولها إن التقدم العسكري الروسي نحو العاصمة كييف يواجه صعوبات لوجستية، كما لفتت وزارة الدفاع البريطانية إلى أن موسكو فشلت في السيطرة على المجال الجوي فوق أوكرانيا؛ الأمر الذي دفعها إلى التحول نحو العمليات الليلية لتقليل الخسائر. جدير بالذكر أن ادعاءات الاستخبارات العسكرية البريطانية تتنافى مع بيانات وزارة الدفاع الروسية، التي تؤكد وجود تفوق جوي روسي كامل على الأراضي الأوكرانية بعد تدمير معظم منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية.

7– إشادة بريطانيا بـ”بطولات” القيادة والجيش الأوكراني: بالتوازي مع تشكيك لندن في قدرات الجيش الروسي، والادعاء بإخفاقه في حسم المعركة بسرعة، يحرص الجانب البريطاني على الإشادة بـ”بطولات” القيادة والجنود الأوكرانيين؛ حيث أشاد رئيس الوزراء البريطاني، في تغريدة على تويتر، بـ”بسالة” الرئيس زيلينسكي والشعب الأوكراني، كما ذكر جونسون، في اتصال هاتفي مع الرئيس الأوكراني، أن بوتين “يواجه مقاومة في أوكرانيا أشد مما توقع”. يأتي هذا فيما ذكر رئيس الاستخبارات العسكرية البريطانية “كين مكالوم”، أن القوات الأوكرانية تُظهر صموداً كبيراً في المعركة.

8– محاولة تضخيم الأزمة الإنسانية الناجمة عن الهجوم الروسي: تُروج الحكومة البريطانية –باستمرار– لسردية وقوع العديد من الضحايا المدنيين في الهجمات العسكرية الروسية، وهو ما يتضح في تقرير الاستخبارات العسكرية البريطانية الصادر في 1 مارس الجاري، الذي يدَّعي استخداماً مكثفاً للمدفعية الروسية في شمال كييف والمناطق المجاورة لتشرنيهيف وخاركيف. يأتي هذا بالتوازي مع تحذير رئيس الوزراء البريطاني من تفاقُم الأزمة الإنسانية في أوكرانيا، لافتاً إلى أن أعداد اللاجئين قد تصل إلى الملايين، وأن بلاده على استعداد لاستقبال اللاجئين من أوكرانيا.

تفسيرات مختلفة

ثمَّة تفسيرات متعددة للتصعيد البريطاني الواضح في الأزمة الأوكرانية الحالية، وهو ما يُمكن تناوله على النحو التالي:

1– تحفيز اصطفاف ووحدة “الناتو”: بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يبدو أن لندن باتت أكثر حرصاً على تعزيز قوة الناتو، ومحاولة لعب دور قيادي في إعادة بناء الحلف؛ الأمر الذي يقلل زخم الدعوات التي صدرت في الآونة الأخيرة من بعض القادة الأوروبيين لتشكيل الاتحاد الأوروبي قوة مستقلة للدفاع عن أوروبا، وهي الدعوات التي جاءت أغلبها من فرنسا، لا سيما بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والإعلان عن اتفاقية “أوكوس” بين واشنطن وكانبرا ولندن، وهو ما أثار حفيظة باريس.

2– التطلع إلى ملء فراغ القيادة في أوروبا: شهدت السياسة الألمانية تحولاً لافتاً في الأسابيع الأخيرة، لا سيما بعد الإعلان عن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا؛ حيث أعلن المستشار الألماني تقديم دعم عسكري لكييف، وتخصيص أكثر من 2% من إجمالي الناتج الداخلي للدفاع سنويّاً، كما تم تخصيص صندوق خاص للجيش الألماني بقيمة 100 مليار يورو لاستخدامه للاستثمارات في مجال الدفاع؛ حيث تُشير بعض التقديرات إلى أن ألمانيا تسعى إلى بناء أقوى جيش في أوروبا، وهو ما بدا مؤخراً في عودة الحديث عن “الخدمة العسكرية الإجبارية” إلى الواجهة في ألمانيا. ومن ثم، يُمكن فهم التصعيد البريطاني إزاء الأزمة الأوكرانية في سياق التنافس مع ألمانيا، وحرص الطرفين على قيادة القارة العجوز في الفترة القادمة، على الرغم من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما يتجلى بوضوح في الزيارات الأخيرة لرئيس الوزراء البريطاني إلى دول أوروبا الشرقية.

3– استنزاف موسكو وعزلها اقتصاديّاً وسياسيّاً: يبدو أن لندن حريصة –كما الولايات المتحدة– على إطالة أمد الحرب الأوكرانية، أملاً في استنزاف موسكو من جانب، وعزلها اقتصاديّاً ودبلوماسيّاً من جانب آخر؛ الأمر الذي يُظهِر في النهاية استمرار قوة ووحدة المعسكر الغربي، وهيمنته على النظام الدولي. وفي هذا الإطار، أكد رئيس الوزراء البريطاني، في الأول من مارس الجاري، أن الرئيس بوتين “لم يُحسن تقدير وحدة وعزيمة الغرب وبقية العالم”، مشدداً على أن الغرب “سيواصل الضغط على نظام الرئيس بوتين إلى أجل غير مسمى”!

