عادةً ما يقترن الانزلاق إلى الحرب بتكهنات واتهامات متبادلة بفشل استخباراتي؛ حيث إن وكالات الاستخبارات غالباً ما تُنتقَد عندما تسوء الأمور. ولم تكن الحرب الأوكرانية استثناء من هذه الفرضية؛ فمع تخطي الحرب حاجز المائة يوم، يكشف تطور الأحداث عن افتقار الولايات المتحدة إلى الإحاطة بكافة جوانب استراتيجية الحرب في أوكرانيا؛ فحتى الآن قدمت الولايات المتحدة لأوكرانيا 54 مليار دولار مساعدات، ومنحت البلاد بعض أسلحتها الأكثر تقدماً. ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن وكالات الاستخبارات الأمريكية لا تعرف القدر الكافي عن نجاحات أوكرانيا وإخفاقاتها في ساحة المعركة؛ الأمر الذي أكد أن هناك “نقاطاً عمياء” في رؤية الولايات المتحدة خلال التعامل مع تطورات الأحداث.

أبعاد مركزية

كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن مشكلة في الرؤية الأمريكية تعددت أبعادها وتداعياتها، وهو ما سلط عليه الضوء عدد من التقارير الأمريكية التي ذكرت أن وكالات الاستخبارات الأمريكية، ليس لديها صورة واضحة حول استراتيجية أوكرانيا في الحرب مع روسيا؛ وذلك وفقاً لما أكده عدد من المسؤولين الأمريكيين السابقين والحاليين. وبناءً عليه، يمكن الإشارة إلى أبرز أبعاد أزمة الرؤية الأمريكية لمسار الحرب فيما يأتي:

1– التأثيرات المعاكسة للتضليل المتبادل: استدعت الحرب الأوكرانية منذ بدايتها حملات للتضليل المعلوماتي المتبادل شاركت فيها جهات عديدة، وطالت هذه الحملات مسارات العمليات العسكرية وحجم الخسائر التي يتكبدها كل طرف، وهو الأمر الذي كان له تأثير سلبي على الرؤية الأمريكية عن الحرب. علاوة على ذلك، حاولت الولايات المتحدة منذ بداية الحرب في 24 فبراير الماضي ترويج صورة بأن المجتمع الدولي كله يقف مع الغرب في تصديه لروسيا. وهذا نوع من ممارسة التضليل؛ حيث كشفت الحرب عن دول اختارت عدم الانحياز إلى طرف ضد طرف، وهناك دول أيضاً اختارت عدم الانخراط في حزمة العقوبات المفروضة على روسيا.

2– تضارب التقديرات الاستخباراتية: يعد تضارب التقديرات الاستخباراتية من أبرز العوامل التي أدت إلى ضبابية الرؤية الأمريكية؛ حيث كشفت الاستخبارات الأمريكية عن الكثير من تحركات القوات الروسية وعن دورها في المعركة الدائرة. كذلك لعبت وكالات المخابرات العالمية دوراً غير معتاد في الحرب الجارية؛ فعلى عكس الحروب السابقة عندما كان يتم الاحتفاظ بسرية المعلومات، نشرت بعض الوكالات الاستخباراتية الأوروبية توقعاتها أنه سيكون من الصعب على أوكرانيا – إن لم يكن من المستحيل – استعادة الأراضي التي دخلتها روسيا منذ بداية الحرب، إلا أن تقييمات وكالات الاستخبارات الأمريكية بهذا الصدد تشير إلى احتمالية نجاح الجيش الأوكراني في نهاية المطاف؛ الأمر الذي يؤكد أن الصورة الكاملة لدى الإدارة الأمريكية حول استراتيجية أوكرانيا في الحرب لا تزال غير واضحة بالكامل.

كذلك أوضح رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب آدم سميث، أن الولايات المتحدة حريصة على الحذر في تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا؛ حتى لا تتورط في الحرب تورطاً مباشراً، واستدل على ذلك بحجب الولايات المتحدة بعض المعلومات الاستخباراتية عن أوكرانيا. وأرجع “سميث” ذلك إلى أن تقديم المعلومات الحيوية “تجعلنا نشارك في الحرب”، وهو موقف كثيراً ما يردده البيت الأبيض، الذي يؤكد أن الأوكرانيين يجب أن يكونوا في الخطوط الأمامية.

3– نقص المعلومات الأمريكية: على الرغم من أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تجمع معلومات عن كل دول العالم تقريباً، لكنها تركز الجهود بوجه خاص على الحكومات المعادية، مثل روسيا، لا على الحكومات الصديقة، مثل أوكراني. لذلك يرى المسؤولون الأمريكيون أن اقتصار تركيز وكالات الاستخبارات الأمريكية على جمع المعلومات حول دول بعينها، تسبب في نقص كبير في المعلومات حول الحكومات الصديقة، التي كانت تعمل الإدارات الأمريكية المتعاقبة على شحذ جهود أجهزة استخباراتها لا على التجسس عليها.

ومن ثم فإنه بالرغم من تدفق الأخبار اليومية إلى الرأي العام، فإن وكالات الاستخبارات الأمريكية لديها معلومات أقل مما تريد بشأن عمليات أوكرانيا، ولديها صورة أفضل بكثير عن الجيش الروسي وعملياته المخطط لها ونجاحاته وإخفاقاته؛ حيث تقدم الولايات المتحدة تحديثات استخباراتية منتظمة وشبه فورية لأوكرانيا حول مواقع القوات الروسية، وهو ما أكدته “أفريل هينز” مديرة المخابرات الوطنية، خلال إدلائها بشهادتها في جلسة استماع بمجلس الشيوخ الشهر الماضي، قائلةً “في الوقت الراهن، لدينا تصور واضح عن العمليات الروسية في أوكرانيا، أكثر مما لدينا عن الجانب الأوكراني”.

فيما نصح ضباط استخبارات أمريكيون سابقون خلفاءهم الموجودين حالياً في مناصبهم بأن يصمتوا ويتوقفوا عن التباهي بدورهم في النجاحات العسكرية لأوكرانيا؛ حيث استنكرت المسؤولة الاستخباراتية الكبيرة السابقة بيث سانر ذلك قائلةً: “ما مقدار ما نعرفه حقًّا عن أداء أوكرانيا؟ هل يمكنك العثور على شخص يخبرك بثقة كم عدد القوات التي خسرتها أوكرانيا؟ وكم عدد المعدات التي فقدتها أوكرانيا؟”؛ وذلك على الرغم من تزايد التساؤلات حول حالة القوات العسكرية الأوكرانية واستراتيجيتها للحرب الدائرة، وخاصةً في دونباس، فيما سلط الدكتور “ستيفن بيدل” أستاذ الشؤون الدولية في جامعة كولومبيا، الضوء على عدم دقة الصورة التي يقدمها المسؤولون الأمريكيون حول خسائر الأوكرانيين في الأرواح والمعدات، إضافة إلى الحالة النفسية والمعنوية.

4– حجب الحكومة الأوكرانية بعض المعلومات: يتهم المسؤولون الأمريكيون الحكومة الأوكرانية بتوفير القليل من التقارير السرية أو التفاصيل حول خططهم العملياتية. ويرجع الجانب الأمريكي هذا السلوك إلى عدة دوافع أبرزها حفاظ الجانب الأوكراني على السرية التامة، لتصدر دائماً صورة عن قوتها، سواء للجمهور أو لحلفائها، دون مشاركة أي معلومات قد تشير إلى إضعاف العزيمة، أو إعطاء الانطباع بأنهم قد لا ينتصرون، أو حتى قد تؤدي إلى إبطاء وتيرة تدفق الأسلحة؛ لذلك أوضح المسؤولون أنه نتيجة السرية الأوكرانية، لجأ مسؤولو الجيش والمخابرات الأمريكيون إلى محاولة معرفة ما يمكنهم معرفته من الدول الأخرى العاملة في أوكرانيا، وعن طريق إجراء دورات تدريبية مع الأوكرانيين، ومن خلال التعليقات العلنية للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

5– التشويش الروسي على قدرات الأقمار الصناعية: يعد الغطاء السحابي الذي قامت به روسيا من أكثر العوامل فاعليةً في ضبابية الرؤية الأمريكية؛ فمن أجل مكافحة العمليات الاستخباراتية التي يقوم بها حلف “الناتو” للتنصت على المكالمات الروسية ونشر أخبار كاذبة لتضليل الرأي العام؛ صممت روسيا منظومة مُضادة لممارسة التشويش على قدرات هذه الأقمار الصناعية؛ حيث تكون مهمتها مقاومة الدخول غير الشرعي في الاتصالات، وكشف محطات كاذبة وحجب قنوات تسريب المعلومات.

وفي هذا الإطار، يُعَد مولِّد التشويش المحمول “ليسوتشيك” من الأدوات الروسية الأكثر فاعليةً لممارسة التشويش؛ حيث يحمي المدرعات من الألغام المُتحكَّم فيها لا سلكياً. كذلك محطتا “راتنيك” “وبولي” للحرب الإلكترونية اللتان تحميان إشارات “جلوناس” للملاحة الفضائية الروسية، بالإضافة إلى محطة “سيلوك” لإسكات إشارات التحكم في المُسيَّرات المعادية التي بمقدورها إنشاء قبة إلكترونية لصد الوسائل الإلكترونية اللا سلكية للعدو، وتساعدها في ذلك محطة التشويش الأوتوماتيكية “إر – 934 بي إم في” ومحطة التشويش اللا سلكي “بولي – 21” العملياتية التكتيكية اللتان تتخصَّصان بإسكات الاتصالات اللا سلكية للعدو وتحقيق الاستطلاع اللا سلكي التقني.

تداعيات سلبية

لا يمكن إغفال أن تراجع فاعلية الرؤية الأمريكية حول مجريات الحرب في أوكرانيا ينطوي على عدد من التداعيات السلبية على الولايات المتحدة ومصالحها، وكذلك على مسار العمليات العسكرية في أوكرانيا، وهو ما يمكن تناوله على النحو الآتي:

1– تضاؤل الثقة بالمؤسسات الاستخباراتية الأمريكية: لا شك أن عدم معرفة تطور حالة الجيش الأوكراني مباشرةً يعني أن مجتمع الاستخبارات لا يمكنه تقديم صورة كاملة للرأي العام أو للكونجرس، وهو ما حذرت منه المسؤولة الاستخباراتية الكبيرة السابقة “بيث سانر”؛ حيث وصفت هذه الثغرة بأنها “تكلفة محتملة”، وأضافت أنه إذا تقدمت روسيا أكثر، فإن الفشل في فهم حالة الجيش الأوكراني قد يضع مجتمع الاستخبارات أمام اتهامات بالفشل من قِبَل صانعي السياسة؛ حيث ذكرت سانر: “كل شيء يتعلق بأهداف روسيا وآفاق روسيا لتحقيق أهدافها. نحن لا نتحدث عما إذا كانت أوكرانيا قادرة على هزيمتها. وبالنسبة إليَّ، أشعر أننا نُعِد أنفسنا لفشل استخباراتي آخر بعدم الحديث عن ذلك علناً”.

لذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى التحرك بسرعة لكسب ثقة الرأي العام، من خلال استراتيجية قائمة على مصداقية الخطاب، بدلاً من الاعتماد على خطاب قائم على إثارة العواطف والمشاعر. ومن الجدير بالذكر أن استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها مؤسسات مثل جالوب وواشنطن بوست وأسوشيتد برس، أشارت إلى انعدام واضح للثقة بوكالات الاستخبارات؛ حيث تراجعت الثقة بوكالات الاستخبارات الأمريكية من نحو 40% في سبتمبر 2020 إلى 23% في أبريل 2022.

2– تراجع فاعلية المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا: قد يؤدي عدم توافر معلومات بعينها لدى الإدارة الأمريكية إلى صعوبة توجيه المساعدات العسكرية، على الرغم من إرسال واشنطن أسلحة بمليارات الدولارات إلى الجيش الأوكراني؛ لذلك سلَّطت مديرة المخابرات الوطنية “أفريل هينز” الضوء على ذلك قائلةً: “إن من الصعب للغاية معرفة مقدار المساعدة الإضافية التي يمكن أن تحصل عليها أوكرانيا”، وأضافت أن “أحد الأسئلة الرئيسية الغامضة لنا هو: ما الإجراءات التي يعتزم زيلينسكي أن يطالب بها في دونباس؛ حيث تواجه أوكرانيا خياراً استراتيجياً هناك؟ سحب قواتها؟ أم المخاطرة بتطويقها من قبل روسيا؟”.

3– تزايد فجوة الثقة بين الحكومة الأمريكية ونظيرتها الأوكرانية: ظهرت عدد من المؤشرات على تصاعد الخلافات بين واشنطن وكييف، وتزايد فجوة الثقة بينهما، لا سيما مع ارتفاع وتيرة تبادل الجانبين (الأمريكي والأوكراني) اتهامات بإخفاء الحقائق وممارسة التضليل؛ حيث يتهم المسؤولون الأمريكيون الجانب الأوكراني بتقديم القليل من المعلومات حول خططهم العملياتية، فيما يعترف الأوكرانيون أنفسهم بأنهم لا يخبرون الولايات المتحدة بكل شيء، حتى في المحادثات الرفيعة المستوى مع الجنرال مارك ميلي رئيس هيئة الأركان المشتركة، أو لويد أوستن وزير الدفاع؛ فإن المسؤولين الأوكرانيين يشاركون أهدافهم الاستراتيجية فقط، لا خططهم العملياتية التفصيلية.

كما عبر الرئيس الأمريكي “بايدن” صراحةً عن امتعاضه من الرئيس الأوكراني حينما ذكر – يوم 11 يونيو الجاري، خلال حفل استقبال في لوس أنجلوس لجمع الأموال للحزب الديموقراطي – أن الرئيس الأوكراني “لم يُرد سماع التحذيرات الأمريكية قبل هجوم روسيا على بلاده”. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عدم إحاطة واشنطن بكافة أبعاد العمليات العسكرية الأوكرانية ربما يكون له انعكاس سلبي على فاعلية المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا، وهو ما سيؤدي بدوره إلى تزايد فجوة الثقة بين الحكومة الأمريكية ونظيرتها الأوكرانية.

وإجمالاً لما سبق.. قد تؤدي الرؤية الأمريكية الضبابية في الحرب الأوكرانية وعدم تفكيرها إلا في تحقيق العزلة المتزايدة لروسيا إلى محاولة الأخيرة تعزيز علاقاتها بالصين بطرق من شأنها أن تربط الصين بروسيا في منافستها للولايات المتحدة، وهو ما حذر منه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، بأن تمتلك الصين “موقعاً حصيناً” في أوروبا على إثر هذا التحالف. وهذا يعني أيضًا أن روسيا والصين ستلعبان أدواراً مُفسدة للخطط الأمريكية في جميع أنحاء العالم متى شعرت الدولتان أن هذا قد يمنحهما نفوذاً على الولايات المتحدة وشركائها الاستراتيجيين، خاصةً أن الصين تتمتع حالياً بموارد اقتصادية وعسكرية تمكنها من تشكيل تهديد متماسك ودائم، فتستغل هذه الإمكانات لمواجهة النفوذ الأمريكي بالتصعيد المتزامن لعدد من القضايا بالتحالف مع خصوم واشنطن البارزين، مثل التحرك في قضية تايوان بالتزامن مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، والمفاوضات النووية الإيرانية؛ وذلك من أجل إنهاك وردع الولايات المتحدة.

المصدر إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية