لماذا تصاعد التنافس الدولي في منطقة القطب الشمالي؟

أعلنت روسيا في منتصف يونيو 2022 عن بدء تنفيذ مشروع “سنيجينكا” للطاقة المتجددة في القطب الشمالي بمفردها؛ وذلك بعد تعليق عضويتها في مجلس “القطب الشمالي” بطلب أمريكي، باعتبار ذلك جزءاً من العقوبات ضدها. وأكدت موسكو أن قرارات المجلس ستصبح “غير شرعية” دون مشاركتها، وسبق لها أن حذرت واشنطن من “خطر صدام غير مقصود مع الناتو في القطب الشمالي”. يأتي هذا في ظل تصاعد التنافس بين موسكو وواشنطن للهيمنة على المنطقة بعد بدء الحرب الأوكرانية التي أنهت حالة الحياد والتعاون الإيجابي السائدة منذ ثلاثة عقود، إثر قرار فنلندا والسويد طلب الانضمام إلى الناتو، فضلاً عن التنافس الروسي الأوروبي للاستفادة من الاحتياطي النفطي الهائل بتلك المنطقة ليصبح بديلاً عن نظيره الروسي الخاضع لعقوبات اقتصادية؛ الأمر الذي يُدخِل القطب الشمالي في حرب باردة جديدة.

أبعاد جيوستراتيجية

تأسَّس مجلس القطب الشمالي عام 1996 بعضوية الدول المُطلِّة على المحيط الشمالي (روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والدنمارك، وفنلندا، وأيسلندا، والنرويج، والسويد) بهدف التعاون في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة للمناطق القطبية، كما يشارك فيه منظمات تمثل السكان الأصليين للمنطقة، و13 دولة بصفة مراقب منها الصين. ولا تشمل اختصاصاته أي بند أمني أو عسكري. ويبلغ عدد سكان المنطقة نحو 4 ملايين نسمة نصفهم من الروس. والتنافس بالمنطقة ليس وليد الحرب الأوكرانية، بل يتصاعد منذ سنوات، نظراً إلى عدة عوامل تتمثل فيما يأتي:

1– الأهمية الاقتصادية للمنطقة: تحتوي الأراضي الجليدية بالقطب الشمالي على 26% من احتياطي النفط والغاز غير المكتشف في العالم، ويُقدَّر بنحو 90 مليار برميل نفط، و50 تريليون م3 غازاً طبيعياً، ونحو 30 تريليون دولار قيمة المعادن النادرة بها. وسرعة ذوبان الجليد سيُعزِّز الفرص لاستخراج هذه الموارد وتطوير المنطقة اقتصادياً؛ حيث ترجِّح الدراسات البيئية أنه بحلول عام 2030 سيذوب الجليد بالكامل خلال فصل الصيف نتيجة ارتفاع درجات الحرارة بالقطب الشمالي؛ ما سيُوجِد مخزوناً كبيراً من المياه العذبة.

2– اتساع مساحة الهيمنة الروسية: يُعَد القطب الشمالي جزءاً من التاريخ والثقافة الروسية؛ لأنها أول من أرسلت بعثات استكشافية إليه. وتمتلك روسيا نصف مساحته وعدد سكانه، وتسعى إلى الهيمنة على المنطقة، مستغلةً تفوقها الاستراتيجي فيها؛ حيث تمتلك 40 كاسحة جليدية، و34 غواصة بحرية، وأسطولاً كاملاً، ولها 7 قواعد عسكرية، ونشرت أنظمة رادار ودفاع صاروخي متطوِّرة، قادرة على استهداف مقاتلات وصواريخ وسفن، مقابل كاسحة واحدة فقط لواشنطن، فضلاً عن البعثات العلمية الروسية المقيمة بالمنطقة.

وتستهدف موسكو ضم المزيد من أراضي المنطقة إليها؛ ففي أغسطس 2015، قدَّمت للأمم المتحدة طلباً لتوسيع حدودها بالقطب الشمالي، ومنها جزء من “مرتفعات لومونوسوف” الغنية بالنفط، التي تزعم كل من الدنمارك وكندا أحقيتها بها. وفي عام 2020، أكد وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” أن “القطب الشمالي منطقة نفوذ روسية”، وحذَّر الغرب من امتلاك طموحات فيه، وهو ما يعكس اقتناع روسيا بأن هيمنتها على القطب الشمالي ستعزز مكانتها الدولية.

3– تنافس عسكري روسي–أمريكي: صنَّفت موسكو، عام 2013، حلف شمال الأطلسي “الناتو” تهديداً رئيسياً للأمن القومي الروسي في القطب الشمالي، وعدَّت ضرورة الاستعداد لمواجهته “أولوية قصوى”، ثم أدرجت في العقيدة العسكرية الروسية ضرورة حماية الموارد الطبيعية في القطب الشمالي، وإبراز وجودها العسكري بإنشاء القيادة الاستراتيجية الشمالية. وقد أدركت واشنطن ضرورة الاهتمام بالقطب الشمالي مؤخراً، وفي مارس 2021، أعلنت استراتيجيتها باسم “استعادة الهيمنة في القطب الشمالي”، التي تشمل عدداً من الأهداف الرئيسية، على غرار إنشاء مقر تشغيلي متعدد المجالات، مع ألوية قتالية مدرَّبة ومجهَّزة، وتحسين الاستعداد في العتاد؛ لتنفيذ عمليات موسَّعة بالمنطقة، وتحسين التدريب الفردي والجماعي، وتحسين نوعية الحياة للجنود والمدنيين والعائلات المقيمين في المنطقة.

4– تزايد اهتمام الصين بالمنطقة: رغم عدم الاتصال الجغرافي، وصفت الصين نفسها بأنها “دولة شبه قطبية شمالية”، وأوضحت أن المنطقة “ليست ضمن الحدود الإقليمية للدول المشاطئة للمحيط؛ لأنها ملك الإنسانية جمعاء”، كما استثمرت نحو 90 مليار دولار خلال (2012 و2017) وفق بيانات أمريكية، وأصدرت وثيقة “سياسة الكتاب الأبيض” لحماية البيئة ودعم الحوكمة وأسس البحث العلمي في المناطق القطبية، وفي يناير 2018 أعلنت عن طموحها إلى إقامة طريق “الحرير القطبي” باعتباره جزءاً من مبادرة “الحزام والطريق”، ووقَّعت على عدة صفقات مع روسيا حول التنمية المتكاملة لتلك المنطقة. كما بنت أول كاسحة جليدية تعمل بالطاقة النووية في القطب الشمالي في 2020. وتهدف الصين من ذلك إلى الاستفادة من موارد الطاقة المتوافرة بالمنطقة، وإرساء نفوذها بالقطب الشمالي باعتبارها من القوى الكبرى المؤثرة فيه.

ارتدادات كييف

(Read more)  انعكاسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على الهجرة والعمالة في بريطانيا

غداة بدء العملية العسكرية الروسية بأوكرانيا في 24 فبراير 2022، أصدر مجلس القطب الشمالي بياناً يصفها بأنها “غير مبررة”، ثم قرر تعليق عضوية روسيا بالمجلس؛ الأمر الذي رفضته موسكو، وأدخل القطب الشمالي في خضم الصدام بين موسكو وواشنطن، وكان له العديد من التداعيات الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1– تصاعد عسكرة القطب الشمالي: سعت موسكو وواشنطن كلتاهما إلى تعزيز وجودهما العسكري في القطب الشمالي، رغم نفي الطرفين حدوث أي مواجهة مسلحة بين “الناتو” وروسيا. فقد حذرت موسكو، نهاية مايو الماضي، من تصاعد النشاط العسكري بالمنطقة التي ستتحوَّل إلى مسرح دولي للعمليات العسكرية إذا انضمَّت فنلندا والسويد إلى “الناتو”؛ ما سيؤدي إلى “فقدان الثقة بين دول المنطقة وتغير النهج التعاوني السائد بينها”. وأعلنت روسيا اتخاذ إجراءات للرد على انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو؛ منها بناء قواعد عسكرية جديدة في الشمال، كما اتهمت فنلندا موسكو بانتهاك مجالها الجوي.

بدوره أوضح رئيس لجنة كبار المسؤولين بالمجلس “نيكولاي كورشونوف”، في 9 يونيو الحالي، أن “مخاطر الأمن في المنطقة القطبية الشمالية ستزداد”، بعد قرار الناتو ضم فنلندا التي ترتبط بالحدود الروسية بنحو 1300 كم؛ لأن نشر قوات للحلف بها سيؤثر على المصالح الروسية وثرواتها في منطقة المحيط المتجمد الشمالي، وعلى تنفيذ مشروع الطريق البحري الشمالي الاستراتيجي لموسكو، وأبدى قلقه من إشراك الناتو أعضاءه في الأنشطة العسكرية بالشمال؛ حيث أجرى الحلف بالنرويج، في مارس الماضي، مناورات “الرد البارد” بمشاركة 27 دولة، وهي أكبر مناورات للحلف بالقطب الشمالي. وحذرت موسكو من اعتبار “بحر البلطيق” بين روسيا وبين (لاتفيا، وإستونيا، وليتوانيا) بحراً داخلياً للحلف؛ لأنه يتجاهل حرية الحركة الملاحية لأسطول روسيا بالبلطيق، وقواعدها العسكرية بسان بطرسبرج وكاليننجراد.

2– تعزيز الاستثمارات الروسية بالمنطقة: في منتصف أبريل الماضي، عقد الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” اجتماعاً حكومياً لتطوير منطقة القطب الشمالي، وأكد أن هناك “فرصاً بديلة أمام روسيا بعد فرض العقوبات الاقتصادية الغربية عليها، ومنها تطوير ممرات النقل، بما فيها الممر الشمالي” عبر خطة حكومية طموحة حتى عام 2035، وقرر تخصيص 10% من إجمالي الاستثمارات الحكومية للشمال؛ حيث يسعى إلى تطوير “ممر بحر الشمال” الملاحي لتصدير النفط والغاز من خلاله، كما قرر مد سكك حديدية بطول 707 كم للقطب الشمالي، وحث الحكومة على سرعة التنفيذ، فضلاً عن توقيع عدد من الاتفاقيات لتطوير المنطقة مع الصين، ثم كلف “بوتين” الحكومة بالموافقة على خطة لتطوير الطريق البحري الشمالي حتى عام 2035.

3– إنشاء كيان بديل لإقصاء روسيا: حذرت موسكو من خطورة إنشاء كيانات بديلة لمجلس القطب الشمالي لإقصاء روسيا منه وإضعاف مكانتها، وأوضحت في 11 مارس الماضي أنها تراقب ما يحدث في مجموعة “البعد الشمالي”، و”مجلس بارنتس”؛ إذ إن رفضهما التعاون معها، يهدد الاستقرار وحسن الجوار بشمال أوروبا؛ لأن الغرب غير قادر على ضمان التنمية المستدامة بالمنطقة دون روسيا. و”البعد الشمالي” هي سياسة مشتركة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا والنرويج وأيسلندا لتطوير التعاون بينهم. أما “مجلس بارنتس” فقد أُسِّس في 1993، ويضم (الدنمارك، وأيسلندا، والنرويج، وروسيا، وفنلندا، والسويد) ويبحث التعاون الإقليمي.

وقد عقدت المجموعتان اجتماعات عدة بدون روسيا منذ بدء الحرب الأوكرانية. وثمة كيان ثالث عسكري هو “قوة المشاة المشتركة”، تأسس في 2012، ويضم (بريطانيا والدنمارك وإستونيا وأيسلندا ولاتفيا، وليتوانيا، وهولندا، والنرويج، وفنلندا، والسويد)، وقد عقدوا قمة في مارس الماضي برئاسة رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” لبحث الأزمة الأوكرانية، ومناورات الناتو الشمالية.

4– ارتفاع حدة المخاوف الإقليمية: سادت حالة من القلق والتوجُّس دول شمال أوروبا بعد الحرب الأوكرانية؛ فقد أعلنت فنلندا في مايو الماضي عزمها بناء سياج حديدي على أجزاء من حدودها مع روسيا لتأمينها، وخشية أن تستخدم موسكو المهاجرين لممارسة ضغط سياسي على هلسنكي، بينما تتخوف من حدوث إجراءات انتقامية من روسيا ضدها إذا انضمت إلى الناتو، مثل هجمات إلكترونية، أو زعزعة الاستقرار الداخلي بها، بينما حذرت الدنمارك من تزايد مخاطر التجسس من جانب روسيا والصين بالقطب الشمالي، وذكَّرت بحادثة تعود إلى عامين؛ حين نشر عملاء روس رسالة مزيفة تؤكد تشجيع واشنطن على إجراء استفتاء على استقلال جرينلاند وجزر الفاو التابعتَين للدنمارك.

5– إنهاء النزاعات بين دول الناتو: شجَّعت قيادة الناتو على إنهاء النزاع بين دولها لتجنُّب استغلاله من قِبل روسيا، ولتوحيد صف الحلف لمواجهة موسكو؛ فقد أُعلن، يوم 13 يونيو الحالي، عن إنهاء النزاع المستمر منذ 5 عقود بين كندا والدنمارك حول السيادة على جزيرة “هانز” غير المأهولة بالقطب الشمالي، ووقَّعت الدولتان رسمياً على اتفاق لتقاسمها؛ ما أدى إلى إنشاء أول حدود برية بين كندا وأوروبا. وأكدت أوتاوا أن “القطب الشمالي منارة للتعاون الدولي وسيادة القانون”.

6– مخاوف من تصاعد النفوذ الصيني: تتخوَّف واشنطن من استغلال الصين الأزمةَ لتعزيز نفوذها بدول الشمال؛ حيث تستثمر بكين المليارات في الموارد المعدنية في جرينلاند، والطاقة الحرارية الأرضية في أيسلندا، وفي مجال المعلومات مع فنلندا، كما تخشى واشنطن من دعم بكين لجزيرة جرينلاند الدنماركية لتقرر الاستقلال عن كوبنهاجن، فتفقد واشنطن نفوذها الاستراتيجي بها، لا سيما أنها تستضيف قاعدة جوية عسكرية مهمة للناتو هي “تولي”.

وفي المجمل، من المرجح أن يصبح القطب الشمالي الساحة المقبلة للتنافس الدولي بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما بعد ضم فنلندا والسويد إلى الناتو. ولن تكون الصين بعيدة عن ذلك التنافس، بل من المتوقع أن تستغله لتعزيز نفوذها الدولي؛ ما سيؤدي إلى التأثير سلباً على الأمن والاستقرار في العالم.

5/5 - (1 صوت واحد)
الصورة الافتراضية
SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا contact@politics-dz.com

المقالات: 12735

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.