4– الهروب إلى الخارج للتغطية على المشاكل الداخلية: تشهد الفترة الحالية تراجعاً حادّاً لشعبية حزب المحافظين بزعامة رئيس الوزراء بوريس جونسون في الداخل البريطاني، فيما يبدو أنه أكبر تراجُع لشعبية الحزب منذ عام 2005. وحسب بعض التقارير، فإن حزب المحافظين ربما يخسر نصف مقاعده إذا تم إجراء الانتخابات في الوقت الحالي. جدير بالذكر أن بوريس جونسون قد تعرض لانتقادات لاذعة خلال الفترة الماضية على خلفية الكشف عن تجمعات اتخذت طابع الحفلات الحاشدة، في مخالفة لقيود الإغلاق التي كانت تسود البلاد لمواجهة جائحة “كوفيد 19″؛ الأمر الذي دفع العديد من الأصوات في الداخل البريطاني إلى المطالبة باستقالة “جونسون”. ومن ثم تُمثل الأزمة الأوكرانية فرصة مواتية للحكومة البريطانية للتغطية على إخفاقات الداخل، بل محاولة بناء رصيد سياسي يُمكن استثماره في التنافس مع حزب العمال الذي ازدادت شعبيته في الآونة الأخيرة.

5– بناء حملة علاقات عامة لصالح بريطانيا: وجَّه رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور، في شهر فبراير الفائت، انتقادات لاذعة للحكومة البريطانية بسبب أدائها، قائلاً بأن “سمعتنا في الخارج تراجعت بسبب سلوكنا.. إننا نُضعف نفوذنا في العالم”، مضيفاً أن “الثقة الدولية قد لا يكون من السهل استعادتها”. يأتي هذا فيما تعرضت العائلة المالكة في بريطانيا في الفترة الأخيرة لـ”فضيحة أخلاقية”، بعد اتهامات للأمير أندرو نجل الملكة إليزابيث الثانية، بالتورط في “قضية جنسية”. ومن ثم يبدو أن المؤسسة الحاكمة في بريطانيا تحاول إعادة بناء “الصورة الذهنية” لبريطانيا باعتبارها داعمة للديمقراطيات والشعوب المضطهدة في العالم؛ وذلك بإبراز الجوانب الإنسانية والمبدئية للموقف البريطاني في الصراع الحالي، والزعم بمحاربة حملات التضليل والقادة المستبدين.

6– تعويل بريطاني على احتياطات الطاقة في بحر الشمال: أدت الحرب الأوكرانية إلى ارتفاع أسعار الطاقة ارتفاعاً قياسيّاً، وسط مخاوف المستثمرين من حدوث اضطرابات في الإمدادات مع تشديد العقوبات الغربية على روسيا. يأتي هذا فيما أعلنت الولايات المتحدة عن سعيها إلى تشجيع الحلفاء على الإفراج عن 30 مليون برميل من مخزونات النفط، فيما أشارت وزارة الطاقة الأمريكية، في الأول من مارس الجاري، إلى أن الولايات المتحدة و30 دولة اتفقت على سحب 60 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية وضخها في الأسواق لتحقيق الاستقرار في أسعار الطاقة.

وبالرغم من ترُّدد بعض الدول الأوروبية في تشديد العقوبات على موسكو خشية ارتدادات سلبية على اقتصاداتها، لا سيما مع الاعتماد الأوروبي الكبير على واردات الغاز الطبيعي الروسية؛ فإن لندن ربما تُعول على الاستفادة من احتياطيات الطاقة في بحر الشمال، في الحد من الارتدادات المتوقعة للعقوبات على موسكو؛ حيث دعت الحكومة البريطانية مؤخراً شركات الغاز والنفط إلى المساعدة على التوصل إلى قواعد حول موعد بدء أعمال الحفر الجديدة، وهو ما دفع الكثير من المنظمات البيئية نحو الدعوة إلى اتخاذ قرار بإنهاء التنقيب عن الغاز والنفط في بحر الشمال. جدير بالذكر أن موارد الطاقة في بحر الشمال تحظى بأهمية استراتيجية لبريطانيا؛ حيث تُساهم في تلبية احتياجات البلاد من الطاقة، بالإضافة إلى توفير الكثير من الموارد الضريبية وفرص العمل.

تصعيد مستمر

وختاماً، ارتبطت توجهات السياسة الخارجية لبريطانيا تقليديّاً بالولايات المتحدة، في ظل تقارب المصالح السياسية والروابط الثقافية والتاريخية. وهذا ما يُعد من العوامل الدافعة لتشدُّد لندن اللافت في الأزمة الأوكرانية الحالية، حتى إن موقفها ربما يسبق الموقف الأمريكي في الكثير من الحالات. وفي ظل خشية لندن وواشنطن من تحول هيكل النظام الدولي على نحو يساهم في تغيير موازين القوى في العالم، وإحياء ما تصفه بعض الدوائر الغربية بـ”الإمبراطورية الروسية”؛ فإن من المتوقع أن تستمر الحكومة البريطانية في مواقفها التصعيدية الحالية ضد موسكو خلال الفترة القادمة.