منذ إرساء اللبنة الأولى لمشروع التكامل الأوروبي في خمسينيات القرن الماضي – إنشاء اتحاد الحديد والفحم – مثَّل التحالف الفرنسي الألماني حجر الزاوية والمحرك الرئيسي لتطور هذا المشروع وبلورته حتى وصوله للسوق الموحدة ومؤسسات الاتحاد الأوروبي القائمة حالياً، إلا أنه مع اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، وفي ظل التغيرات الجذرية التي تشهدها أوروبا نتيجة أزمة الطاقة ومراجعة النسق الأمني للقارة، بدأت الخلافات تنشب بين فرنسا وألمانيا في عدد من الملفات، وهو ما جعل البعض يتحدث عن هشاشة المشروع الأوروبي من حيث الجوهر ما دام هذا المشروع لا يمكن تصور استمراريته في حالة تحول أحد هذين القطبين عنه.

أبعاد الخلافات

هناك عدد من المحاور والملفات التي تبرز فيها ملامح التباعد الفرنسي–الألماني أهمها:

1- التباين حول سياسة الطاقة: تنقسم الدول الأوروبية حول السياسة الواجب اتباعها في مجال تحديد أسعار الطاقة، وبالأخص فيما يتعلق بتحديد سقف أسعار الغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء؛ ففي إسبانيا والبرتغال، تطبق آلية دعم داخلي تسمى “الأيبيرية” لتساعد في خفض أسعار الطاقة المولدة من الغاز الطبيعي، وهي آلية تساندها عدد من الدول بما فيها فرنسا التي تطالب بمد هذه الآلية، بل تطالب بتعميمها وتوسعة استخدامها إلى مستوى الاتحاد الأوروبي بالكامل.

أما ألمانيا وعدد من دول شمال أوروبا (على رأسها الدنمارك وهولندا)، فتعارض سياسات التحديد السعرية نظراً لترددها أمام الآثار السلبية التي قد تنتج عن تدخل الدولة في الأسواق. في السياق ذاته، تعتقد برلين أن خفض سعر الغاز بشكل مصطنع من شأنه أن يضر بتوازن سوق الطاقة في أوروبا؛ حيث سيؤدي إلى تشجيع المواطنين على الاستهلاك؛ ما يفرض ضغوطاً أكبر على العرض الذي يعاني بالفعل نتيجة خفض إمدادات الغاز الروسي، ويؤدي بدوره إلى موجة تضخمية جديدة.

2- الخلافات بشأن تعزيز منظومة الأمن الجماعي الأوروبي: نقطة خلاف أخرى تتعلق أيضاً برؤية ألمانيا المستجدة لتعزيز نظم الدفاع العسكري الأوروبي؛ حيث تروج برلين لمنظومة أوروبية متكاملة للدفاع الجوي المضاد للصواريخ، بما في ذلك استخدام بعض المكونات الإسرائيلية في هذه المنظومة، مع دعوة 14 دولة أوروبية أخرى للانضمام إليها، من ضمنها بريطانيا العظمى ودول البلطيق وهولندا وحتى فنلندا. أما فرنسا فبعد إدانتها سعي بعض الدول لتكريس “سباق تسلح” جديد داخل القارة، أعلنت عزوفها عن الخطط الألمانية الجديدة مع التشديد على أن نظم الدفاع الجوي الفرنسية MAMBA المنتشرة حالياً داخل الناتو كفيلة بتحقيق هذا الغرض.

يُضاف إلى ما تقدم، أن مسألة الطائرة القتالية الأوروبية المستقبلية تمثل نقطة شائكة أخرى بين الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني؛ فمنظومة الأمن الجماعي الأوروبية لم تتفق منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي على مقاتلة أوروبية موحدة من شأنها حماية المجال الجوي للاتحاد ويتم خدمتها وصيانتها في كافة دوله، وهو ما دفع فرنسا لتطوير مقاتلات الرافال بشكل منفرد وتبنيها كركيزة لسلاح الجو الخاص بها وحجر زاوية لدعم الأمن الجوي الأوروبي. وقد تصاعدت الخلافات الفرنسية الألمانية مؤخراً حول هذه المسألة بعد أن أعلنت ألمانيا في مارس الماضي عن شرائها صفقة طائرات F-35 أمريكية لاستبدال أسطولها القديم من مقاتلات تورنادو جزئياً، وهو ما دفع باريس لاتهام برلين بأنها بذلك تكرس لانقسام أمني أوروبي يساعد بدوره مشروع المقاتلات البريطانية Tempest المنافس على كسب مزيد من الأرضية.

3- إخفاق شراكات تعاون صناعيةعسكرية ثنائية: لم تقتصر الخلافات على الرؤى المختلفة حول منظومة الأمن الجماعي، بل شهدت الفترة الأخيرة فشل عدد من مشروعات التعاون الصناعية الكبرى بين البلدين. وقد ظهرت أول بادرة سلبية في عام 2021، عندما تخلت برلين عن برنامج مشترك مع فرنسا يهدف إلى تزويد البلدين بطائرات دورية بحرية للتحليق فوق الغواصات؛ حيث عقدت برلين أخيراً الصفقة مع شركة بوينج الأمريكية. ولا تزال هناك مشاريع تعاون أخرى معلقة حتى الآن بين البلدين، مثل المشروع الذي يهدف إلى إيجاد جيل مدرعات جديد يرث سطوة الدبابة Leclerc (الفرنسية) والدبابة Leopard (الألمانية)، كما تم تأجيل مشروع فرنسي ألماني آخر لما بعد عام 2045، وهو مشروع يستبدل بمدافع قيصر الفرنسية نظاماً مدفعياً جديداً، كما تخلت ألمانيا عن صفقة تحديث طائرات الهليكوبتر القتالية من طراز تايجر.

