بدأت محاكمة الرئيس السابق دونالد ترمب في مجلس الشيوخ الأميركي، لكن الأجواء لم تخل من قدر كبير من الارتباك حول تساؤلات جوهرية. يزعم المحامون في فريق الدفاع عن ترمب أن مجلس الشيوخ ليس مخولا بعقد أي محاكمات على الإطلاق. إذ ينص الدستور على أن “الرئيس… يُـعـزَل من منصبه على أساس توجيه الاتهام إليه، وإدانته، بارتكاب جريمة الخيانة العظمى، أو الرشوة، أو غير ذلك من الجرائم والمخالفات الكبرى”. ويزعم محامو ترمب أنه من غير الممكن عزله من منصب لم يعد يشغله.

لكن الدستور ينص أيضا على أن “الحكم في قضايا العزل لا يمتد إلى ما هو أبعد من الإبعاد من المنصب، وانتزاع الأهلية لتولي أي منصب شرفي، أو مسؤولية، أو تحقيق الربح داخل الولايات المتحدة”. ويلاحظ القائمون على إجراءات العزل (الذين يعملون كمدعي عموم في محاكمة مجلس الشيوخ) أن التجريد من الأهلية لا ينطبق إلا على شاغل منصب سابق.

السبب هو أن الإبعاد من المنصب يحدث تلقائيا بمجرد الإدانة من قِـبَـل مجلس الشيوخ، في حين أن التجريد من الأهلية يتطلب تصويتا إضافيا على مصير شاغل المنصب السابق الآن. الواقع أن الشخص الذي يخضع لإجراءات العزل ويُـبعَـد من المنصب يصبح غير شاغل للمنصب، ومع ذلك يظل مجلس الشيوخ مخولا لإجراء التصويت على تجريده من الأهلية.

ولأن مجلس النواب صوت لبدء إجراءات عزل ترمب أثناء توليه منصب الرئاسة، فمن غير الممكن أن ينشأ أي قدر معقول من الشك حول شرعية محاكمته أمام مجلس الشيوخ. تخيل قانونا ينص على أن ضابط الشرطة الذي يتبين أنه أساء استخدام سلطته يمكن فصله ومنعه من إعادة شغل وظيفته. سيكون من العجيب أن يتمكن ذلك الشرطي من التهرب من عقوبة التجريد من الأهلية بمجرد الاستقالة ــ فلا يصبح بهذا ضابط شرطة ــ بعد بدء إجراءات إنهاء الخدمة ولكن قبل اكتمالها. الاختلاف الوحيد مع ترمب هو أن فترة ولايته انتهت.

هذا تفسير غير سوي للغة الدستور. وكما هي الحال على الدوام تقريبا، لا توفر المناقشات التي دارت في حقبة التأسيس والممارسة التاريخية سوى القليل من الإرشاد الإضافي. وفي حين أن الانصياع للنص التأسيسي أمر لازم وفقا لقواعد السلوك في أيامنا هذه، فإن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت المحاكمة أمام مجلس الشيوخ التي تؤدي إلى انتزاع أهلية الرئيس السابق الذي بدأ مجلس النواب إجراءات اتهامه وعزله أثناء وجوده في منصبه لتلحق الضرر بالنظام الدستوري في الولايات المتحدة.

من الصعب أن نرى كيف يمكن ذلك. فسواء كان موضوع المحاكمة رئيسا أو رئيسا سابقا، تتطلب الإدانة موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين (بعد موافقة أغلبية في مجلس النواب على بنود إجراءات العزل). وهذه العتبة عالية إلى الحد الذي يجعل من المستحيل الوصول إليها إلا في حالة سوء سلوك رئاسي فاضح.

هل يُـعَـد “التحريض على التمرد” فعلا فاضحا بالقدر الكافي؟ من المؤسف أنه ليس كذلك في ظل الظروف السياسية الحالية. الواقع أن أفضل فهم لإجراءات العزل يتلخص في كونها عقوبة سياسية لن تُـفـرَض إلا إذا توفر الدعم السياسي الكافي لإبعاد رئيس، أو كما في حالتنا هذه تجريد رئيس سابق من أهليته لشغل أي منصب رسمي في المستقبل. وعلى الرغم من هجوم السادس من يناير/كانون الثاني على مبنى الكونجرس الأميركي في كابيتول هِـل، يظل الأميركيون منقسمين بشأن ترمب.

يتعين على أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين أن يزِنـوا الخطر المتمثل في خسارة الأصوات لصالح المنافسين في انتخابات الحزب التمهيدية إذا صوتوا لصالح إدانة ترمب في مقابل الخطر المتمثل في خسارة دعم المعتدلين في الانتخابات العامة إذا صوتوا لتبرئته. ولأن أغلب الولايات المحافظة سترسل الجمهوريين إلى مجلس الشيوخ، فسوف يكون معظم أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين أكثر تحفظا إزاء التحديات الأولية وأكثر ميلا إلى التصويت ضد الإدانة.

