دراسات أسيويةدراسات استراتيجيةدراسات عسكرية

لماذا تُعزز اليابان قدراتها العسكرية خلال العقد الأخير؟

إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

عُرفت اليابان لعقود عدة بأنها دولة سلمية تعتمد بالكامل على الولايات المتحدة في شؤون أمنها الإقليمي، وهو ما يأتي في إطار المادة التاسعة من الدستور الياباني لعام 1947، التي تنص على أن الشعب الياباني يتخلى إلى الأبد عن الحرب أو التهديد باستخدام القوة، في ظل معاهدة 1960 مع الولايات المتحدة، التي كفلت حماية أمريكية لليابان من أي هجوم عسكري مقابل استضافتها بعض القواعد العسكرية؛ إذ كان تركيز القوات المسلحة اليابانية على الدفاع بشكل أساسي، وهو ما اختلف جذرياً منذ العقد الأخير؛ إذ سعت اليابان منذ عام 2012، مع تولي رئيس الوزراء آنذاك “شينزو آبي” منصبه، بكل قوتها، إلى تحديث ترسانتها العسكرية، وزادت مؤشرات الإنفاق الدفاعي لديها، حتى إن ميزانية الدفاع لعام 2022 هي الأضخم بالنسبة إلى طوكيو.

وفي سياق متصل، كانت التحركات اليابانية من أجل تعزيز قدراتها العسكرية الهجومية، تسير في خطين متوازيين: أولهما متعلق بتعزيز البحث والتطوير بهدف رفع القدرات الدفاعية الذاتية من خلال ميزانيات أكثر قدرة على تلبية ذلك. والأمر الآخر متعلق بتعزيز التعاون الدفاعي والعسكري مع الحلفاء، لا سيما الولايات المتحدة، وهو ما يأتي بشكل أساسي من أجل مواجهة أي تهديدات قائمة أو محتملة مرتبطة بالتنين الصيني، وفي ظل المخاطر المحدقة بالمنطقة من إمكانية اندلاع مواجهة عسكرية محتملة بين واشنطن وبكين.

مؤشرات واضحة

يمكن تناول أبرز مؤشرات تزايد الاهتمام الياباني بتعزيز القدرات العسكرية الهجومية خلال السنوات القليلة الماضية؛ وذلك على النحو التالي:

1- تمرير ميزانية دفاع قياسية: وافق مجلس الوزراء الياباني، في 24 ديسمبر 2021، على ميزانية دفاعية تبلغ نحو 51.5 مليار دولار للسنة المالية 2022، وهي ميزانية تعد قياسية، وتشمل تمويلاً واسعاً للبحث والتطوير لمقاتلات جوية جديدة وأسلحة أخرى تعتبر وزارة الدفاع أنها تُغيّر قواعد اللعبة بدرجة كبيرة. جدير بالذكر أن زيادة الميزانية بنسبة نحو 1.1% للعام المالي الذي يبدأ في أبريل 2022، هي الزيادة العاشرة على التوالي في الإنفاق الدفاعي، فيما مثَّل الإنفاق على البحث والتطوير في الشؤون الدفاعية زيادة قدرها 38% عن العام المالي السابق.

2- تطوير القدرات الدفاعية الذاتية: تخطط اليابان لاستخدام نوعين من الأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت؛ وهما: صاروخ كروز الفائق لسرعة الصوت (HCM)، وصاروخ الانزلاق الفائق للسرعة (HVGP)؛ حيث يمكن تسليح الصاروخ الأول برأس حربي خارق للدروع مصمم لاختراق سطح حاملة طائرات، أو رأس حربي متفجر (EFP) للهجوم البري. أما الصاروخ الآخر فيستخدم محركاً صاروخياً يعمل بالوقود الصلب لتعزيز رأسه الحربي على ارتفاعات عالية قبل فصله، بحيث يمكنه الانزلاق نحو الهدف بسرعات تفوق سرعة الصوت، فضلاً عن إمكانية تسليحه برؤوس حربية متفجرة متعددة. وعلاوة على ذلك، كشفت اليابان في ديسمبر 2020، عن خططها الخاصة بطائرتها المقاتلة الشبح المحلية من الجيل السادس، التي يطلق عليها اسم (F-X)؛ حيث تخطط اليابان لتصنيع نحو 90 طائرة من هذا الطراز بتكلفة تبلغ 48 مليار دولار أمريكي.

3- تعزيز القدرات التنافسية في التقنيات العسكرية: عزّز تدشين اليابان وكالة الاستحواذ والتكنولوجيا واللوجستيات، داخل وزارة الدفاع، من تحفيز الشركات اليابانية والباحثين الجامعيين على تعزيز القدرة التنافسية في التقنيات العسكرية الجديدة، حتى إن بعض شركات الدفاع اليابانية باتت تتنافس في الوقت الحالي على المبيعات العسكرية في الخارج، وهو ما يعكس رغبة طوكيو في عدم الاقتصار على تعزيز القدرات الذاتية، بل الخروج إلى سوق السلاح العالمية بشكل فعال في المدى المنظور.

4- امتلاك أسلحة نوعية من جانب الحلفاء: أعلنت اليابان وبريطانيا عن تعزيز التعاون في تقنيات وأنظمة الطائرات المقاتلة، فيما تضمنت الميزانية الجديدة تخصيص نحو 1.1 مليار دولار من أجل شراء عشر مقاتلات من طراز “إف 35” الأمريكية، بما في ذلك أربع طائرات ذات قدرات هبوط عموديّ، في وقت أعلنت فيه مصادر حكومية يابانية في 23 ديسمبر 2021، أن الجيشين الياباني والأمريكي أعدا مسودة خطة استعداد مشتركة للطوارئ في حال أي تعاون عسكري محتمل.

تحجيم المخاطر

يمكن تناول أبرز دوافع توجهات الحكومة اليابانية نحو تعزيز القدرات العسكرية للبلاد على مدار العقد الأخير؛ وذلك على النحو التالي:

1- كبح الجموح العسكري الصيني: تمثل القوة العسكرية الصينية الضخمة مقارنة بجيرانها، لا سيما اليابان، مصدر قلق كبير بالنسبة لطوكيو وحلفائها، خاصةً في ظل التوترات الأخيرة المتعلقة بتايوان. وفي هذا الإطار، يهدف برنامج الأسلحة اليابانية التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، بوجه خاص، إلى الدفاع عن “جزر نانسي”، في ضوء النزاعات البحرية المتصاعدة مع الصين. وبالإضافة إلى ذلك، تم تصميم مقاتلات (F-X) الشبحية اليابانية، كرد فعل على مقاتلات صينية شبيهة، ومقاتلات روسية من الجيل الخامس. ويمكن القول بأن تعزيز القدرات العسكرية اليابانية ليس بمعزل عن الولايات المتحدة بأي حال من الأحوال.

2- تعزيز جاهزية اليابان لفرض الردع النووي: يمكن القول بأن مساعي طوكيو نحو تعزيز الاستقلال الاستراتيجي في مواجهة الخصوم، يأتي في خضم توترات إقليمية متزايدة. وبينما تخلت اليابان عن الأسلحة النووية، فإنها تمتلك الآن، الموارد والتكنولوجيا والمهارات اللازمة لتجميع هذه الأسلحة في مهلة قصيرة؛ حيث يمكن لليابان تركيب رؤوس حربية نووية على أسلحتها التي تفوق سرعتها سرعة الصوت لاستخدام رادعها النووي الخاص، إذا قررت، لأي سبب من الأسباب، اعتبار أن الضمانات الأمنية الأمريكية غير كافية أو غير ضرورية.

3- تجاوز معضلة الاعتماد على الحلفاء: برغم اعتماد طوكيو بدرجة كبيرة على الجيش الأمريكي في حماية البلاد، فإن التوجُّه الياباني نحو تعزيز التفوق العسكري في الإقليم، يعود في جانب منه إلى توفير القدرات الذاتية، في حال كان هناك قصور من جانب الحلفاء. وعلى سبيل المثال، فإنه في منتصف عام 2020، أبلغ وزير الدفاع الياباني آنذاك “تارو كونو” الولايات المتحدة بعدم شراء بلاده نظاماً صاروخياً أمريكي الصنع في ظل ما وصفه بوجود “مشكلات سياسية وفنية”، وبرغم الحاجة الملحة إلى مثل ذلك النظام لمواجهة تهديدات كوريا الشمالية، وهو ما يعزز ضرورة الاعتماد الياباني على الذات في خضم إقليم متوتر.

4- تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة للبلاد: يوفر تطوير أسلحة يابانية ذات قدرات عالية فرصة سانحة لطوكيو من أجل تحقيق عوائد اقتصادية، خاصةً عبر تعزيز التعاون مع بعض دول المنطقة. وقد وقّعت اليابان وإندونيسيا، في 30 مارس 2021، اتفاقاً دفاعياً يركز على عمليات نقل الأسلحة والتعاون في الصناعات الدفاعية. ومن المشاريع المشتركة المحتملة بموجب هذه الصفقة، سفينة “موجامي” الشبحية اليابانية من طراز FFM30 التي تعتزم إندونيسيا تشغيلها أيضاً، كما يمكن لليابان تقديم مقاتلاتها الشبحية الجديدة إلى بعض الدول، مثل كوريا الجنوبية والهند.

وختاماً، تفرض التحديات الأمنية الإقليمية المتصاعدة في شرق آسيا، ضرورة استمرار اليابان في مساعيها المستمرة منذ نحو عقد في تعزيز قدراتها الهجومية العسكرية، وتكثيف الاستثمار في البحث والتطوير، من أجل تحقيق استقلال استراتيجي يوفر لها حرية الحركة، سواء في مواجهة الخصوم أو حتى ما يتعلق بالتنسيق مع الحلفاء. وبطبيعة الحال فإن تلك المساعي اليابانية تثير قلق الصين، خاصة عقب التقارب الأخير بين اليابان وتايوان في 24 ديسمبر 2021، واتفاق البلدين على تعزيز التعاون برغم عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بينهما، وهي تطورات في مجملها تثير حفيظة الصين بدرجة كبيرة.

5/5 - (1 صوت واحد)

(Read more)  تأمين شبكات المعلومات والاتصالات: أفضل الممارسات من أجل بناء ثقافة الأمن السيبراني

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى