أحمد عبدالقادر يحيى – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

أعلنت رئيسة حزب “يمينا” وزيرة الداخلية الإسرائيلية “أيليت شاكيد”، يوم الأحد 11 سبتمبر، فض التحالف مع حزب “ديريخ إيريتس” برئاسة وزير الاتصالات “يوعاز هاندل” وشريكه تسفي هاوزر؛ وذلك قبل أربعة أيام فقط من تقديم القوائم الانتخابية لانتخابات الكنيست المقررة مطلع شهر نوفمبر القادم؛ الأمر الذي أدى إلى تفكُّك تحالف هرواح هتصيونيت أو “الروح الصهيونية” بشكل فعلي، الذي تم الإعلان عنه قبل 46 يوماً فقط؛ حيث تم تأسيس التحالف في 27 يوليو الماضي، عقب قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينت الانسحاب من الحياة السياسية وعدم خوض انتخابات الكنيست القادمة، وكان من المقرر أن يخوض التحالف الجديد “الروح الصهيونية” الانتخابات بقائمة موحدة.

أسباب مختلفة

ساهمت عدة عوامل في تأجيج الخلافات داخل تحالف “الروح الصهيونية”، ما أدى إلى انسحاب قائدة التحالف “أيليت شاكيد”، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

1- هشاشة التحالف بين “شاكيد” و”هاندل” منذ البداية: كان من الواضح أن التحالف بين “شاكيد” و”هاندل” جاء سريعاً؛ حيث تم الإعلان عن تحالف “الروح الصهيونية” عقب حل الكنيست وإعلان نفتالي بينت الانسحاب من الحياة السياسية وتسليم قيادة حزب “يمينا” إلى “شاكيد”، التي استلمت بدورها حزباً ضعيفاً غير قادر – وفق أغلب الاستطلاعات – على تجاوز نسبة الحسم في انتخابات الكنيست القادمة؛ الأمر الذي دفعها إلى البحث عن شركاء سياسيين؛ حيث إن “هاندل” الذي وصل إلى الكنيست في الانتخابات الأخيرة ضمن قائمة حزب جدعون ساعر، قد خرج من قائمة “ساعر” عقب تحالف الأخير مع “بيني جانتس” و”جادي إيزنكوت” فيما يُعرف بـ “معسكر الدولة”.

ويتشابه “هاندل” و”شاكيد” في انتقالهما المتكرر بين القوائم والتحالفات الانتخابية في السنوات الماضية، بينما يختلفان في ميل الأول نحو يسار الوسط، المعارض بشكل أساسي لنتنياهو، بينما تُعتبر الثانية أحد قادة اليمين الذين لم يعودوا يرون ما يمنع من التحالف مع نتنياهو، ومن ثم فإن التحالف بين الطرفين منذ البداية كان مُعقداً، ولم يكُن له أُطر واضحة. ولعل هذا الخلاف انعكس على طريقة إعلان فض الشراكة بينهما؛ حيث اتهمت “شاكيد” شريكها “هاندل” بأنه لم يحترم الاتفاق، وأنه كان من المقرر أن تُعلن هي عن فض الشراكة، فيما يرى “هاندل” أن “شاكيد” هي من خالفت الاتفاق بدفعها نحو انضمام “البيت اليهودي” إلى التحالف.

2- التباين حول دعم حكومة ضيقة بقيادة نتنياهو: لعل عدم اتفاق الطرفين حول إمكانية التحالف مع رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتنياهو كان من العوامل الرئيسية التي ساهمت في تفكُّك التحالف؛ حيث من المعروف أن “شاكيد” تؤيد التحالف مع نتنياهو لتشكيل حكومة يمينية ضيقة، وفي رؤيتها فإن هذا الأمر قد يُجنب إسرائيل الذهاب إلى انتخابات سادسة. يأتي هذا بينما يرفض “هاندل” هذا الأمر؛ حيث يرى أنه يحاول تمثيل “اليمين المتعقل” المعارض لنتنياهو، ولن يسمح لتحالف “الروح الصهيونية” بمنح نتنياهو فرصة تشكيل حكومة ضيقة، وهو ما تعتبره “شاكيد” خياراً غير مسؤول قد يقود إلى انتخابات جديدة.

3- خلافات حول ضم “البيت اليهودي” إلى التحالف: برزت في الفترة الأخيرة خلافات أخرى بين “شاكيد” و”هاندل” بشأن ضم حزب “البيت اليهودي” إلى تحالف “الروح الصهيونية”، وهو ما كانت تدفع إليه “شاكيد” بينما عارضه “هاندل” بشدة، لا سيما أن انضمام “البيت اليهودي” إلى التحالف كان سيُغير وضع المرشحين في القائمة الانتخابية والطبيعة “العلمانية” للتحالف وفق ما يرى “هاندل”؛ حيث طالب “البيت اليهودي” بمكانين من أصل أربعة في القائمة على حساب “تسفي هاوزر”، كما أشارت بعض التقارير إلى أن “يوسي برودني” زعيم حزب البيت اليهودي طالب بقائمة ذات تمثيل ديني أكبر؛ الأمر الذي لا يجعلها تبدو كأنها نُسخة من حزب “يمينا”، وهو ما رفضه “هاندل” بشدة، مُعتبراً أن هذا يُعد تغييراً في الاتفاقية مع “شاكيد”.

4- الخشية من عدم تجاوز “الروح الصهيونية” عتبة الحسم: على الرغم من أن استطلاعات رأي سابقة في يوليو الماضي قد توقعت بأن يتجاوز تحالف “الروح الصهيونية” عتبة الحسم في الانتخابات القادمة بواقع أربعة مقاعد، فإن أحدث استطلاعات للرأي في الأسابيع الأخيرة قد أوضحت أن التحالف لن يتجاوز نسبة الحسم، على الرغم من اختيار “أميتاي بورات”، ابن أحد مؤسسي الحركة الاستيطانية والزعيم السابق لحركة الكيبوتس الدينية ضمن قائمة “الروح الصهيونية”.

ومن ثم فإن تلك الاستطلاعات ربما دفعت “شاكيد” و”هاندل” إلى إنهاء التحالف سعياً وراء شراكات سياسية جديدة قد تُمكنهما من الحفاظ على مواقعهما في الكنيست القادم. وبالفعل أعلنت “شاكيد” يوم 13 سبتمبر الجاري – وقبل يومين فقط من تقديم الأحزاب قوائم مرشحيها لانتخابات الكنيست – عن توقيع اتفاق لخوض الانتخابات القادمة في قائمة واحدة مع حزب “البيت اليهودي” اليميني؛ حيث قالت وزيرة الداخلية الإسرائيلية عقب توقيع الاتفاق: “يسرني أننا نجحنا في إعادة بناء بيت للصهيونية الدينية واليمين المسؤول في إسرائيل. وسنعمل معاً من أجل تشكيل حكومة واسعة يمينية ومستقرة”.

جدير بالذكر أنه وفقاً لأحدث استطلاعات الرأي في إسرائيل الذي نشرته قناة الكنيست في 13 سبتمبر الجاري، فإن الانتخابات الخامسة قد لا تأتي بالجديد؛ حيث يُتوقع أن يحصد المعسكر الداعم لنتنياهو 57 مقعداً، فيما يحصد المعسكر المناوئ له على عدد المقاعد نفسه. ووفقاً لتلك الاستطلاعات، يحصل نتنياهو والليكود على 32 مقعداً، بينما يحصل “يش عتيد” بقيادة رئيس الوزراء الحالي يائير لابيد على 26 مقعداً، كما يتوقع أن يحصل “معسكر الدولة” بقيادة وزير الدفاع بيني جانتس على 12 مقعداً، بينما يحصل حزب الصهيونية الدينية على 11 مقعداً، ويحصل حزب شاس بقيادة “أرييه درعي” على 8 مقاعد، وحزب يهودية التوراة بقيادة “موشيه جافني” على 6 مقاعد. من ناحية أخرى، من المتوقع أن يحصل حزب “إسرائيل بيتنا” بقيادة ليبرمان على 5 مقاعد، والقائمة العربية المشتركة على 6 مقاعد، والقائمة الموحدة “راعم” على 4 مقاعد، فيما يحصل حزب العمل بقيادة ميراف ميخائيلي على 5 مقاعد، وحزب ميرتس بقيادة زهافا جالون على 5 مقاعد.

فرص متواضعة

وختاماً.. على الرغم من إعلان “هاندل” أنه ينوي الاستمرار في قيادة “الروح الصهيونية”، باعتبارها الطرف الوحيد الذي يُمثل الحق الطبيعي، على حد قوله، فإن فرصه في تجاوز نسبة الحسم في الانتخابات القادمة تبدو ضئيلة، على نحو ما تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة، وهو ما يُدلل في النهاية على تصاعُد نفوذ اليمين المتطرف في إسرائيل؛ حيث من المتوقع بدرجة كبيرة أن تنضم قائمة “البيت اليهودي” التي تم الإعلان عنها مؤخراً – إذا تجاوزت العتبة الانتخابية – إلى تحالف اليمين بقيادة نتنياهو والليكود.