الواقع أن أعضاء مجلس الشيوخ هؤلاء يفضلون عدم الإدلاء بأصواتهم على الإطلاق ــ وعدم تشويه سمعتهم في الانتخابات العامة ــ ولهذا السبب فضل جميع الجمهوريين باستثناء ستة فقط التصويت بأن مجلس الشيوخ يفتقر إلى الولاية القضائية اللازمة لمحاكمة ترمب. لكن الديمقراطيين ربما أسدوهم صنيعا بالمبالغة في أمر آخر: من خلال الزعم في بند إجراءات العزل الوحيد أن ترمب حَـرَّضَ على تمرد.

في كل من اللغة العادية والمصطلحات القانونية، يعني التمرد انتفاضة ضد الحكومة. ويزعم مديرو مجلس النواب أن ترمب حرض الغوغاء على إسقاط الحكومة. من الناحية الفنية، ربما نعتبر تصرف الغوغاء تمردا، حتى برغم أن ترمب في ذلك الوقت كان رئيس الحكومة التي سعى فرضا إلى الإطاحة بها.

في أقل تقدير، كان بعض أفراد من الغوغاء يأملون في قتل، أو اختطاف، أو ترهيب أعضاء الكونجرس ومنع الكونجرس (على نحو أو آخر) من التصديق على نتائج الانتخابات. تتلخص الحجة هنا في أن ترمب لم يشعل شرارة مسيرة الغوغاء إلى مبنى الكونجرس وحسب، بل توقع أيضا مثل هذه النتيجة وتسبب في إحداثها عامدا متعمدا. وعندما بدأ العنف، لم يبذل إلا أقل القليل من الجهد لوقفه.

ربما، ولكن القراءة الأفضل للأحداث هي أن سلوك ترمب جاء متوافقا مع طبيعته. وفقا لمعايير الرؤساء الأميركيين السابقين وكل الساسة الأميركيين تقريبا، كان ترمب متهورا إلى حد غير عادي في الإصرار لمدة شهرين على أن الانتخابات سُـرِقَـت ثم في استخدام لغة تحريضية في مخاطبة الحشد الذي تجمع للاحتجاج على نتائج الانتخابات.

لكنه لم يطلب من الجمهور المحتشد بشكل مباشر الانخراط في أعمال عنف، ولا يوجد دليل يشير إلى أنه توقع أن يفعلوا ذلك. لابد أن ترمب، مثله في ذلك كمثل أي شخص آخر، توقع أن تعمل قوات الشرطة على إبقاء الحشد تحت السيطرة، ولم يتوقع منهم غزو مبنى الكونجرس (وهو أمر لم يحدث منذ حرب 1812، عندما احتلت قوات بريطانية واشنطن).

علاوة على ذلك، لو كان ترمب مواطنا عاديا، فإن خطابه في الحشد كان ليخضع لحماية التعديل الأول للدستور الأميركي. وحتى لو كان دعا إلى الثورة، فإن هذا لا يُـعَـد تصرفا غير قانوني، ما دام لم يصدر توجيهاته إلى الحشد بالانخراط في أعمال عنف “جائرة”.

يزعم محامو ترمب أن التعديل الأول يحمي الرئيس بصفته الرسمية أيضا. ولكن لم يفكر أحد قط في احتمال أن يحرض رئيس الدولة المواطنين الأميركيين على مهاجمة الكونجرس. من الواضح أن الرئيس الذي يتمتع بقدر هائل من النفوذ والقدرة يفرض خطرا أكبر كثيرا على النظام العام إذا صرح بأكاذيب وتعمد إثارة الغضب مقارنة بخطيب مهيج يقف على جذع شجرة ويدعو إلى الثورة.

لكن الادعاء بأن ترمب حَـرَّضَ بالفعل على التمرد لا يخلو من مبالغة، وسوف يزعم أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون الذين يسعون إلى تبرير تبرئته أن أيا كان ما فعله فهو لم يكن تمردا. السبب الحقيقي لتجريد ترمب من أهليته لشغل المناصب الرسمية هو أنه يشكل تهديدا حقيقيا للمؤسسات الأميركية وأن سلوكياته المتهورة المهووسة بالسلطة كادت تقوض الانتخابات ومن المنتظر أن يظل الأذى الذي أحدثته باقيا لسنوات قادمة. يجب أن يُـقـال هذا بوضوح، ثُـم يُـتـرَك الأمر لمديري مجلس النواب لإقناع الجمهوريين في مجلس الشيوخ ــ والأهم من ذلك، المواطنين الذين قد يصوتون لصالحهم ــ بأن هذا الرجل لا ينبغي السماح له أبدا بالترشح لأي منصب رسمي مرة أخرى.

ترجمة: إبراهيم محمد علي            Translated by: Ibrahim M. Ali