في معظم، إن لم يكن في كل، الدول التي تقطنها أغلبية مسلمة، وسواء في حاضر الزمان أو ماضيه، لا أجد تجربة ديمقراطية واحدة ناجحة، ولو بشكل نسبي كبير؛ إذ لا يوجد نجاح مطلق في أي شيء. نعم، هنالك «لحظات» ديمقراطية لكنها عابرة ولا تلبث أن تنتهي أو تنهار بعد مدة تطول أو تقصر، وغالبًا ما يكون ذلك بانقلاب عسكري، أو عبر حالة أزمة تطوى فيها أوراق الديمقراطية، ويعود الوضع إلى الحكم المطلق من جديد، ولعل أبرز الحالات هنا هي باكستان ومصر والسودان، أما ما يجري في لبنان والكويت مثلًا، فهو في النهاية حكم طائفي أو قبلي فردي مطلق، ولكنه مغلف بالديمقراطية شكلًا.

ليس المراد هنا مناقشة أو تحليل هذه الحالات، بقدر ما أن المراد هو إجابة هذا السؤال المؤرق: لماذا تخفق الديمقراطية في ديار المسلمين؟ إنه سؤال أشبه بسؤال شكيب أرسلان في بدايات القرن العشرين: «لماذا تأخر المسلمون، ولماذا تقدم غيرهم؟».

من المؤكد أنه ليس هناك جواب حاسم لهذا السؤال، وذلك ككل سؤال يتعلق بالظواهر الاجتماعية حيث تتعدد الأسباب، وتتفرع العلل، ولكن في تقديري هنالك سببان رئيسان، وإن كان أحدهما أقل رئيسية نسبيًّا، يقفان وراء إخفاق أو فشل الديمقراطية في عالم العرب خاصة والمسلمين عامة، وهما: الثقافة الإسلامية السائدة، الثقافة السياسية بوجه خاص، وابتسار الديمقراطية كنظام اجتماعي وسياسي.

بالنسبة للسبب الأول، وهو الثقافة الإسلامية السائدة، تلك الثقافة المتراكمة تاريخيًّا منذ وفاة الرسول، وحتى اللحظة الراهنة، والمحددة واقعًا لسلوك السلطة والمجتمع، أو لنقل الحاكم والمحكوم، ولنظرتها تجاه ما هو كائن وما يجب أن يكون، وفق قيم ممارسة وليست بالضرورة نابعة من ذات الدين الإسلامي نظريًّا. في هذا المجال، يرى بعض المفكرين، ومنهم برنارد لويس (1916 – 2018م)، وسامويل هنتينغتون (1927 – 2008م)، أن الثقافة الإسلامية السائدة تقع على طرفي نقيض مع القيم الديمقراطية والليبرالية الغربية، ولذلك فإن الديمقراطية محكوم عليها بالفشل مقدمًا في ظل سيادة هذه الثقافة. بل إن بعضًا منهم، برنارد لويس على سبيل المثال، يرى أن التناقض ليس بين هذه الثقافة السائدة والقيم الديمقراطية والليبرالية فقط، بل بين الإسلام كدين وبين تلك القيم.

وأنا وإن كنت أتفق مع من قال إن هنالك تناقضًا بين قيم الحداثة بشكل عام، وقيم الثقافة الإسلامية السائدة، إلا أني لا أتفق مع القول بأن ذاك التناقض هو بين تلك القيم، أي قيم الحداثة، وبين الإسلام ذاته، أو أي دين آخر، وبخاصة الديانات الإبراهيمية من يهودية أو نصرانية. فالنصوص المطلقة، سواء دينية أو غير دينية (أيديولوجية وفلسفية)، قابلة لمختلف التفسيرات والتأويلات التي قد تكون متناقضة في أحيان كثيرة، وذلك حسب الغاية العملية (سياسية، اجتماعية، اقتصادية) المراد تحقيقها من وراء استخدام النص.

فالنصوص المسيحية مثلًا، استخدمت في العصور الوسطى الأوربية «عصور الظلام» لتبرير استبداد الباباوات «سيفان في غمد واحد»، واستبداد الأباطرة في الوقت ذاته (مقولة الحق الإلهي في الحكم)، وهي ذات النصوص التي استخدمت لاحقًا لتبرير فصل الدين عن الدولة، مثل قول المسيح: «ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»، أو «مملكتي ليست من هذا العالم». وذات الشيء يمكن أن يقال عن تعاليم الإسلام، فتارة تكون المشاركة السياسية مبررة: «وأمرهم شورى بينهم»، وتارة الاستبداد هو المبرر: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»، وغير ذلك من أمثلة. فالنص المطلق عجينة قابلة للتشكيل في أي صورة، والخيار العملي المراد هو من يحدد شكل تلك الصورة.

الثقافة الإسلامية وقيم الحداثة

إذن، فالقول بأن دين الإسلام تحديدًا في حالة تناقض مع قيم الحداثة عمومًا، والقيم الديمقراطية والليبرالية بصورة خاصة، مسألة فيها نظر، أما تناقض الثقافة الإسلامية السائدة مع تلك القيم، فهو أمر مشاهد وملحوظ تاريخيًّا وواقعيًّا. ولو أردنا أن نحلل عناصر هذه الثقافة السائدة في مقابل قيم الحداثة، ومن ضمنها قيم الديمقراطية والليبرالية، لوجدنا الأمور الآتية:

أولًا: هي ثقافة استسلام وانتظار، في مقابل ثقافة المبادرة التي تعد من أبرز قيم الحداثة المعاصرة. فالناشئ في ظل هذه الثقافة، وفي مواجهة الأحداث والمتغيرات، هو شخص مستكين، ما ستسفر عنه الأحداث والمتغيرات من نتائج وحلول «الله وحده» أعلم بها، ولا يد له فيها. لا يسأل: من أين تأتي الحلول والنتائج؟ ويؤمن بأن هذا أمر غيبي، تتحكم فيه قوى خفية، حتى لو لم تكن خفية عصية على التحليل في واقع الأمر، في مقابل «الفرد» المشارك في المتغيرات وحلولها، عن طريق المبادرة الذاتية بصفته جزء من مجموع متحرك فاعل، وليس مجرد مسمار في آلة كلية لا يعلم كنهها ولا إلى أين تسير.

قد يكون مثل هذا الوضع موجودًا في ظل أنظمة معاصرة، كالأنظمة الشمولية من فاشية ونازية وشيوعية، إذ إن ثقافة الاستسلام والانتظار والتلقي هي ذاتها في أيديولوجيات النظم الشمولية، وفي الثقافة الإسلامية السائدة. ثانيًا: هي ثقافة يسود فيها «العقل الجمعي» مقابل «العقل الفردي». مفهوم الفرد في الليبرالية تحديدًا، هو المفهوم الأساس أو المحوري في هذه الفلسفة الاجتماعية والسياسية: حريته، استقلاليته، مبادرته، مشاركته في الشؤون كافة، واحترام كل ذلك وحمايته قانونيًّا. وهو ما لا نجده في الثقافة الإسلامية، السائدة، حيث إن مفهوم «الفرد» يكاد يكون غائبًا عن هذه الثقافة، إن لم يكن معدومًا تمامًا.

مثل هذا الأمر، أي غياب مفهوم الفرد، قد نجده في ثقافات أخرى، كالثقافة الأوربية القروسطية، ولكن مثل تلك الثقافات قد انتهت أو تكاد، مع هيمنة وانتشار مفاهيم الحداثة المعاصرة، ما عدا زوايا ضيقة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، حيث تسود ثقافات محلية شبيهة بالثقافة الإسلامية التقليدية السائدة حتى اليوم في مجتمعات هذه الدول. والعقل الجمعي يعني فيما يعني، فرض قيوده ومحرماته وتابوهاته التي لا يمكن التشكيك فيها، فهي من «الثوابت»، بل ولا حتى طرح السؤال حولها، حتى لو كان ذلك بطريقة «يحوم حول الحمي»، ومن يفعل ذلك، فهو بالضرورة مارق مفارق للجماعة، ومستحق للعقاب.

ثالثًا: هي ثقافة للأسطورة والخرافة فيها دور محوري، في مقابل الحقيقة العلمية في الثقافة الحداثية المعاصرة. هذا لا يعني التقليل من شأن الأسطورة، بوصفها بناء رمزيًّا غايته تفسير معين لظاهر معينة، أو الخرافة، بصفتها حكاية شعبية تشكل جزءًا من الفلكلور، ولكن أن تكون الأسطورة أو الخرافة هي محور الثقافة ومصدر الحقيقة الاجتماعية السائدة، هنا يكمن الخلل.

قد تكون الحقيقة العلمية التي تميزت بها المجتمعات الحداثية والمعاصرة حقيقة نسبية قابلة للدحض، وهي كذلك، وهنا مكمن قوتها، أي أنها متغيرة، مما يعطي المجتمعات حيوية دائمة، أما حين تكون أسطورة ما، أو خرافة معينة هي معيار الحقيقة، فإن ذلك يعني جمود العقل والثقافة وبالتالي المجتمع. أن يقال مثلًا، إن صندوق باندورا أو الشيطان هو مصدر الشرور في العالم فهذه (أسطورة)، خلاف أن يقال إن الخير والشر مسائل نسبية تتحدد بالثقافة الإنسانية، أو إن السلوك البشري، بخيره أو شره، مسألة قابلة للفحص العلمي، وهنا يكمن الفرق بين ثقافة حداثية منفتحة، وثقافة تقليدية مغلقة.

رابعًا: هي ثقافة جبر في مقابل ثقافة اختيار. كانت إحدى القضايا التي ثارت بين أهل الكلام في تاريخ الإسلام، هي قضية الجبر والاختيار، بين الجبرية والقدرة، أو القائلين بحرية الإنسان ومسؤوليته عن تصرفاته من المعتزلة، والقائلين بنفي هذه الحرية، وأن كل شيء بقدر مسبق. ونحن هنا لسنا في مجال مناقشة هذه القضية، بقدر ما نريد القول إن أهل الجبر قد انتصروا في النهاية، بدءًا من صعود الدولة الأموية وصاعدًا، لأغراض سياسية بالطبع، ، وأصبح الجبر من أحجار الزاوية في الثقافة الإسلامية السائدة، وتعطلت حرية الإنسان المسلم وفقًا لذلك، لصالح مفهوم مشوه للقضاء والقدر، فكل شيء مكتوب منذ الأزل لا يمكن تغييره، وتعطلت بذلك الإرادة الإنسانية، فالفقر قدر، والهزيمة قدر، والذل قدر، وما على المسلم إلا الاستسلام، و «دع المقادير تجري في أعنتها، ولا تبيتن إلا خالي البال».

خامسًا: في ظل هذه الثقافة السائدة، فإن السلطة السياسية لا بد أن تكون قاهرة ومهيمنة، كانعكاس لسلطة الله على الأرض، وهو ما عبر عنه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، ومن قبله معاوية بن أبي سفيان، من أنه خليفة الله وخازنه على أرضه، أو ما عبر عنه عثمان بن عفان، حين أرادوا خلعه في زمن الفتنة الكبرى (الثورة وفق مفاهيم العصر الحديث)، حين قال: «والله لا أنزع قميصًا قمصنيه الله»، بينما السلطة السياسية في ظل النظم الديمقراطية هي خيار ضمن خيارات، وصناعة بشرية محضة، لا دخل للمفاهيم والمقولات الدينية المسيسة فيها.

الديمقراطية كآلية وممارسة

أما السبب الثاني لفشل الديمقراطية في عالم العرب والمسلمين، فهو ابتسارها، وعدم التعامل معها بشكل كامل. فمن المعلوم اليوم أنه لا ديمقراطية دون شقها الآخر وهو الليبرالية، ولذلك يقال الديمقراطية الليبرالية، تمييزًا لها عن أشكال أخرى من الديمقراطية، مثل الديمقراطية الاجتماعية، التي ساد مفهومها في الدول الشيوعية قبل سقوطها على سبيل المثال.

فحين تتبنى دولة عربية أو مسلمة الديمقراطية، فإنها تختزلها إلى إجراءات سياسية بحتة، مثل صندوق الاقتراع ومجالس الشعب والأمة، ولكنها تتجاوز الليبرالية وقيمها، التي لا تستقيم الديمقراطية إلا بها، وهذا على افتراض أن الإجراءات السياسية البحتة شفافة وسليمة، وتعبر عن مجمل الشعب، لا فئة محددة منه، وهو أمر مشكوك فيه في أغلب الأحوال.

حقيقة، فإن الحديث في هذا المجال يطول ويتشعب، ولكن المقال تجاوز الحيز المتاح، فكان لا بد للديك أن يؤذن، وأن يدرك شهرزاد الصباح.