سجل مرة أخرى اختلاف في نسب المشاركة في الانتخابات المحلية بين المجالس البلدية (بلغت نسبة المشاركة 36.58 بالمائة) وبين المجالس الولائية (بلغت نسبة المشاركة 34.76 بالمائة)، رغم أن الاقتراع جرى في نفس اليوم والتوقيت. فهل يعد ذلك مؤشرا على أن الجزائريين لا يعطون أهمية كبيرة لدور المجالس الولائية وأن وجودها لدى المواطن يطرح علامة استفهام؟

يتساءل البعض، لماذا يتم الجمع بين انتخابات المجالس البلدية وبين المجالس الولائية ولا يتم الجمع بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية؟ مثل هذا التساؤل يفرض نفسه ليس فقط بالنظر إلى اختلاف نسبة المشاركة المسجلة في البلديات مع الولايات، ولكن أيضا من باب محاولة معرفة ماذا سيحدث لو جرت الانتخابات البلدية بمفردها بمعزل عن انتخابات المجالس الولائية؟ إن الجمع بين الاقتراعين قد يكون مردّه تخوّف من أن لا تستقطب انتخابات المجالس الولائية لو جرت لوحدها اهتمام المواطنين، ولذلك تم برمجتها في يوم واحد مع الانتخابات البلدية، ويعد ذلك وحده كافيا لتقف السلطات العمومية عند هذا الأمر بإصلاحات عميقة تعيد لها بريقها الضائع، خصوصا من خلال مراجعة قانون البلدية والولاية بالشكل الذي يجعل المجلس الولائي وهو بمثابة “البرلمان الولائي”، يستقطب الاهتمام الحزبي والسياسي ويحقق أعلى نسب مشاركة، ولا يبقى ينظر إليها كأنها انتخابات من الدرجة الثانية، مثلما يلاحظ اليوم حول مجرياتها.

سارت محليات 27 نوفمبر 2021 تقريبا على نفس منوال سابقتها لسنة 2017، حيث سجل عدم اهتمام واضح لدى الناخبين بالمجالس الولائية مقارنة بالمجالس البلدية، وقد ظهر ذلك جليا في نسب المشاركة في الاقتراع بين البلدي (نسبة المشاركة 36.58 بالمائة) بعدما كانت (46.83 بالمائة) في 2017 و(34.76 بالمائة) في الولائي بعدما كانت (44.96 بالمائة) في انتخابات 2017. هذه الفوارق تظهر أن المواطن لا يرى أهمية تذكر من تواجد المجالس المنتخبة الولائية، مقارنة بالمجلس البلدي الذي تربطه به علاقة يومية مباشرة، رغم أن الواقع يشير إلى أن المجلس الولائي الذي يعد بمثابة “البرلمان الولائي” مهمته مراقبة رأس الهيئة التنفيذية في الولاية (الوالي) ويصادق على برامج التنمية الموزعة على البلديات.

هذه المعاينة تدفع لطرح سؤال عن دور المنتخبين وصلاحياتهم في المجالس الولائية، هل هم امتداد للمنتخبين المحليين في المجالس البلدية يتحسسون انشغالاتهم ويدافعون عنها؟ أم أنهم مجرد أداة في يد الولاة يستعملونها كرجل إطفاء ليس إلا؟ من جهة أخرى، إذا كان المواطنون لا يظهرون اهتماما باقتراع المجالس الولائية مقارنة بالأميار، فإن الولاة عكس ذلك تماما، يحرصون على متابعة كل صغيرة وكبيرة حول تركيبة هذه المجالس خلال ترشيحات الأحزاب لممثليها وأثناءها وحتى بعد فرز النتائج، من باب أن هؤلاء المنتخبين سيكونون على علاقة مباشرة مع الوالي، سواء ما تعلق بالميزانية أو بالحصيلة.

وما يلاحظ في هذا الإطار، أنه نادرا ما يحدث “تصادم” بين المجالس الولائية وبين الولاة، عكس ما هو حاصل بين المجالس البلدية (الأميار) الذين يصطدمون مع الولاة، ومع رؤساء الدوائر في الكثير من القضايا، مما يكشف من جهة لماذا الولاة حريصون على المجالس الولائية أكثر من حرصهم على المجالس البلدية. ومن الجهة المقابلة لماذا الناخبون لا يقبلون على انتخابات المجالس الولائية مقارنة بالمجالس البلدية. وهذا يطرح سؤال هل تقوم المجالس الولائية حقا بدور مراقبة الهيئة التنفيذية الولائية وتمارس صلاحية الحساب؟ أم أنها تسير بما تشتهيه سفينة الولاة؟

على صعيد متصل، بيّنت نتائج الانتخابات المحلية التي قرأها محمد شرفي أن هناك دورا ثانيا لهذه الانتخابات محدد بموعد تنصيب رؤساء البلديات والمجالس الولائية، حيث بدأت تنقلب فيها تلك النتائج رأسا على عقب بفعل ما يسمى “التجوال السياسي”، ما يعني أنه بين تاريخ إعلان النتائج المحلية وبين موعد تنصيب الأميار ورؤساء المجالس الولائية الجدد، حدث دور انتخابي ثاني بطله المنتخبون أنفسهم، فمنهم من غيّر ” قبّعته ” السياسية واللحاق بحزب آخر، سواء عن ” قناعة” أو بموجب “صفقات سرية”، ومنهم من اضطر للاستسلام لضغوط الولاة ورؤساء الدوائر للالتحاق بالأغلبية الجديدة. وفي سؤال حول ما إذا كان هناك مخاوف من فقدان “الأفالان” المركز الأول في مجلس الأمة، أفاد بعجي أن “عشرات المقاعد من القوائم الحرة التي ستلتحق بحزب جبهة التحرير الوطني، وبالتالي قد “نكون أكثر من حيث المقاعد بعد شهر ومنه يمكننا المحافظة على مركزنا”، يقول المتحدث.

هذا يعني أن عملية اصطياد المنتخبين، سواء الأحرار أو من الأحزاب الصغيرة وإلحاقهم بمنتخبي الأحزاب التقليدية، وراءه “ضغوط” وليس حالات معزولة استجابة لـ”حسابات” سترتّب مستقبلا تركيبة مجلس الأمة عند عملية تجديده النصفي المقبلة.

والغريب في الأمر، أن السعي لتغيير “القبعة السياسية” للمنتخبين المحليين يراد من ورائه في نهاية المطاف عدم تحقيق ما يسمى بـ”التداول” على السلطة في الجماعات الإقليمية للدولة، وهي البلدية والولاية، ما يعني أن بعض الأحزاب تحقّق بالإرادة ما لم تنتزعه بالانتخابات.