4- حضور العامل الشخصي في الخلافات: يعزو بعض المحللين حالة التوتر المتصاعدة بين البلدين إلى وجود عامل شخصي في هذه المعادلة؛ حيث من المعروف أن الرئيس الفرنسي ماكرون كانت تربطه أواصر صداقة مع المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، التي كانت تهتم بتعزيز العلاقات الإنسانية المباشرة مع نظرائها. أما شولتز، وبخلاف انتمائه السياسي اليساري غير المتسق مع أفكار الرئيس ماكرون، فإنه معروف عنه الطابع البرجماتي في التعامل مع رؤساء الدول والحكومات وعدم اهتمامه بالعلاقات الإنسانية، وهو ما جعل ماكرون يلمح إلى مستشاريه أكثر من مرة أنه لا يجيد التفاهم مع شولتز.

تأثيرات محتملة

أثارت الخلافات بين فرنسا وألمانيا تساؤلات رئيسية حول مستقبل الاتحاد الأوروبي؛ حيث برز في هذا الإطار اتجاهان أساسيان، أحدهما الرافض لتأثر الاتحاد بهذه الخلافات. ويقدر هذا الاتجاه أن الخلافات الحالية بين باريس وبرلين لن يكون لها تأثير يذكر على تماسك الاتحاد الأوروبي واستمرارية مشروع التكامل الإقليمي؛ وذلك استناداً إلى أن هذه الخلافات تعتبر ذات طبيعة آنية مؤقتة وترتبط ببعض العوامل الظرفية وجوداً وعدماً.

ويركز أنصار هذا الطرح على ألمانيا أكثر من فرنسا، على أساس أنها تتعرض لمجموعة من التأثيرات التي تدفعها لانتهاج مقاربة صدامية وأهم هذه التأثيرات تشكيل حكومة ائتلافية جديدة في ألمانيا من 3 أحزاب وتأثير ذلك على سلاسة تمرير الخطط الحكومية الألمانية، وكون ألمانيا هي أكثر الدول تعرضاً لضغط نقص إمدادات الغاز الروسي، وهو ما سيخف الضغط بشأنه مع انفراجة الأزمة، ورغبة حكومة شولتز الحالية في التقرب أكثر للولايات المتحدة كأساس لمنظومة الأمن والدفاع الأوروبي في ظل ما تشهده من تهديدات روسية. في السياق ذاته، يدلل أنصار هذا الطرح على الطابع الآني والمؤقت للخلافات بلقاء ماكرون وشولتز يوم 26 أكتوبر الماضي في باريس والحرارة التي اتسم بها اللقاء بينهما، ومحاولة الطرفين تجاوز الخلافات بينهما.

وعلى النقيض، يشير الاتجاه الآخر إلى تأثر تماسك الاتحاد بالخلافات الفرنسية–الألمانية. ويقدر أنصار هذا الاتجاه بأن هذه الخلافات من شأنها أن تؤثر بالفعل على تماسك الاتحاد في ظل تغليب الدولتين – أي فرنسا وألمانيا – مصالحهما الوطنية الضيقة على اعتبارات المشاركة الأوروبية؛ وذلك لأن ألمانيا تؤمن من جانب بأن الضمان الحقيقي والفعال أمام الخطر الروسي هو الولايات المتحدة الأمريكية ومنظوماتها التسليحية، في حين تنظر فرنسا من جانب آخر للأزمة الحالية من نظرة برجماتية بحتة عن طريق تسويق أكبر لمنظوماتها التسليحية في أوروبا، وخاصة ألمانيا التي تمر بمراجعات في سياستها الدفاعية.

لذلك، فإن أنصار هذا الاتجاه يفترضون استمرار الأزمة الروسية الأوكرانية لمدة زمنية كبيرة، ومن ثم يرجحون احتمالية زيادة الضغوط على فرنسا وألمانيا بشكل غير محتمل، إضافة إلى ارتفاع فاتورة المديونيات في دول شرق أوروبا والبلطيق؛ ما يفرض أعباء إضافية تضيق بها ذرعاً باريس وبرلين.

الخلاصة: إذا كانت المؤشرات الأولية تدل على أن الخلافات الفرنسية الألمانية ذات طبيعة مؤقتة؛ وذلك بعد انعقاد اللقاء الأخير بين ماكرون وشولتز، فإن الدور الأمريكي المتنامي في القارة الأوروبية في فترة ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية – وكذلك الدعم العسكري والمادي الضخم الذي تحظى به أوكرانيا – سيؤثر بلا شك على منظور الدول الأوروبية الكبرى لنفسها ولحلفائها على المدى البعيد، خاصة أن بريطانيا تلعب أدواراً غير بناءة – وفقاً لفرنسا على الأقل – في الفناء الخلفي للاتحاد تعزز بدورها تنامي النفوذ الأنجلوساكسوني في أوروبا.

عرض إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية